عكست التطورات الأمنية والميدانية على الساحة السورية في شهر حزيران 2026 تداخلاً واضحاً بين عدد من الملفات الأمنية، إذ توزعت هذه التطورات بين انفلات السلاح، وتصاعد الاغتيالات، واتساع التوترات المحلية، إلى جانب تحركات إسرائيلية متكررة في الجنوب، ونشاط متجدد لتنظيم الدولة في بعض المناطق. وتأتي هذه الإحاطة لعرض أبرز المؤشرات خلال الشهر، وبيان ما تحمله من دلالات على واقع الأمن الداخلي وأمن الحدود وانعكاسات ذلك على ديناميات الاستقرار.
“انفلات السلاح”: تحديات أمام الردع
يتنامى انتشار السلاح المنفلت بطريقة متزايدة لدرجة كاد أن يكون أمر واقع، تتقاطع فيها النزاعات العشائرية العابرة للحدود مع الحسابات الشخصية وعمليات الانتقام السياسي، تحت غطاء هش من السلم الأهلي. ويمكن تمييز مستويين في هذا الملف، يتمثل في محدودية قدرة قوى الأمن الداخلي على احتواء ترسانات السلاح المتوسط والثقيل المنتشرة خارج الأطر النظامية، الأمر الذي اضطر وزارة الدفاع إلى التدخل العسكري المباشر في وقائع واسعة النطاق، كما في اشتباكات محيط خشام بدير الزور، وفي تكرار المواجهات في قريتي كراح وخفسين بحماة بين عائلتي العويمرين والخريزات على خلفية خلافات ممتدة من تركيا، والتي أسفرت عن مقتل شخصين وأربعة جرحى. وبرز المنحى نفسه في النزاعات الثأرية التي حرّكت عشائر بأكملها، ومنها الهجوم على عشيرة المعاطة في حرملة بإدلب رغم تدخل مستشار شؤون العشائر أبو أحمد زكور، فضلاً عن المواجهات الدامية في زاكية وعدرا والمليحة الشرقية وتل عدا وأم مدفع ومعارة الأتارب.
أما المستوى الثاني، وهو الأخطر، فيتمثل في سياسات غض النظر عن الفوضى عبر استثمار ما يسمى “التحريض الشعبي” لتصفية الحسابات تحت ذريعة “ملاحقة الشبيحة وفلول النظام السابق”. وقد تحولت هذه التهم في عدد من الحالات إلى مسوغات جاهزة لحرق الممتلكات وتدمير البنى الاقتصادية والاعتداء بالضرب المفضي إلى الموت، كما حدث مع فادي ربوع في إدلب، وفي هجمات متفرقة في حيي المزة والمزة 86 بدمشق، وتل رفعت بحلب، وصولاً إلى الفوضى التي شهدتها مدينة تدمر وأدت إلى نزوح عائلات وصدام مع عشيرة العكيدات بعد إحراق استراحة تابعة لها، ناهيك عن تمرد أنصار القيادي تركي البوحمد في الرقة وإحراقهم العلم السوري.
وقد قاد هذا الانفلات إلى مرحلة أكثر خطورة تمثلت في الصدام المباشر مع أجهزة الدولة ، وهو ما ظهر في اشتباكات طفس بدرعا أثناء محاولة القبض على المطلوب محمد جهاد البردان، وفي تمرد بدو الفواعرة بحمص وإحراقهم آليات مسروقة لمنع استردادها، ثم دعوتهم إلى اعتصام مسلح عقب تعرض مزيد العبيسان الفاعوري وأولاده للضرب. ويستفاد من ذلك أن غياب الردع الموحد، وتداخل الولاءات العشائرية داخل المؤسسات ذاتها، وتعدد مراكز القوة، باتت جميعها عوامل تهدد بتحويل البلاد إلى كانتونات أمنية متناحرة تدار بالسلاح الشخصي وتتحرك بدوافع انتقامية.
أمن الحدود … ثلاثية المخاطر
لا تزال الاستراتيجية الإسرائيلية في الملف السوري متصاعدة لفرض منطقة عازلة وتغيير الواقع الجغرافي والأمني، حيث رُصدت سلسلة توغلات لآليات وجنود الاحتلال شملت قرى المشيدة والمعلقة وغرب بلدة الرفيد، إذ جرى تفتيش منزلين وتركيب بوابة حديدية على بعد نحو ثلاثمئة متر من الشريط الفاصل. كما طالت التحركات الإسرائيلية تطويق بلدة العشة، وحملات تفتيش مكثفة للمنازل في صيدا بريف القنيطرة، شملت منزل صحفي، إلى جانب توغلات متزامنة في تلة أبو قبيس وقرية الحيران وقرية الأصبح ومزرعة الفتيان ومحور صيدا الجولان والمقرز، وسط إطلاق قنابل مضيئة واعتقال مواطنين، بينهم الشاب عيسى عبدالله الشنيور ببلدة صيدا الحانوت، وأربعة أشخاص في جباتا الخشب أُفرج عنهم لاحقاً.
وامتد هذا التحرك الإسرائيلي بعمق أكبر إلى منطقة حوض اليرموك غربي درعا عبر توغل قوة في قرية العارضة وإقامة حاجز مؤقت، ووصول /12/ آلية ومدرعة إلى أطراف قرية عابدين وتمركزها قرب مسجد خالد بن الوليد، فضلاً عن التحركات العسكرية في قرية معريا وبلدة العارضة ووادي معرية ووادي الرقاد، والتي ترافقت مع قصف مدفعي واستهداف للمزارعين بالرشاشات الثقيلة، ما أسفر عن إصابة الشاب علاء أحمد علي الخضر، واستهداف محيط سد المنطرة بقذائف صاروخية لمنع أي تمركز عسكري أو إقليمي في المنطقة. ويُقرأ هذا النمط بوصفه محاولة ثابتة لتوسيع هامش السيطرة ومنع أي استقرار ميداني منافس.
وعلى جبهة الصدام الداخلي، شهدت السويداء انفجاراً أمنياً غير مسبوق إثر اندلاع اشتباكات بالأسلحة الرشاشة على المحاور الغربية للمدينة بين قوى الأمن الداخلي وقوات الحرس الوطني، ما تسبب في مقتل عنصر الأمن الداخلي محمود محمد الشريف برصاص قنّاص. وجاء هذا التصعيد على خلفية توتر حاد تلا هروب /3/ أسرى من سجون الحرس الوطني بتواطؤ داخلي مقابل مبلغ مالي قدره مئتين وخمسين ألف دولار، حيث نجحت قوى الأمن الداخلي في تأمينهم، لكن الحادثة أحدثت شرخاً عسكرياً داخل الحرس الوطني أدى إلى إقالة العميد جهاد الغوطاني واعتقاله من قبل مكتبه الأمني وتكليف العميد فضل أبو عساف بقيادة الحرس، تزامناً مع حملة اعتقالات وانشقاقات في القطاع الغربي ولجوء عناصر إلى شيخ مضافة الكرامة ليث بلعوس، بما أصاب الأسواق بالشلل وخلق مخاوف جدية من اقتتال أهلي واسع.
وفي سياق ضبط الحدود ومكافحة التهريب، نجحت قوى الأمن الداخلي في حمص في مداهمة قرية العامرية بريف تلكلخ والقبض على مهرب ومصادرة صواريخ كانت معدة للتهريب نحو لبنان، في مؤشر على استمرار نشاط شبكات التهريب المسلحة واستغلالها لضعف الرقابة على بعض المسالك.
وعلى الحدود السورية العراقية، تم رصد وصول تعزيزات ضخمة تضم مئات العناصر من الحشد الشعبي بأسلحة مسيرة وتمركزهم في ست نقاط رئيسية، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الحدودي.
الاغتيالات: تعدد الجهات وتنوع الأهداف
تطورت عمليات التصفية والاغتيالات لمستويات أكثر تنظيماً، من خلال استهداف مباشر ومدروس لثلاث فئات رئيسية: الكوادر العسكرية والأمنية الحالية، والمنسوبين السابقين للنظام الذين طالتهم موجات الشحن والتحريض، ثم نزعات الاستهداف الطائفي. وتتمثل الركيزة الأولى في الاستهداف المباشر للعاملين في القطاعات العسكرية والأمنية الحالية والسابقة، حيث سجل مقتل القيادي الشيشاني بوزارة الدفاع “مصطفى الروسي” (القيادي السابق بالعصائب الحمراء لهيئة تحرير الشام) ومرافقه برصاص مسلحين على دراجة نارية على طريق إدلب–معرة مصرين. وتزامن ذلك مع العثور على جثة زميله في النخبة والعصائب “فارق أبو عمر” (أبو عمر أتارب) مقتولاً بريف إدلب بعد فقدانه خمسة أيام، فضلاً عن اغتيال حسين عيريق التابع لوزارة الدفاع في ريف اللاذقية الشمالي، وإصابة رئيس القسم العدلي في ببيلا بريف دمشق الأمني “صلاح الصالح” ببتر قدمه إثر تفجير عبوة ناسفة بسيارته، وإصابة عمار السلمان المنسوب لوزارة الدفاع في الباب بانفجار قنبلة بسيارته.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في تصاعد الاغتيالات والتصفيات الجسدية بحق المدنيين والعسكريين السابقين تحت ذريعة “التعامل مع النظام البائد” بفعل الشحن الإعلامي والتحريض الممنهج. وقد أدى ذلك إلى مقتل المسن محمد ديب محمود حمرة في مزارع خطاب بحماة، ورضوان ناصر الدين في حي الناعورة بإدلب، وعبد الهادي صالح الضويحي (هويدي المختار) الذي عُثر على جثته مقتولاً بأطراف الميادين بعد اختطافه، إلى جانب الاعتداء الجماعي وسحل المواطن شكري كيالي حتى الموت في كفر تخاريم بريف إدلب، ومقتل السيدة نور مجحود وإصابة زوجها العسكري السابق محمود مجحود في ريف حماة، واستهداف الشاب علاء جواد ومحل تجاري في حي السكري بحلب، ومقتل الشاب غدير إبراهيم داخل محله بجبل الورد بدمشق، وامتدت هذه الموجة خارج الحدود باغتيال الطبيبين السوريين في مشفى تشرين العسكري سابقاً، الدكتور سامح أحمد حسن وزوجته الدكتورة سماهر الموسى، في مدينة عدن اليمنية إثر حملة تحريض رقمية واسعة ضدهما.
وتكشف المعطيات كذلك عن منزلق أمني إضافي يتمثل في بروز الاستهدافات الطائفية وتصفية الحسابات المحلية لخلخلة السلم الأهلي، وهو ما ظهر في مقتل /3/ أشخاص وإصابة /3/ آخرين من أبناء الطائفة المرشدية في قرية القاهرة بريف حماة الغربي برصاص دراجة نارية، واستهداف سيارة المواطن فاطر سلوم من الطائفة ذاتها بعبوة ناسفة في قرية البارد بسهل الغاب، واختطاف وتصفية المواطن علي خازم الدرويش في قرية الربيعة ذات الغالبية العلوية بريف حماة.
كما برزت حوادث جنائية واغتيالات غامضة طالت مغتربين عادوا لقضاء إجازاتهم، كالشاب أكرم حسين الكمال في ريف حلب الشمالي، وياسر جدعان الدهام في ريف دير الزور، إلى جانب محاولات اغتيال شخصيات عامة ومحامين، كإصابة المحامي هيثم الداحول في سلمية، وصانع المحتوى “أبو القاسم الألماني” في دمشق. وامتدت الاستهدافات إلى تجمعات ومحال تجارية أسفرت عن مقتل الشاب صالح إبراهيم وإصابة اثنين بقرية الخندق بسهل الغاب، ومقتل شخصين ببلدة كيتلون بحماة، والشاب عدي الشامي بالسويداء، وشخص في حي السبيل بحمص، وصولاً إلى حادثة ملحمة الغدير بحي الأرمن التي انتهت بمقتل المهاجم على يد شقيق الضحية.
تنظيم الدولة: تطورات ملحوظة
انتقلت تكتيكات تنظيم الدولة من الكمائن المحدودة إلى الهجمات الانتحارية المنسقة والاختراقات للمقار الأمنية، بالتزامن مع تحركات عسكرية مكثفة للتحالف الدولي تهدف إلى تصفية قيادات جهادية شمال غرب البلاد.
ويظهر المحور الأول من هذا التصاعد في الاختراقات الأمنية في محافظة الرقة وعموم الشمال، حيث شهد مقر قيادة الأمن الداخلي في مدينة الرقة هجوماً مسلحاً نفذه عنصران يرجح انتماؤهما للتنظيم، كانا يرتديان زي قوات الأمن الداخلي، إذ اقتحما المدخل وقتلا الحرس واشتبكا داخل المقر، ما أسفر عن مقتل /3/ عناصر من قوات المهام الخاصة، ومقتل أحد المهاجمين وتفجير الآخر لنفسه بعد محاصرته.
وتزامن ذلك مع هجوم انتحاري آخر استهدف معسكراً لوزارة الداخلية في الرقة أدى إلى مقتل عنصرين، إضافة إلى تعرض حاجز السباهية غرب مدينة الرقة لاستهداف بالرصاص من دراجة نارية استدعى استقدام تعزيزات أمنية، فضلاً عن استنفار عسكري وانتشار تعزيزات في بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي عقب إصابة عناصر من الفرقة 72 بطلقات نارية. وهذه العمليات تؤكد قدرة التنظيم على استثمار التخفي والتنكر وتوقيت الضربات.
ويتمثل المحور الثاني في الاستهداف الممنهج لمنتسبي وزارة الدفاع وقوى الأمن الداخلي مع تبني التنظيم لها رسمياً، حيث تبنى التنظيم استهداف سيارة رئيس القسم العدلي في ببيلا بريف دمشق صلاح أحمد الصالح بعبوة ناسفة أدت لبتر قدمه، كما تبنى اغتيال عنصرين من الفرقة 76 التابعة لوزارة الدفاع، وهما بسام الرسلان وبسام الحمود، برصاص مجهولين على دراجة نارية على الطريق الدولي M4 قرب منبج بريف حلب الشرقي.
امتدت الاستهدافات إلى حافلة مبيت لقوات وزارة الدفاع على طريق تل تمر–رأس العين بريف الحسكة قرب مفرق حطين، ما أدى إلى مقتل عنصر وإصابة أكثر من /10/ آخرين، واستهداف شخصين يتبعان للوزارة على طريق إعزاز–مارع بريف حلب بالرصاص دون إصابات، واغتيال المواطن ناصر مفلح الإسماعيل الصالح في قرية السفافنة في الباغوز بدير الزور على يد مسلحين رددوا شعارات التنظيم واتهموه بالعمل لصالح “المخابرات السورية الجديدة”.
وفي إطار العمليات الاستباقية ومكافحة التنظيم، حققت وزارة الداخلية خرقاً أمنياً مهماً بإلقاء القبض على المدعو أكرم صالح الحمد الملقب بـ“عبدو تصنيع”، المسؤول عن قطاع التصنيع بالتنظيم في المنطقة الشرقية. كما شهدت بلدة بزاعة بريف حلب الشمالي تحييد انتحاري ينتمي للتنظيم حاول تفجير نفسه عبر ركن دراجة نارية ملغمة داخل مقر عسكري للفرقة 76 (الحمزات سابقاً) والاشتباك مع عناصرها، مما خلف إصابات مادية وبشرية.
وفي محافظة درعا، أظهر التنظيم نشاطاً دعائياً لافتاً عبر جهة تطلق على نفسها “مؤسسة الرمضاء”، قامت بلصق منشورات لافتتاحية مجلة النبأ الأسبوعية على جدران /14/ موقعاً ومسجداً في درعا البلد وجاسم وإبطع وداعل وطفس.
وعلى صعيد آخر، كثف التحالف الدولي ضرباته الجوية المركزة مستهدفاً قيادات الصف الأول، استهدفت مقراً لمقاتلين أجانب قرب بلدة الزعينية بريف جسر الشغور، وغارات في ريفي حلب وإدلب استهدفت ثلاث مركبات في منطقة جبل الشيخ بركات بمحيط دارة عزة، وشخصاً يستقل دراجة نارية قرب مخيم مشهد روحين بمحيط دير حسان شمال إدلب، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية مقتل علي حسين العلوي بغارة في سورية في التاسع عشر من حزيران.