بتاريخ 18 و19 تموز/يوليو 2026، عقدت منصة «ذا سيريا ريبورت» في دمشق ورشة عملها الثانية ضمن مبادرة «حوار السياسات السورية»، بالتعاون مع مركز عمران للدراسات الاستراتيجية وبدعم منه. وحملت الورشة، التي استمرت يومين، عنوان «المناخ والأراضي والمياه: الضغوط البيئية والمخاطر السياسية في سوريا». وقد شهدت مشاركة متنوعة من الفرقاء المعنيين، وفق قاعدة «تشاتام هاوس»، لمناقشة تأثير المناخ والمياه وتدهور الأراضي على مسار الانتقال السياسي في سوريا. وشارك في الورشة خبراء وناشطون في مجال المناخ، ومتخصصون في مجال المياه، وخبراء في الزراعة والأمن الغذائي، ومهندسون بيئيون من هيئات علمية وطنية وإقليمية، بالإضافة إلى مسؤولين من الوزارات المعنية وممثلين عن وكالات دولية وبعثات دبلوماسية.
انطلقت الورشة من فرضية أساسية ومحورية مفادها أن الضغوط البيئية التي تواجهها سوريا ليست مجرد تحديات تقنية، وإنما هي مخاطر سياسية تمس الاستقرار والشرعية وعودة النازحين. ورأى العديد من المشاركين أن الصعوبات التي تواجهها سوريا تعكس قيودًا وعوائق مرتبطة بالحوكمة بقدر ما تعكس ندرة في الموارد. وعلى مدى خمس جلسات، خُصصت كل منها لطرح موضوع محدد وإتاحة المجال للنقاش انطلاقًا من خبرات المشاركين، بحث المشاركون مسألة المناخ باعتبارها خطرًا سياسيًا، والأبعاد المحلية والعابرة للحدود للمياه والأراضي والأمن الغذائي، والإطار المؤسسي والقانوني للحوكمة البيئية، والشروط التي تحكم التمويل المناخي الدولي.
وتلخص الموضوعات التالية أبرز النقاشات ونقاط التقارب التي أثيرت في الورشة، من دون أن تعني بالضرورة وجود إجماع بين المشاركين على كل نقطة مطروحة:
- اتفق المشاركون عمومًا على أن الضغوط البيئية غير مدمجة بشكل كافٍ في الأطر الناظمة للمرحلة الانتقالية في سوريا. وقد أُشير مرارًا إلى الانتقال من الجفاف الشديد إلى فيضانات نهر الفرات المدمرة خلال عام واحد، باعتباره مثالًا واضحًا على كيفية تسبب الصدمات البيئية في توليد ضغوط سياسية.
- اعتُبرت أزمة المياه في سوريا أزمة حوكمة وندرة في وقت واحد. وهي تتسم بتشتت المسؤوليات بين الوزارات، وتفاوت مستويات تطبيق القوانين، ووجود ثغرات كبيرة في المراقبة والبيانات.
- برزت المياه باعتبارها قضية أمن قومي. إذ يعبر حوالي نصف موارد المياه في سوريا حدودًا دولية قبل وصولها إلى البلاد، مما يربط الأمن المائي للبلاد بعلاقاتها الأكثر حساسية، بدءًا من نهر الفرات وتركيا في الشمال، وصولًا إلى نهر اليرموك والسدود الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
- ارتبطت المرونة الزراعية، أو قدرة القطاع الزراعي على الصمود، ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار السياسي. إذ يعتمد حوالي نصف سكان الريف على الزراعة. وقد اعتُبر القمح مرارًا خطًا أحمر سياسيًا. كما أعرب المشاركون عن قلقهم بشأن تدهور الأراضي الزراعية والشروط التي قد تحكم توسع نشاط الشركات الزراعية الأجنبية.
- أشار المشاركون إلى أن الحوكمة البيئية في سوريا لم تواكب حجم التحدي. إذ تتولى السياسة البيئية وزارة إدارية واسعة النطاق ذات صلاحيات تنسيقية محدودة مع القطاعات الأخرى، بالإضافة إلى تشتت التشريعات عبر عقود من القوانين والمراسيم غير المترابطة. وخلافًا لدستور عام 2012، يخلو الإعلان الدستوري الحالي من أي إشارة صريحة إلى الشأن البيئي.
- وفيما يتعلق بالتمويل المناخي، رأى المشاركون أن النظام الدولي غالبًا ما يُفضل البلدان ذات الكفاءة المؤسسية الأقوى، مما قد يضع البلدان الضعيفة وذات القدرات المحدودة، مثل سوريا، في موقع غير مساوٍ. واعتبر المشاركون أن المنحة الأولى المقدمة من صندوق المناخ الأخضر إلى سوريا تمثل بداية مهمة، مع الإشارة إلى أن المبالغ المتاحة لا تزال محدودة، وتُنفذ من خلال شركاء دوليين.