يعكس المشهد الأمني في سورية خلال تموز/يوليو استمرارية لعنفٍ متحرك، تتقاطع فيه الاغتيالات المنظمة مع النزاعات العشائرية والجرائم الجنائية. وقد أفضى تداخل الفاعلين إلى بيئة ذات سيولة أمنية تتكاثر فيها بؤر التهديد. في المقابل، يتغذى هذا التصاعد من فراغات إدارية واجتماعية تعمّق منطق العدالة الذاتية. ومع اتساع رقعة الحوادث وتنوع دوافعها، يبدو المشهد أقرب إلى دورة عنف مفتوحة تتطلب مقاربات أكثر تماسكاً واستجابة.
الأمن الداخلي… عنفٌ متحرك
أظهرت مجريات الأحداث الميدانية خلال شهر تموز/يوليو حالة من الاضطراب التصاعد الأمني المتفرّق ، نتيجة تداخل عوامل متعددة أبرزها انتشال بقايا السلاح خارج الأطر الرسمية، وعمليات اغتيال ممنهجة، كما هي موضحة بالشكل أدناه:

الصورة رقم (1): أنماط التهديد الأمني في سورية خلال شهر تموز 2026
ففي إطار استهداف العسكريين والكوادر الرسمية ، شهد هذا الشهر تحركات لافتة عبر الاغتيالات المباشرة والعبوات الناسفة، تمثلت في محاولة اغتيال القيادي بوزارة الدفاع براء الزعبي في طفس بمحافظة درعا ومقتل مرافقته كجزء من تعقد المشهد المحلي وتداخل التهديدات العشائرية مع الاتهامات السابقة حول ملفات تنظيم الدولة، إلى جانب نجاة الناشط منير القداح بقنبلتين في الحراك، ونجاة القيادي أبو زهرة قادسية مسؤول كتيبة المدرعات بالفرقة 86 بعد تفكيك عبوة داخل سيارته بالراعي بريف حلب، واستهداف عنصر لوزارة الدفاع بمفرق العوسجلي بمنبج، واغتيال العنصر إسماعيل الجبر بالسعدة بريف دير الزور، ونشوب اشتباك مباشر عند حاجز كشكول بدمشق إثر محاولة المطلوب دانيال داوود تفجير قنابل أدت لمقتله وإصابة ثلاثة عناصر، وتفجير عبوة بسيارة للأمن الداخلي تقل موقوفين بشارع بور سعيد بدير الزور، وصولاً إلى تصفية المقاتل الأوزبكي خالد الجزراوي العنصر السابق بالعصائب الحمراء بالفوعة، والعنصر عبد الحميد الأسود على طريق خان شيخون، والممرض علي ملوحي أمام مشفى شفق بمعرة مصرين، ومدير جمعية إنجي الخيرية إبراهيم هرموش باقتحام مقر جمعيته وسط حمص، والشابين عمر وأحمد اللباد بالصنمين رغم تركهما العمل المسلح والتفرغ لبيع الخضار، والشاب إبراهيم ناصيف بأسلحة مكتومة داخل محله بريف حماة الشرقي، والمواطن أيمن الرفاعي بحمص بذريعة تعامله مع النظام السابق.
أما على مستوى تداخل العنف العشائري وقضايا الثأر ، فقد سجل الشهر تقاطعاً حاداً بين الأعراف المجتمعية وتراجع فاعلية الضبط القضائي، ظهر في مقتل شابين ينتميان لعشيرة المردادات بالسفيرة بريف حلب، ومقتل القيادي السابق بقسد سليمان الدعيس بالقحطانية بريف الحسكة إثر ثأر يتعلق بشقيقه، ومقتل أحمد المحمد بالحريجي شمال دير الزور وتسليم الجاني أيسر الموسى نفسه لاحقاً، مع اندلاع أعمال شغب وحرق منازل بكفرومة بريف إدلب إثر مقتل خالد الزيادة، وتجلي أقصى درجات العدالة الذاتية في قيام شابين بإعدام ثالث علناً بدير الزور بذريعة نشر صورة فتاة واستناداً لنصوص دينية، والاستهداف الدموي لثلاثة أشخاص بملعب شعبي بالباغوز.
وفيما يتعلق بـ الجرائم الجنائية المنظمة، تقاطعت حوادث الخطف والتستر مع المصالح المادية، كما تبين في مقتل الشبان الخمسة من الطائفة العلوية قرب مطار التيفور بحمص أثناء عملهم في جمع المعادن لحساب المتنفذ رام عبد الكريم وتلفيق قصة انفجار لغم للتغطية على الجريمة، ومقتل الرعاة محمود العبدالله ويعقوب عيدة من أكراد الداسنية بريف حمص، والعثور على جثة محمود كفا وجثة أخرى عليهما آثار تنكيل بمقبرة تل النصر بعد اختطافه منذ شهر آذار، ومقتل راني حلاوة بالمليحة عقب اختفائه صباحاً مع سيارة التوزيع من جرمانا، ومقتل امرأة وصغارها حي السبيل بحمص، ومقتل سائق أجرة بحي قارلق بحلب، واختفاء طالبات الجامعة شهد ونغم جديد من بستان الباشا بظروف مريبة وتلقي ذويهم رسائل غامضة، فضلاً عن تقاعس شرطة أشرفية صحنايا عن تسلم خاطف طفل وتخلية سبيله من الشبان بسخرية، واقتحام بعبدة بريف جبلة بعد مقتل شخص بمسبح واعتقال عامر عيسى والمترددين، وصولاً إلى البعد الجنائي الأسري كمقتل يوسف التكروري على يد زوجته بالشيخ سعد بدرعا، والعثور على جثة الفتاة فرح الحمود بمستودع تبن بغباغب، وتطور أدوات التهريب عبر استخدام بالونات حرارية لنقل 11,200 حبة كبتاغون من شرق درعا باتجاه الحدود الأردنية عبر السويداء، مما يضع المشهد الميداني أمام حالة تصاعد مستمر تنمو في ثغرات الواقع الاجتماعي والضبط الإداري.
الجنوب السوري … إنذار بانفجار أمني
تتكشف الخارطة الأمنية في الجنوب السوري خلال شهر تموز/يوليو عن المشهد الأكثر خطورة وتماسكاً في مسار التصعيد العسكري؛ كما هو موضح بالشكل أدناه:

الصورة رقم (2): تدخلات إسرائيل في الجنوب السوري خلال شهر تموز 2026
فقد دلت التحركات الإسرائيلية المتصاعدة في ريفي درعا الغربي والقنيطرة على وجود توجه لتثبيت نقاط تمركز دائمة وفرض واقع أمني مقيد لحركة الأهالي؛ حيث عبرت التشكيلات المدرعة والمصحوبة بالجرافات بوابة تل أبو الغيثار ووادي الرقاد لتمتد عميقاً في قرى جملة ومعرية وكودنة وصيدا الجولان والمعلقة، وصولاً إلى طريق خان أرنبة – أوفانيا. وترافق هذا التوغل مع إنشاء حواجز عسكرية مؤقتة وإجراء عمليات تفتيش دقيقة للمركبات، بالتوازي مع التمركز المباشر في مواقع حيوية مثل سرية جملة (سرية الوادي) وتلة المغر وثكنة 112 وثكنة الجزيرة.
أنتج هذا التوغل الممنهج حالة صدمة واحتكاك مباشر مع المجتمعات المحلية، والتي سرعان ما تحولت إلى مقاومة أفقية ذات طابع شعبي؛ إذ بادر الشبان والأهالي في عابدين والمعرية وجملة إلى قطع الطرقات بالسواتر الحجرية ورشق القوات المتوغلة بالحجارة لمنع تقدمها. واجهت القوات الإسرائيلية هذه الرافضة الشعبية بلغة القوة المفرطة، عبر إطلاق الرصاص الحي والمباشر على المدنيين والدراجات النارية، ما أسفر عن سقوط جرحى بين الأطفال واليافعين، وفرض حصار على قرية عابدين.
ومع تعرض القوات المتوغلة لإطلاق نار مباشر واستهداف الأهالي للسواتر الإسرائيلية، اتسعت دائرة الاستجابة العسكرية الإسرائيلية لتنتقل من الأرض إلى الجو؛ حيث نفذت الطائرات الحربية ومروحيات الأباتشي والمسيّرات غارات وقصفاً مدفعياً مكثفاً شمل أطراف عابدين والمعرية وعين القاضي والعارضة ورافقه إلقاء قنابل مضيئة، ما أدى إلى حركة نزوح لأهالي قرية عابدين. وفي هذا السياق المتوتر، أعلن الاحتلال عن تصفية مسلحين اثنين قرب بلدة حضر بداعي التخطيط لهجوم واسع والتحفظ على جثتيهما، بينما أعلن محلياً عن ولادة “حركة ردع الاحتلال” لتأطير العمل المسلح ضد التوغل، بالتزامن مع توقيف إسرائيليين حاولوا العبور عكسياً باتجاه الأراضي السورية.
وعلى خط يتصل وثيقاً ببيئة السيولة الأمنية في الجنوب، جاء المحور الغربي لمحافظة السويداء ليشهد اشتعالاً عسكرياً ومواجهات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة واستخداماً للمسيّرات المذخرة وقذائف الإضاءة بين “الحرس الوطني” وقوات وزارة الدفاع في محيط قرية المجدل، ما أسفر عن مقتل العنصر مرهف الحكيم وإصابة 16 آخرين. لم يقتصر هذا المحور على المواجهة المباشرة، بل امتد ليعكس حرب عبوات واختراقات متفجرة؛ إذ تم إحباط تفجير سيارتين ملغمتين بمواد شديدة الانفجار ومزودتين بنظام تفجير عن بعد، في حين لقي سائق سيارة حتفه على طريق دمشق – السويداء إثر انفجار عبوة داخل مركبته يرجح أنه كان بصدد زرعها لقطع الشريان الأساسي بين المحافظتين. وفي غضون هذا الاستنزاف الجنوبي المركب، تواصلت مخاطر التركات العسكرية في ريف حلب الشرقي لتسفر عن مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين أثناء مهام إزالة الألغام في محيط سد تشرين.
أخطارٌ أمنية… تنظيم الدولة في الصدارة
تتكامل المعطيات الميدانية والأمنية الواردة لتكشف عن نشاط تنظيم الدولة الحثيث لإعادة تموضعه وتثبيت وجوده الهجومي في البادية والشرق السوري والعاصمة، مع حملات أمنية واستخباراتية واسعة تهدف لتفكيك خلاياه وملاحقة تركات النظام السابق وجرائم الانفلات المنظم. كما هو موضح بالشكل أدناه:

الصورة رقم (3): حركة تنظيم “داعش” في سورية خلال شهر تموز 2026
تشير التطورات الميدانية في دير الزور والبادية السورية إلى منحنى متصاعد لنشاط تنظيم الدولة يستهدف البنية التحتية والكوادر الميدانية؛ إذ تحرك مجهولون يُعتقد انتمائهم للتنظيم على دراجات نارية في ريف دير الزور الشرقي، مستهدفين صهاريج نقل النفط في بلدة أبريهة وحاجزاً للأمن الداخلي على جسر البصيرة بقذيفة “آر بي جي”، ما تسبب بحادث سير لدورية أمنية أثناء الملاحقة وإصابة عناصرها. توازى ذلك، مع تصفية وجيه بلدة “رويشد” رشاد الغرير شمال المحافظة بذريعة ارتباطه بالحكومة، واستهداف مكتب لتجارة السيارات بذيبان بقذيفة “آر بي جي” وسط اتهامات لمخفر الشرطة بالتستر على المتورطين.
وفي بادية حمص الشرقية، نفذ الطيران الأمريكي ضربة جوية على مغارة سابقة للتنظيم في جبل الضاحك شمال السخنة، بينما اضطر الأمن الداخلي لقطع طريق الرقة – سلمية لتفكيك عبوات ناسفة زرعها التنظيم، بالتزامن مع مقتل عنصرين من حرس المنشآت النفطية وإدارة مكافحة المخدرات (صدام الحسين وخلوف العليوي) في مواجهات متفرقة بريفي حلب والرقة.
فيما تجلى الخطر الاستراتيجي للتنظيم عبر سلسلة تفجيرات واختراقات لعمق العاصمة؛ حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية عن تفكيك الخلية المسؤولة عن تفجيرات دمشق (في 7 تموز) عبر مداهمات متزامنة في القطيفة والسيدة زينب وضاحية قدسيا وعش الورور. وأكد قائد الأمن الداخلي بريف دمشق العميد أحمد الدالاتي تبعية الخلية للتنظيم وتورط عناصرها (ضياء القاسم، عبد الله الجبوري، ومحمد أسعد) في التخطيط لأعمال تخريبية والتفجير الذي وقع قرب مكان إقامة الرئيس الفرنسي، بالتزامن مع إحباط تفجير عبوة ناسفة بحافلة مبيت عسكرية بحي الورود.
وفي موازاة ملف التنظيم، كثفت الأجهزة التنفيذية حملاتها الأمنية الممتدة لملاحقة ضباط النظام السابق؛ حيث نُفذت حملات واسعة غير سباقة أدت لاعتقال أكثر من 200 مطلوب للجرائم والمخدرات في مناطق الذيابية والحسينية وخربة الورد ونجها، إضافة إلى توقيف 16 مطلوباً في ببيلا ويلدا وبيت سحم والسيدة زينب.
وفي الساحل، اشتبكت قوات الجيش السوري مع خلية مسلحة في فلسقو باللاذقية وحيدت بعض أفرادها، إلى جانب إلقاء القبض على مسؤول سابق عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي، إضافة لإعلان توقيف اللواء السابق علي صالح ذياب (رئيس فرع الأمن العسكري السابق بالقامشلي)، وتداول أنباء عن توقيف العميد نوفل الحسين رئيس فرع الأمن العسكري بإدلب.
تكشف أحداث تموز/يوليو أن الخطر الأمني في سورية يتجاوز الحوادث المنفردة، نتيجة استثمار الفاعلين في هشاشة الضبط المحلي، ويفاقم غياب المساءلة وتسوية النزاعات احتمال تحول الخلافات المحدودة إلى مواجهات أوسع.
لذلك تبرز الحاجة إلى توحيد القرار الأمني، وتعزيز حماية المدنيين، وربط الاستجابة الميدانية بسيادة القانون.