انتقل إلى المحتوى
AR EN TR

دور الجامعات السورية في تنمية الوعي السياسي

ياسمين المشهور

مساعد باحث

28 أكتوبر 2026
6 دقيقة قراءة
PDF

وتصبح هذه الوظيفة أكثر إلحاحًا في سورية، بعد سنوات طويلة من الصراع، وتراجع المجال العام، وتسييس مؤسسات التعليم على نحو أضعف استقلاليتها. فالجامعة السورية أمام فرصة لإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع والدولة، ليس باعتبارها أداةً لإنتاج الكفاءات المهنية فقط، وإنما بوصفها مساحةً لتكوين مواطنين قادرين على المشاركة الواعية في الحياة العامة، ولا سيّما بعد ما تعرّضت له سورية في السنوات السابقة من استنزاف بشري واجتماعي بفعل الهجرة والنزوح والاختفاء القسري.

لا يمكن الحديث عن دور الجامعات السورية في تنمية الوعي السياسي بمعزل عن دراسة واقعها في زمن الصراع بعد عام 2011؛ إذ إن فهم التحوّلات التي طرأت على الحياة الجامعية لاحقًا يتطلّب التوقف عند طبيعة البيئة التي تشكّل فيها وعي الطلاب وممارساتهم السياسية والاجتماعية. ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وما شهدته لاحقًا من تحوّلات بفعل عوامل ومتغيّرات داخلية وإقليمية ودولية، وانتقالها إلى صراع مركّب، تشكّلت مؤسسات التعليم العالي في سياق هذه المجريات السياسية والتاريخية، بما في ذلك الصراعات التي تجاوز تأثيرها حدود الدولة. وقد لعبت هذه المؤسسات بدورها دورًا مهمًّا في تشكيل الصراع وطبيعته، سواء من خلال الاحتجاجات الطلابية أو إعادة تعريف معنى الحياة الأكاديمية والطلابية في سورية، كما يتّضح، على سبيل المثال، من تجربة اتحاد الأكاديميين السوريين الأحرار([1]).

والأهم من ذلك أن الصراع المتصاعد في سورية كان له تأثير هائل في قدرة مؤسسات التعليم العالي وأدائها الوظيفي، وفي حياة الطلاب ومعلّميهم وسبل عيشهم. ويبدو واضحًا أن الطلاب والأكاديميين في هذه المؤسسات يجب أن يكونوا على رأس جدول أعمال التعليم العالي الدولي والإنساني، باعتبار أن لديهم القدرة على المساهمة في استتباب الأمن في سورية. كذلك،

شدّد النظام السابق سيطرته على مؤسسات التعليم العالي في المناطق التي كان يسيطر عليها، بما في ذلك مضمون المناهج الدراسية وطريقة تقديمها للطلاب، مع استمرار غياب التطبيق العملي للمعلومات، وزيادة الاعتماد على أسلوب التعلّم عن طريق الحفظ عن ظهر قلب، وعلى المناهج والكتب الدراسية التي عفا عليها الزمن.

كما وُصفت أساليب التدريس بعد عام 2011 بصورة سلبية، بأنها «تقليدية ونظرية» و«ركيكة وضعيفة». وفي حين كانت هذه الحالة سائدة إلى حدّ كبير قبل عام 2011، فإن انخفاض جودة التدريس تفاقم بعد ذلك بسبب خسارة الكوادر المؤهلة وذات الخبرة، وتعيين خرّيجين حديثي التخرّج يفتقرون إلى التدريب الكافي، والحاجة إلى تكليف المدرّسين بتدريس مواد خارج مجال تخصصاتهم، واستمرار غياب الفرص المتاحة لإنجاز الدراسات التطبيقية([2])

أما فيما يخصّ نزاهة التعليم العالي، فتشير التقارير المتعلقة بانتشار حالات الرشوة والغش، المدعومة بالدراسات والمنشورات غير الرسمية على شبكة الإنترنت، إلى أن اقتصاد الحرب أدّى إلى زيادة معدلات الفساد، حيث باتت هذه الظاهرة تمثّل تهديدًا لنزاهة التعليم العالي. كما أدّت الحرب إلى انتشار الشهادات المزوّرة على نطاق واسع، الأمر الذي أدّى بدوره إلى تزايد مستويات عدم الثقة بهذه الشهادات على الصعيد الدولي، وتضاؤل فرص الحراك الاجتماعي أمام الذين سعوا للحصول على شهادات تعليم عالٍ معتمدة من سورية أو حصلوا عليها بالفعل. وبات الاعتراف الدولي بهذه الشهادات مهدّدًا بفعل تفشّي الفساد والانقطاع عن التعليم. ونتج عن ذلك تقييد حركة الطلاب والأكاديميين بشكل كبير، سواء داخل سورية أو في دول اللجوء([3])

والآن، بعد التحوّلات العميقة التي طرأت على المجتمع السوري، لم يعد دور الجامعات مقتصرًا على التعليم الأكاديمي، بل أصبحت أمام مسؤولية اجتماعية. فوجود بيئة جامعية تتيح للطلاب فهم القضايا العامة ومجريات الشأن السياسي وتأثيراته الاجتماعية، وتعلّم الحوار واحترام الرأي الآخر، والتمييز بين المعلومة والرأي، والتعامل النقدي مع الأخبار، أمرٌ بالغ الأهمية. فالجامعات تضمّ الشباب الذين سيشكّلون مستقبل المجتمع، ومن ثمّ، فإن طريقة تعاملها مع قضايا الاختلاف والمشاركة والمسؤولية العامة يمكن أن تترك أثرًا يتجاوز حدود القاعات الدراسية. ويصبح تعزيز الوعي السياسي وقيم المواطنة جزءًا من بناء شخصية الطالب، بما يساعده على الانتقال إلى موقع المواطن القادر على التفكير النقدي، والحوار مع الآخرين، والمشاركة الإيجابية، والتعامل الواعي مع ما يقرأه ويشاهده.

تستطيع الجامعات أن تعزّز هذا الوعي من خلال الربط بين المعرفة الأكاديمية والقضايا العامة عبر عدة مسارات، منها: تطوير المنظومة القانونية الناظمة للعمل الجامعي، بما يضمن حماية الطلاب والتعددية، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز قيم المواطنة؛ وإثراء المناهج بمضامين تساعد على تحقيق ذلك؛ وتنظيم الأنشطة والفعاليات الطلابية، وغيرها من الممارسات التي تشكّل البيئة الجامعية. وبذلك، يصبح الوعي السياسي والمواطني نتيجةً لمنظومة جامعية متكاملة، وليس نتاجًا لتدريس العلوم السياسية أو بعض التخصصات الإنسانية فقط.

وبذلك، فإن تنمية الوعي السياسي في الجامعات السورية تتطلّب العمل على نقل الطلاب تدريجيًا من المتابعة إلى المشاركة. ويمكن أن يشكّل هذا الانتقال أحد المعايير الأساسية لقياس مدى نجاح الجامعة في أداء دورها في بناء مواطن قادر على فهم الشأن العام والمساهمة فيه. وفي الحالة السورية، تؤدي الجامعات دورًا مهمًّا، ولا سيّما بعد سقوط النظام وما خلّفه الصراع من إشكاليات وآثار لا يزال المجتمع السوري يعاني منها.

فمن جهة، تشكّل الجامعات فضاءً يجمع الطلبة من مختلف المحافظات والمناطق والخلفيات الاجتماعية والثقافية، ما يتيح فرصةً للحوار وتبادل وجهات النظر حول القضايا التي تهمّ المجتمع. وإذا وفّرت الجامعات بيئةً مشجّعة على احترام التعددية وقبول الاختلاف، فإنها تسهم في الحدّ من النزاعات المناطقية. وبذلك، يمتد دور الجامعات إلى بناء اتجاهات قائمة على المسؤولية المجتمعية، وتعزيز فرص التفاهم والتقارب بين أبناء المحافظات السورية، ليمتد أثر ذلك إلى المجتمع الأوسع.

ومن جهة أخرى، وبعد استنزاف الكوادر البشرية نتيجة الهجرة التي طالت الشباب، أصبح من الضروري تهيئة كوادر ونخب قادرة على قيادة المؤسسات الحكومية مستقبلًا، بما يسهم في سدّ احتياجات الدولة من الكفاءات المؤهلة، وربط التعليم الجامعي باحتياجات الإدارة والمرحلة التنموية التي تمرّ بها البلاد، وإعادة إنتاج النخب البيروقراطية. ولا سيّما أننا مقبلون على مراحل جديدة تتطلّب مشاركة سياسية واعية، لطالما انتظرها الشباب السوري بعد تهميش وإقصاء دام طويلًا، بالتزامن مع احتمال تشكيل أحزاب سياسية وطنية. كما أن إقامة أنشطة طلابية وفعاليات حوارية تكسب الطلبة خبرات عملية في العمل الجماعي وتحمّل المسؤولية، وهي مهارات مهمّة جدًا لمشاركتهم المستقبلية في الشأن العام.

ولعلّ من المفيد أن نطرح الأدوات العملية التي تسهم في أداء هذا الدور، ومنها: تفعيل الأنشطة الطلابية بما يتيح المشاركة التطبيقية؛ وتطوير سياسات التعليم؛ وتعزيز التعاون البحثي على المستوى الدولي، لتعويض العزلة الأكاديمية التي فرضتها سياسات التعليم العالي في عهد النظام السابق، والتي اقتصرت على تعزيز التعاون مع الدول الموالية له؛ ومواكبة متطلبات المراحل المقبلة، من خلال إضافة مضامين مرتبطة بالوعي والمشاركة العامة، على أن يتولّى تدريسها كوادر تدريسية مؤهلة بحسب اختصاصاتها؛ وحصر مواطن الفساد داخل البيئة الجامعية ومعالجتها؛ وإعادة النظر في المنظومة القانونية الناظمة للجامعات، بما ينسجم مع تعزيز المواطنة.


([1]) تأسّس اتحاد الأكاديميين السوريين الأحرار في تركيا، وهو مجموعة من الأكاديميين السوريين الذين عملوا على تطوير الجامعات السورية الحرّة، التي تهدف إلى دعم طلاب الجامعات والأكاديميين الذين انقطعوا عن دراستهم وعملهم بسبب الصراع في سورية.

([2]) التعليم العالي في سورية بعد 2011: التحديات الحالية والمستقبلية، مجموعة باحثين، 2011، ص4.

([3]) المرجع نفسه، ص. 5.

عن الباحث

ياسمين المشهور

عرض جميع أعمال الباحث ←

ماذا تريد أن تبحث عن؟