مدخل
لا يُقاس إصلاح الدولة فقط بإعادة هيكلة الوزارات، أو تعديل القوانين، أو استحداث مؤسسات جديدة، ولا بعدد الخدمات التي جرت أتمتتها. يتحدد جانب مهم من كفاءة الدولة في المساحة اليومية التي يلتقي فيها المواطن بالمؤسسة العامة: حين يسجل ولادة أو زواجاً أو وفاة، أو يستخرج وثيقة، أو يثبت واقعة أمام محكمة، أو يصحح قيداً، أو ينقل معلومة بين جهتين حكوميتين. هذه التفاصيل تبدو إدارية وصغيرة قياساً إلى ملفات إعادة بناء الدولة الكبرى، لكنها تمس حياة الناس بصورة مباشرة، ومن خلالها تتشكل خبرتهم اليومية مع القانون والإدارة، وقدرتهم على الوصول إلى حقوقهم، وجزء من ثقتهم بالمؤسسات العامة.
ويظهر ذلك بوضوح في منظومة الشؤون المدنية والأحوال الشخصية وما يرتبط بها من محاكم وجهات حكومية أخرى. فالواقعة الواحدة قد تبدأ في جهة وتنتهي في أخرى، وقد يحتاج المواطن خلالها إلى مراجعة السجل المدني ومحكمة مختصة أو وزارة أو جهة تصديق أو بريد أو هجرة وجوازات بحسب طبيعة المعاملة. ولذلك فإن المشكلة لا تتعلق بمديرية بعينها ولا بأداء موظفيها، بقدر ما تتعلق بتصميم المنظومة وطريقة انتقال المعلومة والوثيقة والقرار داخل الدولة.
غالباً ما يجري التعامل مع الازدحام وضغط المراجعين بوصفهما مشكلة في القدرة الاستيعابية: نحتاج عدداً أكبر من الموظفين، أو شبابيك إضافية، أو صالات أوسع، أو نظام حجز أفضل، أو منصة إلكترونية. وقد تكون بعض هذه الحلول ضرورية، لكن البدء بها يفترض مسبقاً أن عدد المراجعات وحجم الإجراءات القائمة أمر لا يمكن تغييره، وأن المطلوب فقط تمكين الإدارة من استيعابه بصورة أفضل. بينما يفترض الإصلاح سؤالاً أسبق: كم من هذه المراجعات كان ضرورياً من الأصل؟ وكم من الوثائق والصور والتصديقات والتواقيع التي ينتج عنها الازدحام تحقق غرضاً قانونياً أو رقابياً لا يمكن تحقيقه بطريقة أقل كلفة؟
المشكلة إذن لا تقتصر على نقص الموارد. فجزء من العبء الذي تعاني منه الإدارة السورية ينتج عن تراكم ثلاثة أمور مترابطة: تضخم المتطلبات والإجراءات؛ وتجزؤ المعلومات والصلاحيات بين مؤسسات الدولة؛ وطريقة في الإثبات والرقابة تحمّل المواطن جزءاً كبيراً من عبء التحقق من المعلومة ونقلها بين الجهات، حتى عندما تكون الدولة قد سجلتها أو تستطيع الوصول إليها بنفسها.
من هنا، لا ينبغي اختزال تبسيط الإجراءات بمشروع لتحسين “تجربة المواطن”، بل النظر إليه كمدخل لإعادة التفكير في كيفية اشتغال الدولة نفسها. ويبدأ ذلك من تقليل المتطلبات التي لا تضيف حماية فعلية، وتمكين مؤسسات الدولة من تبادل المعلومات بدلاً من مطالبة المواطن بنقلها بينها، واعتماد المسؤولية القانونية والإقرار في الحالات التي تسمح بذلك، مع تحويل الرقابة من التحقق الشامل من الجميع إلى تحقق يتناسب مع طبيعة المخاطر. ولا يعني ذلك إضعاف الضمانات القانونية أو التساهل مع التزوير. على العكس، قد يسمح بتحويل موارد الدولة من تدقيق شكلي يطال ملايين المعاملات إلى رقابة أكثر تركيزاً على الحالات التي تستدعي فعلاً التحقق المشدد.
الأهم أن جزءاً كبيراً من هذا التحول لا ينتظر تمويلاً ضخماً بقدر ما يحتاج إلى إرادة في تغيير المقاربة، وإدارة قادرة على مراجعة ما تراكم من ممارسات وإعادة تصميم الإجراء من بدايته إلى نهايته.
بهذا المعنى، يصبح تبسيط الإجراءات مدخلاً عملياً لتحديد نوع الإصلاح المطلوب: ما يحتاج تعديلاً قانونياً، وما يمكن تغييره إدارياً، وما يتطلب توحيداً للمتطلبات أو ربطاً بين المؤسسات. ومن هنا يأتي ترتيب الأولويات: نفهم الإجراء ونبسطه، نوحده ونعدل ما يلزم، نربط الجهات المعنية، ثم نُرقمن ما بقي ضرورياً.
لماذا تمس هذه المسألة سوريا اليوم بصورة خاصة؟
تعطي الشؤون المدنية مثالاً واضحاً على حجم المسألة، ولكنها لا تختصرها. فالسجل المدني أحد السجلات السيادية الأساسية للدولة، ومن الوقائع التي تثبت فيه تتفرع حقوق ومسارات إدارية وقضائية أخرى مرتبطة بالهوية والزواج والنسب والإرث والسفر والتعليم والملكية والإقامة وغيرها. أي خلل أو تأخير في نقطة واحدة قد ينتقل أثره إلى عدة مؤسسات.
وتكتسب هذه المسألة وزناً إضافياً في الحالة السورية بعد سنوات طويلة من النزوح واللجوء وتفرق العائلات بين دول وأنظمة قانونية مختلفة، وما ترتب على ذلك من ولادات وزيجات ووفيات ووقائع مدنية حدثت خارج البلاد، ووثائق فقدت أو تعذر تسجيلها في وقتها. ومع حركة العودة الواسعة منذ نهاية عام 2024، ازداد الطلب بطبيعة الحال على تثبيت الوقائع واستعادة الوثائق وتصحيح البيانات وتسوية الأوضاع القانونية. وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عودة أكثر من 1.6 مليون لاجئ إلى سوريا حتى نهاية نيسان/أبريل 2026، بالتوازي مع عودة نحو 1.9 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم.([1])
هذه الأرقام تعني أن أي متطلب إداري زائد لا ينبغي حساب كلفته على معاملة واحدة. فإذا احتاج مئات آلاف المواطنين إلى زيارة إضافية، أو وثيقة إضافية، أو انتقال بين مدينتين للحصول على تصديق، فإننا لا نتحدث عن إزعاج فردي؛ بل عن ملايين ساعات العمل، وكلفة نقل، وازدحام في المؤسسات، واحتياج إضافي للموظفين والأرشفة والمكاتب، إضافة إلى ما ينشأ حول التعقيد من وسطاء وسماسرة يجد المواطن نفسه مضطراً إليهم عندما يصبح فهم الإجراء أو إنجازه أصعب مما ينبغي.
من هنا ينبغي إدخال كلفة الوقت والامتثال في حساب كفاءة الدولة. فالدولة لا تتحمل فقط راتب الموظف أو تكلفة الورقة؛ المواطن يتحمل أيضاً وقتاً ونقلاً وتعطيلاً عن العمل، وهذه جميعها كلفة اقتصادية واجتماعية حتى لو لم تظهر في موازنة الوزارة.
وفي أدبيات إصلاح الإدارة، لا يعني تبسيط الإجراءات اختصار النماذج فقط، بل خفض الكلفة التي تفرضها الإجراءات نفسها على المواطن والمؤسسة: تكرار طلب المعلومات، والتوثيقات التي لا تضيف حماية فعلية، وضعف التنسيق بين الجهات. وتلفت دراسات OECD وSIGMA أيضاً إلى أن التعقيد لا يأتي دائماً من القانون، بل قد ينشأ من طريقة تفسيره وتطبيقه وما يضاف إليه من متطلبات ونماذج.([2])
من إدارة الضبط إلى إدارة الخدمة
لا يمكن فصل المشكلة عن الموروث الإداري السوري الأوسع. فعلى مدى عقود، تشكلت الإدارة العامة في ظل مركزية شديدة، وتعدد في حلقات الموافقة والرقابة، واحتفاظ المؤسسات بأجزاء متفرقة من المعلومة والصلاحية. وسواء نشأت هذه الممارسات بهدف زيادة الضبط أو تراكمت باعتبارها احتياطات إدارية، فقد أدت إلى تعدد الجهات، وغموض المسؤولية، واتساع المسافة بين النص والتطبيق، وتحمل المواطن كلفة التنسيق بين أجزاء المنظومة.
تستدعي مرحلة ما بعد الحرب إدارة أكثر رشاقة، خصوصاً مع محدودية الموارد وضخامة الاحتياجات. وليس المقصود انسحاب الدولة من مسؤولياتها، بل أن تعرف ما الذي يتطلب تدخلها المباشر، وما يكفي فيه التنظيم والرقابة والمساءلة. فقوة الدولة لا تقاس بعدد الخطوات التي تتدخل فيها، بل بقدرتها على ضبط ما هو ضروري بفاعلية.
بين ما يطلبه القانون وما اعتادت الإدارة على طلبه
من أكثر الإجابات حضوراً عند مناقشة أي إجراء قائم: «القانون يطلب ذلك». وفي جزء من الحالات يكون الأمر صحيحاً، ولا سيما عندما يتعلق الإجراء بضمان حقوق متعارضة أو بمسائل حساسة كالنسب والجنسية والملكية والإرث. لا يجوز باسم التبسيط إضعاف الضمانات التي تحمي حقوق الناس. لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط داخل الممارسة مستويات مختلفة: النص التشريعي، واللائحة أو القرار التنفيذي، والتعميم الإداري، والتعليمات الداخلية، والاجتهاد في التطبيق، ثم الممارسة التي تكررت لسنوات حتى استقرت في ذهن الموظف والمواطن وكأنها جزء من القانون نفسه.
وقد يكون المشرع قد فرض إثبات واقعة معينة، بينما تكون كيفية الإثبات وعدد الصور أو التصديقات أو مكان تقديم الطلب قد تحددت لاحقاً في التعليمات أو بالممارسة. وبعد سنوات يصبح من الصعب التمييز بين الغاية التي أراد القانون حمايتها وبين الإجراء الذي اختارته الإدارة في مرحلة معينة لتحقيق تلك الغاية.
ولدينا مثال سوري حديث يوضح ذلك. ففي شباط/فبراير 2026 سمحت وزارة العدل بإقامة دعاوى تصحيح قيود الأحوال المدنية أمام محاكم الصلح المدنية داخل منطقة القيد الأصلي أو خارجها، بدلاً من تقييد المواطن بمحكمة منطقة القيد. لم تُلغَ الحاجة إلى القضاء في الحالات التي يوجب القانون عرضها عليه، ولم تُخفَّض الضمانة القانونية؛ الذي تغير هو طريقة الوصول إلى المحكمة المختصة والقيد المكاني الذي كان يزيد العبء على المواطن.([3])
هذا المثال مهم لأنه يوضح الفرق بين تخفيف الضمانة القانونية وتبسيط الطريق إليها. كما يكشف أن بعض ما يُنظر إليه باعتباره جزءاً ثابتاً من النظام قد يكون في الحقيقة نتيجة تعليمات أو تفسير أو ترتيب إداري يمكن مراجعته دون المساس بالحق الذي يحميه القانون.
لذلك فإن الخطوة الأولى في أي برنامج جدي للتبسيط يجب أن تكون تدقيقاً قانونياً وإجرائياً للخدمات الأكثر استخداماً: ما الذي يفرضه القانون صراحة؟ وما الذي تقرره اللوائح؟ وما الذي جاء بتعميم؟ وما الذي لا يستند إلا إلى عرف إداري أو احتياط أضيف مع الزمن؟
والقاعدة التي أقترحها هنا بسيطة: لا متطلب بلا مبرر.
فليس السؤال فقط هل تملك الإدارة صلاحية طلب ورقة معينة، بل لماذا تطلبها؟ ما الخطر الذي تمنعه؟ وهل لا تزال تحقق الغاية التي استُحدثت من أجلها؟ وهل توجد اليوم وسيلة أبسط تحقق المستوى نفسه من الحماية؟ وإذا كانت المعلومة موجودة لدى مؤسسة حكومية أخرى، فلماذا يُطلب من المواطن أن يستخرجها منها ليعيد تقديمها إلى الدولة؟
هذا التحول في السؤال مهم. بدلاً من أن يقع عبء الإثبات دائماً على من يقترح حذف الإجراء، يصبح على الإدارة أن تستطيع تبرير استمرار العبء الذي تفرضه. وهذه المراجعة لا تهدف فقط إلى حذف المتطلبات، بل إلى تحديد طبيعة الإصلاح المطلوب. فإذا كان مصدر التعقيد نصاً قانونياً فالمعالجة تشريعية، وإذا كان قراراً أو تعميماً فالمعالجة إدارية، وإذا نتج عن تكرار طلب المعلومة بين مؤسستين فالمشكلة في توزيع الاختصاص وتبادل البيانات. أما اختلاف التطبيق بين المحافظات أو الموظفين فيستدعي توحيد المعايير. وبذلك يصبح فحص الإجراء وسيلة لترتيب أولويات الإصلاح، لا مجرد تخفيف عدد الأوراق.
المواطن ليس ناقل البيانات بين مؤسسات الدولة
تصل المسألة هنا إلى مستوى أعمق من حذف ورقة أو توقيع. فكثير من التعقيد الذي يواجهه المواطن ينتج عن تجزؤ البيانات والإجراءات بين مؤسسات الدولة. كل مؤسسة تنظر إلى المعلومة الموجودة لديها باعتبارها جزءاً من نظامها الخاص، ثم تطلب مؤسسة أخرى من المواطن إحضارها. فيتحول المواطن عملياً إلى وسيلة الربط بين أجهزة الدولة.
توجد في تجارب إدارية مختلفة قاعدة معروفة باسم مبدأ «مرة واحدة فقط»: إذا قدم المواطن معلومة موثوقة إلى الدولة، فلا ينبغي أن تستمر مؤسساتها في طلب المعلومة نفسها منه متى أمكن الحصول عليها من مصدرها الحكومي. وقد أصبح هذا المبدأ جزءاً من تطوير الخدمات العامة في الاتحاد الأوروبي، حيث يفترض أن تتبادل المؤسسات البيانات التي تملكها، ضمن الضوابط القانونية وحماية الخصوصية، بدلاً من إعادة تحميل المواطن عبء تقديمها.([4])
ويظهر المبدأ بصور مختلفة في تجارب عملية؛ ففي بريطانيا تسمح خدمة Tell Us Once، عند تسجيل الوفاة، بإبلاغ جهات حكومية متعددة من خلال مسار واحد، فيما طورت إستونيا بنية لتبادل البيانات بين السجلات الحكومية. وليس المقصود استنساخ هذه النماذج، بل الأخذ بالقاعدة التي تجمعها: تعقيد الدولة الداخلي لا ينبغي أن يتحمله المواطن.([5]) و([6])
وهنا يظهر أيضاً المعنى الحقيقي لـ«النافذة الواحدة». النافذة الواحدة ليست أن يُجمع عشرة موظفين في بناء واحد ثم يبقى المواطن مطالباً بالمرور عليهم جميعاً. جوهرها أن يقدم صاحب المعاملة طلبه من نقطة واحدة، بينما تتحمل الدولة ما يجري خلف النافذة من تنسيق وتحقق وتبادل للمعلومات.
ماذا نفعل بمشكلة التزوير؟
يبقى الاعتراض الأكثر جدية على أي انتقال نحو التبسيط والثقة: الواقع السوري نفسه. فهناك تزوير، وهناك سجلات فُقدت أو تضررت خلال سنوات الحرب، ووثائق صدرت في ظروف مؤسسية مختلفة، ووقائع مدنية حدثت في عشرات البلدان، وإمكانية التحقق من الوثائق الأجنبية تختلف من دولة إلى أخرى. لذلك لا يصح بناء الإصلاح على تصور مثالي يفترض صحة كل وثيقة أو تصريح.
لكن وجود التزوير لا يجيب وحده عن السؤال الثاني: هل الوسيلة الأكثر فعالية لمواجهته هي إخضاع جميع المواطنين وجميع المعاملات وجميع الوثائق لأعلى مستوى من التحقق المسبق؟
هنا يمكن الاستفادة من مفهوم الرقابة القائمة على المخاطر، الذي يقوم على توجيه مستوى الرقابة والموارد بحسب احتمال الخطر وحجم الأثر المحتمل، بدلاً من توزيع التدقيق بالتساوي على الحالات كلها.([7])
وتطبيق هذا المنطق في سوريا لا يعني تصنيف المواطنين إلى فئات موثوقة وغير موثوقة، ولا تصنيف البشر على أساس البلد الذي عاشوا فيه أو المنطقة التي جاؤوا منها. المطلوب هو تصنيف المخاطر المتعلقة بالمعاملة والوثيقة وإمكانية التحقق منها.
يمكن بناء التقييم، مثلاً، على أربعة عناصر: الأثر القانوني المترتب على الواقعة؛ وإمكانية التحقق من مصدر الوثيقة؛ واتساق البيانات المقدمة مع السجلات الموجودة؛ ووجود مؤشرات استثنائية أو تناقضات تستدعي الفحص.
بناء على ذلك، لا ينبغي أن تخضع معاملة بسيطة متوافقة مع سجل موجود للمستوى نفسه من التحقيق الذي تخضع له واقعة يمكن أن تغير نسباً أو جنسية أو حقاً في إرث أو ملكية أو حقوق طرف ثالث.
وينطبق الأمر نفسه على الوثائق الصادرة في الخارج. فليس من المنطقي وضع وثيقة صادرة عن جهة يمكن الوصول إلى سجلها الرسمي والتحقق منها إلكترونياً في المستوى نفسه مع وثيقة صادرة عن جهة يتعذر الوصول إلى سجلاتها أو توجد مشكلات موثقة في سلامة نظام إصدارها.
الأجدى هو اعتماد درجات مختلفة من التحقق: معاملات ووثائق منخفضة المخاطر يمكن قبولها بالإجراءات المبسطة؛ حالات تحتاج تحققاً لاحقاً أو تدقيقاً بالعينة؛ وحالات مرتفعة المخاطر تحتاج إلى إثبات وتحقق مسبق أكثر تشدداً. بهذه الطريقة لا تتخلى الدولة عن الرقابة، بل تتوقف عن توزيعها بصورة عمياء. وهذا قد يرفع قدرتها على مكافحة التزوير بدلاً من تخفيضها. فالموظف الذي يستهلك ساعات يومه في التأكد من اكتمال سلسلة أختام في معاملات عادية لا يستطيع تخصيص الوقت نفسه لفحص الحالة التي تحمل مؤشرات حقيقية على التلاعب.
ويجب أن يقترن التبسيط في الوقت نفسه بمسؤولية واضحة على المواطن. ففي المجالات منخفضة المخاطر يمكن توسيع الاعتماد على التصريح أو الإقرار بالوقائع التي يسمح القانون بذلك فيها، مقابل مسؤولية قانونية فعلية وعقوبات رادعة عندما يثبت تعمد تقديم معلومات أو وثائق كاذبة. الفكرة ليست إلغاء المسؤولية، وإنما نقل جزء من النظام من الإثبات المسبق المكلف للجميع إلى المسؤولية والمحاسبة عند المخالفة.
التبسيط قبل الرقمنة والإنفاق
من المهم هنا ألا نخلط بين تبسيط الإدارة ورقمنتها. الرقمنة ضرورية لتطوير دولة حديثة، لكنها لا تعالج تلقائياً سوء تصميم الإجراء. فإذا كان المواطن يحتاج في المعاملة الورقية إلى عشر وثائق وخمس موافقات، ثم أنشأنا منصة تطلب منه رفع الوثائق العشر بصيغة إلكترونية وتنتظر الموافقات الخمس نفسها، فنحن نكون قد وفرنا بعض الحركة، لكننا حافظنا على أصل المشكلة. الخطأ هنا هو رقمنة البيروقراطية بدلاً من إصلاحها. ولهذا تؤكد الأدبيات الحديثة في تبسيط الإجراءات على مراجعة العملية نفسها قبل أو بالتوازي مع إدخال الأدوات الرقمية. وتذكر OECD صراحة أن الحكومات ينبغي أن تبسط الإجراءات أولاً، ثم تستخدم التكنولوجيا ومبدأ «مرة واحدة» وغيرها من الأدوات لزيادة أثر التبسيط.([8]) وقد سارت البرتغال في برنامج SIMPLEX في هذا الاتجاه؛ فلم يكن البرنامج مجرد مشروع رقمنة، بل مساراً مستمراً لمراجعة الخدمات والإجراءات، وحذف ما يمكن حذفه أو دمجه، ثم استخدام التكنولوجيا في الإجراء بعد إعادة تصميمه.([9])
والأولوية هنا واضحة: نبسط، ثم نُوحّد، ثم نُربط، ثم نُرقمن.ولا يعني ذلك الانتظار في كل مرحلة حتى تكتمل التي قبلها بصورة مطلقة؛ يمكن أن تسير المسارات بالتوازي. لكن لا ينبغي شراء الحل التقني قبل تحديد المشكلة الإدارية التي يفترض أن يحلها. وهذا الترتيب ليس تقنياً فقط، بل هو أيضاً ترتيب لأولويات الإصلاح. التبسيط يكشف المشكلة، والتوحيد يُعالج تضارب القواعد والممارسات، والتعديل القانوني أو الإداري يعالج ما لا يمكن إصلاحه داخل الإجراء القائم، والربط يعالج تجزؤ الدولة داخلياً، ثم تأتي الرقمنة لتثبيت الإجراء الجديد وتسريعه. أما البدء بالرقمنة، قبل المرور بهذه الأسئلة، فقد ينتهي إلى تثبيت المشكلة القديمة داخل نظام إلكتروني أكثر كلفة.
قد يكون من السهل وضع هذه الأفكار ضمن قائمة المشاريع التي تحتاج إلى تمويل دولي: منصة جديدة، مركز خدمة جديد، تجهيزات، أجهزة، وشركة استشارية. وبعض ذلك سيكون مطلوباً في المراحل المتقدمة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بربط قواعد البيانات وتأمينها وحماية الخصوصية وبناء بنية رقمية موحدة.
لكن هذه ليست نقطة البداية، فإلغاء صورة لا ضرورة لها لا يحتاج تمويلاً. توحيد تعليمات متعارضة لا يحتاج قرضاً. تعديل مدة صلاحية وثيقة لا تتغير بياناتها لا يحتاج منصة. وتمكين جهة حكومية من التحقق من معلومة لدى جهة حكومية أخرى بدلاً من إرسال المواطن بينهما يمكن أن يبدأ بإجراء تنظيمي قبل أن يتحول لاحقاً إلى ربط آلي.
لذلك فإن جزءاً مهماً من إصلاح الإجراءات في سوريا هو في الأصل مسألة إدارة، بل قد توفر هذه الإصلاحات المال بدلاً من استهلاكه: عدد أقل من الزيارات يعني ضغطاً أقل على المباني والموظفين، وطباعة وأرشفة أقل، وحاجة أقل إلى زيادة أعداد العاملين لمواجهة معاملات كان يمكن منعها من الأصل. وهنا تصبح المسألة جزءاً من سؤال بناء الدولة نفسه. فالهدف ليس دولة «تطلب أقل» لمجرد التخفيف عن المواطنين، بل دولة تستطيع أن تنجز الوظيفة نفسها بموارد أقل وبدرجة ضبط أعلى.
من أين يبدأ برنامج التبسيط؟
لا تحتاج الحكومة إلى فتح جميع ملفات الإدارة العامة دفعة واحدة. الأكثر واقعية هو البدء بمجموعة من الخدمات ذات الاستخدام الكثيف والتي تتقاطع فيها جهات متعددة، ومن بينها منظومة الوقائع المدنية وما يرتبط بها من محاكم وجهات إدارية، ثم استخدام ما نتعلمه لتوسيع الإصلاح إلى قطاعات أخرى.
عملياً، يمكن البدء من أربعة أمور:
أولاً: مراجعة ما نطلبه من المواطن.: ابدأ بعشر أو عشرين معاملة كثيفة الاستخدام، وارسم مسار كل منها: الزيارات، الجهات، الوثائق، التواقيع، الزمن والكلفة. ثم ميز ما يفرضه القانون عما تفرضه التعليمات والممارسة، وحدد ما يمكن حذفه أو دمجه.
ثانياً: التفريق بحسب مستوى المخاطر: حدد ما يمكن قبوله ببيانات موجودة أو إقرار مسؤول، وما يحتاج تدقيقاً لاحقاً، وما يستوجب تحققاً مسبقاً. وينطبق ذلك على الوثائق الأجنبية وفق إمكانية التحقق من مصدرها وطبيعة الحق الذي يترتب عليها.
ثالثاً: نقل عبء التنسيق إلى الدولة: يصبح الأصل عدم طلب معلومة تملكها جهة حكومية أخرى، ويبدأ ذلك بقنوات تحقق مؤسسية ثم يتطور إلى الربط الرقمي.
رابعاً: قيادة مركزية وقياس النتيجة: فريق صغير بصلاحية عابرة للمؤسسات، ويقاس نجاحه بعدد الزيارات والوثائق التي ألغيت، وزمن المعاملة، ونسبة الخدمات التي أصبحت تنجز من نقطة واحدة.([10])
أما القوى البشرية التي تقل الحاجة إلى بعض وظائفها الروتينية، فلا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية الاستغناء. يمكن إعادة توجيه جزء منها إلى تدقيق الحالات المعقدة، وجودة البيانات، وخدمة المواطنين، وكشف الاحتيال، مع معالجة التضخم الوظيفي تدريجياً عبر إعادة التوزيع والتقاعد وعدم الإحلال عند عدم الحاجة.
الإرادة والإدارة
ليس أصعب ما في تبسيط الإجراءات تحديد الإجراء الزائد. كثير من المواطنين والموظفين يعرفونه أصلاً. وتكمُن الصعوبة في أن الإجراء، حين يستمر سنوات، ينتج منطقاً يحمي نفسه. فالخوف من المسؤولية قد يدفع إلى طلب وثائق إضافية، والاعتياد الإداري يجعل الإبقاء على الترتيب القائم أسهل من تجربة بديل، كما تبقى البيانات والصلاحيات في أحيان كثيرة محصورة داخل كل مؤسسة بحكم آليات العمل القائمة. وقد تنظر الجهة الرقابية إلى زيادة الإجراءات باعتبارها مزيداً من الضبط، حتى حين لا يكون هناك دليل على أنها تخفض المخاطر. لذلك يمكن أن يكون حذف توقيع واحد أصعب إدارياً من شراء برنامج حاسوبي جديد. وهنا تظهر أهمية الإرادة والإدارة معاً.
الإرادة المطلوبة هي قرار واضح بأن كلفة امتثال المواطن للإجراء الحكومي جزء من كلفة الإدارة نفسها، وأن تخفيفها لا يقل أهمية عن ضبط الإنفاق الحكومي أو تحسين إنتاجية الموظف.
أما الإدارة فتعني تحويل هذا القرار إلى عملية مستمرة: جهة تسأل لماذا يوجد الإجراء، وتقيس أثره، وتملك القدرة على تعديل ما يمكن تعديله ومتابعة ما يحتاج تعديلاً تشريعياً، وتمنع أن يعود التعقيد بعد سنتين تحت أسماء وتعليمات جديدة.
هذا التصور لا يضع مصلحة المواطن في مواجهة مصلحة الدولة. فالمؤسسة التي تختصر إجراءً لا ضرورة له توفر وقت المواطن ووقت موظفها معاً. والدولة التي تتبادل أجهزتها المعلومات تصبح أقدر على التحقق، لا أضعف. والتركيز على المعاملات عالية المخاطر يرفع جودة الرقابة بدلاً من تشتيتها.
الدولة القوية ليست التي تطلب أوراقاً أكثر، بل التي تحتاج أوراقاً أقل لأنها تعرف أكثر.
وبهذا المعنى، لا ينبغي أن ينظر إلى تبسيط الإجراءات بوصفه حملة مؤقتة لمواجهة ازدحام في مديرية أو محكمة، بل كأحد مداخل إعادة بناء الإدارة العامة السورية. يمكن أن تبدأ التجربة من الخدمات التي تمس أكبر عدد من الناس وتتداخل فيها جهات متعددة، ثم تمتد إلى السجل العقاري والتراخيص والتعليم والسجل التجاري والضرائب والبلديات وغيرها. فإعادة بناء الدولة لا تعني دائماً إضافة قانون أو مؤسسة أو وظيفة جديدة. جزء منها هو القدرة على مراجعة ما راكمته الإدارة نفسها، والتمييز بين الإجراء الذي يحمي حقاً والإجراء الذي استمر لأننا اعتدنا عليه.
والسؤال الذي يمكن أن يبدأ منه ذلك ليس معقداً: لماذا نطلب هذا أصلاً؟ لكن الإجابة عنه، ثم التصرف بناءً على الإجابة، تحتاج إلى إرادة وإدارة.
([1]) United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), Syria Operational Update – April 2026, 27 May 2026. https://data.unhcr.org/en/documents/details/122619
([2]) OECD/SIGMA, Service Design and Delivery in the European Neighbourhood Policy East Region: A Comparative Report on Designing and Delivering Administrative Services in Armenia, Azerbaijan, Georgia, Moldova and Ukraine, SIGMA Paper No. 64, OECD, 2022. https://one.oecd.org/document/GOV/SIGMA%282022%291/En/pdf
([3]) وزارة العدل السورية، التعميم رقم (11) لعام 2026 بشأن دعاوى تصحيح قيود الأحوال المدنية، 22 شباط/فبراير 2026؛ وانظر أيضاً: وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، «تسهيلات قضائية جديدة في دعاوى تصحيح القيود المدنية»، 22 شباط/فبراير 2026. https://sana.sy/locals/2410039/
([4]) European Commission, “The Once Only Principle System: A Breakthrough for the EU’s Digital Single Market,” Brussels, 5 November 2020.
([5]) UK Government, Tell Us Once, GOV.UK, accessed 23 August 2026.
https://www.gov.uk/after-a-death/organisations-you-need-to-contact-and-tell-us-once
([6]) Estonian Information System Authority (RIA), Data Exchange Layer X-tee, accessed 23 August 2026.
https://www.ria.ee/en/state-information-system/data-exchange-platforms/data-exchange-layer-x-tee
([7]) OECD, Smart Regulations, Strong Business: Enabling Growth and Societal Protection in a Fast-Changing World, OECD Publishing, Paris, 2026, ch. 4, especially pp. 75–80, doi: 10.1787/93d38770-en.
https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2026/06/smart-regulations-strong-business_435e39ce/93d38770-en.pdf
([8]) OECD, “Administrative Simplification,” OECD Public Governance, accessed 23 August 2026.
https://www.oecd.org/en/topics/sub-issues/administrative-simplification.html
([9]) OECD, “SIMPLEX,” Access to Public Research Data Toolkit, Case Study, 15 April 2025.
https://www.oecd.org/en/publications/access-to-public-research-data-toolkit_a12e8998-en/simplex_30d2be81-en.html
ولمرجع تأسيسي أقدم للتجربة البرتغالية:
OECD, Making Life Easy for Citizens and Businesses in Portugal: Administrative Simplification and e-Government, OECD Publishing, Paris, 2008, doi: 10.1787/9789264048263-en.
https://www.oecd.org/en/publications/making-life-easy-for-citizens-and-businesses-in-portugal_9789264048263-en.html
([10]) OECD, Smart Regulations, Strong Business: Enabling Growth and Societal Protection in a Fast-Changing World, OECD Publishing, Paris, 2026, ch. 3, especially pp. 59–62, doi: 10.1787/93d38770-en.
https://www.oecd.org/en/publications/smart-regulations-strong-business_93d38770-en/full-report/diagnostic-trends-and-challenges-in-regulatory-simplification-and-burden-reduction_a8f562d5.html