بتاريخ 16-17 أيار/مايو 2026، نظمت “ذا سيريا ريبورت” في دمشق ورشة العمل الافتتاحية لمبادرة “حوار السياسات السورية”، بالتعاون مع مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. عُقدت ورشة العمل المُغلقة على مدار يومين تحت عنوان “إعادة إعمار سوريا: في ظل الواقع السياسي والفرص المتاحة”. وقد ضمّت نخبة متنوعة من المشاركين السوريين والدوليين. وقد جرت المناقشات وفق “قاعدة تشاتام هاوس” بهدف استعراض الأبعاد السياسية لتحدي إعادة الإعمار في سوريا.
شملت قائمة الحاضرين نخبة من المصرفيين السوريين وممثلين عن القطاع المالي ورجال أعمال وصناعيين واقتصاديين ومخططين عمرانيين ومتخصصين زراعيين ومحللين سياسيين ومحامين وممثلين عن المجتمع المدني وباحثين. وفي اليوم الثاني، اتسعت دائرة المشاركة لتشمل مسؤولين من الوزارات السورية الرئيسية مثل وزارة الخارجية والمغتربين ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد والصناعة ووزارة الطاقة ووزارة الإدارة المحلية ووزارة الزراعة بالإضافة إلى ممثلين عن المؤسسة العامة للإسكان الاجتماعي وصندوق التنمية السوري وهيئة التخطيط والإحصاء. وضمت الجلسة الختامية ممثلين دبلوماسيين من عدد من الدول الأوروبية الكبرى ومن دول أخرى حول العالم ذات دورٍ فاعلٍ في عملية إعادة إعمار سوريا.
انطلقت الورشة من فرضية أساسية مفادها أن عملية إعادة الإعمار في سوريا ليست مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية، بل هي مسار سياسي عميق، يؤثر بشكل مباشر على مسار الانتقال السياسي في سوريا وتوزيع السلطة والموارد والاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل. وعلى مدار خمس جلسات، استعرض المشاركون البنية المؤسساتية والقانونية اللازمة لإطلاق عملية إعادة إعمار موثوقة وأدوار ومسؤوليات الجهات الفاعلة الرئيسية. كما سُلّط الضوء على ملف الإسكان بوصفه قطاعاً ذات حساسية سياسية. كما ناقشت الورشة العلاقة بين إعادة الإعمار وتحقيق العدالة والشروط الناظمة التمويل الدولي.
وقد خلصت الورشة إلى النتائج الرئيسية التالية:
- يرى غالبية المشاركين أن سوريا ما تزال في مرحلة تتداخل فيها احتياجات التعافي المبكر مع بدايات إعادة الإعمار، وأن الانتقال إلى عملية واسعة النطاق يتطلب استكمال الأطر القانونية والمؤسساتية، وتعزيز التخطيط الوطني والتنسيق بين الجهات المعنية، ولا سيما بلورة استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الإعمار.
- تُصاغ سياسة إعادة الإعمار حاليًا وفق منطق الاستثمار بدلًا من استنادها على خطة وطنية. ويؤدي غياب الرؤية السورية الموحدة إلى خطر ترك تحديد الأولويات إلى ديناميكيات السوق، وبالتالي، سوف تتركز المكاسب في المناطق الحضرية الجاذبة تجاريًا على حساب المناطق المتضررة من النزاع والمناطق الريفية.1
- تمثل حقوق الملكية والأراضي والسكن البعد الأكثر حساسية من الناحية السياسية في ملف إعادة الإعمار، وذلك في ظل استمرار النزاعات حول حقوق الملكية وانتشار التجمعات السكنية العشوائية التي تغطي 30-40% من الكتلة السكنية التي كانت قائمة قبل الحرب،2 إلى جانب جمود السوق العقاري، بما قد يخلق بيئة خصبة للظلم الاجتماعي ويزيد مخاطر تركّز المنافع لدى فئات محدودة.
- تواجه مؤسسات الدولة السورية، في ظل تراجع الموارد وتراكم الأضرار خلال سنوات الحرب، قيوداً مالية ومؤسساتية، وضعفاً في التنسيق بين الجهات، مما يحد من قدرتها الحالية على إدارة عملية إعادة الإعمار بصورة منفردة. ومع ذلك، يبقى دور الدولة، بوصفها جهة منظمة ومخططة وضامنة للعدالة، أساسياً لا يمكن تجاوزها.3
- يواجه القطاع المصرفي والمالي اختلالات بنيوية تحد من قدرته الحالية على تمويل إعادة الإعمار. وأفاد مشاركون من القطاع المصرفي بأن عدداً من المصارف العامة يعمل بخسائر، فيما ما تزال المصارف الدولية متحفظة تجاه المشاركة. ويشكل ضعف البنية المالية الفاعلة قيداً ينعكس على مختلف جوانب التعافي الأخرى.
- يُعتبر التمويل الدولي ضرورياً، ولكن لا يمكنه أن يحل مكان استراتيجية إعادة إعمار تقودها سوريا. وتعد مساهمة الاتحاد الأوروبي عبر مركز المساعدة التقنية بقيمة 15 مليون يورو وحزمة الدعم الأوسع البالغة 620 مليون يورو خطوات مهمة،4 وتتوقف الاستفادة المثلى منها على مواءمتها مع الأولويات الوطنية، وتعزيز جهوزية المؤسسات السورية، واستكمال الإصلاحات القانونية اللازمة.
- لا تشكل العدالة الانتقالية عائقاً أمام عملية إعادة الإعمار، بل هي شرط مسبق لضمان استدامتها. وينبغي إدراج اعتبارات العدالة الاقتصادية منذ المراحل الأولى، بما يشمل المساءلة عن الجرائم المالية المرتكبة في ظل النظام السابق، وضمان التوزيع العادل للمكاسب والعوائد.5
- حُدِّد قطاعا الزراعة والتنمية الريفية بوصفهما من أعلى القطاعات الإنتاجية أولويةً في مسار إعادة الإعمار، نظراً لقدرتهما على توفير فرص عمل واسعة النطاق، ولأهميتهما لقرابة نصف سكان سوريا الذين يعيشون خارج المدن الكبرى.6