انتقل إلى المحتوى
AR EN TR

عمليات تنظيم داعش والعمليات المضّادة: خلال النصف الأول من عام 2026

مروان عبد القادر

مروان عبد القادر

22 سبتمبر 2026
12 دقيقة قراءة
PDF

مقدمة

شهد النصف الأول من عام 2026 تحولات مفصلية في المشهد الأمني والعسكري على الجغرافية السورية، لا سيما في المحافظات الشرقية والمناطق المستحدثة. فقد أعاد التوزع الميداني وبسط سيطرة الدولة السورية على مناطق شرق الفرات صياغة البيئة التشغيلية لتنظيم “داعش”، والذي وجد نفسه أمام واقع جديد فرض عليه التكيف السريع مع استراتيجيات المؤسسة العسكرية والأمنية.

يتولى هذا التقرير التحليلي تفكيك ديناميات النشاط الإرهابي للنظيم خلال الأشهر الستة الأولى من العام، عبر رصد أنماط العمليات، والتوزيع الجغرافي، وطبيعة الأهداف المنتقاة، ومستوى الفاعلية القتالية، بالتوازي مع قراءة استجابة الأجهزة الأمنية التي انتقلت من مربع “الاحتواء وردات الفعل” إلى استراتيجية “الاستباق الاستخباري “، وذلك بهدف رسم صورة دقيقة للواقع الأمني واستشراف المسارات القادمة عبر مجموعة من النتائج والتوصيات الحاكمة.([1])

ورغم غياب التبني الرسمي لبعض الهجمات—بسبب تشتت التنظيم ولجوء أفراده لعمليات فردية تُسجّل أحياناً ضد مجهول—إلا أنه تم إدراج هذه الحوادث ضمن نشاط التنظيم بناءً على سياقها الميداني، وطبيعة التكتيك المستعمل، وجغرافيتها التي تتطابق مع نطاق حركة خلاياه.

أولاً: قراءة كمية في عمليات تنظيم “داعش”

 تقتضي القراءة الكمية لعمليات تنظيم “داعش” خلال النصف الأول من عام 2026 تفكيك المؤشرات الإحصائية ورصد دلالاتها الميدانية عبر أربعة محاور أساسية، تشمل تحليل أدوات الاستهداف المستخدمة، وفئات الجهات المستهدفة وضحاياه، إلى جانب تتبع المسار الزمني للعمليات وخريطتها الجغرافية، وذلك على النحو الآتي:

تنوعت الأساليب الهجومية التي اعتمدها التنظيم بين إطلاق النار الخاطف، والتفخيخ، ورمي القنابل، وإطلاق القذائف، والعمليات الانتحارية، غير أن المنحنى يكشف هيمنة ساحقة لعمليات إطلاق النار الخاطفة التي رُصدت بواقع /59/ عملية، فيما جاء التفخيخ ثانياً بـ/5/ حالات، تلاه رمي القنابل بـ/4/ حالات، ثم إطلاق القذائف بحالتين، فيما نُفّذت عملية انغماس انتحاري واحدة.

 إن استحواذ إطلاق النار على نحو /83%/ من مجمل الأساليب يعكس تبنّياً واضحاً لنموذج حرب العصابات منخفض الكلفة وعالي الحركة — خلايا صغيرة، غالباً متنقلة على دراجات نارية، تنفّذ اغتيالات خاطفة وعمليات كرّ وفرّ

وإن شبه غياب العمليات النوعية المعقّدة يدل على تدهور القدرة القتالية التقليدية، غير أن العملية الانتحارية في مقر الأمن الداخلي بالرقة في 15 حزيران — وهي الأولى من نوعها منذ كانون الأول — تُظهر احتفاظه بقدرة رمزية متبقّية على الضربات عالية الأثر. ويتسق هذا التركيز على الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة مع مرحلة ما بعد الخسارة الإقليمية، واستثمار فراغ أمني ووفرة سلاح في السوق السوداء بالرقة ودير الزور والحسكة بعد انسحاب قسد. انظر الجدول رقم (1) والشكل البياني رقم (1)

طبيعة أداة الاستهداف
إطلاق نارتفخيخرمي قنبلةإطلاق قذيفةانغماس انتحاري
595421

جدول رقم (1) : توزع عمليات داعش وفقاً لطبيعة أداة الاستهداف

الشكل رقم (1) : توزع عمليات داعش وفقاً لطبيعة أداة الاستهداف

اتسمت عمليات التنظيم خلال النصف الأول من عام 2026 بطابع نوعي في انتقاء الأهداف، إذ تمركزت الجهود الأساسية حول استهداف أفراد وقوى الجيش والأمن بواقع /28/ حالة كلّفت فيها العمليات خسائر بشرية شبه مؤكدة بقتيل أو أكثر، تلاها الهجوم على المقار العسكرية بـ/11/ حالة، ثم الحواجز الأمنية بـ/9/ حالات، وحظي المدنيون بنصيب بواقع /7/ حالات، يليهم موظفو الجمارك بـ/4/ حالات، فالقياديون العسكريون بـ/3/ حالات، فيما سُجّل استهداف الدوريات الأمنية وصهاريج النفط والمحال التجارية بحالتين لكل منها، واستهداف القضاة وخطوط إمداد النفط والوجهاء العشائريين بمرة واحدة لكل منهم.

 إن استحواذ القطاع الأمني والعسكري للدولة على نحو /75%/ من الأهداف يعكس إعادة توجيه استراتيجية جوهرية: ففي عام 2025 كان التنظيم يستهدف بشكل رئيسي قسد، أما في 2026، وبعد انتقال سيطرة معقله التاريخي من قسد إلى الحكومة في كانون الثاني، تحوّل الاستهداف بالكامل إلى القوات الحكومية .

وقد تم تأكيد هذا التحوّل بدعوة الناطق باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري في 21 شباط لاستهداف الحكومة الانتقالية. وتشكّل استهدافات الأفراد والحواجز والدوريات والمقار حملة مضادة للدولة تهدف إلى تآكل احتكار السلطة الجديدة للقوة وشرعيتها في المحافظات الشرقية المستحدثة، فيما تكشف استهدافات الجمارك والبنية النفطية عن منطق مزدوج يقوم على حرب اقتصادية على إيرادات الدولة وتمويل ذاتي عبر السلب. أما استهداف القاضي والوجهاء العشائريين فيُشير إلى مسعى لضرب بنى السلطة البديلة ، وهو ما يكتسب دلالة خاصة في ضوء البُعد العشائري لمشهد الشرق السوري. انظر الجدول رقم (2) والشكل البياني رقم (2)

طبيعة المستهدف
أفراد قوى الجيش والأمنمقر عسكريحاجز أمنيمدنيموظف جماركقيادي عسكري
28119743
دورية أمنيةصهريج نفطمحال تجاريةخطوط إمداد النفطقضاةوجيهه عشائري
222111

جدول رقم (2) : توزع عمليات داعش وفقاً لطبيعة المستهدف

الشكل رقم (2) : توزع عمليات داعش وفقاً لطبيعة المستهدف

أوقعت هجمات تنظيم الدولة /49/ قتيلاً، استحوذت قوى الجيش والأمن على النسبة الأعلى بواقع /28/ قتيلاً عبر /28/ هجوماً، ما يعني نسبة فاعلية شبه تامة في تصفية الهدف، وبلغ عدد القتلى من المدنيين /6/ عبر /7/ هجمات، ومن موظفي الجمارك /5/ عبر /4/ هجمات، فيما سقط /4/ من أفراد الجيش عبر /9/ هجمات استهدفت حواجز أمنية، و/4/ عسكريين عبر الهجمات على المقار العسكرية، و/2/ من القياديين العسكريين عبر /3/ هجمات.

 تحمل نسبة «الفاعلية القتالية» دلالة واضحة؛ فعمليات الاغتيال الفردي (عناصر الأمن، الجمارك، القياديون) تُظهر أنها ضربات دقيقة ضد أهداف طرية مكشوفة — وهو النموذج عالي العائد منخفض الكلفة الذي يفضّله التنظيم اليوم.

 في المقابل تُظهر الهجمات على المواضع المحصّنة نسباً منخفضة، ما يدل على أنها عمليات مضايقة واختبار واستنزاف تهدف إلى إجهاد القوات الأمنية وإظهار المدى لا إلى اقتحام المواقع.

وتفسر هذه اللامساواة في الفاعلية المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هيمنة تكتيك إطلاق النار: فالتنظيم يعظّم الأثر لكل عملية عبر تفضيل الاستهداف الفردي على الاشتباك المركّب، أما حصيلة المدنيين فرغم تواضعها فتعكس ترهيباً قسرياً ضد السكان المشتبه بتعاونهم مع السلطات، يعطي مؤشر على استنزاف قاعدته البشرية. انظر الجدول رقم (3) والشكل البياني رقم (3).

عدد ضحايا هجمات التنظيم
أفراد قوى الجيش والأمنمدنيموظف جماركحاجز أمنيمقر عسكريقيادي عسكري
2865442

الجدول رقم (3) : عدد ضحايا هجمات التنظيم

الشكل رقم (3) : عدد ضحايا هجمات التنظيم

لم يسجّل شهر كانون الثاني من عام 2026 أي عملية تذكر للتنظيم، فيما بلغت العمليات ذروتها في شباط بواقع /26/ عملية، هي الأعلى خلال الأشهر الستة، تلاها آذار بـ/23/ عملية، ثم تراجع المنحى في نيسان إلى /13/ عملية، فيما لم يتجاوز العدد في كل من أيار وحزيران خمس عمليات لكل منهما،

 ورغم هذا الانخفاض الحاد اتسمت عمليات الشهرين الأخيرين بطابع نوعي أشدّ وقعاً. يحمل هذا المنحنى دلالة تحليلية بالغة؛ فهدوء كانون الثاني يتزامن مع المرحلة الانتقالية التي أعاد فيها هجوم الحكومة على قسد الدمج تشكيل المشهد في معقل التنظيم، حيث كانت الخلايا تعيد تموضعها.

 أما ارتداد شباط فيأتي مباشرة عقب دعوة الأنصاري في شهر شباط لإعادة توجيه الهجمات نحو السلطة الجديدة مع انتشارها في المناطق المستحدثة. ويعكس التراجع المتواصل من آذار إلى حزيران تصاعد الضغط المضاد من قبل السلطات السورية وتفكيك عدد من الخلايا.

 أما المنحنى المعكوس بين الكم والنوع في أيار وحزيران  ضد أهداف متنوّعة عالية القيمة من حافلات وزارة الدفاع وصهاريج نفط ومقار وقضاة، فيدل على إعادة معايرة تكيّفية نحو عمليات رمزية عالية الأثر مع تآكل القدرة على العمليات المتواترة. انظر الجدول رقم (4) والشكل البياني رقم (4).

التطور الزمني للعمليات
شباطآذارنيسانأيارحزيران
26231345

جدول رقم (4) : توزع عمليات داعش وفقاً للتطور الزمني

الشكل رقم (4) : توزع عمليات داعش وفقاً للتطور الزمني

توزّعت عمليات التنظيم على /7/ محافظات، تصدّرتها دير الزور بـ/39/ عملية تركز معظمها في الميادين والبوكمال والصبحة والبصيرة، تلتها الرقة بـ/13/ عملية ركز أغلبها في الصباحية ومركز المدينة، ثم حلب بـ/11/ عملية استقطب معظمها كلٌّ من منبج والراعي والسفيرة، فيما جاء كلٌّ من ريف دمشق والحسكة وحمص ودرعا بنسب متقاربة لم تتجاوز /3/ عمليات في كل منها.

 إن استحواذ دير الزور وحدها على نحو /54%/ من العمليات، يكشف عن دلالة بنيوية؛ فهي معقل التنظيم التاريخي بتضاريسها الصحراوية الواسعة ونسيجها العشائري وقربها من الحدود العراقية .

وتؤكد الرقة وحلب — معاقل «الخلافة» السابقة — أن حزام الصحراء الشرقي هو القاعدة العملياتية. وظهور حلب كجبهة جديدة يعكس استثمار التنظيم لفراغ أمني ضعف الانتشار الحكومي في المناطق المستحدثة، لاسيما ريف منبج ومنطقة الراعي.

 أما الوجود الضئيل في ريف دمشق والحسكة وحمص ودرعا فيدل على عجز التنظيم عن التمدد في المناطق المستقرة ذات الكثافة الأمنية؛ وكانت عمليات ريف دمشق، أبرزها استهداف المسؤول القضائي في ببيلا في 16 حزيران، ضربات رمزية معزولة لا حضوراً مستداماً. انظر الجدول رقم (5) والشكل البياني رقم (5).

التوزع الجغرافي للعمليات
دير الزورالرقةحلبريف دمشقالحسكةحمصدرعا
3913113222

الجدول رقم (5) : توزع عمليات التنظيم وفقاً للنطاق الجغرافي

الشكل رقم (5) : توزع عمليات التنظيم وفقاً للنطاق الجغرافي

ثانياً: الأداء الأمني للأجهزة العسكرية والأمنية

شهد النصف الأول من عام 2026 تحولاً نوعياً في أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية، تمثّل في الانتقال من نموذج الاستجابة إلى الاستباق الاستخباري، بالاعتماد على تفكيك البنية الصلبة للتنظيم باستهداف معاقل القيادة والتصنيع والإمداد، بالتوازي مع شل حركة الخلايا العنقودية قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ.

وقد أثمرت هذه الاستراتيجية عن ضربات نوعية في عمق الهيكل التنظيمي، برز منها إعلان وزارة الداخلية في 21 حزيران/يونيو عن القبض على القيادي أكرم صالح الحمد، الملقب بـ عبدو تصنيع، والمشرف على قطاع التصنيع بالمنطقة الشرقية، وهو إنجاز أدى إلى إحداث إضعاف هيكلي في ورش إعداد وتطوير العبوات الناسفة والأحزمة المفخخة وتجفيف الإمداد الفني للخلايا المنتشرة في دير الزور والرقة والبادية.

امتدت الضربات الاستباقية لتفكيك خلايا الاغتيال المباشر وتتبعها، حيث ألقت قيادة الأمن الداخلي في حلب القبض على القيادي جاسم إبراهيم الأحمد في جرابلس بتاريخ 27 شباط/فبراير، ليكشف التحقيق عن تورطه في عدد من الجرائم المعقدة بينها اغتيال مواطن بعبوة ناسفة عام 2022 واستهداف مسؤول بالشرطة العسكرية، بالتوازي مع عملية الميادين في 25 شباط/فبراير التي قادها العقيد ضرار الشملان وأسفرت عن اعتقال محمود عيد العلي المتورط باستهداف أحد عناصر الفرقة 86، مما يعكس نمو قدرة قاعدة البيانات الأمنية على ربط الجرائم السابقة بالجهات المنفذة عبر تتبع الأسلوب الجرمي وتسريع الدورة الاستخباراتية من الجمع إلى التنفيذ.

وعلى صعيد إحباط المخططات الكبرى، نجحت قوى الأمن الداخلي بدير الزور في 1 و2 آذار/مارس عبر عملية خاطفة في اختراق وتفكيك خلية عنقودية بالكامل وضبط كميات كبيرة من الألغام والعبوات المعدة للتفجير قبل انتقالها للشارع، مما حَمى التجمعات المدنية من تفجيرات وشيكة.

وبانتقال التنظيم لاستخدام العناصر الانتحارية، اعتمدت المفارز  على التعامل المباشر وتحييد المهاجمين، وهو ما تجلى في تحييد انتحاري قُرب مقر عسكري في بزاعة بريف حلب في 30 أيار/مايو، وقتل آخر حاول اقتحام حاجز جزرة البوحميد بدير الزور في 27 شباط/فبراير، فضلاً عن عملية اللطامنة بريف حماة في 8 آذار/مارس التي حاصرت فيها القوات مطلوباً خطراً واشتبكت معه حتى استهلاك ذخيرته واضطراره لتفجير نفسه دون خسائر في صفوف المداهمين.

ولترسيخ هذه السيطرة الميدانية، اقترنت العمليات الأمنية بالاستجابة الفورية والتمشيط السريع عقب أي استهداف خاطف لمنع تحويل الخروقات إلى نقاط إرباك مستمر، كما حدث في التعامل مع استهدافات حواجز السباهية بالرقة في 5 حزيران/يونيو و22 شباط/فبراير والتي انتهت بتحييد مهاجم واعتقال آخر، واستنفار عين عيسى في 24 حزيران/يونيو إثر استهداف عناصر من الفرقة 72، وتمشيط البصيرة بشرق دير الزور في 23 شباط/فبراير.

ومن ضمن الاستراتيجيات الأمنية المعتمدة كانت إعادة الانتشار التكتيكي ، حيث جرى انسحاب وتجميع 11 نقطة وحاجزاً عسكرياً بمحيط تدمر والسخنة وإعادة تمركزها في 4 مواقع حصينة داخل المدينتين بناءً على تقارير اختراق مبكر، بما يساهم بتجريد التنظيم  من ميزة استهداف “الأهداف الرخوة” وحوّل الانتشار إلى قواعد انطلاق صلبة قادرة على تأمين المرفق العام وحماية الخطوط الحيوية بكفاءة عالية.

ثالثاً: استنتاجات إحصائية وتوصيات

تُكشف القراءةُ التحليلية الشاملة لمجريات النصف الأول من عام 2026 عن تحوّلٍ عميق في سلوك تنظيم “داعش”، الذي بات يعيش مرحلة إعادة تكيّف هيكلي وتكتيكي فرضها واقع انحسار قدرته على المواجهة المباشرة أو فرض السيطرة المكانية. وأمام هذا التراجع، ارتدّ التنظيم كلياً نحو نمط “حرب العصابات منخفضة التكلفة” والضربات الاستباقية في الخطوط الخلفية. وفي المقابل، أظهرت المؤسسة الأمنية والعسكرية قدرة عالية على الاستجابة المرنة وتطوير الاستخبارات الميدانية، مما مكنها من تجفيف منابع التصنيع والتسليح وشل الحركة العملياتية للخلايا النائمة.

تكشف المعطيات الميدانية عن خمسة مسارات تحليلية رئيسية رسمت المشهد الأمني:

  • الانزياح نحو التكتيكات الرخوة: استحوذت عمليات إطلاق النار الخاطف والاغتيالات الفردية على نحو 83% من مجمل الأساليب الهجومية، مما يعكس تآكل البنية الصلبة اللازمة للعمليات المركبة واعتماد التنظيم التام على مفارز صغيرة ومتحركة.
  • إعادة توجيه بنك الأهداف: اتجه نحو 75% من ثقل العمليات ضد المؤسسات الأمنية والعسكرية والدعائم الاجتماعية الرسمية ، في محاولة لتقويض سلطة الدولة الانتقالية بالمحافظات الشرقية والتشكيك في قدرتها على احتكار القوة.
  • الانحصار في الملاذات ذات التركيبة الأمنية الهشة:  ظلت محافظة دير الزور البؤرة الميدانية الأكبر بنسبة 54% من إجمالي النشاط، تلتها الرقة وحلب، مما يؤكد استمرار التنظيم في استغلال جغرافية البادية، والنسيج العشائري المعقد، والمناطق الحدودية كملاذات إرتكازية.
  • معادلة الكم والنوع: أظهر المؤشر الزمني انخفاضاً حاداً في الحصيلة الكلية للهجمات بعد ذروتها في شباط وآذار لتصل إلى أدنى مستوياتها في أيار وحزيران نتيجة الضغط الأمني، غير أن هذا التراجع العددي يقابله تركيز نوعي على استهداف مقرات وشخصيات عالية القيمة للحفاظ على أثر إعلامي مرتفع.
  • التفوق الاستخباري الوقائي: أثمر تحول العقيدة الأمنية نحو العمل الاستباقي عن ضربات قاصمة للهيكل التنظيمي، تمثلت في شل قطاع التصنيع (القبض على القيادي “عبدو تصنيع”)، وتفكيك الشبكات العنقودية، وتطبيق استراتيجية العزل الحركي للانتحاريين، إلى جانب إعادة الانتشار المرن لتجريد التنظيم من فرصة استهداف المواقع الرخوة.

بناءً على تقييم المخاطر القائمة والأنماط التكتيكية المستجدة، تتحدد الأولويات  في المبادرات التالية:

  • تفعيل دور المجتمعات المحلية: استثمار الاستهداف المتكرر للوجهاء عبر بناء جسور شراكة أمنية وثيقة مع المكون المحلي في دير الزور والرقة، باعتبار البيئة الاجتماعية الحاضن الأساسي لكشف الشبكات الجوالة والتحركات المشبوهة.
  • تحصين الأهداف الطرية وخطوط الإمداد: تحديث بروتوكولات الأمن الوقائي والحماية اللصيقة للضباط والقضاة وموظفي الجمارك، وتكثيف الاستطلاع الجوي بالطائرات المسيّرة لتأمين صهاريج النفط وشرايين المواصلات ضد محاولات التخريب والابتزاز المالي.
  • سد الفراغات الأمنية بالقطاعات المستحدثة: تسريع الانتشار العسكري والأمني وتثبيت نقاط السيطرة في ريف حلب الشرقي (لا سيما محوري منبج والسفيرة) والشريط الحدودي، لمنع الخلايا من استغلال هشاشة المرحلة الانتقالية وإنشاء جبهات إرباك جديدة.
  • تجفيف تجارة السلاح والسوق السوداء: تنفيذ حملات أمنية مركزة تستهدف شبكات تهريب السلاح وتجارة المتفجرات في أرياف الرقة ودير الزور، لقطع شريان التجهيز التسليحي الذي يغذي عمليات الاغتيال السريعة.
  • ترسيخ أسلوب التجميع التكتيكي: مواصلة اعتماد نموذج القواعد الحصينة المجمعة بدلاً من الحواجز الفردية المعزولة في عمق البادية (على غرار تجربة تدمر والسخنة)، رفقة تعزيزها بقوات استجابة سريعة ومفارز تمشيط نارية لإحباط الاختراقات والهجمات الخاطفة.

وختاماً، لا بد من الإشارة إلى أن تنظيم داعش يشكل أحد أهم التهديدات الأمنية التي تواجه الدولة الجديدة، وأن التعامل الجدي مع هذا التحدي يقتضي تجاوز منطق الاستجابة العسكرية المباشرة نحو بناء منظومة أمنية استباقية متكاملة. وقد أظهرت نتائج الدراسة أن تراجع كثافة هجمات التنظيم وتحوله إلى نمط الاغتيالات الخاطفة يعكسان نجاح الضربات الاستخباراتية في شل قطاعات التصنيع والإمداد، مما يتطلب استكمال هذا النجاح عبر سد الفراغات الأمنية في المناطق المستحدثة، وتجفيف تجارة السلاح، وترسيخ الشراكة مع المجتمعات المحلية لضمان تجريد الخلايا النائمة من محيطها الحيوي


([1]) اعتمد التقرير على رصد أمني دقيق نفذه فريق المركز خلال النصف الأول من عام 2026 لتفكيك نشاط تنظيم «الدولة» والعمليات المضادة له.، استندت  أساساً على محموعة من مواقع اعلامية سورية متابعة إضافة إلى منصة «المراقب السوري» لدقتها ومصداقيتها الميدانية، مع تقاطع المعطيات مع منصات متعددة للتحقق من صحة الأحداث.

مروان عبد القادر

عن الباحث

مروان عبد القادر

عرض جميع أعمال الباحث ←