مدخل
تحقق في سورية ما كان يصعب تصوّره قبل عامين فقط: فقد تغيرت العلاقة بين واشنطن ودمشق بصورة جوهرية. أزالت الولايات المتحدة منظومة العقوبات التي قيّدت سورية لسنوات، وألغت قانون قيصر، وشطبت سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأقامت تواصلاً مباشراً مع حكومة الرئيس الشرع، وبدأت تنظر إلى التعافي الاقتصادي السوري بوصفه مجالاً يمكن أن تكون للشركات الأمريكية مصلحة فيه.
السؤال الآن هو ما إذا كانت إعادة ضبط العلاقة هذه قادرة على الصمود أمام تعاقب الدورات السياسية في واشنطن. فسورية تعيد بناء نفسها بعد سنوات من الحرب والعزلة، ولا تملك ترف ربط تعافيها الاقتصادي، أو علاقاتها الأمنية، أو إعادة اندماجها الدولي بالمصير السياسي لرئيس أمريكي واحد. ولواشنطن مصلحة في هذه الاستمرارية أيضاً. فإذا كانت الولايات المتحدة قد خلصت إلى أن وجود سورية مستقرة، وقابلة للحياة اقتصادياً، ومندمجة دولياً يخدم المصالح الأمريكية، فإنها تحتاج إلى سياسة قادرة على الاستمرار مع تعاقب الإدارات.
العلاقة الجديدة واقع، لكن هل تمأسست؟
ثمة مؤشرات بالفعل على أن العلاقة بدأت تتجاوز حدود البيت الأبيض.
لننظر، مثلاً، إلى لقاء السيناتور جين شاهين بالرئيس الشرع في نيويورك الشهر الماضي. فشاهين، رغم اقتراب تقاعدها، تتولى قيادة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وليست عضواً في إدارة ترامب. ومع ذلك، رحّبت بإلغاء قانون قيصر، وشطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وآفاق الاستثمار المسؤول من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. وفي الوقت نفسه، شددت على الحوكمة التعددية، وحماية المكوّنات العرقية والدينية، ومشاركة النساء، واستمرار التعاون ضد تنظيم داعش، والتنفيذ الكامل لاتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية.
وهذا يكشف أمراً مهماً بشأن الاتجاه الذي تسلكه واشنطن. فلم يعد النقاش يقتصر على ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الانخراط مع سورية، بل يتنامى نقاش يشارك فيه الحزبان حول شكل هذا الانخراط والتوقعات التي ينبغي أن ترافقه.
وكشف الحوار الأخير الذي نظّمه المجلس الأطلسي بين الرئيس الشرع وبريت ماكغورك جانباً آخر. فقد أدار ماكغورك، الذي عمل في عهد رؤساء من كلا الحزبين، النقاش الذي عُقد في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر. ومع أن الحوار لم يتسم بقدر كبير من العمق، فإن اللافت كان تكرار العودة إلى أسئلة حول ماضي الرئيس الشرع، وتركيبة القوات الأمنية السورية، وقضايا أخرى سبق أن طُلب من دمشق تناولها مراراً.
ومع ذلك، كانت لمشاركة ماكغورك أهميتها. فقد أدخلت جزءاً من المؤسسة التقليدية في واشنطن في حوار مع قيادة سورية تتعامل اليوم مع العاصمة الأمريكية على أسس مختلفة تماماً. وربما يشير إصرار الطرف السوري على مشاركة ماكغورك إلى إدراكهم أن واشنطن طيف متنوع من القوى والفاعلين، وليست مجرد الإدارة الحالية.
بارّاك والكونغرس وإشكالية الشخصنة
أدّى توماس بارّاك دوراً بالغ الأهمية على نحو غير معتاد في إيصال واشنطن ودمشق إلى هذه المرحلة. فقد ساعدت دبلوماسيته الشخصية، وعلاقته بالقيادة السورية، واستعداده لمقاربة العلاقة بمنطق المصالح والصفقات بدلاً من المنظور الأيديولوجي الصرف، على إحراز تقدم سريع.
لكن ذلك يخلق أيضاً نقطة ضعف.
فالسياسة الخارجية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمبعوث واحد أو رئيس واحد يصعب الحفاظ على استمراريتها مقارنة بسياسة اكتسبت دعماً مؤسسياً. ويكتسب دور بارّاك أهمية خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. ففي 3 تشرين الثاني/نوفمبر، سينتخب الأمريكيون الكونغرس المقبل، ومن شأن تغير ميزان القوى في أيٍّ من مجلسيه أن يغيّر بيئة الرقابة على السياسة الخارجية للإدارة. وتشير رويترز إلى أن النتائج ستحدد ما إذا كانت الإدارة ستواجه كونغرس يتمتع بقدرة أكبر على التحقيق في سياساتها وتدقيقها خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب.
وبالنسبة إلى بارّاك، قد يعني ذلك تدقيقاً أوسع من جانب الكونغرس في كيفية تنفيذ السياسة تجاه سورية، خصوصاً في ضوء الدور المحوري الذي بات يؤديه. ولا ينبغي تفسير ذلك تلقائياً بوصفه معارضة للسياسة نفسها؛ فالكونغرس أدّى بالفعل دوراً مهماً في تخفيف العقوبات. إنما يعني ذلك ببساطة أن الملف السوري أصبح أكبر أهمية من أن يبقى، بالدرجة الأولى، ملفاً رئاسياً.
أما بالنسبة إلى دمشق، فالدرس واضح: ينبغي أن تمتد علاقتها بواشنطن لأكثر من شخص توم بارّاك.
على سورية بناء علاقات عبر مختلف مكوّنات المنظومة الأمريكية: مع الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، ووزارة الخارجية، ووزارة الخزانة، وأوساط الأعمال، والمؤسسة الأوسع المعنية بالسياسة الخارجية. ويمكن أن يبقى بارّاك قناة مهمة للتواصل، لكن لا ينبغي أن يكون القناة التي تعتمد عليها العلاقة.
لا تفترضوا أن الرئيس المقبل سيكون ديمقراطياً
ثمة افتراض آخر ينبغي تجنّبه، وهو أن البديل عن ترامب سيكون بالضرورة إدارة ديمقراطية.
الأمر ليس كذلك.
قد تكون الإدارة المقبلة في البيت الأبيض جمهورية أو ديمقراطية، وقد تتعامل أيٌّ منهما مع سورية بصورة تختلف عن الإدارة الحالية. فقد يحتفظ رئيس جمهوري خلفاً لترامب بالمنطق الاستراتيجي العام لسياسته تجاه سورية، لكن مع اهتمام شخصي أقل بالعلاقة. وقد تحافظ إدارة ديمقراطية على تخفيف العقوبات والانخراط، مع إيلاء اهتمام أكبر للحوكمة، وحقوق الإنسان، وحماية الأقليات، أو شروط أخرى.
ويُظهر النقاش الذي بدأ يتبلور داخل الحزب الديمقراطي مدى تنوّع الاحتمالات. فألكساندريا أوكاسيو كورتيز من بين الشخصيات التي تُتداول أسماؤها على المستوى الوطني في سياق انتخابات 2028، رغم أنها تدرس حالياً احتمال الترشح لمجلس الشيوخ إلى جانب احتمال خوض السباق الرئاسي. وتعكس شخصيات أخرى تُطرح أسماؤها لمستقبل الحزب الديمقراطي، من بينها جوش شابيرو وغيره، توجّهات مختلفة تماماً في السياسة وفي الشؤون الخارجية.
ليس المقصود توقّع من سيبرز، بل إدراك أن التغيير في واشنطن قد يغيّر الافتراضات التي تقوم عليها العلاقة، حتى لو بقيت المصلحة الأمريكية الأساسية في وجود سورية مستقرة على حالها.
ولهذا، ينبغي لدمشق أن تستعد للاستمرارية، من دون أن تفترض أنها مضمونة.
إسرائيل هي الاختبار الأصعب
قد تكون إسرائيل، في نهاية المطاف، الاختبار الأصعب لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية–السورية.
فلا يمكن فصل علاقة سورية بواشنطن عن علاقة واشنطن بإسرائيل. والسؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على المساعدة في إرساء ترتيب أمني سوري–إسرائيلي مستدام، من دون السماح بتحوّل العلاقة الناشئة بين سورية وواشنطن، بالدرجة الأولى، إلى آلية لإدارة الهواجس الإسرائيلية.
وتتجاوز المسألة أي ضربة إسرائيلية منفردة. فقد أبقت إسرائيل على مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد، وواصلت عملياتها العسكرية في الجنوب السوري. ووصفت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة مؤخراً الوجود والنشاط العسكريين الإسرائيليين بأنهما يزدادان استمراريةً وترسخاً، في حين تمسكت إسرائيل بأن تحركاتها ضرورية لأمنها، وأنها لا تملك أطماعاً في الأراضي.
من منظور دمشق، لا يمكن التعامل مع السيادة بوصفها قضية ثانوية لمجرد أن لدى إسرائيل هواجس أمنية. ومن منظور إسرائيل، أوجد انهيار النظام الأمني السوري السابق حالة من عدم اليقين على حدودها الشمالية. وواشنطن واحدة من الجهات القليلة القادرة على التعامل مع هذين الواقعين في آن واحد.
وهذا يمنح الدور الأمريكي أهمية خاصة. فإذا أرادت واشنطن أن تصبح سورية دولة مستقرة في الإقليم، فعليها أن تساعد في إيجاد إطار تُعالَج ضمنه الهواجس الأمنية الإسرائيلية، والسيادة السورية، والاستقرار الإقليمي معاً. وإلا، فإن سورية تواجه خطر التحوّل إلى بلد تتحدد بيئته الأمنية بصورة دائمة وفق هواجس الآخرين.
لم يعد الشمال الشرقي ملفاً إشكالياً
لسنوات، تمحورت السياسة الأمريكية تجاه سورية إلى حد كبير حول العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد». وقد تغيّر هذا الإطار الآن. ففي 25 آب/أغسطس، أعلنت «قسد» رسمياً انتهاء مهمتها العسكرية المستقلة ضمن عملية اندماجها في الدولة السورية. وكانت الولايات المتحدة قد وصفت اتفاق الاندماج بأنه خطوة كبيرة نحو الوحدة الوطنية السورية.
ولا يعني ذلك أن جميع المسائل قد حُسمت. فتنفيذ التسوية، وتمثيل المجتمعات الكردية، والإدارة المحلية، وحماية الحقوق ستظل قضايا مهمة. لكن الاتجاه السياسي الأساسي بات مختلفاً: لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع شمال شرق سورية باعتباره بنية أمنية شبه منفصلة.
ويمنح ذلك واشنطن فرصة لنقل علاقاتها وخبرتها المؤسسية المتراكمة في الشمال الشرقي إلى علاقة أوسع مع الدولة السورية. كما يمنح دمشق فرصة لإثبات أن الاندماج الوطني يمكن أن يتعايش مع حوكمة محلية فاعلة وحماية حقوق الكرد.
قد يكون الاختبار الحقيقي اقتصادياً
في نهاية المطاف، يُرجّح أن تُحسم استدامة إعادة ضبط العلاقة في المصارف، ومجالس إدارات الشركات، ولجان الاستثمار، أكثر مما تُحسم في أوساط السياسة الخارجية بواشنطن.
فتخفيف العقوبات يغيّر البيئة القانونية، لكنه لا ينشئ تلقائياً علاقات مع المصارف المراسلة، ولا يوفّر حماية للمستثمرين، ولا يزيل المخاوف المرتبطة بالامتثال، ولا يُقنع الشركات الأمريكية بأن سورية سوق يمكنها العمل فيها بثقة. وقد شكّلت الإجراءات الأمريكية المتخذة في 24 آب/أغسطس لشطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب خطوة كبيرة، تحديداً لأنها أزالت بعض أهم العوائق الرسمية أمام الانخراط الاقتصادي.
أما المرحلة المقبلة فأقل إثارة بكثير، وأشد صعوبة: العمل المصرفي، والاستثمار، وهياكل الشركات، والمؤسسات التنظيمية، والبنية التحتية، والتجارة.
وقد يشكّل ذلك، في الواقع، أقوى ضمانة لسورية في مواجهة أي تغيير مستقبلي في واشنطن.
فالعلاقات السياسية يمكن أن تتغيّر سريعاً. أما العلاقات التجارية، فيصعب تفكيكها بعد أن تستثمر الشركات رؤوس أموالها، وتؤسس المصارف علاقاتها، وتتكوّن لدى المؤسسات مصلحة في الحفاظ على هذه الروابط. وإذا أصبحت الشركات الأمريكية مستثمرة فعلياً في تعافي سورية، فستكتسب العلاقة الأمريكية–السورية دوائر دعم ومصالح لا تختفي عند مغادرة رئيس منصبه.
وهذا أيضاً هو المجال الذي يتعين على سورية أن تبذل فيه أكبر قدر من العمل. فرفع العقوبات يخلق فرصة، لا ضمانة. وعلى السلطات السورية الآن بناء البيئة القانونية والتنظيمية التي تسمح بدخول رؤوس الأموال الدولية، من دون إيجاد أشكال جديدة من الهشاشة السياسية أو الاقتصادية.
على دمشق الاستعداد لواشنطن ما بعد ترامب
الدرس الاستراتيجي لدمشق بسيط إلى حد بعيد: لا تجعلوا دونالد ترامب محور العلاقة مع الولايات المتحدة، بل اجعلوا المصالح الأمريكية أساسها.
إن وجود سورية مستقرة، ومرتبطة اقتصادياً بالولايات المتحدة، وقادرة على السيطرة على أراضيها، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وتقليص الحيّز المتاح لروسيا وإيران، والإسهام في الاستقرار الإقليمي، يشكّل حجة يمكن تقديمها إلى كلا الحزبين. وستتغيّر على الأرجح الشروط المرتبطة بهذه العلاقة من إدارة إلى أخرى، لكن لا يلزم أن تتغيّر الحجة الأساسية التي تقوم عليها.
ولهذا أيضاً، أصبح التطور المؤسسي الداخلي في سورية غير قابل للفصل عن سياستها الخارجية. فكلما تعزّز النظام القانوني، وازدادت قابلية التنبؤ ببيئة الاستثمار، وارتفعت كفاءة مؤسسات الدولة، وتعزّزت مصداقية الترتيبات السياسية، قلّ اعتماد سورية على العلاقات الشخصية في واشنطن.
لقد اتخذت الولايات المتحدة بالفعل القرار الصعب بإعادة ضبط علاقتها مع سورية. فهل يمكن أن تتحوّل إعادة الضبط هذه إلى سياسة أمريكية، لا مجرد سياسة لترامب؟ وهل تستطيع دمشق أن تمنح العلاقة من العمق المؤسسي والاقتصادي والسياسي ما يكفي لكي ترى أي إدارة مقبلة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، أن الاستمرارية تخدم مصالحها الخاصة؟
لقد غيّرت إدارة ترامب نقطة الانطلاق. ومهمة سورية الآن هي ضمان أن تصبح العلاقة التي تلي ذلك بالغة الأهمية وراسخة في المصالح المتبادلة، إلى حد يصعب معه التراجع عنها.