انتقل إلى المحتوى
AR EN TR

ما بعد المحور: المقاربة الإسرائيلية في سورية من إدارة التهديد إلى محاولات تشكيل المجال الأمني

ساشا العلو

ساشا العلو

باحث

صبا عبد اللطيف

صبا عبد اللطيف

مساعد باحث

محسن المصطفى

محسن المصطفى

باحث مساعد

2 يونيو 2026
51 دقيقة قراءة
PDF

ملخص تنفيذي

  • مثّل عام 2025 مرحلة خطيرة في طبيعة التدخل الإسرائيلي ضمن سورية، لم يعد من الممكن خلالها فهم هذا التدخل بوصفه امتداداً تقليدياً لأنماط “ردع” حكمت مراحل سابقة، بل بوصفه جزءاً من مقاربة أوسع تجاه سورية عامة وتشكيل مجالها الأمني الجنوبي خاصة.
  • ⁠تسعى الدراسة إلى تفكيك طبيعة السلوك الإسرائيلي في سورية خلال 2025، عبر تتبع ورصد العمليات الإسرائيلية المختلفة خلال هذا العام، وتحليل أهدافها وأنماطها ودلالاتها الاستراتيجية، بما يتجاوز توصيف النشاط أو قياس كثافته، إلى فهم التحوّل في طبيعته ووظيفته وتحليل مقاربته الجديدة ونموذجها التشغيلي كما تجلى ميدانياً.
  • ⁠تعتمد الدراسة مقاربة منهجية تجمع بين الرصد الكمي والتحليل النوعي، من خلال تتبع 416 عملية إسرائيلية خلال عام 2025، وإعادة بنائها تحليلياً بعد ربطها بقاعدة بيانات وخرائط ميدانية تفاعلية استندت إلى الموقع الجغرافي كوحدة قياس كمية (416 موقعاً مستهدفاً)، بشكل يتيح قراءة مركّبة في أنماط وأهداف التدخل وتفكيكها مكانياً ووظيفياً، بما يتجاوز إحصاء الضربات إلى فهم بُنية الانتشار والتأثير.
  •  ⁠تكشف القراءة الزمنية أن إسرائيل لم تتحرك وفق تصاعد خطي بسيط، بل ضمن نموذج إدارة الإيقاع العملياتي، حيث انتقلت من مرحلة الاختبار والضبط التأسيسي في الربع الأول، إلى إدارة التفاوض بالقوة في الثاني، ثم فرض المعادلات في الثالث، وصولاً إلى محاولة التثبيت وإدارة المجال في الربع الرابع الذي استحوذ على 61.2% من العمليات.
  • على المستوى الجغرافي، يظهر تمركزاً حاداً للنشاط في الجنوب السوري، الذي استحوذ على نحو 95.9% من العمليات، مع بروز القنيطرة كمركز تشغيل مباشر (78.6%)، بما يعكس انتقال الجنوب من هامش حدودي إلى مجال مركزي لإعادة تشكيل البيئة الأمنية.
  • عكس تحليل طبيعة الأهداف تحوّلاً في وظيفة التدخل الإسرائيلي؛ من استهداف القدرات العسكرية إلى التعامل مع المجال المدني، حيث طالت 79.9% من العمليات مواقع مدنية، ما يشير إلى انتقال التدخل من منطق “إدارة التهديد” إلى ضبط البيئة المنتجة لهُ. يتعزّز هذا التحوّل عبر طبيعة النشاط الإسرائيلي، إذ شكّلت الأنشطة العسكرية المباشرة 32% فقط من إجمالي النشاط، في حين احتلت الأنشطة الأمنية–الميدانية 68%، متمثلة بحضور ميداني متكرر ومنخفض الكُلفة.
  • على مستوى أنماط العمليات، لم تعد القوة الجوية الأداة الحاكمة، إذ استحوذت التوغلات البريّة على 77.7% من إجمالي النشاط، ضمن نمط “توغل وظيفي” قائم على النفاذ المؤقت والمتكرر، ما يشير إلى تحوّل التدخل من نموذج “ردعي” إلى نموذج إدارة مجال ميداني.
  • هذه الورقة مُستلّة من دراسة مطوّلة صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 12 أيار/مايو 2026. للاطلاع على الدراسة الكاملة، يُرجى مراجعة الرابط التالي: https://bit.ly/430W1ZV

مدخل

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عقب عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخلت الساحة السورية طوراً جديداً من التفاعل مع الاستراتيجية الإسرائيلية، انتقلت فيه من موقع الاستهداف الانتقائي المرتبط بتهديدات النفوذ الإيراني إلى ساحة مفتوحة لتكثيف الضربات وتوسيع بنك الأهداف.

وقد حافظت العمليات الإسرائيلية خلال التصعيد ضد غزة على طابع نوعي محدود نسبياً في سورية، استهدف مواقع وقيادات تابعة لإيران و”حزب الله” وبعض الفصائل الفلسطينية. إلا أن هذا الطابع اختلف مع انخفاض زخم العمليات الإسرائيلية في القطاع وانطلاقها إلى لبنان؛ حيث تصاعدت ضربات إسرائيل على سورية بشكل غير مسبوق، مستهدفة قيادات ومجموعات ومواقع استراتيجية تابعة لـ “حزب الله” والمليشيات الإيرانية، إضافة إلى مواقع متنوعة لنظام الأسد.

توسّع التصعيد الإسرائيلي مع بداية عام 2024 بوتيرة متفاوتة وأنماط مختلفة وأهداف متنوّعة. فمنذ بداية العام وحتى أواخر شهر أكتوبر 2024، ووفقاً لمراصد حقوقية؛ نفذَّت إسرائيل 178 استهدافاً للأراضي السورية، 152 جوياً و26 برياً. أسفرت عن إصابة وتدمير نحو 332 هدفاً، تنوعت بين مستودعات أسلحة وذخائر ومقرات وقيادات وآليات عسكرية، إضافة إلى مراكز تطوير صواريخ([1]). وقد جاء هذا التصعيد كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لضرب النفوذ الإيراني في المنطقة وتحجيم تهديداته الإقليمية.

برز شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2024 كشهر استثنائي على مستويات عدة. فمن جهة، تصاعدت وتيرة الغارات على الأراضي السورية واللبنانية، فبحسب تقارير “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”؛ طالت هجمات إسرائيل خلال هذا الشهر ما لا يقل عن 38 موقعاً، توزّعت على معابر ونقاط عسكرية حدودية، ومواقع عسكرية حيوية، ونقاط استراتيجية لـ “حزب الله” والميليشيات الإيرانية، ما أسفر عن أضرار كبيرة وتعطيل معابر استراتيجية بين البلدين. من جهة أخرى، تزامن التصعيد الإسرائيلي خلال تشرين الثاني 2024، مع متغيرات سياسية عدة دولياً وإقليمياً ومحلياً، أبرزها على المستوى الدولي الانتخابات الأمريكية التي انتهت بفوز الرئيس دونالد ترامب. أما على المستوى الإقليمي، فقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بين “حزب الله” وإسرائيل حيّز التنفيذ. ولم تمض ساعات على هذا الاتفاق الهش؛ حتى اشتعلت جبهة سورية بتاريخ 27 نوفمبر 2024، إثر إطلاق فصائل المعارضة السورية عملية “ردع العدوان”، والتي تصاعدت بشكل سريع لتؤدي بتاريخ 8 ديسمبر 2024 إلى سقوط نظام بشار الأسد، وهروب الأخير خارج البلاد.

خلال هذا التطور المفصلي على مستوى سورية والشرق الأوسط؛ تصاعدت الغارات الإسرائيلية بشكل مكثف وواسع النطاق لتطال أغلب الأراضي السورية، مُستهدفة مواقع عدة خلال فترة زمنية قصيرة، ناهيك عن التوغل البري في بعض المناطق الجنوبية كالقنيطرة وجبل الشيخ. وقد أصدر “مركز عمران للدراسات” تقريراً يرصد أبرز الهجمات الإسرائيلية على سورية خلال الفترة الواقعة بين 27 نوفمبر 2024 و11 ديسمبر 2024 (من انطلاق عملية ردع العدوان إلى ما بعد سقوط الأسد بأيام). إذ شهدت هذه الفترة، وبخاصة العشرية الأولى من شهر ديسمبر 2024، تصاعداً واضحاً في وتيرة الضربات الإسرائيلية، التي استهدفت ما يزيد عن 53 موقعاً، توزَّعت على 9 محافظات. كما أكدت إذاعة “الجيش الإسرائيلي” تنفيذ الاحتلال خلال 48 ساعة تلت سقوط الأسد؛ أكثر من 250 غارة على سورية([2])، إضافة إلى عملية عسكرية برية قامت عبرها إسرائيل باحتلال قمة جبل الشيخ قرب الجولان والتوغل في بعض قرى محافظة القنيطرة.

تباين التصعيد الإسرائيلي خلال نهاية 2024، وتوزّع على مراحل عدة: الأولى (ما قبل انطلاق عملية ردع العدوان) والتي تعد امتداداً لاستراتيجية الهجمات الإسرائيلية السابقة (إدارة التهديدات)، المرتبطة بالمليشيات الإيرانية و”حزب الله” وأنشطتها ومواقعها وقياداتها، وكانت محدودة لناحية نطاقها التدميري. أما الثانية (خلال عملية ردع العدوان) حيث ارتفع مستوى التوسع العملياتي الإسرائيلي ليشمل ضربات مركّزة على خطوط الإمداد الرئيسة، خاصة التي تربط لبنان بسورية، وشملت هذه المرحلة استهداف بعض المواقع العسكرية ومخازن الأسلحة التي أخلاها نظام الأسد، لا سيما في المناطق القريبة من الحدود الإسرائيلية.

أما المرحلة الثالثة (بعد سقوط الأسد)، اتسمت بتصعيد غير مسبوق في الضربات الجوية، مع تدمير شامل للمواقع العسكرية والإستراتيجية التي أخلتها مسبقاً قوات الأسد، بما في ذلك: ثكنات، إدارات الحرب الإلكترونية، ألوية دفاعية وقتالية بما تحويه من مدرعات وصواريخ، مخازن أسلحة، مطارات عسكرية وطائرات، رادارات، الأسطول البحري، ومراكز أبحاث عسكرية. ترافق هذا التصعيد مع عمليات توغل بري شملت بداية احتلال إسرائيل لمواقع قوات الأسد على قمة جبل الشيخ، تلاها توسع إلى المنطقة العازلة “منطقة فض الاشتباك” المرسّمة بموجب اتفاقية عام 1974، ثم إلى ما بعد المنطقة العازلة توغلاً في بعض قرى وبلدات محافظة القنيطرة.

تمكّنت إسرائيل خلال الشهر الأول بعد سقوط النظام من فرض واقع عسكري وأمني وسياسي جديد في سورية، عكس انتهازية منهجية للوضع المتدهور في البلاد بهدف تعزيز مصالحها الاستراتيجية، معتمدة في ذلك على تفوقها العسكري لتجاوز اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 وإعلان انهيارها بشكل أحادي ووضع البلاد في حالة حرب، ومستندة إلى مبررات تتعلق بـ “حماية أمنها القومي” والتوجّس من طبيعة القوى التي وصلت إلى السُلطة في سورية.

ومع دخول عام 2025، بدأ النشاط الإسرائيلي في سورية يتوسّع تدريجياً ويأخذ أنماطاً وأشكالاً مركّبة أكثر خطورة. فرغم الانخفاض النسبي لكثافة الضربات الجوية مقارنة بالفترة التي تلت سقوط الأسد، إلا أنها استمرت بصورة متفاوتة وأهداف مختلفة. كما حافظت إسرائيل على حضور ميداني-عسكري نشط في الجنوب السوري، خاصة في القنيطرة وأجزاء من ريف درعا وريف دمشق، وتوسّعت عملياتها وأنشطتها العسكرية باتجاهات أمنية ميدانية: اعتقالات، دوريات، حواجز، مداهمات. وقد شكّل هذا التحوّل مؤشراً على تغيير تدريجي في المقاربة، وانتقالها من التركيز على استهداف البُنية العسكرية إلى تثبيت عمق أمني فعلي يهدف إلى منع أي فراغ.

لم يلبث أن توسّع بنك الأهداف الإسرائيلي بإدراج السُلطات السورية الجديدة وقواتها ضمنه. وفي هذا السياق، تمثل التطور الأبرز خلال 2025 في انتقال السلوك الإسرائيلي من البعد العسكري الصرف إلى تداخل واضح بين الأمني والسياسي والاجتماعي، لا سيما بعد توظيف خطاب “حماية الأقليات” الذي ارتبط بمكوّنات اجتماعية وسياسية داخل الحدود السورية، منهم الدروز والكرد، وتصاعد خطاب “حماية الدروز” بشكل واضح مع التوترات الداخلية خلال الربع الأول من العام، ليشتد ويترجم لاحقاً إلى تدخلات عسكرية مباشرة في الربع الثاني والثالث، تزامنت مع طروحات علنية حول إقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق.

تداخل هذا التصعيد غير المسبوق مع مسارات سياسية موازية، تمثلت في انخراط أطراف دولية وإقليمية في محاولات إعادة ضبط المشهد السوري، وفتح قنوات تفاوض مباشرة وغير مباشرة بين دمشق وتل أبيب، ما أدى إلى تبلور مسار سياسي تدرجي حذر في محاولة لخفض التصعيد. وفي هذا الإطار، لم تعد الضربات الإسرائيلية تُقرأ فقط في سياق عسكري ردعي، بل باتت تحمل رسائل سياسية موجهة إلى الحكومة السورية الجديدة وتركيا وأطراف دولية فاعلة، بما يعكس استخدام الميدان كأداة ضغط تفاوضية.

تأثر هذا المسار السياسي القلق بتطورات دولية وتحوّلات إقليمية، تمثل أبرزها في رفع الولايات المتحدة للعقوبات عن دمشق خلال أيار 2025، وما رافقه من تباين في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي منح الملف السوري هامشاً سياسياً جديداً. إضافة إلى اندلاع الحرب الإسرائيلية الإيرانية (12 يوماً) وما أفرزته من إعادة ترتيب لموازين القوى والتحالفات في المنطقة، خاصة بعد تجددها لاحقاً 2026 ودخول الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل. وبذلك، لم يعد النشاط الإسرائيلي يُقرأ فقط في سياق عسكري مباشر، بل بات جزءاً من مقاربة أوسع تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في سورية والإقليم، واستخدام الضغط العملياتي كأداة للتأثير في المسارات السياسية والتفاوضية.

مثّل عام 2025، بما حمله من تطورات، مرحلة خطيرة في طبيعة تدخل إسرائيل ضمن سورية، لم يعد من الممكن خلالها فهم السلوك الإسرائيلي بوصفه امتداداً تقليدياً لأنماط “ردع” حكمت مراحل سابقة، بل بوصفه جزءاً من مقاربة أوسع تجاه سورية عامة وإعادة تشكيل مجالها الأمني الجنوبي خاصة، عبر إعادة توظيف القوة العسكرية كأداة ضغط ضمن مرحلة انتقالية وبيئة تفاوضية هشة، وفي سياق إقليمي مُعقّدة ومتحوّل بعد تراجع “محور إيران” في المنطقة، وخروج سورية من نطاق نفوذه.

في هذا السياق، تطرح الدراسة إشكالية مركزية تتجاوز توصيف النشاط الإسرائيلي أو قياس كثافته، لتسعى إلى تحليل التحوّل في طبيعته ووظيفته، وفهم مقاربته وتفكيك نموذجها التشغيلي في سورية الجديدة. وذلك، عبر تتبع ورصد العمليات الإسرائيلية المختلفة خلال هذا العام، وتحليل أنماطها ودلالاتها ضمن هذا السياق التحولي. وعليه، تطرح الدراسة السؤال الرئيس التالي: ما طبيعة السلوك الإسرائيلي في سورية خلال عام 2025، وما دلالاته الاستراتيجية في فهم المقاربة الإسرائيلية ونموذجها التشغيلي خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط الأسد وتراجع نفوذ إيران في المنطقة؟ ويتفرّع عنه عدة أسئلة فرعية:

  • كيف توزُّعت العمليات الإسرائيلية في سورية زمنياً خلال عام 2025، وما دلالات هذا التوزُّع؟
  • أين تركّزت هذه العمليات جغرافياً، وما دلالات توزُّعها المكاني؟
  • ما أنماط العمليات التي اعتمدتها إسرائيل في سورية خلال الفترة المدروسة، وما دلالاتها المرتبطة ببُنية التدخّل؟
  • ما طبيعة الأهداف التي طالتها العمليات الإسرائيلية في سورية خلال 2025، وما انعكاساتها في وظيفة التدخّل؟
  • ما هي تحوّلات السلوك الإسرائيلي في سورية بعد سقوط نظام الأسد، وما ملامح المقاربة الإسرائيلية ونموذجها التشغيلي في التعامل مع الواقع السوري الجديد؟
  • ما طبيعة ومستقبل المسار التفاوضي الناشئ بين سورية وإسرائيل، وما مدى ارتباطه بالإيقاع العملياتي الميداني والتحوّلات الإقليمية والدولية المرافقة؟

للإجابة عن الأسئلة السابقة، تعتمد الدراسة مقاربة منهجية تجمع بين الرصد الكمي والتحليل النوعي، عبر تتبع العمليات الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني/يناير وحتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، بما يشكّل الإطار الزمني للدراسة، مع تغطية كامل الجغرافيا السورية. إذ اعتمدت الدراسة رصداً منهجياً لكافة العمليات الإسرائيلية الموثّقة والمعلنة خلال 2025، كعينة منتظمة تغطي اثني عشر شهراً متتالياً، جرى خلالها بناء سجل أحداث زمني موثّق، يضم مختلف العمليات والأنشطة الإسرائيلية، بما يتيح تتبع السلوك العملياتي وتحوّلاته ضمن سياقاته الزمنية المتغيرة.

استندت الدراسة إلى مزيج من مصادر بيانات أولية وثانوية، شملت المصادر الأولية: مراصد محلية ودولية، وسائل إعلام وصحف إخبارية محلية وأجنبية، منصات ومعرّفات رسمية، تقارير وإحاطات ميدانية محلية وأجنبية، متابعات مباشرة للأحداث، إضافة إلى مقابلات ميدانية مع ناشطين ومصادر محلية في الجنوب السوري. أما المصادر الثانوية: فشملت تقارير وأوراق ودراسات ذات صلة صادرة عن مراكز دراسات عربية وأجنبية، فضلاً عن تحليلات متخصصة تناولت السلوك الإسرائيلي في سورية ضمن سياقه الإقليمي.

تنفيذياً، جرى تطوير قاعدة بيانات مُنظّمة باستخدام أدوات تحليل (Excel)، وربطها بخرائط ميدانية تفاعلية تعكس توزّع العمليات وأنماطها. وقد تم تسجيل كل عملية وفق مجموعة من المتغيرات الرئيسة، شملت التوزّع الزمني (بحسب الأشهر/الأيام)، والتوزّع الجغرافي (بحسب المحافظات/المناطق)، وأنماط العمليات (قصف جوي، قصف مدفعي، توغل بري)، ونوع الهدف (عسكري/مدني)، وطبيعة النشاط (عسكري/أمني-ميداني). كما تم مقاطعة هذه البيانات برصد المتغيرات السياسية والعسكرية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لفهم السياق الذي جرت ضمنه وردود الفعل المرتبطة بها، بما أتاح بناء قراءة تحليلية مُركّبة لتحوّلات السلوك الإسرائيلي عبر الزمن والمكان.

وفي هذا السياق، تُعرِّف الدراسة إجرائياً العمليات الإسرائيلية: بمجمل الأفعال والأنشطة العسكرية والأمنية الميدانية المنفّذة بشكل غير شرعي داخل الأراضي السورية، وتشمل القصف الجوي، والقصف المدفعي، والتوغلات البرية. كما جرى التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتصنيف طبيعة النشاط إلى نشاط عسكري: يستهدف مواقع أو قدرات عسكرية بشكل مباشر، ونشاط أمني-ميداني: يتصل بإجراءات السيطرة والضبط داخل المجال الجغرافي (مداهمات، دوريات، تفتيش، اعتقالات، تجريف، حواجز، استبيانات، إلخ).

تعتمد الدراسة في رصد إجمالي العمليات على “الموقع الجغرافي المستهدف” كوحدة تحليل كمية رئيسة، وليس عدد الضربات أو الذخائر أو الأهداف. ويُعرّف الموقع الجغرافي في هذا السياق: بوصفه كل وحدة مكانية سورية مستقلة (قرية، بلدة، مدينة، موقع عسكري، أو بنية تحتية، إلخ) طالها نشاط إسرائيلي مباشر، سواء عبر توغل بري أو عمليات جوية أو قصف مدفعي، بصرف النظر عن طبيعة الهدف (عسكري أو مدني) أو نمط النشاط (عسكري أو أمني–ميداني).

بناءً على ذلك، يُسجَّل كل موقع جغرافي تعرّض لنشاط إسرائيلي كسجل مستقل/عملية ضمن قاعدة البيانات، حتى في الحالات التي تتزامن فيها عدة أنشطة ضمن عملية واحدة أو ضمن إطار زمني واحد. فعلى سبيل المثال، إذا شهدت عدة بلدات توغلات متزامنة في اليوم ذاته، يتم تسجيل كل بلدة كوحدة رصد منفصلة، باعتبارها تمثل مجالاً مستقلاً للاختراق والتأثير. وعليه، فإن الفروق العددية بين عدد العمليات وعدد المواقع الجغرافية لا تُعدّ خللاً منهجياً، بل تعكس طبيعة النشاط نفسه، حيث قد تشمل العملية الواحدة عدة مواقع، كما قد تتكرر الأنشطة ضمن الموقع ذاته في أزمنة مختلفة.

ويساهم اعتماد الموقع الجغرافي المستهدف كوحدة تحليل كمية ضمن قاعدة البيانات، بتعزيز دقة التمثيل المكاني والوظيفي للعمليات، وتجنُّب تضخيم الأرقام الناتج عن تكرار الضربات على الموقع ذاته. كما يتيح إمكانية بناء تمثيل مكاني دقيق للنشاط الإسرائيلي، من خلال ربط قاعدة البيانات بخرائط تفاعلية تُسقط كل موقع مستهدف ضمن حدوده الإدارية الفعلية، بما يساعد في إنتاج قراءة بصرية–تحليلية أكثر دقة لتوزّع النشاط وأنماطه داخل المحافظات. وفي هذا الإطار، سجّلت قاعدة البيانات النهائية قبل التحليل: 416 موقعاً جغرافياً، تعرّضت لأكثر من 416 عملية خلال عام 2025.

وعليه، فإن المؤشرات الكمية الواردة، وفي مقدمتها عدد المواقع الجغرافية أو العمليات التي طالتها، لا تُقدَّم بوصفها قيماً نهائية، بل بوصفها عينة وازنة ومنتظمة تتيح بناء مؤشر تحليلي يساعد في فهم الاتجاهات العامة وطبيعة السلوك الإسرائيلي في سورية. إذ لا تدّعي هذه الدراسة تقديم إحصاء شامل لكامل العمليات والأنشطة الإسرائيلية في سورية، وليس هذا هو هدفها، خاصة وأن الوصول إلى العدد الحقيقي للعمليات أو المواقع المستهدفة يظل محصوراً بالجهات المنفِّذة أو المستهدَفَة بشكل مباشر.

في المقابل، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة لطبيعة العمليات الإسرائيلية في سورية خلال عام 2025، من خلال تفكيك أنماطها وتوزعاتها، وربطها بسياقها السياسي والاستراتيجي، بما يسهم في فهم السلوك الإسرائيلي وأهدافه في مرحلة ما بعد سقوط الأسد. وتكتسب الدراسة أهميتها من كونها تتناول مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، شهدت تحوّلات مفصلية في بُنية الدولة والسُلطة السورية، وتداخلاً مُعقداً في المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل تحليل السلوك الإسرائيلي ضرورة لفهم مآلات الاستقرار وإعادة ضبط المجال الأمني في سورية.

نتائج وخلاصات الدراسة

بناءً على الرصد الممتد على مدار اثني عشر شهراً من عام 2025، وما تضمنه من متابعة دقيقة لتطورات السلوك الإسرائيلي في سورية، وتحليل تداخله مع المتغيرات الميدانية والسياسية والإقليمية، تقدّم النتائج التالية قراءة مركّزة لهذا السلوك عبر عدة مستويات مترابطة، تبدأ من أنماط العمليات الميدانية على الأرض، مروراً بسياقاتها السياسية، وصولاً إلى دلالاتها الاستراتيجية واحتمالات تطورها.

لا يكشف التتبع الزمني للنشاط الإسرائيلي في سورية خلال العام الأول بعد سقوط النظام عن مجرد تباين في كثافة العمليات أو تواترها، بل يفتح نافذة تحليلية مباشرة لفهم المنطق الذي يحكم هذا التدخل. إذ تُظهر القراءة الزمنية لعام 2025 أن النشاط الإسرائيلي لم يتحرك وفق مسار تصاعدي خطي بسيط، بل ضمن نمط ديناميكي قائم على إدارة لإيقاع العمليات، بشكل تتكامل فيه الكثافة العسكرية مع الانتقائية النوعية ضمن سياقات سياسية وأمنية متغيرة، تنتهي بتراكم تصاعدي واضح في المراحل المتأخرة من العام، حيث تتركّز الكتلة العملياتية بشكل غير متناسب في الربع الأخير، كما يتضح في الأشكال البيانية رقم (2،1).

على المستوى الشهري، يظهر هذا التركّز بشكل أكثر وضوحاً، إذ سجّل شهر كانون الأول النسبة الأعلى من النشاط بواقع 26.4% (110 عملية)، يليه تشرين الثاني 19.7% (82 عملية)، ثم تشرين الأول 15.1% (63 عملية)، ما يعني أن ما يزيد عن 60% من النشاط السنوي تركّز خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها. في المقابل، اتسمت الأشهر الأولى بمستويات منخفضة للغاية، حيث لم تتجاوز حصة كانون الثاني 0.7% (3 عمليات)، وشباط 3.1% (13 عملية)، وآذار 4.3% (18 عملية)، ما يعكس فجوة واضحة بين مرحلتي البداية والنهاية وتصاعد شبه تدرجي في وتيرة العمليات.

الشكل (1) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 زمنياً بحسب الأشهر.

الشكل (2) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 زمنياً بحسب الربع السنوي.

وتُبيّن النتائج—كما يظهر في التمثيلين الشهري والربعي—أن التركُّز الأكبر للنشاط لم يكن موزّعاً بشكل متوازن على مدار العام، بل انحاز بشكل حاد نحو المرحلة الأخيرة منه، حيث استحوذ الربع الرابع وحده على نحو( 61.2%( من إجمالي العمليات، في مقابل نسب منخفضة نسبياً في الربعين الأول (8.2%( والثاني (7.9%(، وارتفاع متوسط في الربع الثالث (22.8%). ولا يعكس هذا التفاوت مجرد تصاعد كمي، بل يكشف عن انتقال تدريجي في وظيفة التدخل من الاختبار والضغط إلى محاولات التثبيت وإدارة المجال الحدودي.

وعليه، فإن التوزّع الزمني للنشاط الإسرائيلي خلال 2025 لا يمكن قراءته بوصفه مجرد منحنى كمياً فقط، بل بوصفه تعبيراً عن نموذج تدخل متدرج، يقوم على إعادة ضبط الإيقاع العملياتي بما يخدم أهدافاً سياسية واستراتيجية أوسع، وهو ما يتضح من خلال تتبع تحوّلات هذا النشاط عبر مراحل زمنية متعاقبة خلال العام:

في الربع الأول من العام (كانون الثاني–آذار)، والذي لم تتجاوز حصته (8.2%( من إجمالي العمليات السنوية، اتخذ النشاط مساراً تصاعدياً متدرجاً من قاعدة منخفضة نسبياً. غير أن هذا الانخفاض لا يمكن فهمه بوصفه تراجعاً موضوعياً في النشاط، بقدر ما يعكس عاملين متداخلين: فمن جهة، جاء بعد مرحلة سابقة عالية الكثافة أعقبت سقوط النظام، جرى خلالها استهداف وتدمير جزء كبير من القدرات العسكرية والبُنية المرتبطة بها، ما خفّض من حجم بنك الأهداف المباشر في بداية العام. ومن جهة أخرى، يعكس إعادة ضبط للإيقاع العملياتي ضمن مقاربة أكثر تدرجاً بالتوازي مع تحوّلات نوعية في بنك الأهداف.

إذ شهد الشهر الأول وتيرة منخفضة من العمليات، لكنه بالمقابل سجّل أول استهداف مباشر لقوات الحكومة السورية الجديدة في الجنوب. بينما برزت عمليات شباط كامتداد لاستهدافات تقليدية مرتبطة بمنع إعادة تشكل شبكات الإمداد وتهريب السلاح عبر الحدود مع لبنان، واستهداف مقرات وقيادات فلسطينية في سورية، بالتوازي مع بروز أولى ملامح خطاب “حماية الدروز” والمطالبة بنزع سلاح الجنوب، وسط وتيرة منخفضة نسبياً من التوغلات والقصف. ومع آذار، ورغم بقاء الحصة العددية محدودة نسبياً، بلغت العمليات ذروة نوعية إثر هجوم إسرائيلي جوي واسع طال عدة محافظات سورية، تزامن مع إعلان اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقوات “سوريا الديمقراطية”/قسد” في 10 آذار، إضافة إلى تصاعد خطاب”حماية الدروز” مع أحداث جرمانا في ريف دمشق”، مقابل تسجيل توغلات في القنيطرة واشتباك مباشر بين القوات الإسرائيلية والسكان المحليين في كويا غرب درعا.

وعليه، يمكن قراءة هذا الربع بوصفه مرحلة “اختبار وضبط تأسيسي”، حيث لم يكن الهدف تحقيق كثافة عددية، بل اختبار حدود السُلطة الجديدة، وتوسيع بنك الأهداف، وتضمين أبعاد وأدوات سياسية-اجتماعية في الخطاب، وترجمته إلى سلوك عملياتي.

أما في الربع الثاني (نيسان–حزيران)، والذي سجّل أدنى حصة سنوية بواقع (7.9%(، فقد شهدت العمليات انخفاضاً إضافياً في الكثافة، لكن هذا الانخفاض ترافق مع ارتفاع ملحوظ في القيمة السياسية والاستراتيجية للتدخل. ففي نيسان، تصاعدت الهجمات الجوية لتطال أهدافاً سيادية حساسة في عدة محافظات، شملت مطارات ومنظومات دفاع جوي ومراكز بحوث، إلى جانب تهديدات سياسية مباشرة للقيادة السورية الجديدة، مقابل تصعيد في التصريحات حول سورية بين أنقرة وتل أبيب. كما سجّل الشهر أول ترجمة إسرائيلية لخطاب “حماية الدروز” بعد استهداف إسرائيل للقوات الحكومية في صحنايا-ريف دمشق على خلفية توترات شهدتها المنطقة.

وفي أيار، ورغم تسجيل نسب متدنية (2.4%)، بلغ التصعيد ذروته في بدايته عبر ضربات واسعة شملت عدة محافظات، ثم في استهداف محيط القصر الجمهوري كرسالة تحذيرية للقيادة السورية. قبل أن يشهد الشهر انخفاضاً ملحوظاً في النصف الثاني مع بروز مؤشرات انخراط في مسار تهدئة غير معلن، ومفاوضات بوساطات إقليمية ودولية في العاصمة الأذرية باكو. كما سجّل هذا الشهر اللقاء الأول بين الرئيسين الشرع وترامب في الرياض.

أما في حزيران (3.4%)، فقد عكس المشهد هشاشة مسار التهدئة، خاصة مع عودة التوتر إثر حوادث إطلاق مجهولين صواريخ من الأراضي السورية، قابلتها إسرائيل بعمليات قصف انتقامية، إضافة لعمليات اغتيال وتوغلات برية بعمق غير مسبوق طال ريف دمشق- بلدة بيت جن، مقابل تصاعد وتيرة التوغل المتكرر في القنيطرة، بالتوازي مع تداخل الساحة السورية في المواجهة الإقليمية خلال الحرب الإسرائيلية–الإيرانية (حرب 12 يوماً). وعليه، لا يعكس هذا الربع تراجعاً في النشاط بقدر ما يعكس مرحلة “إدارة التفاوض بالقوة”، حيث أصبحت الكثافة أقل، لكن وظيفة العمليات أكثر ارتباطاً بتشكيل المسار السياسي والتفاوضي القسري.

وفي الربع الثالث (تموز–أيلول)، الذي ارتفعت حصته إلى(22.8%)، بدأ النشاط بالتصاعد مجدداً، لكن ضمن نمط مختلف نوعياً. فقد شهد تموز (6.2%) نقطة تحوّل مفصلية مع انفجار أزمة السويداء، حيث تدخلت إسرائيل بشكل مباشر وحازم لمنع تقدم القوات الحكومية، وصولاً إلى ضربات جوية لمواقع سيادية غير مسبوقة في دمشق.

ومع آب (11.3%) عادت وتيرة التوغل والأنشطة الميدانية لترتفع في القنيطرة، إلى جانب توغلات بعمق غير مسبوق وضربات نوعية ضد القوات الحكومية في ريف دمشق، قبل أن يشهد الشهر جولة مفاوضات جديدة في باريس. وفي أيلول  استقر نمط النشاط عند مستوى متوسط (5.3%)، مع استمرار التوغلات البرية في القنيطرة ودرعا، وسط قصف جوي انتقائي خارجهما، بالتوازي مع جولة جديدة من المفاوضات بوساطة أمريكية في لندن، ما عكس تداخلاً متزايداً بين الميدان والسياسة. وعليه، يعكس هذا الربع مرحلة انتقالية يمكن توصيفها بـ”فرض المعادلات”، حيث لم تعد العمليات مجرد أداة ضغط، بل وسيلة تدخل مباشر في تشكيل مخرجات الصراع.

أما في الربع الرابع (تشرين الأول–كانون الأول)، والذي شكّل الكتلة الحاسمة بواقع (61.2%) من إجمالي النشاط السنوي، إذ انتقلت العمليات إلى نمط ووتيرة مختلفة، قائمة على الاستمرارية والتراكم لا على القفزات النوعية فقط. فعلى المستوى الشهري، سجّل تشرين الأول(15.1%)، وتشرين الثاني(19.7%)، وكانون الأول (26.4%)، وهي أعلى القيم المسجلة خلال العام، ما يعكس انتقال النشاط الإسرائيلي إلى حالة شبه يومية مستمرة، خاصة في الجنوب.

ميدانياً، استقر نمط التوغلات البرية بوتيرة عالية ومتكررة، لا سيما في القنيطرة، مع أنشطة مستمرة من تفتيش، مداهمات، اعتقالات، وإقامة حواجز، بالتوازي مع قصف جوي ومدفعي انتقائي لدرعا ومناطق أخرى. ويشير ذلك إلى انتقال واضح من مرحلة التدخل العسكري لردع التهديد إلى مرحلة “إدارة المجال المنتج له”، حيث أصبح الهدف تثبيت الحضور وإدامته أكثر من إحداث اختراقات جديدة.

سياسياً، تكثّف المسار التفاوضي خلال هذا الربع مُعطياً إشارات متناقضة، فما أن يعلن عن اقتراب الوصول لاتفاق محتمل؛ حتى يعود التعثُّر بسبب قضايا سيادية كمطلب “الممر الإنساني” (من إسرائيل إلى السويداء) أو بقاء القوات الإسرائيلية في بعض المناطق التي تقدمت إليها مؤخراً. لينتهي هذا الربع ومعه العام دون إنجاز اتفاق، وسط تصعيد ميداني إسرائيلي قابله تصعيد سياسي من الجانب السوري. وعليه، يمكن توصيف هذا الربع بوصفه مرحلة “محاولة التثبيت وإدارة النتائج”، حيث تحوّل النشاط من أداة لإنتاج الوقائع إلى أداة للحفاظ عليها وإدارتها.

في المحصلة، لا يعكس هذا التوزّع الزمني مجرد تباين في كثافة العمليات، بل يكشف عن نمط تدخل متدرج يعيد تعريف وظيفة القوة العسكرية عبر الزمن. إذ يُظهر التتبع انتقالاً واضحاً من مرحلة “الاختبار والضبط التأسيسي” في الربع الأول، إلى “إدارة التفاوض بالقوة” في الربع الثاني، ثم “فرض معادلات” في الربع الثالث، وصولاً إلى محاولة “التثبيت وإدارة المجال” عبر حضور شبه يومي ومنخفض الحدة في الربع الأخير. وبذلك، لا تتحرك إسرائيل في سورية وفق منطق “متى تضرب” فحسب، بل وفق منطق أكثر تركيباً يقوم على إعادة توزيع الكثافة والوظيفة عبر الزمن، بحيث تتحول العمليات من أداة ضغط ظرفي إلى أداة لإنتاج استدامة.

إذا كانت القراءة الزمنية تكشف كيف أدارت إسرائيل إيقاع تدخلها خلال العام المدروس، فإن القراءة الجغرافية تكشف أين تسعى لإنتاج أثرها الأعمق. فالمعطيات الميدانية، عند ربطها بتوزع العمليات والأنشطة عبر المحافظات السورية، لا تشير إلى تفاوت عابر في كثافة النشاط، بل إلى خريطة أولويات واضحة تعكس تمركزاً مكانياً ذا دلالة استراتيجية، يتقدم فيها الجنوب السوري بوصفه المجال الأكثر حساسية في بُنية التدخل الإسرائيلي، بحسب ما يظهره الشكل رقم (3).

الشكل (3) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 جغرافياً بحسب المحافظة.

تُظهر البيانات—كما يعكسها الشكل رقم (3) لتوزع العمليات الجغرافي بحسب المحافظات—أن النشاط لم يتوزع بشكل متوازن، بل تركز بشكل حاد في محافظة القنيطرة التي استحوذت وحدها على 78.66% من إجمالي العمليات (328 عملية)، تليها درعا بنسبة 7.91% (33 عملية)، ثم ريف دمشق بنسبة 6% (25 عملية)، في حين توزّعت النسب المتبقية بشكل محدود على بقية المحافظات، مثل حمص والسويداء (1.9% لكل منهما)، ودمشق (1.4%)، واللاذقية (1.2%)، وصولاً إلى نسب هامشية للغاية في حماة وحلب وطرطوس.

ولا يعكس هذا التفاوت مجرد اختلاف في الكثافة، بل يشير إلى تمركز جغرافي حاد للنشاط، حيث تُظهر بيانات الشكل رقم (4) أن محافظات المنطقة الجنوبية الخمس (القنيطرة، درعا، ريف دمشق، السويداء، دمشق) استحوذت مجتمعة على نحو 95.9% من إجمالي العمليات المسجّلة خلال عام 2025، في مقابل حضور محدود للغاية لبقية الجغرافيا السورية، التي بقيت ضمن نطاق الضربات الجوية الانتقائية دون تحوّلها إلى مجال نشاط ميداني مباشر. وعليه، فإن التوزّع الجغرافي لا يعكس انتشاراً عملياتياً، بل يكشف عن تمركز وظيفي واضح، يتحوّل فيه الجنوب من هامش حدودي إلى مركز ثقل في بُنية نموذج التدخل الإسرائيلي.

الشكل (4) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 جغرافياً في المنطقة الجنوبية مقابل باقي المناطق.

وتبرز القنيطرة بوصفها العقدة الجغرافية الحاسمة في هذا النموذج، إذ لم تكن مجرد منطقة تماس، بل المجال الذي تركز فيه النشاط الإسرائيلي البري بشكل شبه حصري وبرزت فيه مختلف أنماط العمليات، سواء من حيث الكثافة أو الانتظام. فالنسبة المرتفعة التي تجاوزت ثلاثة أرباع إجمالي العمليات لا يمكن تفسيرها بمنطق القرب الجغرافي فقط، بل تعكس تحول القنيطرة إلى مجال اختبار وتطبيق مباشر لأنماط التدخل المختلفة: توغلات برية متكررة، نقاط تمركز، حواجز وتفتيش، استطلاع ميداني، احتكاك مباشر مع السكان، وجمع معلومات. ويشير ذلك إلى انتقال واضح من منطق “الرقابة الحدودية” إلى منطق “النفاذ داخل المجال” وتطبيع وجودها فيه بوصفه أمراً متكرراً لا استثنائياً، بما يجعل القنيطرة أقرب إلى معمل ميداني مستمر تُختبر فيه حدود التدخل وأدواته وإمكانيات تثبيت الحضور.

أما درعا، فرغم موقعها الجغرافي المتصل بالقنيطرة، تمثل حيزاً مختلفاً من حيث الوظيفة، حيث يعكس انخفاض نسبتها (7.9%) مقارنة بالقنيطرة توازناً مختلفاً بين الأهمية والحذر. فهي مجال احتكاك أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الرمزية السياسية بالجغرافيا الحدودية والبُنية الاجتماعية بشكل قد ينتج احتمالات مقاومة محلية، ما يجعل النشاط فيها أقل انتظاماً، لكنه لا يقل دلالة. فإذا كانت القنيطرة تعكس قابلية أعلى للحضور المباشر، فإن درعا تكشف حدود هذا الحضور وتكلفته المحتملة.

كما يكتسب ريف دمشق، دلالة خاصة في هذا التوزع بنسبة (6.0%)، لأنه يكشف أن المنطق الإسرائيلي لا يتوقف عند الخط الحدودي الضيق. فحين تنتقل العمليات البرية والإنزال المظلي إلى مناطق مثل الكسوة ويعفور وبيت جن، أو تُستهدف مواقع ذات أهمية عسكرية أو لوجستية في هذا الامتداد؛ فإن ذلك يعني أن إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب بمعناه الإداري فقط، بل بمعناه الوظيفي المتصل بأمن دمشق ومجالها. أي أنها توسّع تعريف “الجنوب المؤثر أمنياً” ليشمل ما يضمن منع تشكل قدرات ترى فيها تهديداً محتملاً، حتى لو كانت تقع خارج الشريط الحدودي المباشر. وبذلك، يتحوّل الجنوب من نطاق جغرافي محدود إلى حزام أمني–سياسي أوسع في المخيال العملياتي الإسرائيلي.

أما السويداء، فرغم محدودية وزنها العددي (1.9%) مقارنة بالقنيطرة ودرعا، فإن أهميتها تتجاوز الكثافة الكمية، لتتموضع ضمن مستوى مختلف من التدخل، ذي طابع سياسي-أمني-اجتماعي. إذ تتيح خصوصيتها الديموغرافية لإسرائيل مدخلاً عملياً لتوظيف خطاب “حماية الدروز”، ما يجعلها “بالنسبة لهذا النموذج” نقطة اختراق متقدمة في بُنية الجنوب، ليس عبر الكثافة العملياتية، بل عبر إعادة تشكيل البيئة المحلية.

في المقابل، يبدو أن بقية المحافظات التي سجّلت قيماً منخفضة نسبياً، بما في ذلك دمشق، حمص، حماه، الساحل، حلب، تحافظ على وظيفة مختلفة ضمن نموذج التدخل الإسرائيلي، حيث تقتصر العمليات فيها على الضربات الجوية الانتقائية ذات الطابع الاستراتيجي، كاستهداف البنية العسكرية واللوجستية المركزية وضرب القدرات الدفاعية، دون أن تتحول إلى مسرح لحضور ميداني مباشر. ويعكس ذلك تمايزاً واضحاً بين مجال يُراد إعادة ضبطه ميدانياً (الجنوب)، ومجال يُراد إبقاؤه في حالة تعطيل استراتيجي دون الانخراط فيه برياً (العمق).

ويكتسب حضور حمص (1.9%) ضمن هذا السياق دلالة خاصة، سواء لناحية امتدادها الجغرافي الذي يضم بُنى عسكرية نوعية، أو إطلالتها على البادية واتصالها بمسارات الحركة المرتبطة بالنفوذ الإيراني سابقاً، إلى جانب امتداداتها الحدودية مع لبنان، ما يجعلها ضمن نطاق الاستهداف المرتبط بتعطيل القدرات وضبط المجال عن بعد، مع قابلية توظيفها في بعض الحالات كساحة لإرسال رسائل مرتبطة بسياقات إقليمية محددة، إذ تزامن أحد استهدافاتها مع زيارة وفد أمني تركي إلى سورية وتصاعد الحديث عن قواعد تركيا في تدمر/ريف حمص. وفي هذا الإطار أيضاً، سجّلت العاصمة دمشق نسبة منخفضة (1.4%) قياساً بباقي المحافظات، لكنها لاتقل دلالة، نتيجة ما تحمله الضربات فيها من رسائل ورمزية سياسية واستهداف أي قدرات مرتبطة بالمركز.

في المحصلة، لا يعكس التوزع الجغرافي مجرد اختلاف في كثافة العمليات، بل يكشف عن إعادة ترسيم وظيفي للجغرافيا السورية ضمن نموذج التدخل الإسرائيلي. إذ يتحول الجنوب إلى مجال أولوية لإعادة الضبط الميداني، والقنيطرة إلى مركز تشغيل مباشر، ودرعا إلى مجال اختبار، وريف دمشق إلى حزام أمني متصل بالعاصمة، فيما تبقى بقية المناطق ضمن نطاق الردع الجوي.

ولعلّ كثافة العمليات التي تميّز الجنوب عن باقي الجغرافيا السورية التي بقيت ضمن نطاق الردع الجوي أو التدخل المحدود، تشير إلى أن إسرائيل لا تعمم نموذج التوغل، بل تختبره في مجال محدد تتوفر فيه شروط الجغرافيا، وقابلية النفاذ، وهشاشة البيئة الأمنية. فالسلوك الإسرائيلي في الجنوب يقترب من أنماط معروفة في إدارة “الأحزمة الأمنية”، حيث لا يكون الهدف احتلال الأرض أو الانسحاب الكامل منها، بل إبقاؤها ضمن مستوى منخفض من السيطرة غير المباشرة، يُدار عبر مزيج من الضغط العسكري، والحضور المحدود، والتأثير في الفاعلين المحليين. وهذا لا يعني أن إسرائيل تسعى إلى إنشاء حزام أمني تقليدي، بقدر ما يشير إلى أنها تعمل على إنتاج مجال حدودي منضبط يقل فيه مستوى التهديد، وتزداد فيه قابلية التأثير في البيئة المنتجة له، ويُعاد تعريفه تدريجياً عبر تدخل متعدد الأدوات.

الخريطة (1) خريطة حرارية توضح العمليات الإسرائيلية في سورية خلال 2025

الخريطة (2) خريطة حرارية للجنوب السوري توضح العمليات الإسرائيلية خلال 2025

إذا كانت القراءة الزمنية قد كشفت عن منطق إدارة الإيقاع العملياتي، والجغرافيا عن تمركز التدخل وأولوياته، فإن تحليل نوع الأهداف التي طالتها العمليات الإسرائيلية يفتح مستوى جديد لفهم وظيفة هذا التدخل. فالمعطيات لا تكشف فقط عمّا يُستهدف، بل عن طبيعة المجال الذي يجري التعامل معه. كما يظهر في الشكل رقم(5).

الشكل (5) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 زمنياً بحسب طبيعة الهدف.

وتُظهر البيانات أن ما يقارب (79.9%) من إجمالي النشاط والعمليات الإسرائيلية طالت أهدافاً ومجالات ومواقع مدنية (333 موقعاً)، مقابل (20.1%) فقط ضمن الأهداف العسكرية (84 موقعاً). ولا يعكس هذا التوزع تحولاً نحو “استهداف المدنيين” بقدر ما يشير إلى انتقال مركز الثقل من استهداف القدرات المنتِجة للتهديد إلى التعامل مع المجال المدني نفسه بوصفه ساحة تدخل رئيسية.

ويتضح ذلك بشكل أدق عند تفكيك بُنية النشاط الإسرائيلي داخل هذا المجال ونوع الأهداف، حيث تركزت النسبة الأكبر في البلدات والقرى والأحياء (65.8%) عبر عمليات توغل منتظمة ومكررة وأحياناً متزامنة بأهداف مختلفة، تليها أنشطة الحواجز وتفتيش المنازل (22.4%)، ثم الاعتقالات (6.4%) والاعتداءات المتفرقة، وممارسات مرتبطة بجمع المعلومات، وملاحقة شبكات تهريب السلاح. ويكشف هذا التوزع أن الجزء الأكبر من النشاط لم يكن موجّهاً نحو التدمير المباشر، بل نحو الاحتكاك بالمجال المحلي وإدارته ميدانياً، عبر أنماط حضور متكررة أمنية-عسكرية.

الشكل (6) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 زمنياً بحسب نوع الهدف المدني.

في المقابل، حافظ الاستهداف داخل المجال العسكري على وظيفة أكثر تحديداً، وتركز في المواقع العسكرية بنسبة (63%)، مقابل استحداث مواقع ونقاط عسكرية جديدة في المنطقة العازلة وخارجها (%11.1)، إلى جانب استهداف أنظمة الدفاع الجوي والمطارات والبنى التحتية (10.2)، ما يعكس استمرار منطق تعطيل القدرات ومنع إعادة تشكّل بُنى عسكرية فاعلة.

الشكل (7) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 زمنياً بحسب نوع الهدف العسكري

غير أن الدلالة الحاسمة لا تظهر عند مستوى نوع الهدف فقط، بل عند ربطه بطبيعة النشاط المستخدم في هذا الاستهداف. إذ تُظهر المعطيات أن الأنشطة الأمنية–الميدانية شكّلت (68%) من إجمالي النشاط الإسرائيلي خلال عام 2025، مقابل(32%) للأنشطة العسكرية المباشرة، وهو ما يعكس تحوّلاً نوعياً في نمط التدخل.

الشكل (8) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 بحسب طبيعة النشاط

ويكتسب هذا التحول معناه عند ملاحظة أن النشاط الأمني–الميداني—بما يتضمنه من توغلات: مداهمات، حواجز، تجريف، اعتداء، تفتيش منازل، اعتقالات، وإنشاء نقاط—تركّز بشكل شبه كامل داخل المجال المدني، حيث لا يُستهدف الموقع بحد ذاته، بل يُستخدم كمدخل للنفاذ إلى البيئة المحلية وضبطها. ويظهر هذا النمط بوضوح في الجنوب السوري، ولا سيما في القنيطرة، حيث تكررت هذه الأنشطة بكثافة وانتظام، لا سيما في الربع الأخير من العام، بما يتقاطع مع مرحلة “التثبيت وإدارة المجال” التي أظهرتها القراءة الزمنية، ويعكس انتقال التدخل من الضغط المتقطع إلى الحضور الميداني المستمر، في حين بقي النشاط العسكري المباشر أكثر ارتباطاً باستهداف مواقع بعيدة نسبياً عن خطوط التماس، ضمن منطق التعطيل دون الانخراط الميداني.

وعليه، لا يعكس هذا التوزّع مجرد اختلاف في طبيعة الأهداف، بل يكشف عن انقسام وظيفي في بُنية التدخل: نشاط عسكري يستهدف القدرات ونشاط أمني–ميداني يستهدف المجال المدني. وهو ما يشير إلى انتقال واضح من منطق استهداف القدرات المنتِجة للتهديد إلى منطق ضبط المجال الذي قد يُنتج التهديد. وفي المحصلة، لا يمكن فهم هذا التحوّل بوصفه توسعاً في بنك الأهداف فحسب، بل باعتباره إعادة تعريف لطبيعة التدخل نفسه، من ردع تهديدات إلى إدارة بيئة، وهو تحوّل سيؤثر بالضرورة على شكل الصراع في المرحلة المقبلة، وعلى طبيعة الأدوات التي ستُستخدم، وعلى الحدود بين العسكري والسياسي والأمني داخل الساحة السورية.

يوضح تحليل أنماط العمليات الكيفية التي تُترجم بها المقاربة الإسرائيلية عملياً على الأرض. فالمعطيات، عند تصنيفها بين التوغلات البرية والعمليات الجوية والقصف المدفعي، لا تعكس مجرد تنوع في الوسائل، بل تكشف عن تحوّل جوهري في بنية التدخل نفسه، من نموذج يقوم على التفوق الجوي إلى نموذج تتقدم فيه الأدوات البرية بوصفها الأداة المركزية.

الشكل (9) توزع العمليات الإسرائيلية خلال 2025 بحسب نمط العملية.

وتشير البيانات، كما يظهر في الشكل رقم (9)، إلى أن التوغلات البرية شكّلت النسبة الأكبر من النشاط بواقع (77.7%) (338 عملية)، مقابل (18.6%) للعمليات الجوية (81 عملية)، و(3.7%) فقط للقصف المدفعي (16 عملية). ولا يعكس هذا التوزع مجرد تفوق عددي لنمط على آخر، بل يكشف عن إعادة ترتيب في وظيفة الأدوات العملياتية، حيث لم تعد القوة الجوية هي الأداة الحاكمة كما في أنماط التدخل التقليدية، بل أصبحت أداة داعمة ضمن نموذج أوسع تقوده العمليات البرية.

وتكتسب التوغلات البرية أهميتها ليس فقط من حيث كثافتها، بل من طبيعتها التكرارية ووظائفها الميدانية المتعددة. فهي لا تُنفذ بوصفها عمليات احتلال تقليدية أو تمركز دائم، بل ضمن نمط يمكن توصيفه بـ”التوغّل الوظيفي”، حيث تتخذ شكل دخول محدود زمنياً ومكانياً لتنفيذ مهام محددة، مثل: التفتيش، والتمشيط، وجمع المعلومات، والاعتقالات، وإقامة الحواجز، ثم الانسحاب مع الحفاظ على القدرة على التكرار. ويُلاحظ أن هذا النمط بلغ ذروته في المرحلة الأخيرة من العام، حيث تكررت التوغلات بوتيرة شبه يومية، خاصة في القنيطرة، ما يعكس انتقالاً واضحاً من التدخل الظرفي إلى إدارة حضور ميداني مستمر ومنخفض الكلفة.

في المقابل، تحافظ العمليات الجوية على دورها بوصفها أداة مرنة وعابرة للجغرافيا، تُستخدم لتعطيل القدرات، واستهداف البُنى العسكرية، وفرض معادلات ردع دون الحاجة إلى انخراط ميداني مباشر. وتُظهر البيانات الخاصة بنمط العمليات الجوية أن الغارات الحربية التقليدية شكّلت النسبة الأكبر بواقع 72.5% (66 عملية) من إجمالي العمليات الجوية، تليها عمليات الطائرات المسيّرة بنسبة 25.3% (23 عملية)، في حين بقيت عمليات الإنزال الجوي محدودة للغاية بنسبة 2.2% (عمليتان فقط).

ويعكس هذا التوزع اعتماداً واضحاً على الضربات الجوية كأداة رئيسية ضمن المجال العسكري، مع استخدام المسيّرات لتعزيز الدقة والمرونة والتغطية والاستطلاع، دون أن يتحوّل هذا النمط إلى أداة حضور ميداني مباشر. أما القصف المدفعي، فبقي النمط الأقل حضوراً، حيث يتركز استخدامه في سياقات محددة، خاصة في الجنوب، كأداة ضغط تكتيكي أو إسناد مباشر للتوغلات البرية في حالات الاحتكاك، دون أن يشكّل نمطاً مستقلاً ضمن بنية التدخل.

الشكل (10) توزع العمليات الإسرائيلية الجوية خلال 2025.

وعند قراءة العلاقة بين هذه الأنماط، يتضح أنها لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن تكامل وظيفي واضح: حيث توفر العمليات الجوية مظلة تعطيل وردع على مستوى الجغرافيا السورية، في حين تتولى التوغلات البرية مهمة النفاذ المباشر، ويأتي القصف المدفعي كأداة دعم لضبط إيقاع الاحتكاك في نقاط التماس. ويؤكد التوزع الجغرافي لهذه الأنماط هذا التمايز الوظيفي، إذ تتركز التوغلات البرية بشكل شبه حصري في الجنوب، ولا سيما في القنيطرة، في حين تنتشر العمليات الجوية عبر مختلف المحافظات، ما يعكس تقسيماً واضحاً للأدوار بين أدوات التدخل بحسب المجال الجغرافي المستهدف.

في المحصلة، لا يكشف توزيع أنماط العمليات عن تعدد في الوسائل فحسب، بل عن تحوّل في نموذج التدخل الإسرائيلي، حيث لم تعد القوة الجوية هي الأداة المركزية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تقودها العمليات البرية المتكررة، ضمن مقاربة تقوم على النفاذ المحدود، والتكرار العالي، وتجنب التورط الواسع. وبذلك، لا يُدار التدخل عبر الضرب من الخارج فقط، بل عبر حضور ميداني منخفض الحدة والكلفة، لكنه مستمر، يعيد تشكيل المجال تدريجياً دون إعلان سيطرة مباشرة.

إذا كانت النتائج السابقة قد عكست توزيع التدخل الإسرائيلي عبر الزمن، والجغرافيا، وطبيعة الأهداف، وأنماط العمليات، ثم أوضحت كيف تداخل العسكري والسياسي في إنتاج شروط التفاوض، فإن الخلاصة الأعمق التي تتكشف من جمع هذه المستويات معاً هي أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع سورية بوصفها مجرد ساحة تهديدات ينبغي احتواؤها، بل بوصفها بيئة انتقالية قابلة للتدخل وإعادة التشكيل. ومن هنا، فإن ما نراه خلال العام المدروس لا يقتصر على تصعيد عسكري متكرر، بل يعكس تبلور نموذج تدخل جديد يقوم على إدارة الفراغ، واستثمار هشاشة المرحلة الانتقالية، ومنع إعادة تشكل الدولة السورية بطريقة تخرج عن محددات السقف الإسرائيلي.

في الصيغة التقليدية التي حكمت سنوات سابقة، كانت إسرائيل تتحرك ضمن منطق قريب من (الحملة بين الحروب) ضرب التموضع الإيراني، تعطيل خطوط الإمداد، واحتواء الأخطار قبل تحولها إلى تهديد مباشر. أما في المرحلة التي تلت سقوط النظام، فإن هذا المنطق لم يختفِ، لكنه لم يعد كافياً لتفسير طبيعة ووظيفة التدخل. إذ لم تعد إسرائيل تكتفي بضرب مخازن أو قواعد أو قدرات عسكرية، بل وسّعت نطاق تدخلها ليشمل أنماطاً من الحضور البريّ، والنشاط الأمني، ومحاولات التأثير في البيئة المحلية، والسعي إلى إعادة تشكيل المجال الأمني للجنوب السوري. ولا يُقصد بالمجال الأمني هنا، مجرد نطاق جغرافي للعمليات، بل حيّز يتم ضبطه عبر مزيج من السيطرة الجوية، والتوغلات البرية، والنشاط الأمني–الميداني، بما يتيح التأثير في البيئة المحلية، وإعادة تعريف حدود الفعل الممكن داخلها.

وتتمثل السمة الأولى لهذا النموذج في أنه لا يسعى إلى ملء الفراغ بالكامل، بل إلى إدارته بما يمنع الآخرين من ملئه. فإسرائيل لا تبدو معنية باحتلال واسع أو بإدارة مباشرة طويلة الأمد، لكنها تعمل على إبقاء هذه المساحات ضمن حالة منخفضة السيادة، محدودة القدرة على التنظيم، وقابلة للتدخل عند الحاجة. وهذا ما يفسّر الجمع بين ضربات جوية واسعة وتوغلات برية محدودة النطاق ومتكررة: فالأولى تفرض مظلة ضغط مستمر على كامل الجغرافيا، بينما تمنع الثانية تحوّل الجنوب إلى مجال مغلق أمام النفاذ الإسرائيلي.

أما السمة الثانية، فتتمثل في اعتماد التدخل المتدرج بدل الخطوات الكبرى. فإسرائيل لا تطرح مشروعاً معلناً لاحتلال الجنوب، بل تتحرك عبر تراكم إجراءات صغيرة نسبياً في شكلها، لكنها كبيرة في أثرها: توغلات محدودة، نقاط مؤقتة تتحول تدريجياً إلى حضور ثابت، قطع طرق، اختبار بيئات، ورفع تدريجي لسقف التفاوض. وتكمن أهمية هذا النمط في أنه يسمح بتحويل الوقائع المؤقتة إلى معطيات شبه دائمة دون إثارة كلفة سياسية أو عسكرية مرتفعة. وهذه البُنية التراكمية شديدة الخطورة، لأنها تجعل إعادة تشكيل المجال تجري دون ضجيج يوازي حجمها الحقيقي، بما قد يسمح بتحويل المؤقت إلى دائم على مراحل.

والسمة الثالثة أن هذا النموذج متعدد المستويات، إذ لا يعتمد على أداة واحدة أو منطق واحد، بل يقوم على توزيع وظيفي واضح للأدوات، فالقوة الجوية تؤدي وظيفة الضبط والردع الشامل، والتوغلات البرية تؤدي وظيفة الحضور العسكري المباشر في النقاط الحساسة، بينما تتحوّل إلى شكل متكرر ومنخفض الكلفة عبر النشاط الأمني–الميداني الذي يعمل على وظيفة اختراق البيئة المحلية وإدراة مجالات التهديد المحتملة، بينما يعمل تصعيد الخطاب السياسي على إنتاج الغطاء اللازم لتبرير هذا كله، سواء مع إدخال عناوين “الأمن القومي” أو “حماية الأقليات”. وبذلك تعمل تلك المستويات مجتمعة لإنتاج مجال أمني مُدار وقابل للضبط دون الحاجة إلى احتلال كلاسيكي مباشر.

ويعزّز هذا الطابع المركّب انخراط طيف واسع من الوحدات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في عمليات إسرائيل داخل الجنوب السوري، بما يتجاوز الاعتماد على تشكيل واحد أو نمط تدخّل محدد. فقد برز دور القيادة الشمالية بوصفها الإطار الناظم للعمل، إلى جانب الفرقة 210 التي تقود النشاط الميداني في الجنوب، مدعومة بوحدات قتالية متنوعة شملت لواء الجبال 810، ولواء ألكسندروني، ووحدات المظليين النظامية والاحتياطية (226 و55)، إضافة إلى وحدات كوماندوس، ما يعكس تنوعاً في القدرات المستخدمة بين المناورة البرية والتدخل السريع. وبالتوازي، اضطلعت أجهزة الاستخبارات بدور فاعل، لا سيما المخابرات العسكرية كالوحدة 504 التي نفذت أنشطة تحقيق ميداني داخل بعض المناطق، إلى جانب بناء قنوات تواصل وشبكات محلية، وتسهيل جمع المعلومات وقياس التفاعلات المحلية.

من هنا، فإن الجديد في هذا النموذج لا يقتصر على اتساعه، بل يمتد إلى عمقه الوظيفي، حيث لا تستهدف إسرائيل فقط تعطيل خصم محدد، بل تتدخل في شروط إعادة تشكيل المجال نفسه ضمن سياق انتقالي حساس. وهذا هو المعنى الأعمق لتحوّل الجنوب من مجرد جبهة حدودية إلى مركز ثقل في الاستراتيجية الإسرائيلية.

ولا يمكن فصل هذا كله عن بعد آخر قد يبدو أقل حضوراً في السلوك الرسمي، لكنه مهم في خلفيته، وهو البعد السردي–الأيديولوجي. وهو ما يمكن اعتباره السمة الرابعة لهذا النموذج، فبعض الأدبيات والخطابات الإسرائيلية تعمل على إعادة تعريف الجغرافية نفسها عبر ربطها بمنظومة “الباشان” التوراتية. وتكتسب هذه المقاربة بعداً عملياً حين تُستخدم تسميات رسمية مثل “سهم الباشان” لعمليات عسكرية إسرائيلية في سورية، إذ لا تعكس هذه التسمية مجرد اختيار رمزي، بل تشير إلى تداخل واعٍ بين العسكري والأيديولوجي، حيث يُعاد توظيف النص الديني لتأطير التدخل الميداني وإضفاء “عمق تاريخي” عليه. كما يعكس تصاعد الخطاب المرتبط بالملكيات اليهودية في حوران والجولان محاولة لخلق أساس قانوني-سياسي موازٍ، يُستخدم لتبرير التدخل المستقبلي، وربط العمليات الجارية بإطار ممتد من الادعاءات التاريخية.

ولا تبقى هذه السرديات حبيسة الخطاب، بل تجد ترجمتها في محاولات ميدانية محدودة، كما في تحركات مجموعة “رواد هبشان” ذات الطابع الديني–القومي، والتي سعت خلال سنة 2025 إلى اختبار إمكانية الحضور في الجنوب السوري ووضع حجر أساس لمستوطنة، عبر محاولتي دخول منفصلتين منعتهما القوات الإسرائيلية نفسها، ما يعكس وجود قابلية كامنة لتحويل هذه السرديات إلى فعل ميداني إذا ما توفرت لها مظلة سياسية أو أمنية أوسع.

وعندما نضع هذا النموذج في سياق ما بعد 7 أكتوبر، فإن إسرائيل، بعد التحوّل الكبير الذي أطلقته الحرب على غزة وما تبعها من إعادة ترتيب البيئة الإقليمية وصولاً إلى الحرب مع إيران، لم تعد تتحرك فقط من موقع الردع الحدودي، بل من موقع يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة في الإقليم كله. وفي هذا الإطار، تبدو سورية، وخاصة جنوبها، واحدة من أهم الساحات التي يمكن عبرها تحويل التفوق العسكري إلى مكسب جيوسياسي طويل الأمد. إذ ترى إسرائيل أن أمامها نافذة لإعادة تعريف المجال السوري القريب منها قبل أن تتماسك السُلطة الجديدة، وقبل أن تدخل قوى أخرى في ملء الفراغ بما يحد من هامشها. خاصة وأن النموذج الإسرائيلي في سورية ليس منفصلاً عن الإقليم ومحاولات إعادة تشكيله، بل هو جزء من سياسة أوسع لتثبيت نتائج التحول الإقليمي بالقوة.

لكن هذا النموذج، ورغم فاعليته، ليس بلا حدود. فهو ينجح ما دامت البيئة السورية هشة، وما دام الداخل منقسماً، وما دامت الأطراف الإقليمية والدولية غير مستعدة أو غير قادرة على إنتاج توازن مضاد. وهذا يعني أن قوته لا تنبع فقط من قدراته الذاتية، بل من ضعف البيئة المقابلة. وبهذا المعنى، فإن أخطر ما في النموذج الإسرائيلي ليس أنه متفوق عسكرياً، فهذا كان قائماً أصلاً؛ بل أنه وجد لحظة انتقالية سمحت له بتحويل هذا التفوق إلى قدرة على تعريف شكل الفراغ نفسه: ماهي حدوده، وكيف يُدار، ومن يُسمح له بالتحرك داخله، ومن يُمنع. وهنا تحديداً تتجاوز المشكلة حدود الضربات والتوغلات.

وعليه، فإن النتيجة الأهم هنا، أن إسرائيل طوّرت خلال عام 2025  نموذجاً جديداً للتدخل في سورية، لا يقوم على الاحتلال التقليدي، ولا على الضربات المجردة، بل على مزيج من إدارة الفراغ، ومحاولات إعادة تشكيل المجال الأمني لحدودها الشمالية بصورة تدريجية، عبر الضبط الجوي والتوغّلات الوظيفية والنشاط الأمني-الميداني، إضافة إلى ربط خطاب الحماية بمجموعات داخل الحدود، مع استمرار الضغط التفاوضي الذي ينتجه هذا الواقع ميدانياً. وهذا ما يجعل التحدي القائم أمام سورية، والفاعلين الإقليميين المرتبطين باستقرارها، أعمق من مجرد وقف القصف أو تقليص التوغلات، لأنه يتعلق بكيفية منع تحوّل هذا النموذج من استثمار لحظة انتقالية إلى بُنية نفوذ مستقرة نسبياً.

عند وصل المسار الميداني بالإشارات السياسية التي برزت خلال 2025، يتضح أن فكرة الاتفاق الأمني بين سورية وإسرائيل لم تعد احتمالاً نظرياً، بل تحوّلت إلى مسار فعلي يجري الدفع به من داخل الميدان نفسه. غير أن أهمية هذا المسار لا تكمن في احتمالية تحققه بقدر ما تكمن في طبيعته ووظيفته، إذ لا يظهر بوصفه مدخلاً إلى تسوية مستقرة، بل كآلية لتنظيم الاختلال القائم وإدارة بيئة لا تسمح لا بالحرب المفتوحة ولا بالسلام الكامل.

ولا يتشكل هذا المسار بوصفه قناة تفاوضية مستقلة، بل كامتداد مباشر للإيقاع العملياتي. فالمعطيات الزمنية والميدانية تُظهر نمطاً متكرراً: تصعيد لفرض معادلة، ثم انخراط تفاوضي لاختبار تثبيتها، يعقبه تعثر يعاد معه التصعيد. وقد برزت خلال 2025 مؤشرات انخراط في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، وتصريحات رسمية عن السعي لـ”خفض التصعيد”، إلى جانب لقاءات ووساطات إقليمية ودولية، من بينها محادثات باكو وباريس ولندن، وسط تدخلات أمريكية وإقليمية مباشرة كادت أن تفضي لإعلان اتفاق، غير أن هذا المسار دخل لاحقاً مرحلة تعثُّر، مع عودة التصعيد وتضخُّم المطالب، خاصة مع طرح شروط مثل “الممر الإنساني” من إسرائيل إلى السويداء، ما أعاد ربط التفاوض بالضغط الميداني مجدداً. ويشير ذلك إلى أن التفاوض لم يكن مدخلاً لخفض التصعيد، بل أداة لإدارته، تُستخدم ضمن منطق الإيقاع العملياتي نفسه.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم هذا المسار بمعزل عن التحول في قواعد الاشتباك التي يسعى المسار التفاوضي إلى إعادة تعريفها، خاصة بعد أن أعلنت إسرائيل انهيار اتفاق وقف إطلاق النار 1974 بشكل أحادي إثر سقوط النظام فوراً، ما يجعل التفاوض يدور فعلياً حول إعادة تعريف هذه القواعد، لا مجرد الالتزام بها.

وعند تفكيك مقاربات الأطراف، يظهر اختلاف بُنيوي في وظيفة هذا المسار. فالولايات المتحدة تدفع نحو صيغة وظيفية تُخفف التوتر وتمنع الانهيار، دون الانخراط في تسوية سياسية شاملة، ما يجعل التفاوض أداة لضبط البيئة أكثر منه لإعادة تعريفها جذرياً. كما أنها تنظر إليه كجزء من تصور أوسع لإعادة هندسة البيئة الإقليمية بعد سقوط الأسد، وبصورة أشد بعد اتساع المواجهة الإسرائيلية والأمريكية–الإيرانية. بمعنى أن أي تهدئة أو ترتيبات أمنية بين سورية وإسرائيل يمكن أن تصبح مدخلاً إلى تثبيت الاستقرار، واحتواء تهديدات إيران، وإدماج سورية الجديدة في نظام إقليمي أقل عدائية تجاه إسرائيل.

أما إسرائيل، فتتعامل مع المسار بوصفه امتداداً للسلوك الميداني، وتسعى من خلاله إلى تحويل ما فرضته عبر الضغط العسكري، خاصة في الجنوب، إلى ترتيبات أكثر استقراراً، تعكس سقفاً تفاوضياً مرتفعاً يقوم على تقليص مستويات التسليح، وتوسيع هامش حرية الحركة العسكرية، والحفاظ على القدرة على التدخل عند الحاجة، بما يُبقي المجال الحدودي ضمن حالة منخفضة السيادة. أي أن إسرائيل تراه كصيغة عملية لتثبيت ما راكمته ميدانياً، فهي لا تقاربه كصيغة “منع التهديد” فقط، بل كفرصة استراتيجية أتاحها انتقال السُلطة في سورية، تتيح التحوّل من منع التهديد إلى تشكيل البيئة، أي أن إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاق كتنازل متبادل، بل كترجمة سياسية لاختلال ميداني راكمته بالفعل.

 في المقابل، تنظر السُلطة السورية إلى هذا المسار من موقع مختلف، حيث يشكّل أداة لتخفيف الضغط وشراء الوقت، في ظل محدودية قدرتها على فرض معادلة ردع مستقرة أو الدخول في ترتيبات بعيدة المدى قد تحمل كلفة داخلية وسياسية مرتفعة، مع السعي في الوقت ذاته إلى استعادة قدر من الضبط السيادي والحد من التوغلات.

وهنا يتجلى التناقض البُنيوي الذي يحكم هذا المسار: فبينما تسعى إسرائيل إلى تقنين اختلال قائم وتثبيت نتائجه، وتسعى واشنطن إلى تنظيم هذا الاختلال ومنع انفجاره، تجد دمشق نفسها أمام محاولة إدارته دون القدرة على إعادة صياغته بالكامل. وهذا ما يجعل أي حديث عن “اتفاق أمني” نهائي في هذه المرحلة سابقاً لأوانه، إذ إن المعطيات لا تشير إلى اتفاق متبلور، بل إلى مسار تفاوضي قابل لإعادة الصياغة تبعاً لتطورات الميدان والإقليم.

وهنا بالضبط يكمن الفرق بين “الإغراء الوظيفي” و”الاستعصاء البنيوي”. فوظيفياً، يبدو الاتفاق مغرياً لكل الأطراف بدرجات متفاوتة. بالنسبة لإسرائيل، هو يفتح الباب لتثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد، مثل جنوب منزوع السلاح، أو الإبقاء على نقاط حاكمة، أو ضمانات تتعلق بحرية الحركة والتدخل. وبالنسبة للوسيط الأمريكي، هو أداة مناسبة لخفض التوتر، ومنع الانهيار، وضبط سلوك الطرفين من دون الذهاب إلى مواجهة معقدة بين الحليف الإسرائيلي والسُلطة السورية الجديدة التي ترى فيها واشنطن مصلحة نسبية للاستقرار. أما بالنسبة لدمشق، فثمة إغراء واضح في أي صيغة يمكن أن توقف الضربات، أو تضبط التوغلات، أو تمنح الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الداخل. لكن هذا الإغراء الوظيفي، على وضوحه، يبدو أنه يصطدم ببنية أعقد بكثير من أن تسمح بتحويله إلى اتفاق مستقر.

فالعقدة الأولى في هذا الاستعصاء تتعلق بالسقف الإسرائيلي نفسه. إذ لا تبدو إسرائيل معنية بتهدئة متبادلة بقدر ما تبدو معنية بترتيب أمني أحادي الميل، يكرس تفوقها الميداني ويحوّل ما فرضته خلال العام الأول على سقوط النظام إلى معطيات شبه دائمة. والمشكلة هنا ليست في أصل التفاوض، بل في أن إسرائيل تحاول أن تجعل أي اتفاق امتداداً لنتائج القوة، لا إطاراً لتقليص اختلالها. ومن ثم، فإن الحديث عن جنوب منزوع السلاح، أو عن بقاء في نقاط حاكمة كجبل الشيخ، أو عن استمرار حرية التدخل تحت عناوين أمنية، لا يشير إلى تفاوض على تهدئة بقدر ما يشير إلى محاولة لإعادة تعريف السيادة السورية نفسها في الجنوب. وهذا يفسر لماذا تبدو كل إشارة تفاوضية مصحوبة عملياً برفع السقف الإسرائيلي لا بخفضه.

أما العقدة الثانية، فتتعلق بالوضع السوري الداخلي. فالسُلطة الجديدة لا تتحرك من موقع دولة مستقرة تملك هامش قرار واسع، بل من موقع حكومة انتقالية في بيئة شديدة الهشاشة: دمج عسكري غير مكتمل، شرعية سياسية لم تترسخ بعد، بُنى محلية حساسة، وملفات أمنية مركّبة، في مقدمتها السويداء. فسورية الجديدة لم تستكمل احتكارها للمجال الأمني بعد، والجنوب نفسه ما يزال مساحة لتداخل حساسيات محلية وطائفية ومجتمعية، وإسرائيل لا تبدو مستعدة للتخلي عن حرية تدخلها بسهولة، بينما لا تستطيع حكومة دمشق أن تمنح هذه الحرية غطاء سياسياً صريحاً من دون أن تدفع كلفة داخلية كبيرة.

وهذا يعني أن أي اتفاق أمني بعيد المدى لن يُقرأ داخلياً بوصفه نجاحاً في تجنّب الحرب، بل قد يُقرأ على نطاق واسع بوصفه تنازلاً سيادياً أو قبولاً بترجمة موازين القوة إلى التزام طويل الأمد. وهنا لا تكون المشكلة فقط في مضمون الاتفاق، بل في قدرة السُلطة على تحمّل معناه السياسي داخلياً. فحكومة الشرع، أو أي سُلطة انتقالية، لا تملك ترف الدخول في ترتيب استراتيجي واسع مع إسرائيل في بلد خارج من حرب مدمرة، ولا تملك أيضاً شرعية كافية لتحمل ارتداداته على بنية النظام السياسي والاجتماعي نفسه.

ويُضاف إلى ذلك قيدٌ إقليمي لا يقل أهمية، إذ إن أي صيغة اتفاق محتمل، لو بدت تقنية، لا تتشكل في فراغ ثنائي، بل ضمن بيئة إقليمية شهدت تحوّلات عميقة بعد الحرب على إيران، واتجهت فيها قوى رئيسية إلى إعادة التموضع وبناء توازنات جديدة، ما يحدّ من قدرة أي طرف على فرض صيغة أحادية، ويجعل قابلية الاتفاق للاستمرار مرتبطة بمدى انسجامه مع هذه التوازنات وهواجسها. خاصة بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية–الإيرانية وما رافقها من إعادة تشكيل للبيئة الإقليمية، ما يعني أن أي اتفاق أمني لن يُقرأ فقط من زاوية دمشق وتل أبيب، بل من زاوية ما إذا كان جزءاً من ترتيب إقليمي جديد أو مجرد حل موضعي مؤقت. وهذا يزيد من صعوبة منحه شكلاً نهائياً ومستقراً في هذه المرحلة. ولهذا، فإن الشكل الأكثر واقعية لأي اتفاق محتمل لا يبدو اتفاقاً شاملاً أو بعيد المدى، بل نمطاً هجيناً من التفاهمات الجزئية وإعادة تعريف قواعد الاشتباك: أي أننا لا نتحدث عن سلام، ولا حتى عن اتفاق سياسي متكامل، بل عن تنظيم جزئي للصراع في الجنوب خاصة، بما يسمح لكل طرف بتحقيق جزء من احتياجاته دون أن يلتزم بالتسوية الكاملة.

تكشف القراءة المُركّبة لنتائج الرصد خلال الأشهر الاثني عشر أن الساحة السورية–الإسرائيلية لم تعد مجالاً يمكن تفسيره ضمن معادلة ثنائية تقليدية، بل تحوّلت إلى مساحة تُدار داخل شبكة مصالح إقليمية ودولية متداخلة، تُقيّد القدرة على الحسم الأحادي وتعيد تعريف منطق التدخل ذاته. فعلى الرغم من احتفاظ إسرائيل بتفوق عسكري واضح وقدرة عالية على المبادرة، إلا أن هذا التفوق لم يُترجم إلى قدرة على فرض ترتيبات نهائية أو إنتاج استقرار استراتيجي منفرد، ما يعكس حدوداً بُنيوية تتجاوز مسألة القوة العسكرية ذاتها.

ولا يرتبط هذا العجز بطبيعة الساحة السورية فقط، بل يتصل بدرجة أكبر بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بعد الحرب على إيران، حيث لم تعد المنطقة ساحة لمحاور متقابلة بقدر ما أصبحت شبكة من الحلفاء المتداخلين للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، لم تعد واشنطن تتعامل مع إسرائيل بوصفها الحليف الوحيد الذي يُمنح حرية الحركة، بل باتت تدير شبكة أوسع تضم تركيا، ودول الخليج، والأردن، ومصر إلى جانب السُلطة السورية الجديدة، ما يفرض عليها موازنة دقيقة بين حلفاء متباينين في أولوياتهم، ويحدّ من قابلية دعم مسارات أحادية قد تُنتج اختلالاً أوسع في الإقليم.

ويُنتج هذا الواقع نمطاً من القيود المتقاطعة، حيث يفرض كل فاعل إقليمي محددات مختلفة على السلوك الإسرائيلي داخل سورية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وارتباط أمنه القومي باستقرار حدوده الشمالية، لا يمكنه القبول بترتيبات أمنية أحادية تُنتج فراغاً أو واقعاً غير منضبط في الجنوب السوري، لأن ذلك يهدد مباشرة بنيته الأمنية وحدوده، ما يجعل أي مشروع لإعادة تشكيل الجنوب خارج التوافق الإقليمي عرضة للاعتراض أو الإرباك.

وفي الاتجاه ذاته، فإن دول الخليج، وخاصة السعودية وقطر، التي اختبرت خلال المرحلة الأخيرة انكشافاً أمنياً مزدوجاً نتيجة الضربات الإيرانية والإسرائيلية، يبدو أنها تتجه نحو إعادة صياغة أولوياتها الدفاعية، بما قد يعيد إدماج سورية ضمن تصور أوسع للأمن الإقليمي، سواء كدولة طوق أو كجزء من منظومة إنذار وتوازن في مواجهة أي تصعيد مستقبلي. وفي هذا الإطار، يصبح من غير المرجح قبول ترتيبات إسرائيلية منفردة تُضعف موقع سورية ضمن هذا التوازن أو تخرجها من الحسابات الخليجية الجديدة، ما يضع قيداً إضافياً على حرية الحركة الإسرائيلية.

أما مصر، فتتقاطع مصالحها مع هذا الاتجاه، ليس فقط من زاوية رفض الفراغات الحدودية أو اختلال التوازن، بل أيضاً من زاوية منع انفراد إسرائيل بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية على نحو قد ينعكس على توازنات أوسع تمس الأمن القومي المصري. وفي هذا السياق، فإن التقاربات التي برزت بعد الحرب على إيران، بما في ذلك مؤشرات التنسيق بين مصر وتركيا وباكستان ودول خليجية، تفتح إمكانية لإعادة إدماج سورية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، بما يمنحها هامشاً إضافياً في علاقاتها، ويحدّ من الضغوط الأحادية عليها.

وتظهر تركيا بوصفها الفاعل الأكثر مباشرة في موازنة الحضور الإسرائيلي، إذ لا تنظر إلى سورية كساحة هامشية، بل كمجال نفوذ حيوي يرتبط بأمنها القومي وبموقعها الإقليمي. ومن ثم، فإن أي محاولة إسرائيلية لإعادة تشكيل الجنوب أو فرض ترتيبات مستقلة، قد تصطدم بحسابات تركية تتعلق بتوازن القوى داخل سورية، ما يجعل المجال مفتوحاً لتقاطعات غير مباشرة تحدّ من إمكانية ترسيخ نفوذ إسرائيلي منفرد.

وفي المقابل، ورغم تراجع النفوذ الإيراني نتيجة الحرب، فإن بقاءه كاحتمال قائم، حتى في حالة الانكفاء، قد يدفع مختلف الفاعلين إلى التعامل مع سورية الجديدة بوصفها ساحة احتواء وصد مستقبلي، لا ساحة يمكن إخراجها من التوازن. كما أن الحضور الروسي، رغم تراجعه، لا يزال يمثل عامل توازن هامشي يمنع احتكار المجال بالكامل من قبل طرف واحد، ويضيف طبقة إضافية من التعقيد على أي محاولة لإنتاج ترتيب نهائي.

من جهة أخرى، فإن المناخ الأوروبي العام ضمن المرحلة الأخيرة – في ظل تداعيات الحرب على غزة، وتصاعد موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتوترات السياسية مع حكومة بنيامين نتنياهو، لا سيما مع دول مثل إسبانيا وإيطاليا – يشير إلى ميل متزايد نحو دعم الاستقرار والحد من مسارات التصعيد. وقد توازى ذلك مع انخراط كل من ألمانيا وفرنسا في طرح أدوار وساطة في سياق التفاعلات السورية–الإسرائيلية. ومع ذلك، لا يرقى هذا الحضور إلى مستوى التأثير الميداني المباشر، بقدر ما يعكس بيئة سياسية أوروبية تميل إلى تقييد الانفلات الإسرائيلي أكثر من دعمه، دون أن تتحول إلى قوة حاسمة في إعادة تشكيل توازنات الإقليم أو الميدان السوري.

وفي ظل هذا التشابك، لا تقتصر حدود الحسم الإسرائيلي على القيود الخارجية، بل تمتد أيضاً إلى مستوى أعمق يتعلق بالعجز عن تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات سياسية مستقرة. إذ تكشف أنماط السلوك المرصودة أن إسرائيل، رغم قدرتها على فرض وقائع ميدانية وضربات نوعية، لم تنجح في إنتاج إطار سياسي قابل للاستدامة، بل بقيت تدير حالة من الضغط المستمر دون القدرة على الانتقال إلى مرحلة تثبيت النتائج رسمياً، حتى الآن.

وعليه، فإن الساحة السورية لا تتجه نحو حسم لصالح طرف بعينه، بل نحو نمط من إدارة التناقضات، حيث تتداخل التهدئة والتصعيد، ويتقدم التفاوض ويتراجع، ضمن حدود ترسمها شبكة المصالح الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، تتحوّل سورية من ساحة فراغ يمكن ملؤها إلى ساحة توازنات يُعاد تشكيلها تدريجياً، بما يفرض على جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم إسرائيل، التحرك ضمن قيود بُنيوية لا تسمح بفرض ترتيبات أحادية أو نهائية.

وتفتح هذه البيئة، في الوقت ذاته، هامشاً نسبياً للسُلطة السورية الجديدة، التي لا تتحرك ضمن حالة ضغط أحادي، بل ضمن شبكة قيود متبادلة يمكن توظيفها لإعادة بناء موقعها التفاوضي وتوسيع خياراتها الإقليمية، سواء عبر الانخراط ضمن ترتيبات جماعية أو الاستفادة من تقاطعات المصالح بين الفاعلين. غير أن هذا الهامش يبقى مشروطاً بقدرتها على إدارة تعقيدات الداخل واستثمار هذه التوازنات دون الوقوع في إعادة إنتاج الهشاشة ذاتها.

في المحصلة، لا يعكس المشهد السوري–الإسرائيلي خلال سنة الرصد مساراً يتجه نحو تسوية أو حسم، بل نحو إعادة تنظيم مستمرة للعلاقة ضمن بيئة إقليمية معقدة تُدار فيها التناقضات بدل أن تُحل، وتُضبط فيها الاختلالات بدل أن تُحسم، ما يجعل من سورية ساحة إعادة ترتيب مفتوحة، لا ساحة حسم منفرد، وسط بيئة إقليمية لم تستقر بعد، لكنها بدأت بالفعل ترسم حدود الممكن وحدود العجز لكل طرف.

خاتمة

تكشف طبيعة التدخل الإسرائيلي في سورية خلال عام 2025 عن تحوّل جوهري في وظيفة القوة، لم يعد محكوماً بمنطق الردع التقليدي أو استهداف التهديدات المباشرة، بل بات أقرب إلى مقاربة مركّبة تسعى إلى إنتاج بيئة أمنية منخفضة التهديد عبر إعادة تشكيل المجال الأمني ذاته. إذ تُظهر القراءة المتقاطعة لطبيعة السلوك الإسرائيلي خلال هذا العام، عبر الزمن والجغرافيا والوظيفة؛ أن هذا التدخل تطوّر تدريجياً من اختبار حدود الواقع الجديد، إلى توظيف القوة في إدارة المسار التفاوضي، ثم إلى فرض معادلات ميدانية، وصولاً إلى محاولة تثبيت حضور مستدام ومنخفض الكلفة في الجنوب السوري. لا سيما القنيطرة، التي انتقلت إلى مجال اختبار في محاولة إنتاج نموذج تدخل قائم على النفاذ المتكرر، وضبط المجال الأمني، ضمن نمط يقترب من إدارة “حزام أمني وظيفي” أكثر من كونه تدخلاً عسكرياً تقليدياً.

انطلاقاً من ذلك، فإن التعامل مع هذا النموذج من التدخل لا يمكن أن يقوم على الرد العسكري المباشر، خاصة في ظل اختلال واضح في موازين القوة وما يحمله من مخاطر تصعيد مفتوح. في المقابل، لا يعني ذلك القبول باستمراره أو تركه يتكرّس، بل يفرض البحث عن سياسات وأدوات بديلة أكثر واقعية. تنطلق أولاً، من إعادة صياغة المقاربة السورية ككل في التعامل مع إسرائيل في ظل هذا النموذج التدخلي، بما يتيح إعادة تعريف المقاربة الأمنية في الجنوب بشكل متعدد المستويات (سياسياً، اجتماعياً، وإدارياً)، على نحو يهدف إلى تقليص قدرة هذا التدخل على التمدد والتكرار، ورفع كُلفته، عبر تضييق الفراغات التي يتحرك ضمنها، وتعزيز الحضور الإداري والأمني الفاعل بما يدعم استعادة المجال، ومنع تحوّل بعض المناطق إلى بيئات رخوة أو معزولة وسهلة النفاذ.

على المستوى الداخلي، لا يمكن فصل فعالية هذا النموذج من التدخل عن طبيعة العلاقة مع البيئات المحلية، لا سيما في المناطق ذات الخصوصية، حيث أظهر توظيف خطاب “حماية الأقليات” كيف يمكن للانقسامات الداخلية أن تتحوّل إلى مدخل مباشر للتدخل الخارجي. ومن ثم، فإن إعادة بناء هذه العلاقة، واحتواء التوترات، وتعزيز الحضور المؤسسي، والدفع بمصالحة اجتماعية حقيقية؛ تمثّل عناصر أساسية في سحب الذرائع التي يقوم عليها هذا النمط من التدخل، دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة مرتفعة الكُلفة.

ولا يرتبط الحد من هذا التدخل بالتصعيد العسكري المباشر، بقدر ما يرتبط بتغيير الشروط التي تجعله ممكناً وقابلاً للتكرار. فكلما بقيت البيئة مفتوحة أمام النفاذ، ومنخفضة الكُلفة من حيث تبعاته السياسية والأمنية، استمر هذا التدخل في التوسّع والاستخفاف بحدوده. أما الحد منه، فيمر عبر تضييق هامش الحركة، وتعزيز الحضور المؤسسي، وربط المجتمعات المحلية ببُنية الدولة اقتصادياً وخدمياً وسياسياً، بما يقلّص من قابلية استغلالها، ويجعل أي تدخل متكرر أكثر كلفة وتعقيداً. وفي هذا السياق، تبرز أهمية عدم التعامل مع الجنوب السوري كملف أمني معزول أو فصله كقضية-سياسياً، إعلامياً- عن عمقه الوطني، لما يحمله ذلك من مخاطر قد تُضعف من قدرة الدولة على تحقيق الضبط المتكامل للمجال الوطني.

ولا يقتصر رفع كُلفة هذا النموذج من التدخل على الأدوات الرسمية أو المؤسسية، بل يمتد إلى البيئة المحلية بوصفها مجالاً يمكن أن يُنتج أنماطًا من الفعل الذاتي تحت ضغط الاستهداف المستمر. فقد أظهرت بعض مناطق الجنوب خلال سنة الرصد بوادر تشكّل بؤر محلية ذات طابع مقاوم، في سياق يتقاطع فيه التضرر المباشر مع محدودية الحضور الفعلي للدولة، ما يجعل هذه الديناميات مرشحة للتوسّع أو إعادة الإنتاج إذا استمر هذا النمط من التدخل دون كوابح.

وعليه، يمكن أن يتحوّل هذا العامل إلى أداة ضغط غير مباشرة، تُسهم في رفع كُلفة التدخل وإعادة رسم حدود التفاعل، بما ينعكس على سقف المسار التفاوضي. غير أن محاولة توظيف هذا البعد يظل محفوفاً بمخاطر عالية، إذ إن الانزلاق نحو أشكال غير منضبطة من الفعل المحلي قد يفتح المجال أمام تصعيد يتجاوز قدرة المجتمعات المحلية والدولة على تحمّله، ما يستدعي التعامل معه كأداة حساسة تتطلب ضبطاً دقيقاً، لا كمجال مفتوح للتفاعلات غير المحسوبة.

في هذا الإطار، فإن إدارة هذه التفاعلات المحتملة لا تتصل باستثمارها ميدانياً فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة مع المجال المحلي بوصفه مصدراً للشرعية وعنصراً داعم في إدارة هذا الملف، لا مجرد بيئة متلقية له. وهو ما يستدعي مستوى أعلى من الشفافية في إدارة مسار المفاوضات مع إسرائيل، بما يتيح تحويل التفاعل الشعبي من حالة ضغط غير منضبط أو تعبئة شعاراتية، إلى رصيد سياسي قابل للتوظيف، يوسّع هامش الحركة ويمنح الفاعل الرسمي قدرة إضافية على المناورة في لحظات الضغط. كما يرتبط ذلك بتعزيز الحضور المؤسسي وضبط إدارة ملف الجنوب، بما في ذلك إدارة التعيينات والجهات القائمة عليه، بشكل يضمن اتساق الأداء ويحدّ من إنتاج سياسات يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف قابلة للاستغلال.

من جهة أخرى، ورغم سعي النموذج الإسرائيلي إلى فرض معادلات ناتجة عن التفوق العسكري، إلا أنه لا يملك القدرة حتى الآن على حسمها استراتيجياً.  إذ إن هذا التفوق، ورغم فعاليته، يصطدم بتعقيدات بيئة إقليمية تتداخل فيها مصالح فاعلين متعددين، ما يحدّ من إمكانية تحويله إلى ترتيبات مستقرة أو نهائية على مستوى المسار التفاوضي والاتفاق الأمني المحتمل. وفي هذا السياق، تبرز التحوّلات التي أعقبت الحرب الإسرائيلية–الإيرانية الأولى، وصاحبت الثانية، حيث بدأت شبكة مصالح إقليمية، متضررة من محاولات فرض الهيمنة الإسرائيلية، تتبلور بشكل أكثر وضوحاً، ما يفتح المجال أمام إعادة تموضع الفاعل السوري ضمن هذه التوازنات، والاستفادة من تقاطعات مصالحها في الحد من مسارات الضغط.

في المحصلة، لا يتمثل التحدي في حجم القوة المستخدمة، بل في طبيعة البيئة التي تتحرك ضمنها. فكلما بقيت هذه البيئة مفتوحة وقابلة للاختراق، استمر هذا النمط من التدخل في إعادة إنتاج نفسه. أما الحد منه، فيمر عبر إعادة بناءها واستعادة المجال. وفي هذا الإطار، لا يتمثل التحدي في مجاراة الوقائع الميدانية التي فرضها هذا النمط من التدخل، بل في العمل على الحد من قابليتها للتكريس والتحوّل إلى قاعدة مستقرة تُعاد صياغتها كأمر واقع. إذ إن ما يُطرح اليوم لا يقتصر على إعادة تعريف حدود الحركة في الجنوب السوري، بل يمتد إلى إعادة تشكيل القواعد الناظمة للعلاقة برمتها. ومن هنا، فإن التمسُّك بهذه القواعد والحفاظ عليها، بما في ذلك اتفاق 1974، لا يرتبط باستدعائه كصيغة شكلية جامدة، بقدر ما يرتبط بمنع تقويضه تدريجياً عبر فرض وقائع ميدانية بديلة تُفرغه من مضمونه دون إعلان صريح.


[1] صبا عبد اللطيف، التصعيد الإسرائيلي على سورية (من ردع العدوان إلى سقوط نظام الأسد)، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 15 كانون الثاني/يناير 2025، الرابط: https://bit.ly/4tn4PVe

[2] المصدر السابق.

ساشا العلو

عن الباحث

ساشا العلو

 التحصيل العلمي: حاصل على إجازة في الصحافة والإعلام من جامعة دمشق، إضافة إلى ماجستير في الإعلام والاتصال الجماهيري. تتركز أبحاثه في مجالات: الحوكمة والإصلاح المؤسساتي في سورية. البنى السياسية والاجتماعية وتحولاتها في سياق الصراع السوري. التنظيمات العسكرية والجهادية. تحليل الخطاب ودراسات الجمهور والرأي العام. مؤلفات ومنشورات:• المركزية واللامركزية في سورية بين النظرية والتطبيق: نحو تأصيل […]

عرض جميع أعمال الباحث ←
صبا عبد اللطيف

عن الباحث

صبا عبد اللطيف

التحصيل العلمي: حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم الإدارية والعلاقات الدولية من جامعة سليمان ديميرال، وحالياً طالبة ماستر في العلوم سياسية والعلاقات دولية في جامعة اسطنبول التجارية تركز اهتماماتها البحثية على الأبحاث السياسية والدولية المتعلقة في الشأن السوري. مؤلفات ومنشورات السيناريوهات الميدانية المتوقعة لإدلب لعام 2021

عرض جميع أعمال الباحث ←
محسن المصطفى

عن الباحث

محسن المصطفى

التحصيل العلمي: حاصل على درجة البكالوريوس في الحاسوب ونظم معلومات، وحالياً طالب دبلوم علوم سياسية. انضم لمركز عمران مع بدايات عام 2018، ضمن برنامج مشترك بين مركز عمران ومركز كارنيغي حول العلاقات المدنية العسكرية في الدول العربية عموماً، وسورية خصوصاً. كما عمل سابقاً كباحث مساعد في مركز شام للدراسات.   مؤلفات ومنشورات مراكز القوة في جيش النظام […]

عرض جميع أعمال الباحث ←