تهميدٌ”لازم”
بسقوط نظام الأسد، أُسدل الستار عن النموذج الأكثر توحشاً في الأنظمة التعسفية والاستبداية، والذي هندس كل أدواته ومراكز قوته لـ “تمويت” الحياة السياسية والمدنية في سورية، وفُتح المجال بعد سقوطه لإعادة تشكيل تفاعل سياسي وطني حقيقي يسهم في عملية الانتقال والبناء وإعادة الإعمار، إلا أن تعقيدات مرحلة مابعد الأسد ومتطلبات الانتقال السوري وتحدياته المركبة، جعلت “ملف الفاعلية السياسية والمدنية” ملفاً متراجعاً على سلم الأولويات الملحة للإدارة الجديدة، كإعادة بسط الأمن واستعادة السيادة على كافة الجغرافية السورية، وإطلاق عجلة الخدمات، وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، وإدارة ملف النازحين واللاجئين، وتهيئة البنية للتعافي الاقتصادي، ومعالجة آثار الحرب والانقسامات المجتمعية. وإن تم التفهم مجتمعياً لتلك التعقيدات وما أنتجته من إهمال لملف الحياة السياسية والمدنية في اللحظات الأولى، إلا أنه ومع استمرار التغييب وبروز مؤشرات “التحكم والضبط السياسي” تعاظم الهاجس المجتمعي حيال “إقصاء سياسي ” محتمل سينعكس سلباً على مسار الاستقرار ودعم الجهودات الرسمية في عملية البناء.
سيركز المقال أدناه على تقييم مقاربة الإدارة السورية في التعاطي مع هذا الملف وينتقل ليوضح ملامح وسمات الفواعل السياسية والمدنية قبل أن يؤسس لنقطة توافق جوهرية تسهم في جعل “الحياة السياسية والمدنية” منتجة وفاعلة، وموضحاً أثر تغييب التفاعل السياسي والمدني على المرحلة الانتقالية وما سيتركه من آثار يصعب تدراكها على كافة المستويات ولا سيما المستوى الهوياتي والمجتمعي الذي تتراكم فيه المؤشرات الدالة على تنامي احتمالية التعثر وعدم تحقيق الاستقرار.
“الشؤون السياسية” كمقاربة رسمية: صيانة السياسة أم التحكم بها؟
ورثت سورية بنية مؤسسية وقانونية وأمنية تعيق بنيوياً ووظيفاً الفعل السياسي والمدني، ناهيك عن ضعف الثقافة الحزبية والتشاركية والتي إذا ما ضفناها إلىها آثار الحرب -وما أفرزته من انقسامات مجتمعية وتآكل الطبقة الوسطى التي إما انحدرت إلى مستويات طبقية مسحوقة أو تعرضت لنزيف تهجير ونزوح- فإننا نجد إن فعل الاصلاح في مضمار السياسة والعمل المدني عمل مركب ومتعدد الأوجه، وأمام هذا الواقع، اتبعت الحكومة الجديدة بالبداية مقاربة “الانفتاح المؤقت” محكومة بأولوية الاستقرار، فمنذ اللحظات الأولى اتجهت الحكومة إلى تخفيف القيود على النشاط العام، والاستفادة من المجتمع المدني في نقاشات ملف التعافي والخدمات، والاعتماد على التفاهمات المحلية لاحتواء التوترات. لكن دون وضوح لسياسة عامة في هذا الصدد، متكئة ومكتفيةً فيما بعد على أهمية وجود أداة انتقالية لإدارة المجال السياسي والمدني في سورية، إلا أن إنشاء” الأمانة العامة للشؤون السياسية في آذار 2025″ لم يترجم هذه الأهمية ترجمةً تعود بالنفع العام رغم الإدراك المبكر لضرورة وجود هكذا أداة .
لقد جاء استحداث الهيئة في سياق سوري خاص اتسم بأنه مترافق لثلاثة متغيرات كانهيار البنية السياسية السابقة بحل حزب البعث والجبهة التقدمية وما ارتبط بهما من هياكل تنظيمية وغياب قانون جديد للأحزاب والجمعيات قادر على تنظيم المجال العام في المرحلة الانتقالية وحاجة الإدارة الجديدة إلى إدارة حالة السيولة السياسية والمدنية ومنع الفراغ المؤسسي الذي قد يرافق انهيار النظام القديم. حيث عملت الهيئة على ملء الفراغ السياسي والإداري وقد ساهمت ولو بنسب متواضعة في توفير جهة مرجعية للتعامل مع الأنشطة السياسية والمبادرات المدنية، وعلى الرغم من الايجابيات النظرية، إلا أن القراءة التحليلية لحركية الهيئة؛ وبالإضافة إلى عدم تماهي بنيتها مع التنوع السياسي والثقافي للمجتمع السوري فإنه يتكشف إشكاليات رئيسية:
أولاً: غموض الأساس القانوني: حيث تأسست الهيئة بقرار إداري من وزير الخارجية ضمن سياق انتقالي، دون أن تستند إلى قانون ناظم أو إطار دستوري أو تعليمات تنفيذية للقرار واضحة تحدد طبيعة اختصاصاتها وعلاقتها ببقية مؤسسات الدولة. وقد أثار ذلك نقاشات واسعة حول قانونية المهام الموكلة إليها، وأفضى هذا الغموض بنهاية المطاف إلى تبياين آليات العمل بين محافظة وأخرى وأدى أيضاً إلى تداخل الصلاحيات مع جهات رسمية أخرى وبدرجات متفاوتة وصلت إلى حد واضح في محافظة وحد خفي في محافظة أخرى
ثانياً: الجمع بين وظائف متباينة إذ أُنيط بالهيئة الإشراف على ملفات شديدة التباين، مثل: إدارة الشأن السياسي الداخلي والتعامل مع الأحزاب والقوى السياسية والإشراف على بعض ملفات المجتمع المدني وإدارة أملاك حزب البعث والمنظمات التابعة له. هذا التداخل جعلها أقرب إلى “هيئة جامعة” لمهام مختلفة، بدلاً من أن تكون مؤسسة متخصصة في تنظيم وصيانة التفاعل السياسي.
ثالثاً: غلبة المنطق الإداري على المنطق التشاركي فبدلاً من أن تتحول إلى منصة للحوار وصناعة التوافق، بدا في بعض الأحيان أن دورها أقرب إلى تنظيم المجال العام من أعلى وإدارة التفاعلات السياسية والإدارية، وهو ما ولد انطباعاً بأنها أداة احتواء أكثر منها أداة شراكة.
وفي الوقت التي تتنامي فيه فكرة إعادة تعريف أدوار تلك الهيئة لاسيما مع قرار حل الأمانة العامة للشؤون السياسية في سورية، تبرز الحاجة لتبيان الدروس المستقادة في عملية البناء السياسي والمدني، كعدم نجاعة ادارة المجال السياسي بأدوات إدارية وضروة الفصل بين الوظائف السياسية وعدم جمعها بأطر رسمية فقط، وضرورة تبني مبدأ “ الشراكة ” باعتباره أكثر استدامة من الاحتواء إذ أنه ومع انطلاق البرلمان السوري في أوائل تموز 2026 عاد سؤال التنظيم السياسي إلى الواجهة وعاد معه ضرورة تبني الدولة لمقاربة متماسكة تجاه تنظيم الحياة السياسية.
الشؤون الاجتماعية: مخيالٌ يحده معوقات عدة
بالاستناد إلى معايير السياسة العامةفإن أداء وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في ملف العمل المدني لم يسهم بعد في حوكمة العمل المدني وجعله أكثر كفاءة في التعاطي مع استحقاقات المرحلة الانتقالية وما تتطلبه من تعافي وتنمية وعدل وتمكين.
لقد حققت الوزارة عدة نجاحات كالاعتراف بالدور الكبير الذي لعبته منظمات المجتمع المدني خلال سنوات الثورة، وأعادتها فتح باب الترخيص والعمل أمام عدد كبير من الجمعيات والمنظمات، مع اعتماد قدر من المرونة في استكمال الوثائق والإجراءات. وكذلك في الانتقال من العمل الانتقال من العمل الإغاثي إلى الرؤية التنموية من خلال اطلاقها لاستراتيجية أعوام 2026–2028 المرتكزة على الحماية الاجتماعية، والتحول من الاستجابة الطارئة إلى التنمية المستدامة، وبناء شراكات مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، وتعزيز منطق التشاركية مع المجتمع المدني.
بالمقابل لاتزال الوزارة تعاني من تحديات عديدة وتحتاج لجملة متطلبات كالحاجة لإصدار قانون جديد للمجتمع المدني، كما تحتاج لحوامل مؤسسية تقيس سنوياً معايير المشاركة والتطوع و الثقة والتمويل والاستدامة والشراكات من خلال تبنيها لدينامية ” المؤشر وطني للحياة المدنية” إضافة إلى إطلاق منصة رقمية موحدة تضم جميع المنظمات العاملة في سورية.
إذاً؛ منذ سقوط نظام الأسد، شهدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تحولاً ملحوظاً في إدارتها لملف العمل المدني، انتقلت فيه من نموذج يقوم على الرقابة والإشراف المباشر إلى مقاربة أكثر انفتاحاً تعترف بالدور المتزايد للمجتمع المدني في مرحلة ما بعد النزاع. واعتماد خطاب رسمي يؤكد الشراكة مع الفاعلين المدنيين، والانتقال التدريجي من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى برامج الحماية الاجتماعية والتمكين والتنمية. وأسهمت هذه السياسة في توسيع المجال المدني واستيعاب عدد كبير من المبادرات والمنظمات التي نشأت خلال سنوات الصراع، بما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية المجتمع المدني بوصفه أحد روافع التعافي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومع ذلك، ورغم الانفتاح الإداري، لا تزال البيئة القانونية تستند إلى تشريعات قديمة صيغت في سياق سياسي مختلف، ولا تنسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية أو مع المعايير الحديثة لحرية التنظيم واستقلالية المجتمع المدني. فالوزارة ما تزال تعمل ضمن القانون رقم 93 لعام 1958، وهو قانون يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في الإشراف على الجمعيات، ولا يعكس فلسفة المجتمع المدني الحديثة القائمة على حرية التنظيم والاستقلالية. مما جعل الوزارة تبذل (ولاتزال) جهوداً تشاركية لتقديم مسودة لقانوني الجمعيات والعمل، كما أن غياب سياسة وطنية شاملة للعمل المدني يحد من قدرة الوزارة على الانتقال من معالجة الطلبات اليومية إلى إدارة استراتيجية للمجال العام، تقوم على تحديد أدوار الفاعلين، وتنظيم العلاقة بين الدولة والمنظمات، وتوزيع الأولويات القطاعية والجغرافية، وبناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد. ومما يعزز هذه المحدودية “مركزية القرار” فرغم المرونة الإدارية بقيت الوزارة تميل إلى المركزية في تنظيم العلاقة مع المنظمات، سواء في الترخيص أو التنسيق أو التواصل مع الجهات الدولية.
وتبرز كذلك فجوة واضحة في منظومة البيانات والمؤشرات، إذ لا تتوافر حتى الآن قاعدة وطنية متكاملة توضح خريطة الفاعلين المدنيين،وتختبر تاريخهم، ومجالات عملهم، وتوزعهم الجغرافي، وحجم المستفيدين من تدخلاتهم، أو تقيس أثر هذه التدخلات على التنمية والتماسك المجتمعي. ونتيجة لذلك، ما تزال عملية صنع القرار في هذا القطاع تعتمد بدرجة كبيرة على المتابعة الإدارية، أكثر من اعتمادها على التحليل المبني على الأدلة والمؤشرات الدورية. كما تركز الوزارة بصورة أساسية على الترخيص والإجراءات والنشاط لكنها لا تنشر بصورة منتظمة مؤشرات عن أثر العمل المدني وجودة التدخلات و الاستدامة ورضا المجتمعات المحلية
خارطة الفواعل: وفرة تنتظر التفعيل المؤسسي
بطبيعة الحال المرتبط بخصوصية الانتقال، توسع الفضاء السياسي والمدني بعد سقوط النظام، لكنه بقي غير مستقر بسبب غياب قوانين حديثة ناظمة للأحزاب والجمعيات، وغياب استراتيجية حكومية مكتملة لإشراك الفواعل السياسية والمجتمع المدني في مسار الانتقال. ولفهم الخارطة السياسية ومتطلباتها، ينبغي بالبدء بالتصنيف، وتصنف الفواعل السياسية إلى أربع فئات:
1- أحزاب تاريخية تسعى إلى إعادة التموضع بعد عقود من التهميش أو العمل السري والمحدود
2- قوى سياسية نشأت في بيئة الثورة والمعارضة، منها ما أخذ شكلاً حزبياً ومنها بقي ماقبل ذلك.
3- تكتلات محلية شبابية تحاول التحول من العمل الاحتجاجي أو المدني إلى العمل السياسي.
4- شخصيات وطنية مستقلة تتحرك عبر شبكات نخب ومنصات حوار لا عبر أحزاب مكتملة.
وكذلك الفواعل المدنية ، فإنها تتصنف ضمن أربع:
1- منظمات المجتمع المدني والتي راكمت خبرات وازنة في العمل الإنساني، والتوثيق، والبحث، وبناء السلام، والتعليم، والصحة، والحوكمة المحلية
2- منظمات الضحايا والعدالة الانتقالية والتي برزت كفاعل اخلاقي وسياسي في آن من خلال قدرتها على تحويل الألم الاجتماعي إلى مطالب سياساتية منظمة.
3- المبادرات الشبابية والتي كانتأحد أكثر الفواعل ديناميكية، خصوصا في المدن والجامعات والفضاءات الرقمية. وتتحرك هذه المبادرات في قضايا التطوع، والخدمة المجتمعية، والحوار، والإعلام، والفن، والمناصرة.
4- المبادرات النسائية والتي لعبت أدوارا مهمة في ملفات الدعم المجتمعي، والتعليم، والحماية، والعدالة الانتقالية، والمشاركة المحلية.
إذاً نظرياً لا تعاني سورية من غياب الفواعل، ولذلك لا ينبغي أن تقتصر أولوية الدولة فقط على السماح بالنشاط العام، إنما ينبغي لها أن تنتقل إلى بناء قواعد قانونية ومؤسسية تضمن استدامته. وتضمن قياس مؤشرات تطور الحياة السياسية والمدنية عبر مخرجات رسمية دورية، لا عبر الانطباعات العامة، لأن المجال العام السوري بعد السقوط يتغير بسرعة، وقد ينتقل من الانفتاح إلى الهشاشة أو من الحيوية إلى الاستقطاب إذا لم يدار بمنهج استباقي. بمعنى ألا تنتظر الدولة ظهور الاحتجاجات، أو تصاعد الاستقطاب، أو تراجع الثقة بالمؤسسات، بل تنشئ منظومة مؤشرات وطنية للحياة السياسية والمدنية يتم تحديثها بصورة دورية، وتُستخدم كأداة لدعم القرار، بما يسمح بتصحيح المسار في الوقت المناسب والحفاظ على حيوية المجال العام ضمن إطار قانوني ومؤسسي مستقر. وهذا هو جوهر الإدارة الرشيدة في المراحل الانتقالية، حيث ينظر إلى الوقاية المؤسسية باعتبارها أقل كلفة وأكثر فاعلية من إدارة الأزمات بعد وقوعها.
قاعدة “الثوابت الوطنية”: نقطة الأساس للبدء
ليس بالأطر القانونية والتمثيلية وحدها يرتبط نجاح عملية بناء حياة سياسية ومدنية مستقرة إنما بتفاهم وطني عام على “قواعد تأسيسية” تنظم المجال العام وتحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والفاعلين السياسيين. وفي الحالة السورية، يقترح أن يتم التوافق محلياً على جملة من الثوابت تعد نقطة أساس لبناء حياة سياسية ومدنية فاعلة، وإطاراً مرجعياً يسمح بتحويل التنوع المجتمعي إلى مصدر قوة، ويحول دون عودة الاستبداد. ومن هذه الثوابت نذكر الآتي:
1- المواطنة الجامعة وذلك بهدف نقل التنافس السياسي من صراع بين الهويات إلى تنافس بين البرامج والسياسات.
2-الاحتكار الشرعي للعنف وذلك لضمان أن يكون التنافس السياسي بديلاً عن الصراع المسلح وان تقوم الفواعل المدنية والسياسية بأدوار رقابية على السياسات الأمنية والدفاعية.
3- التعددية السياسية المنظمة؛ لا تعني التعددية مجرد السماح بتأسيس الأحزاب، وإنما بناء بيئة تضمن حرية التنظيم والمنافسة العادلة، وفي الوقت نفسه تمنع الاحتكار أو التفتيت المفرط. وبالتالي تعزيز السياسة البرامجية.
4- استقلال المجتمع المدني، فهو شريكاً في التنمية والحوكمة، فبناء مؤسسات وسيطة تربط الدولة بالمجتمع وتخفف الاحتقان.
5- الحوار الوطني المستدام إذ لا يكفي عقد مؤتمر حوار وطني لمرة واحدة، إنما ينتظر أن يتم تحويله إلى دينامية دائمة. فإدارة الخلافات داخل المؤسسات قبل انتقالها إلى الشارع يعد خطوة رئيسية في دعم الاستقرار.
6- مراعاة البعد المحلي والمشاركة المحلية: يساهم إشراك المجتمع المحلي في وضع الخطط التنموية وبناء آليات تشاركية بين المحافظات والسلطة المركزية في تقريب القرار من المجتمع وتعزيز الشعور بالمشاركة.
7- التمييز بين مفهوم الدولة والإدارة الحاكمة: فالخطف القانوني والمؤسسي للدولة من قبل حزب البعث موّت السياسة وجفف العمل المدني البنّاء وساهم بالإضافة إلى عوامل أخرى في استعصاء مزمن فجر ثورة، لذلك يجب إعادة تأسيس العلاقة على قاعدة أن مؤسسات الدولة ملك لجميع المواطنين وليست أداة بيد أي قوة سياسية.
8- سيادة القانون واستقلال القضاء: إذ لا تتطور الحياة السياسية والمدنية دون منظومة ومرجعية مستقلة تفصل في النزاعات وتحمي الحقوق والحريات، وتشكل المرجعية العليا لإدارة التنافس السياسي.
9- قاعدة الشفافية والمساءلة: وهذا يعزز الثقة بالمؤسسات، وتحد من الفساد وإعادة إنتاج شبكات النفوذ. وتسهم في إرساء علاقة ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
10- قاعدتي التدرج والتوافق تمهيداً لعملية انتخابية فاعلة: فعملية بناء الحياة السياسية والمدنية ينبغي أن تتم عبر: أ) مسار تراكمي ومتوافق عليه، 2) تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار ومتطلبات الانفتاح السياسي. وكل هذا يساهم في تعزيز شروط النقاش والانتاج للنظام الانتخابي والقانون الناظم له.
كوارث التغييب: احتمال متنامي لإعادة انتاج “التحكم”
بخلاف الأسباب المرتبطة بتأخر الاستحقاق التشريعي في سورية، لايمكن الاستناد على أسباب موضوعية في فهم تأجيل استحقاق الإصلاح السياسي في المراحل الانتقالية، إذ يتعذر فهم مستند الحكومة السورية في عدم إفساح المجال للتدافع السياسي والمدني ووضع قواعد ناظمة للحركة العامة دون أن تقيدها، إذ سيساهم هذا التقييد أو التغييب في عرقلة أحد أهم شروط نجاح بقية مسارات التحول. فالدولة التي لا تمتلك قنوات مؤسسية للتعبير والتفاعل السياسي والمشاركة والتفاوض تجد نفسها مضطرة لإدارة المجتمع من خلال أدوات الضبط الإداري أو الأمني، وهو ما يعيد إنتاج أنماط الحكم السلطوي.
تؤدي الحياة السياسية والمدنية المنظمة وظائف وطنية متعددة، فهي تنتج الشرعية وتعيد تجديدها، وتنقل المطالب الاجتماعية إلى المجال المؤسسي، وتمتص التوترات وتحولها إلى تنافس سلمي، وتوفر منصات للمساءلة والرقابة.، كما تسهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وتشكل حاضنة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ومن هذا المنظور، فإن تنظيم الحياة السياسية والمدنية هو ملف عابر للقطاعات ويمثل البنية التحتية السياسية والاجتماعية التي تقوم عليها عملية إعادة بناء الدولة.
لقد أدى تغييب الحياة السياسية والمدنية المنظمة إلى تنامي عدة فجوات؛ شكلت بالتظافر مع الإشكالات المتعلقة بالانتقال واقعاً معقداً يجعل أي “ترند” بمثابة اختبار وجودي يؤثر على حركية الدولة التي تستنزف بإدارة الطوارئ وردات الفعل.
أولى هذه الفجوات تلك المتعلقة بالشرعية والتي تستند بالأساس على ثلاث ركائز: شرعية التحرير، وشرعية الإنجاز، والشرعية المؤسسية. وفي الحالة السورية، وفرت عملية إسقاط النظام شرعية تأسيسية للسلطة الجديدة، إلا أن هذه الشرعية بطبيعتها مؤقتة، وتحتاج إلى التحول التدريجي نحو شرعية مؤسسية قائمة على المشاركة والتمثيل والمساءلة. فغياب أثر الأحزاب الفاعلة، وضعف قنوات الحوار، ومحدودية المشاركة المجتمعية، يجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة مباشرة وهشة، تتأثر بسرعة بالأزمات الاقتصادية أو الخدمية، وتفتقر إلى المؤسسات الوسيطة القادرة على امتصاص الاحتقان. أما ثاني الفجوات فهو مرتبط بمستوى الاستقرار والأمن المجتمعي، إذ تشكل الأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والمبادرات المجتمعية، أدوات سلمية لتنظيم التنافس وإدارة الخلافات. وفي غيابها، تتجه المجموعات المجتمعية إلى البحث عن بدائل للحماية والتمثيل، غالباً ما تكون على أساس مناطقي أو عشائري أو فئوي. وفي بيئة ما بعد النزاع كسورية فقد أدى ذلك إلى رفع احتمالات الاستقطاب، وعودة الولاءات الفرعية، وتوسع الاقتصاد السياسي المحلي، وظهور أنماط من الوساطة غير الرسمية التي قد تنافس مؤسسات الدولة.
ويتعلق ثالث تلك الفجوات بمسار بناء الدولة ومعدلات التنمية، حيث ساهم عدم وجود مؤسسات وسيطة تربط المجتمع بالسلطة في زيادة أعباء الدولة لاسيما في إدارة المطالب الاجتماعية، مما يدفعها إلى إعادة إنتاج المركزية أو الاعتماد على ترتيبات غير مؤسسية مع الفاعلين المحليين. أما الفجوة الرابعة فهي متصلة بالاستحقاقات، فالإدارة الفوقية التي تقودها الدولة وحدها يحرم البلاد من تشكيل حوامل اجتماعية وسياسية لعمليات المصالحة والسلم الأهلي وبناء الثقة، كما أن القنوات الرسمية وحدها لمعالجة آثار العنف وإدارة الذاكرة الجماعية لاتكون فاعلة ومستدامة إن لم يتم تجسير هذا الجهود بشراكة حقيقية مع المجتمع.
إن الإدراك الوطني لكوارث تغييب الحياة السياسية والمدنية وعدم النظر لها كجسر متماسك ينظم العملية الانتقالية ويجعلها أكثر نجاعة،ستعود آثاره على سورية ككل لاسيما فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، فحتى لحظة كتابة هذا المقال ( وكنتيجة) فإنه لا دور محوري للفواعل السياسية والمدنية في إدارة التنوع الديني والإثني والمناطقي ضمن إطار وطني جامع. مما دفع المجموعات المختلفة إلى إعادة التموضع داخل هوياتها الفرعية التي باتت تتعارض مع فكرة “الهوية الوطنية”، إذ تتسيد سواء قسراً أو اقتناعاً مقاربة إعادة انتاج السلطوية وبهذا خطر قد يفجر الوضع العام من جديد.
تأكيدٌ وتوصيات ختامية
بالإضافة إلى المتطلبات التشريعية المتعلقة بتنظيم الحياة السياسية والمدنية ( إصدار قانون حديث للأحزاب السياسية وقانون جديد للجمعيات والمنظمات المدنية وقوانين انتخابات ومراجعة التشريعات المقيدة للحريات العامة) فإن استحقاق بناء مؤسسات تصون وتنظم العمل العام بات ضرورة ملحة لتعزيز الشرعية ودعم متطلبات الاستقرار كـ:
1- إنشاء مجلس وطني للحوار يطلق عجلة الحوار بشكل أفقي وعامودي ويصونها ويوفر لها كل الظروف الملائمة للنجاح والأثر المستدام، دون فرض هذا المجلس رؤيته، ويعمل وفق مبدأ ديمومة الحوار وضروة رفد المؤسسات المعنية بالانتقال بأهم الخلاصات.
2- تشجيع وصيانة دور منظمات المجتمع المدني في اطلاق مبادرات حوار مجتمعية وفق خطة تسهم في انتاج عقد اجتماعي سوري جديد.
3- تأسيس هيئة مستقلة تعكس التنوع الثقافي والسياسي السوري لتنظيم الحياة الحزبية والمدنية
4- تطوير آليات دائمة للتشاور بين الدولة والفاعلين المحليين وذلك عبر تطوير الية انتاج القرار وتضمينها تشميلاً لدور التشاور والتشاركية.
5- دعم المبادرات المحلية وتشجيع المراكز الثقافية على تشميل برامجها سلسلة ندوات حول المشاركة السياسية وأهمية العمل المدني.
6- اطلاق برامج حكومية وغير حكومية تعنى ببناء القدرات والتأهيل السياسي وفق الأسس والمنطلقات الوطنية وفسح المجال أمام القيادات المحلية لتطوير أدواتها من جهة والانخراط الإيجابي في العمل السياسي والمدتي من جهة ثانية.
رغم أهمية الأولويات الملحة وضرورة عدم التأخر فيها إلا أن إعادة بناء المجال العام الذي تنتظم داخله العلاقة بين الدولة والمجتمع يوازي في أهميته امتلاك الدول للجيش وأجهزة الأمن والمؤسسات العامة؛ فتأسيس فضاء سياسي ومدني منظم سيسمح بإدارة التنافس والخلافات والمطالب الاجتماعية عبر مؤسسات وقواعد قانونية مستقرة ويشكل دعامة حقيقة للاستقرار لأنه يعيد تعريف المسؤولية لتكون شراكة مابين الدولة والمجتمع، وهذا يعزز من نجاعة الحركة وإدارة التوقعات وترتيب الأولويات. لاسيما وأن الثورة قد انتجت خلال سنواتها فاعلين جدد، اكتسبوا شرعيتهم من العمل المحلي أو الإنساني أو الثوري أو الخدمي، وراكموا خبرات ومكانة اجتماعية لا يمكن تجاوزها في مرحلة ما بعد النزاع، وسيكون التحدي الأبرز في هذا السياق بتحويل التعددية الناشئة إلى تعددية مؤسسية منتجة لتفاعل السياسي الوطني الداعم للاستقرار ويدعم عملية بناء الدولة برمتها، وبمعنى أخر ستساهم التعددية في ترميم فجوة الشرعية، وتعزيز الثقة وتجفيف منابع الاستقطاب ومناصرة التنمية والعدالة الانتقالية.