ملخص تنفيذي
- شكّل سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 فرصة لإعادة فتح سؤال الخدمة الإلزامية بوصفه جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بالعلاقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية وبكيفية بناء منظومة جديدة للتجنيد والتعبئة. فالمسألة تتجاوز ثنائية الإلغاء أو الاستعادة، وتتصل بإعادة تعريف وظيفة الخدمة بعد عقود من الخوف والابتزاز.
- يرتبط اختيار نموذج الخدمة بالطريقة التي تُعرّف بها الدولة أمنها ومهدداتها. وتُظهر مقاربات الأمن أن تحديد شكل التجنيد ينبغي أن يسبقه تحديد العقيدة الأمنية والعسكرية، وبنية القوة، والمهام المطلوبة منها، وحجم الاحتياط والقدرات التقنية والتخصصية. وضمن هذا التسلسل تصبح الخدمة الوطنية إحدى أدوات سياسة الموارد البشرية والجاهزية، وليست نقطة البداية في بناء المؤسسة العسكرية.
- تُظهر مدارس التفكير حول الخدمة أن آثارها تتحدد بوظيفتها وبالسياق المؤسسي الذي تُطبق داخله. فقد تسهم في الجاهزية أو المشاركة العامة أو التفاعل بين فئات المجتمع، فيما يمكن أن تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي أو أداة لإعادة إنتاج اللامساواة إذا أُديرت داخل مؤسسة فاقدة للثقة أو ضمن نظام غير عادل. كما أن الجيش التطوعي الخالص يطرح بدوره تحديات تتعلق بالتمثيل الاجتماعي واحتمال تركز الانتساب في فئات أو مناطق محددة.
- تؤكد التجارب الدولية غياب نموذج واحد صالح لجميع الدول؛ فبعضها يعتمد جيوشاً احترافية، وبعضها يحافظ على التجنيد، بينما تجمع نماذج أخرى بين القوة المحترفة والاحتياط والتدريب القصير والخدمة المدنية. وتنبع قيمة هذه التجارب بالنسبة إلى سورية من المعايير التي تقدمها لتصميم نظام ملائم، وليس من استنساخ نموذج بعينه.
- يفرض الإرث السوري شرطين أساسيين قبل أي عودة إلى صيغة إلزامية: الشرعية والجاهزية المؤسساتية. فالثقة بالمؤسسة العسكرية، وخضوعها للقانون والمساءلة، وقدرتها على استيعاب المكلفين وتدريبهم وإدارتهم ضمن سلسلة قيادة مستقرة، تمثل شروطاً أساسية قبل توسيع نطاق الخدمة.
- لا يقود استمرار التهديد الإسرائيلي والبيئة الأمنية المضطربة تلقائياً إلى ضرورة التجنيد الجماعي، لكنه يضع سؤال الجاهزية الدفاعية في موقع متقدم. ويقتضي ذلك تحديد طبيعة القوة المطلوبة لمواجهة هذه التهديدات، والمزيج المناسب بين القوات المحترفة والاحتياط والقدرات التقنية والاستخباراتية والتعبئة، ثم تحديد موقع الخدمة الوطنية داخل هذه المنظومة.
- تخلص الورقة إلى أن المرحلة الانتقالية تقتضي تعليق الخدمة الإلزامية من دون البت النهائي بمصيرها، مع ربط الانتقال إلى أي صيغة لاحقة بتحقق شروط مؤسساتية ودفاعية وقانونية واجتماعية واضحة، وليس بانقضاء مدة زمنية محددة وحدها. ويتيح التعليق إعطاء الأولوية لبناء الجيش الاحترافي، وتطوير العقيدة وبنية القوة، وإعادة بناء الإطار القانوني، وطمأنة السوريين داخل البلاد وخارجها، ويمكن خلال مرحلة التعليق تطوير مسارات طوعية للتدريب الأساسي والدفاع المدني والاستجابة للكوارث وبناء قواعد للاحتياط والتخصصات. وعند تحقق شروط الجاهزية، يمكن تحديد النموذج الأنسب، الذي قد يجمع بين الجيش الاحترافي، والاحتياط والتدريب القصير، والمسارات المدنية، وصيغة محدودة من التجنيد إذا أثبت التخطيط الدفاعي الحاجة إليه.
تمهيد
شكّلت الخدمة الإلزامية على مدار عقود كابوساً للسوريين، وكان أمام معظم الشباب السوري خصوصاً بعد عام 2011، خياران: إما القتال وإما الهروب منها. إضافة إلى ذلك، استغل نظام الأسد الخدمة الإلزامية كأداة لتطويع المجتمع واستنزافه في سبيل تغذية الجيش، فضلاً عن استخدام المجندين كأداة لقمع الشعب السوري. لذلك خرجت الخدمة الإلزامية من موقع “الواجب الوطني”، وارتبطت بمنظومة واسعة من الخوف والابتزاز والتمييز والإكراه والاحتياط المفتوح، وبمؤسسة عسكرية سقطت سياسياً وأخلاقياً قبل أن تسقط فعلياً في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
نتيجة لارتباط الخدمة الإلزامية بالمؤسسة العسكرية السابقة، التي سقطت بسقوط نظام الأسد، بدا أن القيادة السورية الجديدة عازمة على إعادة تقديم مفهوم جديد للخدمة الإلزامية وفقاً لتصريحات سابقة للرئيس أحمد الشرع([1])، أو ربما إلغائها في مرحلة لاحقة، وذلك بناءً على ما يتم التوصل إليه في مداولات القيادة ووزارة الدفاع بعد عملية حل الفصائل العسكرية الثورية ودمجها ضمن الوزارة([2]). بالتوازي مع الانتقال التدريجي نحو بناء جيش جديد محترف قائم على التطوع. غير أن هذا التوجه لا يلغي السؤال الأوسع حول موقع الخدمة الإلزامية في سورية الجديدة: هل ينبغي إلغاء الخدمة الإلزامية نهائياً بوصفها جزءاً من إرث سابق؟ أم ينبغي الإبقاء عليها بمفاهيم جديدة؟ أم أن الخيار الأنسب هو تعليقها مؤقتاً إلى حين تحديد احتياجات المؤسسة العسكرية، ثم اختيار الصيغة الملائمة للتجنيد والاحتياط والتعبئة؟
تتحدد إشكالية الخدمة الإلزامية بالسياق الذي تُطبق فيه، وكيفية تطبيقها، والمؤسسة التي تديرها، والغاية التي تُستخدم من أجلها، أكثر من كونها أداة جيدة أو سيئة بذاتها. ففي العديد من الدول، يعد أداء الخدمة الإلزامية واجباً مدنياً مشروعاً، ويُشبه في مفهومه إلى حد كبير واجب دفع الضرائب. ويتم تحديده في الدستور والنصوص التشريعية في الدولة بوصفه مساهمة عامة في الدفاع وتعزيز القدرات الدفاعية للدولة أو المساهمة في التنمية الوطنية، غير أن شرعية هذا الواجب تنبع من عدالته ومهنيته ومعناه ومدى ارتباطه بالمواطنة، لا من صفة الإلزام وحدها. كما توفر بعض الدول مسارات بديلة أو موازية للخدمة العسكرية، مثل الخدمة المدنية، وتقر حق الاستنكاف الضميري، وهو خيار لم يكن متاحاً في عهد نظام الأسد؛ فيما تسمح أنظمة أخرى بالبدل النقدي ضمن شروط محددة كما في سورية سابقاً.
تهدف هذه الورقة إلى إعادة طرح موضوع الخدمة الإلزامية في سورية من زاوية تتجاوز ثنائية الإلغاء أو الإبقاء، من خلال وضعها ضمن نقاش أوسع حول مفهوم الأمن، وطبيعة التهديدات، والعقيدة العسكرية، وبنية القوة، وأنماط التجنيد، والتعبئة. وتنطلق الورقة من استعراض مقاربات الأمن ومدارس التفكير حول الخدمة الإلزامية والوطنية، ثم تنتقل إلى التجارب الدولية والسياق السوري، قبل مناقشة الخيارات الممكنة في ظل إعادة هيكلة القطاع الدفاعي وبناء المؤسسة العسكرية الجديدة.
الخدمة الوطنية في ضوء مقاربات الأمن
يرتبط النقاش حول الخدمة الوطنية بالطريقة التي تُعرّف بها الدولة أمنها، وطبيعة التهديدات التي تواجهها، والأدوات التي تراها مناسبة للتعامل معها. ولذلك يسبق تحديد شكل الخدمة سؤالٌ أكثر اتساعاً يتعلق بمفهوم الأمن نفسه: ما الذي ينبغي حمايته؟ وما طبيعة المهددات؟ وما الأدوات العسكرية وغير العسكرية اللازمة لمواجهتها؟ وتقدم نظريات الأمن إجابات مختلفة عن هذه الأسئلة، تنعكس بدورها على تصور دور المؤسسة العسكرية، وحجمها، وبنية قواتها، وموقع التجنيد والتعبئة ضمنها. وقد يكون توسيع القوات البشرية والاحتياط أداة ملائمة في سياق معين، فيما تتقدم في سياقات أخرى اعتبارات الاحتراف، والتكنولوجيا، والتحالفات، والمؤسسات، والقدرات الاستخباراتية على عامل العدد وحده([3]).
تنطلق المقاربة الواقعية من مركزية الدولة وبقائها وسيادتها، وتركز على التهديدات الخارجية والقوة والردع والقدرة على التعبئة، بما يجعل الموارد البشرية العسكرية والاحتياط جزءاً أساسياً من حسابات القوة عندما تقتضي طبيعة التهديد ذلك([4]). وفي المقابل، توسع المقاربات الليبرالية دائرة الأدوات التي تنتج الأمن لتشمل المؤسسات والتعاون والتحالفات والترابط بين الفاعلين، بما يضع القوة العسكرية ضمن منظومة أوسع من أدوات الدولة([5]). أما المقاربة البنائية فتلفت الانتباه إلى أثر الهوية والتصورات والشرعية في تشكيل معنى الأمن والتهديد؛ فطريقة نظر المجتمع إلى الجيش، وتعريفه للواجب الوطني، ومستوى الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تؤثر في قبول الخدمة وفي الوظائف التي يمكن أن تؤديها داخل المجتمع([6]).
وفي الحالة السورية، تسمح هذه المقاربات بتجنب اختزال النقاش في ثنائية الإبقاء على الخدمة الإلزامية أو إلغائها، وتنقل التحليل إلى سلسلة أوسع تبدأ بتحديد المهددات والأولويات الأمنية، ثم صياغة العقيدة الأمنية والعسكرية، وتحديد بنية القوة المطلوبة، وصولاً إلى اختيار نظام التجنيد والتعبئة الأكثر ملاءمة. وضمن هذا التسلسل تصبح الخدمة الوطنية إحدى الأدوات الممكنة لتحقيق أهداف دفاعية أو اجتماعية أو مؤسساتية محددة، وتخضع قيمتها لطبيعة الهدف الذي يُراد تحقيقه وقدرة المؤسسة والدولة على تنفيذه.
ولا تقتصر القدرة الدفاعية في هذا السياق على حجم القوة البشرية، وإنما تتشكل من مزيج يضم القوات المحترفة والاحتياط والقدرات التقنية والاستخباراتية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، وما يرتبط بها من أنماط الحرب الحديثة وغير المتماثلة، إلى جانب أدوات الردع والدبلوماسية والشراكات الأمنية. ومن ثم، ينبغي تقييم التجنيد وفق الوظيفة التي يمكن أن يؤديها داخل هذه المنظومة، ومقارنته بالبدائل الأخرى من حيث الفاعلية والكلفة والقدرة على التنفيذ.
المدارس الفكرية حول الخدمة الإلزامية
تختلف المقاربات النظرية والسياسية للخدمة الإلزامية تبعاً للزاوية التي يُنظر منها إليها، إذ تقدم أحياناً بوصفها أداة لبناء الأمة أو واجباً من واجبات المواطنة، فيما تقاربها بعض الدول من منظور الجاهزية العسكرية والقدرة على التعبئة. في المقابل هناك مدارس تنظر إليها بوصفها عبئاً اقتصادياً واجتماعياً يطال الشباب ويؤثر في مساراتهم التعليمية والمعيشية. غير أن الدول الخارجة من الصراع تفرض مقاربة إضافية أكثر حساسية، تتصل بالشرعية المؤسساتية.
بطبيعة الحال، لا يمكن لأي نموذج من نماذج الخدمة الإلزامية أن ينجح ما لم يستند إلى شرعية ومستوى مقبول من ثقة المواطنين بالمؤسسة العسكرية المنبثقة عن الدولة التي تمنح تلك المؤسسة التفويض القانوني والسياسي لاستخدام القوة واحتكارها. وفي الدول الخارجة من الصراع، قد يُنظر إلى الجيش القائم على التطوع، إذا لم تُضبط آليات الانتساب إليه، بوصفه مؤسسة إقصائية أو غير ممثلة لتنوع المجتمع، بما يضعف جزءاً من شرعيته الاجتماعية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في الحالة السورية، نتيجة الصراع الممتد بين عامي 2011 و2024 وما خلّفه من انقسامات ومخاوف متبادلة.
الخدمة بوصفها أداة لبناء الأمة
بشكل عام، تنطلق مدرسة بناء الأمة من فرضية ترى في الخدمة الإلزامية أكثر من أداة لرفد المؤسسة العسكرية بالموارد البشرية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى مساحة لإنتاج تجربة وطنية مشتركة وشاملة، من خلال جمع الشباب القادمين من بيئات اجتماعية ومناطقية ودينية ومذهبية وإثنية مختلفة داخل مؤسسة واحدة، ووفقاً لهذه المقاربة، لا تنحصر وظيفة الخدمة في التدريب أو رفع مستوى الجاهزية القتالية، وإنما تمتد إلى بعدها الرمزي والاجتماعي، إذ تضع المواطنين ممن يؤدون الخدمة أمام واجب عام مشترك وتمنحهم لغة وطنية جامعة كما تتيح في الوقت ذاته قدراً من الاختلاط الاجتماعي الذي قد لا توفره الحياة المدنية العادية([7]).
غير أن إشكالية هذه المدرسة تكمن في افتراضها المسبق أن الجيش مؤسسة وطنية موثوقة ومحايدة أصلاً. ففي المجتمعات المنقسمة أو الدول الخارجة من صراع، لا يكفي جمع الأفراد داخل مؤسسة واحدة لتجاوز الانقسامات؛ إذ قد تعيد الخدمة الإلزامية إنتاج هذه الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، خصوصاً عندما تعكس التراتبية أو التعيينات أو حتى أنماط التعامل اليومي اختلالات طائفية أو طبقية أو مناطقية. وبالتالي تتحول الخدمة إلى اختبار إضافي لقدرة الدولة على إدارة التنوع، وضبط المؤسسة العسكرية ضمن قواعد مهنية عادلة، وإقناع المواطنين بأن الخدمة تؤدى لصالح الدولة وحدها، بعيداً عن مصالح أي سلطة أو جماعة بعينها.
الخدمة بوصفها واجباً جمهورياً ومواطنياً
تنطلق مدرسة المواطنة الجمهورية من اعتبار الخدمة الإلزامية واجباً عاماً يرتبط بمعنى المواطنة لا بمجرد الحاجة الأمنية للدولة، فالمواطن، وفق هذه المقاربة، يجمع بين موقعه كصاحب حقوق ودوره كشريك في إنتاج المنافع العامة والدفاع عنها، بما في ذلك الدفاع عن البلاد، والاستجابة للكوارث وحالات الطوارئ وحماية المجتمع والمساهمة في إعادة الإعمار. تدفع هذه الرؤية باتجاه توسيع مفهوم الخدمة الإلزامية، بحيث يتسع مفهومها من البعد العسكري الصرف إلى صيغ مدنية وطنية تشمل الدفاع المدني، والإسعاف، والتعليم، والصحة، والأشغال العامة، وحماية البنى التحتية. وهنا، تتجاوز الخدمة وظيفة تجنيد الشباب إلى إطار أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة المشاركة وتقاسم الأعباء بين الحقوق والواجبات([8]).
تتمثل قوة هذه المدرسة في أنها تفصل الخدمة عن منطق الإلزام أو الإكراه، وتربطها بالمواطنة والمساواة والواجب العام. غير أن هذه الحجة تفقد كثيراً من تماسكها عندما تتحول الخدمة إلى عبء يقع على الفقراء وحدهم، أو عندما تستطيع النخب السياسية والاقتصادية تفاديها عبر النفوذ أو الاستثناءات أو البدل النقدي المكلف. عندها تفقد الخدمة معناها بوصفها تعبيراً عن مساواة المواطنين، وتتحول إلى آلية إضافية لإعادة إنتاج اللامساواة بين من يستطيع الدفع ومن يُدفع وحده إلى الخدمة.
الخدمة من منظور الجاهزية والعقيدة العسكرية
تنظر مقاربة الجاهزية والعقيدة العسكرية إلى الخدمة الإلزامية من زاوية مختلفة، تبدأ من طبيعة التهديد ثم تنتقل إلى تحديد العقيدة العسكرية وبنية القوة اللازمة للتعامل معه. وربما كانت هذه الرؤية، تاريخياً، أحد الأسس التي استند إليها تبني الخدمة الإلزامية في سورية. وتبدأ هذه المقاربة بسؤال: ما طبيعة المخاطر التي تواجهها الدولة؟ وهل تتطلب هذه المخاطر جيشاً احترافياً صغيراً، أم قوة احتياط واسعة، أم منظومة دفاع حدودي، أم قوات متخصصة، أم قدرات استجابة داخلية قادرة على التعامل مع الأزمات والكوارث والاضطرابات؟([9])
غير أن تحديد طبيعة التهديد لا يقود مباشرة إلى اختيار نموذج التجنيد؛ إذ يفترض أن تمر عملية التخطيط عبر صياغة العقيدة الأمنية والعسكرية، وتحديد المهام التي ستتولاها القوات المسلحة، وبنية القوة المطلوبة لتنفيذها، ثم تقدير الاحتياجات البشرية وآليات التجنيد والتعبئة الملائمة. وبهذا المعنى، يصبح حجم القوات ونسبة المحترفين إلى الاحتياط ومدة التدريب وشكل الخدمة نتائج لعملية التخطيط الدفاعي، لا نقطة البداية فيها([10]).
وبناءً على هذه السلسلة، تُصمم الخدمة العسكرية وفق الحاجة الفعلية لبنية القوة، أكثر من استنادها إلى الشعار العام. فإذا كانت الدولة تواجه تهديداً إقليمياً مباشراً، أو تحتاج إلى تعبئة شعبية واسعة، فقد يصبح التجنيد أو التدريب الاحتياطي أداة ضرورية لتعزيز القدرة الدفاعية وتوسيع قاعدة الاحتياط. أما إذا كانت طبيعة التهديدات تتطلب قدرات تقنية عالية، أو قوات محترفة ومدربة لفترات طويلة، أو وحدات قادرة على تنفيذ مهام نوعية، فإن الاعتماد على جيش تطوعي احترافي قد يكون أكثر كفاءة من التجنيد الجماعي طويل الأمد. لذلك، تميل هذه المدرسة في كثير من الحالات إلى النماذج الانتقائية أو الهجينة، التي تجمع بين نواة احترافية صلبة، واحتياط مدرب، وخدمة قصيرة أو تخصصية عند الحاجة. كما أن تطور التكنولوجيا العسكرية، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات، وأنماط الحرب غير المتماثلة، يعيد توزيع الوزن بين الكتلة البشرية والقدرات النوعية، ويجعل تقييم الحاجة إلى التجنيد مرتبطاً بنوعية الحرب المتوقعة بقدر ارتباطه بحجم التهديد([11]).
وتكمن قوة هذه المقاربة في أنها تربط الخدمة بوظيفة دفاعية محددة، وبشكل أبعد من صورة رمزية مجردة عن واجب الخدمة. غير أن حدودها تظهر عندما تتحول اعتبارات الجاهزية إلى ذريعة لتوسيع التجنيد من دون مراجعة فعلية لطبيعة التهديد، أو عندما يُستخدم خطاب الأمن لتبرير استنزاف الموارد البشرية أو كقناع للبطالة بدل بناء قوة عسكرية أكثر مهنية وكفاءة.
النقد الليبرالي-الاقتصادي للخدمة الإلزامية
في المقابل، يقدم النقد الليبرالي-الاقتصادي اعتراضاً جوهرياً على الخدمة الإلزامية، باعتبارها ضريبة غير مباشرة تفرضها الدولة على الشباب في مرحلة عمرية حساسة. إذ تؤدي هذه الخدمة إلى تأخير التعليم والعمل، وقطع مسارات مهنية ناشئة، ومنح المؤسسة العسكرية قوة عمل منخفضة الكلفة، بينما يتحمل المجتمع والاقتصاد الكلفة الحقيقية عبر تراجع الإنتاجية نتيجة تعطل جزء من رأس المال البشري([12]).
هذه الكلفة تتسع كلما طالت مدة الخدمة أو غابت عنها المعايير العادلة والواضحة؛ إذ يمكن أن تنتج عنها تشوهات في سوق العمل، وأن تدفع الشباب إلى تأجيل التعليم والزواج والاستثمار الفردي أو إلى الهجرة، فضلاً عن شعور متزايد لدى الشباب بأن الدولة تستنزف سنوات من عمرهم ولا تستثمرها في مشروع عام ذي معنى. ومن هذه الزاوية، يميل أنصار هذا الاتجاه إلى تفضيل الجيوش الاحترافية القائمة على التطوع، والرواتب المجزية، والحوافز، والتدريب التعاقدي أو الطوعي لقوات الاحتياط.
غير أن الجيش التطوعي الخالص يطرح بدوره إشكالية تتعلق بقاعدته الاجتماعية. فالتطوع لا يتوزع بالضرورة بصورة متساوية بين فئات المجتمع؛ إذ تتأثر دوافع الانتساب بالوضع الاقتصادي، وفرص العمل، ومستوى التعليم، ومكان الإقامة، والحوافز التي تقدمها المؤسسة العسكرية. وقد يؤدي ذلك، مع الوقت، إلى تركز الانتساب في الفئات الأقل دخلاً أو في مناطق وبيئات اجتماعية معينة، فيما تنخفض مشاركة فئات أخرى، بما يجعل المؤسسة العسكرية أضيق تمثيلاً للمجتمع الذي يفترض أن تدافع عنه([13]). وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث تتفاوت الظروف الاقتصادية وفرص العمل بين المناطق والشرائح الاجتماعية بصورة كبيرة، ما يجعل التمثيل الاجتماعي أحد المعايير التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند بناء الجيش الاحترافي([14]).
وفي المقابل، لا يوفر التجنيد الإلزامي ضمانة تلقائية لمعالجة هذا الاختلال؛ إذ يمكن لأنظمة الإعفاء والبدل والنفوذ والقدرة على العودة لبلدان المهجر أو تأجيل الخدمة أن تعيد إنتاج التفاوت نفسه بصيغة أخرى. ولذلك تتجاوز المسألة المفاضلة المجردة بين الجيش التطوعي والتجنيد الإلزامي إلى تصميم سياسة للموارد البشرية تحقق الكفاءة العسكرية، وتوسع قاعدة الاستقطاب، وتحافظ على قدر معقول من التمثيل الاجتماعي، وتوزع أعباء الخدمة بصورة عادلة من دون تعطيل المسارات التعليمية والمهنية للشباب.
الشرعية المؤسساتية في دول ما بعد الصراع
تكتسب مدرسة الشرعية المؤسساتية أهميةً خاصة في الحالة السورية، لأنها تنقل النقاش من سؤال المنفعة العسكرية أو الوطنية للخدمة إلى سؤال أسبق وأكثر حساسية: هل يثق المواطنون بالمؤسسة التي ستتولى إدارتها؟ ففي دولة خارجة من صراع طويل، وتحمل ذاكرة مثقلة بتغول الأجهزة العسكرية والأمنية، لا يمكن إعادة طرح الخدمة الإلزامية استناداً إلى اللغة الوطنية وحدها، أو عبر استدعاء مفاهيم الواجب والانتماء والتضحية بصورة مجردة([15])، خصوصاً في هذه المرحلة من تاريخ البلاد وفي ظل بقاء بعض القضايا غير المحسومة في شمال شرق سورية وفي جنوبها في السويداء.
إذ تكمن الفكرة في أن الشباب يدخلون في نهاية المطاف إلى مؤسسة محددة لا إلى فكرة عامة؛ مؤسسة لها قيادة، وقوانين، وسلسلة أوامر، وسلوك يومي، وتاريخ حاضر في الذاكرة العامة. لذلك، إذا ارتبطت المؤسسة العسكرية في وعي المواطنين بالفساد، أو الطائفية، أو التعذيب، أو الإخفاء القسري، أو الإذلال، أو استخدام المجندين في قمع المجتمع كما كان الحال، فإن أي إلزام جديد سيستدعي ذاكرة الإكراه بأدوات جديدة، وسيضعف قدرتها على اكتساب معنى عقد مواطنة جديد.
من هنا، يصبح ترتيب الأولويات حاسماً. فالسؤال الأول يتعلق بطبيعة الجيش نفسه، ثم تأتي بعد ذلك أسئلة شكل الخدمة ومدتها وآليات الإعفاء والبدل: هل هو جيش وطني مهني، خاضع للقانون والمساءلة والرقابة المدنية، أم أنه مؤسسة ما تزال تحمل آثار الصراع وشبكات النفوذ القديمة والفصائلية؟ وعليه، فإن بناء مؤسسة عسكرية موثوقة وعادلة ومحايدة ينبغي أن يسبق أي تفكير في صيغة إلزامية لاحقة؛ لأن الخدمة لا تكتسب شرعيتها من النص القانوني وحده، وإنما من ثقة المواطنين بأن المؤسسة التي تطلب منهم التضحية تحولت من أداة للسيطرة عليهم إلى إطار عام لحمايتهم وحماية الدولة.
وإلى جانب الشرعية والثقة، تبرز الجاهزية المؤسساتية شرطاً سابقاً لأي توسع في الخدمة. فاستقبال أعداد كبيرة من المكلفين يتطلب مؤسسة قادرة على تدريبهم وإدارتهم وتوزيعهم ضمن هيكل واضح، وسلسلة قيادة مستقرة، وقواعد موحدة للانضباط والمساءلة، إضافة إلى قدرتها على استيعاب التنوع الاجتماعي والمناطقي ضمن مؤسسة مهنية واحدة. وفي الحالة السورية، تتزامن مناقشة مستقبل الخدمة مع استمرار إعادة بناء الجيش وإعادة تنظيم تشكيلاته وتحديد بنيته ووظائفه، ما يجعل قدرة المؤسسة نفسها على الاستيعاب عاملاً أساسياً في تحديد توقيت أي صيغة إلزامية وحجمها. وعليه، لا يكفي أن تصبح الخدمة مقبولة اجتماعياً؛ إذ ينبغي أن تكون المؤسسة التي ستديرها قادرة مهنياً وتنظيمياً على تحويلها إلى خدمة محددة الوظيفة، ومنضبطة، وقابلة للمساءلة([16]).
الخدمة الهجينة: ما بين الجيش الاحترافي والاحتياط الوطني
تطرح مدرسة الخدمة الهجينة محاولةً لتجاوز الثنائية الصلبة بين الخدمة الإلزامية والجيش التطوعي الاحترافي، عبر التعامل مع الخدمة بوصفها سلة أدوات قابلة لإعادة التصميم تبعاً لحاجات الدولة الأمنية والعسكرية، وطبيعة المهددات المحيطة بها، إضافة إلى قدراتها المؤسسية، ومستوى ثقة المجتمع بها. عموماً، تجمع هذه المقاربة بين صيغ متعددة، مثل الخدمة التطوعية، والتسجيل الإلزامي، والتدريب الأساسي قصير المدة، والخدمة المدنية الوطنية، والدفاع المدني، وقوات الاحتياط، والحوافز التعليمية والمهنية. ويصبح الهدف بناء قاعدة أوسع من الجاهزية العامة، من دون استدعاء الشباب جميعاً إلى ثكنات عسكرية لفترات طويلة، وبالتالي يمكن تفعيلها عند الحاجة، من دون تعطيل المسارات التعليمية والمهنية أو إعادة إنتاج أنماط الإكراه السابقة([17]).
بشكل رئيسي تكتسب هذه المدرسة أهميةً متزايدة في الدول التي تحتاج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والداخلية من دون العودة إلى نماذج التجنيد الطويلة والصلبة. كما تبدو أكثر قابلية للتطبيق في المجتمعات الخارجة من الصراع، لأنها تسمح ببناء الثقة تدريجياً بين الدولة والمواطنين، وتمنح الشباب خيارات أوسع للمساهمة العامة، وتفصل بين الحاجة المشروعة إلى الاحتياط الوطني وبين إعادة إنتاج نموذج السوق القسري إلى الخدمة العسكرية الذي يحول الخدمة إلى عبء غير عادل، أو إلى باب جديد لاستنزاف المجتمع باسم الأمن.
ويقود هذا التصور إلى توسيع السؤال من مستقبل الخدمة الإلزامية إلى مستقبل منظومة التجنيد والتعبئة في الدولة. فإدارة الموارد البشرية العسكرية لا تقتصر على الاختيار بين جيش تطوعي وتجنيد إلزامي شامل، وإنما تشمل تحديد العلاقة بين القوة المحترفة الدائمة، والاحتياط، والتسجيل، والتدريب الأساسي، والخدمة المدنية أو التخصصية، وآليات الاستدعاء عند الضرورة. وبهذا المعنى، تصبح الخدمة الوطنية أحد مكونات منظومة أوسع للجاهزية وإدارة القوى البشرية، ويغدو شكلها ومدتها ونطاقها تابعاً لحاجة الدولة وبنية قواتها، بدلاً من أن تكون هي نقطة البداية في تصميم المؤسسة العسكرية([18]).
التجارب الدولية واتجاهات المقارنة
تكشف التجارب الدولية عن مسارات متباينة في التعامل مع الخدمة الإلزامية؛ فبعض الدول اتجه إلى تعليقها أو إلغائها، وبعضها حافظ عليها ضمن عقيدته الدفاعية، فيما أعادت دول أخرى التفكير فيها بصيغ انتقائية أو هجينة. وتخضع هذه الخيارات لطبيعة التهديدات الأمنية، وبنية الدولة، وموقع الجيش في الهوية الوطنية، وحاجات الاقتصاد، ومستوى الثقة بالمؤسسات العامة. وبالتأكيد لا تفيد المقارنة الدولية في الحالة السورية إذا جرى التعامل معها بوصفها نماذج جاهزة للنقل أو الاستنساخ. فالقيمة الحقيقية للمقارنة تكمن في استخلاص المعايير التي ينبغي أن تحكم التفكير السوري في الخدمة، لا في البحث عن نموذج يمكن تقليده أو استعادة التجربة السورية السابقة مع الخدمة الإلزامية. وتشمل هذه المعايير طبيعة التهديد، وشرعية المؤسسة العسكرية، وعدالة توزيع الأعباء، وكفاءة نموذج القوة، وحماية المسارات المدنية، وحدود المفاضلة بين الجيش الاحترافي والنموذج الهجين، وبذلك تصبح التجارب الدولية مدخلاً لاستخلاص محددات أساسية للتفكير في مستقبل الخدمة داخل السياق السوري.
الجيوش الاحترافية وإلغاء الخدمة الإلزامية
حول العالم، اتجهت دول عديدة إلى إلغاء الخدمة الإلزامية أو تعليقها، وانتقلت فعلياً نحو جيوش احترافية تعتمد بصورة أساسية على قوات متطوعة واحترافية، كما في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى في الخليج العربي([19]). وقد ارتبط هذا التحول بتغير طبيعة الحرب أو التهديدات نفسها([20])، وارتفاع الحاجة إلى التخصص والتكنولوجيا والتدريب طويل الأمد، إضافةً إلى رغبة الدول في تجنب الكلفة الاجتماعية والسياسية التي تفرضها الخدمة الشاملة على فئات واسعة من الشباب. في مثل هذه النماذج، يتحول الجيش إلى مهنة قائمة على الاختيار، والتأهيل، والحوافز، والمسار الوظيفي المستقر، بدلاً من كونه محطة عابرة في حياة المواطنين. ويتطلب نجاح هذه الصيغة موارد مالية كافية، ونظام تجنيد فعال، ورواتب وحوافز قادرة على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، إلى جانب مؤسسة قادرة على حماية احترافيتها واستقرارها بعيداً عن الزبائنية والتسييس أو التحول إلى سوق عمل اضطراري للفئات الأكثر فقراً.
المحافظة على التجنيد بوصفه جزءاً من العقيدة الدفاعية
في المقابل، حافظت دول أخرى على الخدمة الإلزامية بوصفها جزءاً من عقيدتها الدفاعية أو من نموذجها الوطني العام. إذ تربط دول مثل فنلندا وسويسرا وكوريا الجنوبية وسنغافورة الخدمة بمنطق الدفاع الإقليمي، أو الردع، أو بناء قوة احتياط واسعة قادرة على الاستجابة عند الحاجة. كما تمثل إسرائيل حالةً خاصة، نظراً لتداخل الجيش بعمق مع سردية نشأة الدولة، وبنية الهوية اليهودية، وطبيعة التهديدات الأمنية المحيطة بها.
وهنا، يتجاوز معنى الخدمة الإلزامية تأمين القوة البشرية إلى كونها جزءاً من العلاقة المنظمة بين المواطن والدولة؛ علاقة تقوم على فكرة تقاسم العبء، وربط الحقوق بالواجبات، وتحويل الدفاع إلى مسؤولية عامة لا إلى وظيفة عسكرية ضيقة. غير أن قابلية هذه التجارب للاستمرار لا تنفصل عن سياقاتها الخاصة، وفي مقدمتها مستوى الثقة بالمؤسسة العسكرية، ووضوح التهديد الخارجي، واستقرار الدولة، ووجود درجة مقبولة من الرضا الاجتماعي حيال عدالة توزيع الأعباء.
لذلك، لا تكفي الإشارة إلى نجاح هذه الدول في الحفاظ على التجنيد للدفاع عن استعادته في حالات أخرى. فالنموذج الذي يستند إلى جيش موثوق، ودولة مستقرة، وتهديد خارجي واضح، وقواعد خدمة عادلة، لا يمكن نقله بصورة مباشرة إلى دولة خارجة من صراع داخلي، أو إلى مجتمع يحمل ذاكرة سلبية تجاه المؤسسة العسكرية. عند هذه النقطة، ينتقل السؤال من تقييم التجنيد في ذاته إلى تفكيك الشروط التي جعلته مقبولاً وفعالاً في تلك الحالات.
عودة النقاش حول التجنيد بعد أوكرانيا
في المقابل، دفعت التحولات الأمنية الأخيرة دولاً أخرى إلى إعادة التفكير في الخدمة العسكرية، أو في صيغ احتياطية بديلة، ولا سيما في أوروبا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وأدى ذلك إلى إحياء الاهتمام تدريجياً بإعادة تفعيل التجنيد الإلزامي وقوات الاحتياط، عالمياً وداخل دول الاتحاد الأوروبي. ففي آذار/مارس 2024، صرّح رئيس لاتفيا إدغارس رينكيفيتش بأنه على الرغم من عدم شعبية التجنيد الإلزامي، فإن “القوات المسلحة في أنحاء أوروبا تواجه صعوبات في التجنيد، ومن شأن التجنيد الإلزامي أن يساعد في بناء قوات احتياط أكثر قدرة على ردع روسيا”، مؤكداً أن “هناك حاجة إلى نقاش جاد حول التجنيد الإلزامي”. وفي آذار/مارس 2025، أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بولندا تعمل على إعداد نموذج يتيح لكل رجل بالغ أن يتلقى تدريباً في حال اندلاع الحرب. وفي شباط/فبراير 2025، كشف وزير الدفاع البلجيكي عن خطط لإرسال رسائل إلى جميع من بلغوا الثامنة عشرة، لدعوتهم إلى المشاركة في خدمة عسكرية طوعية. كما أعلن وزير الدفاع الألماني في أواخر عام 2023 أن تعليق الخدمة العسكرية الإلزامية “كان خطأً”([21]).
أما أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس من الحرب، فقد خفضت الحد الأدنى لسن التجنيد من 27 إلى 25 عاماً في نيسان/أبريل 2024، بعد أن كانت قد أعادت العمل بالتجنيد الإلزامي عام 2014 بسبب الوضع الأمني في شرق البلاد. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ورد أن الولايات المتحدة ضغطت على أوكرانيا لخفض سن التجنيد العسكري إلى 18 عاماً لمعالجة نقص القوى البشرية. وينطبق هذا الاتجاه أيضاً على دول غير متقاربة سياسياً مع الغرب، مثل روسيا، التي تحاول تعويض قواتها من خلال المجندين، والسجناء، وكذلك المرتزقة من عدة دول حول العالم. كما عدلت الصين قواعد التجنيد في عام 2023 بهدف تحسين كفاءة الاستقطاب وتعزيز تجنيد الأفراد ذوي المهارات، مع إتاحة أولوية لإعادة تجنيد عسكريين سابقين مستوفين للشروط “كملحق للقوات العاملة”، ما يشير إلى استمرار الحاجة إلى تعزيز الموارد البشرية العسكرية وتحسين القدرة على الاحتفاظ بالأفراد([22]).
النماذج الهجينة والجاهزية المرنة
تُظهر النقاشات أعلاه أن العودة إلى الخدمة لا تنبع بالضرورة من الحنين إلى نماذج عسكرية سابقة، بقدر ما ترتبط بمحاولة إعادة ضبط العلاقة بين الجاهزية والكلفة والاحتراف. فالدول التي تواجه بيئة أمنية أكثر اضطراباً تتجه إلى توسيع قدرتها على التعبئة والاستجابة، مع تعزيز عدد المنتسبين إلى الجيش، ومن دون تقويض منطق الجيوش الاحترافية الحديثة، أو تحميل المجتمع أعباءً واسعة لا تنسجم مع طبيعة التهديدات الفعلية. وبذلك، تصبح الخدمة أداةً قابلة للتصميم، لا نموذجاً ثابتاً يُعاد استدعاؤه كما كان.
غير أن هذا النقاش لم يُترجم، في معظم الحالات، إلى عودة مباشرة نحو نماذج التجنيد الجماعي القديمة، بل اتجه إلى صيغ أكثر مرونة تتجاوز تلك النماذج، وتجمع بين التسجيل، والفرز، والتدريب القصير، وبناء الاحتياط، والخدمة الانتقائية، أو أنظمة تبدأ بالتطوع مع الاحتفاظ بإمكانية الإلزام عند عدم تحقيق الأهداف العددية أو الدفاعية المطلوبة. مع العلم أن دولاً أخرى تتجه نحو نماذج هجينة تجمع بين التطوع، والحوافز، والتدريب الأساسي، وبناء الاحتياط، والخدمة الإلزامية.
وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة في الحالة السورية، لأنها تفتح مساحة وسطى بين إلغاء الخدمة كلياً وبين إعادتها قسراً وفق النموذج القديم، بما يحمله من ذاكرة سلبية وكلفة اجتماعية عالية. وتحتاج سورية، في مرحلة ما بعد الصراع، إلى إعادة بناء صلتها بالمجتمع عبر مؤسسات عامة موثوقة، وقد تحتاج، وفقاً لتقدير احتياجاتها الدفاعية، إلى احتياط منظم يمكن استدعاؤه تدريجياً عند الضرورة، إلى جانب قدرات في الإسعاف والدفاع المدني والاستجابة للكوارث وحماية البنى التحتية. غير أن هذه الحاجة لا تعني بالضرورة إعادة آلاف الشباب إلى ثكنات طويلة الخدمة، ولا استنساخ نموذج تجنيدي نشأ في ظل دولة أمنية ومؤسسة عسكرية غير خاضعة للمساءلة.
تؤكد المقارنة الدولية والمدارس المتنوعة في هذا المجال أن تقييم الخدمة الإلزامية يحتاج إلى تجاوز الصيغة الثنائية المبسطة، أي الحكم عليها بوصفها جيدة أو سيئة، والانتقال إلى أسئلة أكثر دقة: في أي ظروف تصبح الخدمة ضرورية؟ ومتى تكون مؤقتة؟ ومتى ينبغي تعليقها أو استبدالها بصيغ أخرى؟ وقد تكون الخدمة الإلزامية خياراً ضرورياً لدولة تواجه تهديداً إقليمياً مباشراً، وتحتاج إلى بناء احتياط واسع قادر على التعبئة السريعة. وقد تكون خياراً مؤقتاً لدولة تسعى إلى إعادة بناء قواتها المسلحة خلال مرحلة انتقالية محددة. لكنها قد تتحول، في المقابل، إلى خيار ضار أو فاقد للشرعية في دولة لم تنجح بعد في بناء مؤسسة عسكرية وطنية، مهنية، وقادرة على إدارة الخدمة بعدالة وشفافية.
بطبيعة الحال، يتطلب تقييم الخدمة الإلزامية النظر في العلاقة المركبة بين طبيعة التهديد، وشرعية المؤسسة العسكرية، وقدرة المجتمع على تقاسم الأعباء، وحاجات الاقتصاد، والإطار القانوني الناظم لها. فإشكالية الخدمة تتحدد بالسياق الذي تُفرض فيه، والمؤسسة التي تديرها، والغاية التي تُستخدم من أجلها، أكثر من كونها كامنة في الخدمة ذاتها.
السياق السوري: من خدمة العلم إلى إعادة هيكلة العلاقة العسكرية–المدنية
لذلك، فإن إعادة التفكير في الخدمة اليوم لا تنفصل عن سؤال أوسع يتعلق بإعادة هيكلة العلاقة العسكرية–المدنية: أي جيش تريد الدولة الجديدة بناءه؟ وما موقع المواطن داخله؟ وكيف يمكن تحويل الخدمة من أداة ارتبطت بالخوف والاحتياط المفتوح والتمييز إلى صيغة وطنية قانونية تعيد وصل المجتمع بمؤسسة عسكرية محترفة وخاضعة للرقابة؟
الخدمة الإلزامية من الاستقلال إلى البعث
لا تشبه الحالة السورية الحالات التي يُنظر فيها إلى الخدمة العسكرية بوصفها تقليداً وطنياً مستقراً أو جزءاً من عقد اجتماعي مقبول بين الدولة والمجتمع، ويعود تاريخ التجنيد الإلزامي في سورية، إلى مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة، إذ صدر قانون خدمة العلم رقم 365 بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 1947، بعد أكثر من عام على الجلاء الفرنسي وتنظيم الجيش الوطني قبل أن يتم إقرار قوانين لاحقة لقانون الخدمة الإلزامية([23]).
وقد جعل القانون خدمة العلم واجباً على كل سوري أتم التاسعة عشرة من عمره، مع تقسيم الخدمة بين فعلية واحتياطية، وفتح الباب أمام بعض الإعفاءات والبدلات. وبذلك ارتبط نشوء نظام الخدمة الإلزامية في سورية ببناء جيش الدولة المستقلة داخل بيئة إقليمية متوترة، أكثر من ارتباطه بتقليد وطني مستقر، وسرعان ما تعززت أهميته بعد حرب 1948 في مواجهة إسرائيل، بوصفها المهدد الاستراتيجي الأساسي للدولة السورية.
وخلال مرحلة الجمهورية العربية المتحدة، لم تكن الخدمة الإلزامية ضمن عقد وطني سوري مستقر، بقدر ما أُعيد إدراجها ضمن مشروع وحدوي مركزي تقوده سلطة سياسية وعسكرية متمركزة خارج دمشق. فقد أبقت النصوص الدستورية المتعاقبة على مبدأ الجندية الإجبارية، لكنها لم تُنتج علاقة متوازنة بين المواطن والمؤسسة العسكرية، في ظل غلبة هاجس السيطرة المركزية وإعادة تشكيل الجيش السوري داخل البنية الوحدوية. وبعد الانفصال عام 1961، لم تملك سورية فرصة كافية لإعادة بناء هذا العقد؛ إذ بقي الجيش فاعلاً سياسياً مباشراً في الحكم والانقلابات، وبقيت الخدمة الإلزامية جزءاً من عملية بناء القوة داخل دولة لم تستقر مؤسساتها بعد.
البعث والجيش العقائدي
مع استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، دخلت المؤسسة العسكرية، ومعها الخدمة الإلزامية، طوراً أكثر أيديولوجية؛ إذ اتسع دورها من بناء جيش الدولة والدفاع عن الحدود إلى الارتباط التدريجي بمهمة حماية أهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية، بعد أن جرى تأسيس الجيش على مفهوم “الجيش العقائدي”، بما جعل المؤسسة العسكرية جزءاً من البنية الحزبية-السلطوية لا مؤسسة وطنية محايدة بالكامل([24]). ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتراجع المعنى الجمهوري للخدمة بوصفها واجباً عاماً متساوياً، لصالح تصور يجعل الجيش أداة لحماية النظام السياسي والعقيدة الحزبية، ويفتح الباب أمام تسييس الانتماء العسكري والتمييز بين المواطنين داخل مؤسسة يفترض أن تكون جامعة.
ثم جاء عهد حافظ الأسد ليحول هذا المسار إلى بنية حكم مكتملة؛ إذ خرجت الخدمة الإلزامية من إطار الواجب العسكري المحدد، ودخلت ضمن منظومة أوسع لضبط المجتمع وإدارة الولاءات، وتأمين الموارد البشرية للمؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد أن أُعيد تشكيل الجيش حول مركزية السلطة وشبكات الولاء والطائفية. ومع الأسد الابن، بلغت هذه البنية ذروتها بعد عام 2011، حين تحولت الخدمة والاحتياط إلى أداة استنزاف للمجتمع من أجل تغذية الجيش([25])، وطالت مئات الآلاف من الشباب، وربطت مصائرهم بحاجات النظام العسكرية والأمنية لا بقانون عادل أو مدة خدمة واضحة. وهو ما أورث السوريين نظام خدمة علمٍ تراكبت فيه آثار الانقلاب، والحزب، والطائفية، والحرب، بدلاً من خدمة وطنية مستقرة ([26]).
الخدمة الإلزامية كأداة للضبط والاستنزاف
أسهم نظام الأسد، الأب والابن، في تفكيك التماسك المجتمعي السوري، وترسيخ الطائفية داخل المؤسسة العسكرية على نحو خاص([27])، بما انعكس مباشرة على نظام خدمة العلم، وحوّله من واجب عام مفترض إلى أحد مداخل الانقسام الأفقي بين الجماعات، والعمودي بين المجتمع والدولة. فقد خرجت الخدمة من معنى المساهمة المتساوية في الدفاع عن البلاد، وتحولت إلى أداة لإخضاع الشباب وربط مصائرهم بالمؤسسة العسكرية والأمنية، عبر الاستدعاء، والتمديد، والاحتياط المفتوح، والتحكم بإمكانات السفر والعمل والدراسة والاستقرار العائلي([28]).
وبعد عام 2011، بلغ هذا التحول ذروته؛ إذ تحولت الخدمة والاحتياط إلى آلية واسعة لاستنزاف المجتمع وتغذية آلة النظام العسكرية، لا إلى التزام وطني منظم بمدة واضحة وقواعد عادلة. فأصبحت العلاقة بين المكلف والدولة محكومة بالخوف من السوق، أو الاعتقال، أو الابتزاز، أو الإخفاء، أو الزج في جبهات قتال تعبّر عن حاجة النظام إلى البقاء أكثر من تعبيرها عن عقد وطني جامع. كما أسهمت شبكات الاستثناء والفساد والبدل والتأجيل في تعميق الإحساس باللامساواة، إذ وقع عبء الخدمة بصورة أكبر على الفئات الأقل قدرة على الدفع أو الحماية أو المغادرة، بما عمّق الإحساس باختلال المساواة بين المواطنين.
لذلك، ينطلق النقاش حول الخدمة في سورية من إرث ثقيل جعلها، في الذاكرة الجمعية السورية، مرادفاً للخوف، والضياع، والاحتياط المفتوح، والإذلال، وانعدام القدرة على التحكم بالمصير الشخصي. ومن هنا، تحتاج أي مقاربة جديدة للخدمة إلى ما يتجاوز تغيير الاسم أو تقصير المدة؛ أي إلى تفكيك هذا الإرث، وبناء ضمانات قانونية ومؤسساتية تمنع عودة الخدمة إلى وظيفتها السابقة كأداة للضبط والاستنزاف.
الخدمة الوطنية كخيار مشروط: التماسك، التنمية، والجاهزية الدفاعية
وتنبع شرطية هذا الخيار من أن قدرة الخدمة على أداء هذه الوظائف تتوقف على تصميمها وفق قواعد عادلة، ومدة محددة، ومسارات متعددة، وضمانات تمنع الإكراه والتمييز والفساد والاحتياط المفتوح. بهذا المعنى، تمثل الخدمة الوطنية اختباراً لقدرة الدولة الجديدة على تحويل الواجب العام من أداة ضبط إلى صيغة مواطنة ومساهمة وجاهزية، من دون استعادة صورة الثكنة القديمة.
الخدمة الوطنية والتماسك المجتمعي.. الإمكانات والحدود.
يمكن للخدمة الوطنية، إذا صُممت ضمن قواعد عادلة ومؤسسة مهنية وموثوقة، أن تتيح مساحة للتفاعل بين سوريين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية ومناطقية ودينية ومذهبية وإثنية مختلفة. وقد تساعد التجربة المشتركة في التدريب أو الخدمة العامة على كسر بعض الصور النمطية والحواجز النفسية التي عمقتها سنوات الصراع، وخلق فرص للتعارف والعمل المشترك خارج الدوائر الاجتماعية والمناطقية الضيقة. كما يمكن للمناهج التدريبية التي تتضمن مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان واحترام التنوع أن تدعم هذا الدور إذا انعكست فعلياً في ثقافة المؤسسة وممارساتها اليومية.
غير أن أثر الخدمة في التماسك المجتمعي يظل مشروطاً بطبيعة المؤسسة التي تديرها وبالسياق الأوسع الذي تعمل فيه؛ فجمع الأفراد داخل مؤسسة واحدة لا يؤدي تلقائياً إلى بناء هوية وطنية مشتركة، وقد يعيد إنتاج الانقسامات نفسها إذا انعكست داخل المؤسسة تفاوتات مناطقية أو اجتماعية أو طائفية أو ممارسات تمييزية. كما أن بناء الهوية الوطنية لا يقع على عاتق الجيش وحده، وإنما تشارك فيه المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات العامة والمجال المدني. ومن ثم، يصبح دور الخدمة مكملاً لهذه المؤسسات، وتزداد قدرتها على المساهمة في التماسك عندما تعمل ضمن عقد اجتماعي ومؤسسات تحظى بقدر كافٍ من الثقة والشرعية([29]).
وعموماً، يطرح توسيع مفهوم الخدمة الوطنية أيضاً سؤال المشاركة النسائية. فإذا كانت إحدى وظائف الخدمة إتاحة تجربة وطنية مشتركة ومجالاً للمساهمة العامة، فإن حصرها بالمسار العسكري التقليدي المخصص للذكور يحد من هذه الوظيفة. ويمكن للنموذج متعدد المسارات أن يتيح مشاركة النساء في مجالات مثل الدفاع المدني، والصحة، والإسعاف، والاستجابة للطوارئ، والخدمات العامة، والتخصصات التقنية، وفق قواعد تراعي السياق الاجتماعي السوري وطبيعة كل مسار، وبالتأكيد من دون افتراض نموذج عسكري متماثل للرجال والنساء.
الخدمة الوطنية.. رافد بشري وتنموي
إذا ما أُعيد تصميم الخدمة الوطنية لتكون أداة تنموية بدلاً من أداة تحشيد وعسكرة تلقي بعبء شديد على المجال الاجتماعي والاقتصادي، فإنها قادرة على أن تكون مورداً بشرياً مهماً وعالي القيمة في عملية إعادة بناء الجيش الجديد،
ولا سيما أن السوريين، خلال سنوات اللجوء، اكتسبوا خبرات مهنية وعلمية متنوعة في مجالات عديدة مثل الهندسة، والطب، والتعليم، وتقنيات المعلومات، وإدارة المشاريع.
يمكن لهذه الخبرات أن تسهم في تطوير الجيش الجديد من خلال توظيف أصحاب الاختصاصات الهندسية والطبية والتقنية والمعلوماتية في وظائف تتصل مباشرة باحتياجات المؤسسة العسكرية والدفاعية. ويمكن في الوقت نفسه الاستفادة من الخبرات ذاتها ضمن المسارات المدنية للخدمة الوطنية في مجالات الدفاع المدني، والاستجابة للكوارث، والصحة، والبنية التحتية والخدمات العامة. ويتيح هذا التصميم تحويل الخدمة إلى إطار لنقل المهارات وبناء القدرات، مع الفصل بين الوظيفة العسكرية والمسارات المدنية والتنموية، وتجنب استخدام المجندين كقوة عمل منخفضة الكلفة في مشاريع الإعمار أو القطاعات الاقتصادية. ومن شأن هذه المسارات أن توسع قاعدة الكفاءات الوطنية المدربة، وأن تعزز قدرة المؤسسات العامة على الاستجابة للاحتياجات الطارئة والخدمية ضمن مجالات محددة.
إلى جانب دورها كرافد بشري، يمكن أن ينتج عن نظام البدل النقدي مورد مالي إضافي من خلال المبالغ المدفوعة خلاله من قبل الأفراد الذين يتيح لهم نظام البدل الاستفادة منه، أو ممن تجاوزوا السن المحددة لأداء الخدمة وفقاً لما يحدده القانون، على ألا يكون البدل بالقيم المالية نفسها التي فرضها نظام الأسد([30]). هذه الموارد يمكن أن تُوجه لتمويل مشاريع تنموية أو إعادة الإعمار أو حتى تخصيصها لشراء معدات عسكرية جديدة وحديثة، خصوصاً أن القدرات العسكرية السورية كانت تعاني تقادماً شديداً، وتعرضت لخسائر واسعة خلال سنوات الصراع، ثم لمزيد من التدمير جراء الضربات الإسرائيلية بعد سقوط النظام.
أما البدل النقدي، فيحتاج إلى معالجة مستقلة عن الوظيفة المالية للخدمة الوطنية. فإتاحته على نطاق واسع قد تؤدي إلى توزيع غير متكافئ لأعباء الخدمة، بحيث يتمكن الأكثر قدرة مالياً من تجنبها بينما تتحمل الفئات الأقل قدرة العبء البشري بصورة أكبر. كما أن تحويل أعداد واسعة من المكلفين إلى دافعي بدل يقلل القاعدة التي تحصل على التدريب أو تدخل ضمن منظومة الاحتياط، بما يضعف الوظيفة الدفاعية التي يفترض أن تبرر الخدمة أساساً ([31]). ومن ثم، ينبغي النظر إلى البدل النقدي بوصفه مفاضلة بين مورد مالي محتمل ومتطلبات العدالة والجاهزية الدفاعية، على أن تخضع آليات تنظيمه لاحقاً لتشريع واضح إذا جرى اعتماده ضمن أي نظام خدمة مستقبلي([32]).
التهديد الإسرائيلي وسؤال الجاهزية وبنية القوة
يضاف إلى ذلك أن سورية تناقش مستقبل الخدمة الوطنية في ظل مهدد خارجي مستمر يتمثل في الوجود الإسرائيلي واحتلال مرتفعات الجولان منذ عام 1967، وبقاء الجبهة الجنوبية واحدة من أكثر الجبهات حساسية في بنية الأمن الوطني السوري. فقد أُنشئت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك عام 1974 لمراقبة وقف إطلاق النار واتفاق فصل القوات بين سورية وإسرائيل، والإشراف على منطقة الفصل والقيود العسكرية المرتبطة بها، ما يعكس أن العلاقة السورية–الإسرائيلية بقيت، حتى في فترات الهدوء النسبي، محكومة بمنطق ردع هش لا بمنطق تسوية نهائية([33]).
وبعد سقوط نظام الأسد، اكتسب هذا المهدد بعداً إضافياً، إذ دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي المنطقة العازلة، بالتوازي مع ضربات واسعة على مواقع عسكرية سورية، ووسّعت إسرائيل حضورها العسكري بذريعة منع تشكّل تهديدات على الحدود([34]). ويفرض استمرار هذا التهديد إدراج الجاهزية الدفاعية في صلب النقاش حول بناء المؤسسة العسكرية الجديدة، من دون أن يحدد بذاته شكل نظام التجنيد أو حجم القوات المطلوبة. فالسؤال يسبق ذلك ويتعلق بطبيعة القدرة التي تحتاجها سورية لمواجهة بيئتها الأمنية: حجم القوة المحترفة الدائمة، ونوعية التخصصات العسكرية والتقنية، وحجم الاحتياط، وقدرات التعبئة، والدفاع الجوي، والاستخبارات، وحماية البنية التحتية. وتحدد العقيدة العسكرية وبنية القوة الناتجتان عن هذا التقدير حجم الدور الذي يمكن أن تؤديه الخدمة الوطنية ضمن المنظومة الدفاعية.
ويمثل استمرار الاحتلال في الجولان، وتآكل ترتيبات اتفاق فصل القوات لعام 1974، والقيود التي تحاول إسرائيل فرضها على انتشار الجيش في الجنوب، إلى جانب تدخلها في ملفات محلية مثل السويداء([35])، عوامل تضع مسألة بناء القدرة الدفاعية الوطنية في موقع متقدم ضمن أولويات الدولة. وتستلزم الاستجابة لهذه البيئة تقدير الاحتياجات الدفاعية الفعلية أولاً، ثم تحديد المزيج المناسب بين القوة المحترفة والاحتياط والقدرات التقنية والتخصصية والتعبئة عند الضرورة. وضمن هذا الإطار، يمكن أن تؤدي الخدمة الوطنية القصيرة أو التدريب الأساسي أو الدفاع المدني أدواراً مساندة، إذا أثبت تصميم بنية القوة حاجة فعلية إليها.
الإطار الدستوري والقانوني للخدمة الوطنية الجديدة
أعاد الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 نقل النقاش حول الخدمة العسكرية من منطق “الواجب المقدس” الذي كرّسه دستور 2012([36])، إلى منطق أوسع يتصل ببناء جيش وطني محترف، وحصر السلاح بيد الدولة، وربط المؤسسة العسكرية بسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان. فقد نصت المادة 9 من الإعلان الدستوري على أن “الجيش مؤسسة وطنية محترفة مهمته حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها”، وأن ذلك يكون “بما يتوافق مع سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان”، كما أكدت أن الدولة وحدها هي التي تنشئ الجيش، وأنه يُحظر على أي فرد أو هيئة أو جماعة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، مع حصر السلاح بيد الدولة.
كما جعلت المادة 42 من مهام السلطة التنفيذية “بناء جيش وطني احترافي” يتولى الدفاع عن حدود البلاد وسيادتها وحماية الشعب، مع الالتزام باحترام القوانين النافذة. وبهذا المعنى، لا يقرر الإعلان الدستوري نموذجاً محدداً للتجنيد، وإنما يؤسس لمجموعة من الضوابط التي ينبغي أن تحكم أي نظام خدمة عسكرية أو وطنية لاحق، وفي مقدمتها احتراف المؤسسة العسكرية، وحصر السلاح بيد الدولة، وسيادة القانون، وحماية الحقوق. ويتيح ذلك تنظيم الخدمة، عند الحاجة إليها، بوصفها جزءاً من بناء المؤسسة العسكرية الجديدة لا امتداداً للنموذج السابق.
أما من الناحية القانونية، فقد مثّل المرسوم التشريعي رقم 30 لعام 2007 وتعديلاته الإطار الأساسي الناظم لخدمة العلم حتى سقوط النظام، وخضع خلال السنوات اللاحقة لعدد من التعديلات التي تناولت مدد الخدمة والتأجيل والإعفاء والبدل والاحتياط وغيرها من المسائل([37]). ومع التحول السياسي والمؤسساتي بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، أصبحت إعادة تقييم هذا الإطار القانوني جزءاً من عملية إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية، بما يستدعي حسم وضع التشريعات السابقة وتحديد ما يبقى منها وما يحتاج إلى الإلغاء أو التعديل أو الاستبدال.
وفي مقابلات معمقة سابقة مع عدد من الضباط المنشقين، أشار المشاركون إلى أن الإشكالية لم تكن مرتبطة بالنص التشريعي وحده، وإنما أيضاً بطريقة تطبيقه والسياسات والممارسات التي حكمت التجنيد والاحتياط، ولا سيما بعد عام 2011([38]). ومن ثم، فإن إعادة بناء النظام القانوني للخدمة تتطلب معالجة النصوص وآليات التنفيذ والضمانات المؤسساتية في آن واحد. وتقتضي هذه العملية إعادة صياغة الإطار التشريعي الناظم للخدمة بما ينسجم مع المفهوم الجديد والضمانات المؤسساتية المرتبطة به.
من هذا المنطلق، ينبغي أن يتيح الإطار القانوني الجديد للدولة تنظيم أشكال مختلفة من الخدمة والتدريب والاحتياط والتعبئة وفق الاحتياجات التي تحددها العقيدة العسكرية وبنية القوة، مع إخضاع أي التزام يفرض على المواطنين لمبادئ الشرعية والمساواة والتناسب وحماية الحقوق. ويقتضي ذلك تحديداً واضحاً لمدة الخدمة وأهدافها ومساراتها، وشروط الاستدعاء والتأجيل والإعفاء، وآليات التظلم والرقابة والمساءلة، بما يمنع عودة الاحتياط المفتوح أو التمييز أو الاستخدام التعسفي للمكلفين. كما ينبغي أن يستوعب التشريع إمكان تعدد مسارات الخدمة، بين العسكري والمدني والتخصصي والاحتياط، وأن يحدد العلاقة بين هذه المسارات بصورة واضحة وعادلة. وفي هذا الإطار، تصبح الخدمة الوطنية أداة قانونية يمكن للدولة اللجوء إليها ضمن منظومة أوسع للتجنيد والتعبئة عندما تثبت الحاجة إليها، على أن يتناسب نطاقها وأعباؤها مع الغاية التي تقررت من أجلها وقدرة المؤسسة على إدارتها. وبناءً على ما سبق، يمكن مقارنة البدائل الرئيسية المتاحة لسورية وفق الوظيفة الدفاعية، والكلفة، والعدالة، ومتطلبات الجاهزية المؤسساتية، على النحو الآتي([39]):

تعليق الخدمة الإلزامية في المرحلة الانتقالية
تتطلب المرحلة الانتقالية تعليق الخدمة الإلزامية من دون البت النهائي بمصيرها، على أن يرتبط الانتقال إلى أي صيغة لاحقة بتحقق مجموعة من الشروط المؤسساتية والدفاعية والقانونية والاجتماعية، أكثر من ارتباطه بانقضاء مدة زمنية محددة. ويتيح التعليق للدولة إعطاء الأولوية لبناء الجيش الاحترافي، وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتحديد عقيدتها وبنية قواتها واحتياجاتها البشرية، بالتوازي مع تطوير الإطار القانوني الناظم للعلاقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية. كما يخفف الضغوط عن الشباب داخل البلاد وخارجها، ويمنح اللاجئين والنازحين قدراً أكبر من الطمأنينة تجاه العودة من دون مواجهة التزامات عسكرية مباشرة فور عودتهم.
وخلال مرحلة التعليق، تتركز الأولوية على تطوير القدرة المؤسسية اللازمة لأي نظام خدمة لاحق، بما يشمل أنظمة التدريب والإدارة والانضباط والمساءلة، واستكمال بناء سلسلة القيادة، وتقدير الاحتياجات البشرية الفعلية وفق العقيدة العسكرية وبنية القوة. ويمكن بالتوازي تطوير مسارات طوعية للتدريب الأساسي والدفاع المدني والاستجابة للكوارث، وبناء قواعد بيانات للاحتياط والتخصصات المتاحة، بما يسمح باختبار قدرة المؤسسات على إدارة هذه المسارات قبل الانتقال إلى نطاق أوسع من الخدمة([40]).
ويصبح اتخاذ القرار بشأن النموذج المستقبلي للخدمة والتجنيد ممكناً عندما تتوافر مجموعة من المؤشرات، من بينها استقرار بنية المؤسسة العسكرية، وقدرتها على الاستيعاب والتدريب، ووضوح العقيدة والاحتياجات الدفاعية، وتوافر إطار قانوني يحمي حقوق المكلفين، وارتفاع مستوى الثقة بالمؤسسة، ووجود قدرة مالية وإدارية على إدارة الخدمة بصورة عادلة([41]). وعند تحقق هذه الشروط، يمكن الانتقال إلى تحديد النموذج الأنسب وفق الاحتياجات الدفاعية وبنية القوة، سواء عبر تعزيز الجيش الاحترافي، أو تطوير منظومة الاحتياط والتدريب القصير، أو اعتماد مسارات مدنية، أو بحث صيغة محدودة من التجنيد إذا أثبت التخطيط الدفاعي حاجة فعلية إليها.
إضافة إلى ذلك، وفي حال الانتقال مستقبلاً إلى تطبيق الخدمة الوطنية، ينبغي إعادة بناء نظام الإعفاءات على معايير واضحة وموحدة، تشمل الحالات الصحية، والإعالة الأسرية، والظروف الاجتماعية التي يتعذر معها أداء الخدمة. كما ينبغي وضع آلية لاحتساب الخدمة العسكرية السابقة الموثقة ضمن التشكيلات التي جرى دمجها في مؤسسات الدولة، بما يمنع ازدواج الخدمة بالنسبة إلى من سبق أن أدوا مهام عسكرية فعلية. ويمكن، ضمن أحكام انتقالية خاصة، إقرار إعفاء لأبناء شهداء الثورة السورية، تقديراً لما تحملته أسرهم من أعباء وخسائر خلال سنوات الصراع، على أن تحدد شروط هذا الإعفاء ونطاقه بصورة واضحة في القانون. ويتيح هذا الفصل بين الإعفاءات العامة، واحتساب الخدمة السابقة، والاستثناءات الانتقالية الخاصة، الحفاظ على قدر أكبر من الوضوح والعدالة في توزيع أعباء الخدمة.
خاتمة وتوصيات
تفضي مراجعة مقاربات الأمن ومدارس التفكير والتجارب الدولية والسياق السوري إلى نتيجة مركبة تتجاوز ثنائية إلغاء الخدمة الإلزامية أو استعادتها كما كانت. فاختيار نظام الخدمة لا يبدأ من تحديد ما إذا كان التجنيد إلزامياً أو تطوعياً، وإنما من تعريف التهديدات التي تواجه الدولة، وصياغة عقيدتها الأمنية والعسكرية، وتحديد بنية القوة التي تحتاجها، ثم تقدير احتياجاتها البشرية وآليات التجنيد والاحتياط والتعبئة المناسبة لها. وضمن هذا التسلسل، تصبح الخدمة الوطنية إحدى الأدوات الممكنة لتحقيق أهداف محددة، وليست نموذجاً قائماً بذاته يُفترض تبنيه مسبقاً.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث ارتبطت الخدمة الإلزامية لعقود بالخوف والتمييز والاحتياط المفتوح واستنزاف المجتمع، فيما لا تزال المؤسسة العسكرية الجديدة في طور إعادة البناء وتحديد بنيتها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع. ولذلك ترتبط شرعية أي صيغة لاحقة للخدمة بقدرة المؤسسة على اكتساب الثقة، واستيعاب التنوع الاجتماعي والمناطقي، وإدارة الخدمة ضمن قواعد مهنية وقانونية واضحة، إلى جانب قدرتها الفعلية على التدريب والإدارة والمساءلة. كما ينبغي أن تراعي سياسة الموارد البشرية التمثيل الاجتماعي داخل الجيش، بحيث لا يؤدي نموذج التطوع بدوره إلى نشوء مؤسسة ضيقة القاعدة اجتماعياً أو اقتصادياً.
وفي المرحلة الحالية، يقتضي ذلك استمرار تعليق الخدمة الإلزامية، وإعطاء الأولوية لاستكمال بناء الجيش الاحترافي، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وتطوير أنظمة التدريب والإدارة والانضباط والمساءلة. ويتزامن ذلك مع إجراء تقييم شامل للتهديدات والعقيدة العسكرية وبنية القوة والاحتياجات البشرية الفعلية، بما يسمح بتحديد حجم القوة الدائمة، وحجم الاحتياط، والقدرات النوعية المطلوبة. وعلى أساس هذا التقييم، ينبغي مقارنة البدائل المتاحة من حيث الفاعلية الدفاعية، والكلفة المالية والاجتماعية، وعدالة توزيع الأعباء، والجاهزية المؤسساتية، والأثر في المسارات المدنية للشباب. ويشمل ذلك الجيش الاحترافي، والاحتياط والتدريب القصير أو الانتقائي، والخدمة الوطنية المدنية، وإمكان اعتماد صيغة محدودة من التجنيد إذا أثبت تخطيط القوة حاجة فعلية إليها. وبذلك يصبح القرار المستقبلي بشأن الخدمة نتيجة لتقدير الاحتياجات والبدائل والشروط، لا افتراضاً سابقاً لعملية التخطيط.
([1]) “أحمد الشرع يعلن نهاية عهد التجنيد الإلزامي في سورية ويحدد استثناءات مؤقتة”، روسيا اليوم، تاريخ النشر: 15/12/2024، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4gv7Ahh
([2]) “الشرع يتفق مع قادة الفصائل السورية على الاندماج في وزارة الدفاع “، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 24/12/2024، رابط إلكتروني: https://bit.ly/41QStdE
([3]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، ورشة عمل غير منشورة، تاريخ: 19/08/2026، دمشق – سورية.
([4]) Kenneth N. Waltz, “Theory of International Politics”, Addison-Wesley Publishing Company, Published on: 1979, Relevant Pages: 91–93, 104–105, 117–118, Link: https://bit.ly/3VlajE8
([5]) Robert O. Keohane and Lisa L. Martin, “The Promise of Institutionalist Theory”, International Security, Vol. 20, No. 1, Published on: Summer 1995, Relevant Page: 42, Link: https://bit.ly/4y9xekq
([6]) Alexander Wendt, “Anarchy is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics”, International Organization, Vol. 46, No. 2, Published on: Spring 1992, Relevant Pages: 395, 397–399, Link: https://bit.ly/4xE4XBA
([7]) Ronconi, J P, and D Ramos-Toro, “Nation-Building through Military Service”, Journal of the European Economic Association, Published on: 18/12/2025, Link: https://bit.ly/4vowOET
([8]) Elena Lazaro, “Conscription as an Element in European Union Preparedness”, European Parliament, 19/03/2025, Link: https://bit.ly/4xoWzqG
([9]) Bernard D. Rostker, “The Evolution of the All-Volunteer Force”, Rand, Published on: 28/08/2006, Link: https://bit.ly/4ucx60z
([10]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق
([12]) Katarina Keller, Panu Poutvaara, and Andreas Wagener, “Military Draft and Economic Growth in OECD Countries”, IZA Discussion, March 2006, Link: https://bit.ly/3Q43THk
([13]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق
([15]) Pedro Accorsi and Ronald R. Krebs, “The Soldier in the State: Explaining Public Trust in the Armed Forces”, SAGE Journals, Published on: 09/12/2024, Link: https://bit.ly/3PWOiJG
([16]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق
([17]) “Conscription as an Element in European Union Preparedness”, Ibid.
([18]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق
([19]) إليونورا أردماني، “التجنيد الإلزامي في الدول الخليجية الجديدة”، مركز كارنيغي/ صدى، تاريخ النشر: 25/04/2018، رابط إلكتروني: https://bit.ly/43SJo3q
([20]) “The Evolution of the All-Volunteer Force”, Ibid
([21])“Conscription as an Element in European Union Preparedness”, Ibid.
([22])“Conscription as an Element in European Union Preparedness”, Ibid.
([23]) “القانون 365 لعام 1947، قانون خدمة العلم”، الجريدة الرسمية، العدد 55، رقم الصفحة 3259، تاريخ صدور العدد: 24/12/1947.
([24]) بشير زين العابدين، “الجيش والسياسة في سورية 1918- 2000”، دراسة نقدية (لندن: دار الجابية، 2008)، ص 345.
([25]) محسن المصطفى، “استنزاف المجتمع يغذّي الجيش”، مركز كارنيغي/ديوان، تاريخ النشر: 25/02/2020، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3nkYRFc
([26]) محسن المصطفى، “القتال أو الهروب، كابوس التجنيد الإلزامي في سورية”، معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، تاريخ النشر: 31/07/2023، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3QgKT5Z
([27]) محسن المصطفى، “مراكز القوة في جيش النظام 2020: نهج الصفاء العلوّي”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر: 13/03/2020، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3ciSawT
([28]) محسن المصطفى، “الخدمة الاحتياطية في سورية..التحولات والأهداف”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر: 06/08/2024، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3Aiqd7H
[29] مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق
([30]) “خدمة بدل الخدمة العسكرية تصل 140 مليون ليرة”، شبكة شام الإخبارية، تاريخ النشر: 27/09/2023، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3DpyYOT
([31]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق
([32]) يمكن، في حال اعتماد البدل النقدي مستقبلاً، بحث آليات تحد من أثره التمييزي، مثل تحديد نسبة قصوى للمستفيدين منه، أو الاختيار بالقرعة بين المستوفين للشروط، أو اعتماد تقسيط يراعي مستويات الدخل. وتبقى هذه الآليات جزءاً من التصميم التشريعي اللاحق وليست توصية نهائية لما يمكن العمل عليه.
([33]) “Separation of Forces Agreement between Israel and Syria”, United Nations Peacemaker, Published on: 31/05/1974, Link: https://bit.ly/4frFQwd
([34]) ساشا العلو، صبا عبداللطيف، محسن المصطفى، “ما بعد المحور: المقاربة الإسرائيلية في سورية من إدارة التهديد إلى محاولات تشكيل المجال الأمني”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر: 12/05/2026، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4g0v7ZU
([35]) “Netanyahu says Israel won’t allow Syrian forces ‘south of Damascus”, Associated Press, 24/02/2025, Link: https://bit.ly/4uVYvFm
([36]) “دستور عام 2012”، مجلس الشعب السوري، تاريخ النشر: 27/2/2012، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3fpJiHt
([37]) “المرسوم التشريعي 30 لعام 2007 المتضمن قانون خدمة العلم”، مجلس الشعب السوري، تاريخ النشر: 12/05/2007، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3EyjJSk
([38]) خلال السنوات الماضية، نفذ مركز عمران للدراسات الاستراتيجية عدداً كبيراً من المقابلات وورش العمل مع ضباط وعسكريين منشقين عن نظام الأسد، ونوقشت خلالها قضايا متنوعة تتعلق بالمؤسسة العسكرية، من بينها الخدمة الإلزامية.
([39]) لا تمثل هذه الخيارات نماذج متنافية بالضرورة؛ إذ يمكن الجمع بين أكثر من خيار ضمن منظومة واحدة، على أن يحدد تخطيط القوة وظيفة كل مسار وحجمه.
([40]) مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، “مستقبل الخدمة الوطنية في سورية”، مرجع سابق