انتقل إلى المحتوى
AR EN TR

الجنوب السوري بين التدخلات الإسرائيلية وتحديات التعافي الاقتصادي والعودة الطوعية للاجئين السوريين

علي فواز

باحث

27 سبتمبر 2026
9 دقيقة قراءة
PDF

تُعدّ التدخلات الإسرائيلية في جنوب سورية أحد أبرز وأهم عوامل البيئة الأمنية المضطربة ومعوقات الازدهار في الجنوب السوري، إذ لا تقتصر تبعاتها ونتائجها على زعزعة الأمن فحسب، بل تمتد إلى إضعاف قدرة الدولة على استعادة وظائفها وبسط سيادتها، وتعميق الهشاشة الاقتصادية والمؤسسية، والتأثير على صلاحية المنطقة للعيش الكريم، وزيادة حسابات المخاطر للاجئين السوريين في الأردن، وخاصةً من أبناء الجنوب السوري. فوفقاً لتقرير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين – 2026، شهدت معدلات العودة الطوعية أسبوعياً للاجئين السوريين من الأردن إلى سورية تباطؤاً واضحاً خلال الأشهر الخمس الأولى عام 2026 مقارنة بإحصائيات عامة 2024-2025، إذ تراجعت إلى نحو 1,000–1,300 شخص أسبوعياً في 2026، مقارنةً بنحو 3,000 شخص أسبوعياً خلال عام 2025، ما يعني انخفاض وتيرة العودة بنحو 57–67% مقارنةً بمتوسط عام 2025.

تُعدّ المناطق الأكثر تأثراً بهذا التباطؤ هي مناطق الجنوب السوري، على اعتبار أن الجزء الأكبر من اللاجئين المسجلين في الأردن هم من الجنوب السوري، ولا يمكن تجاهل تراجع إحصائيات العودة بمعزل عن الواقع السياسي والأمني في الجنوب السوري في ضوء جملة من العوامل، تأتي في مقدمتها التدخلات الإسرائيلية المتكررة، والتي تشير إلى سعي قوات الاحتلال الإسرائيلية لفرض واقع أمني وجيوسياسي جديد عقب سقوط نظام الأسد، عبر إبقاء الجنوب منطقة هشة اقتصادياً وغير مستقرة أمنياً عبر تدخلات أمنية وعسكرية مباشرة، حيث زادت وتيرتها في النصف الأول من عام 2026 مقارنةً بعام 2025. تدخلات من شأنها إضعاف حضور مؤسسات الدولة وتقويض فرص الانتعاش الاقتصادي والاستقرار المجتمعي في الجنوب السوري، مما ينعكس سلباً على فرص عودة اللاجئين السوريين المقيمين في الأردن، وخاصةً أبناء المناطق الجنوبية، مما يُضني ويعرقل المساعي السورية-الأردنية فيما يخص ملف العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين، مما يزيد الضغط على الأردن من خلال هذه السياسة المتبعة من قبل الكيان الصهيوني.

التدخلات الإسرائيلية ومحاولة إعادة تشكيل الواقع في الجنوب السوري

منذ سقوط نظام الأسد، كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلية عملياتها العسكرية داخل سورية، مستهدفة مئات المواقع العسكرية والبنى الدفاعية، إلى جانب تنفيذ توغلات متكررة في الجنوب السوري، قد  أشار مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في دراسته البحثية: حدود المقاربة الإسرائيلية في سورية: أن عدد الهجمات والتدخلات الإسرائيلية بلغ 416 عملية عسكرية داخل سورية خلال عام 2025، شملت غارات جوية وتوغلات برية. فيما اتسع نطاق التدخل الإسرائيلي في عام 2026، وتنوعت أنماطه بين التوغلات البرية والغارات والاعتقالات. ففي عام 2026 حدث تكثيف كبير وزيادة في عدد الانتهاكات والتوغلات البرية، والغارات الجوية، والاعتقالات والتهديدات، وقد وثّق مركز سجل ما لا يقل عن 1752 انتهاكاً ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية عام 2026 حتى نهاية شهر أغسطس 2026، و كان شهر مارس هو الأعنف في عدد التوغلات والتدخلات، إذ بلغ عدد الانتهاكات 321 انتهاكاً، ويُظهر ذلك أن شهر مارس احتفظ بمكانة متقدمة طوال العام على الرغم من انخفاض المعدل في الأشهر اللاحقة، وبذلك أصبح شهر مارس 2026 نقطة الذروة لعام 2026 للانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سورية.

وتبرر إسرائيل هذه العمليات باعتبارات أمنية، مثل منع تمركز القوات الإيرانية أو جماعة حزب الله، وخاصة ملف محافظة السويداء ومزاعم إسرائيل في حماية الأقليات “الدروز”، فضلاً عن نظرتها إلى الحكومة السورية الجديدة بوصفها تهديداً لأمنها القومي وأمن حدودها، إلا أن ممارساتها على الأرض تعكس سعياً إلى فرض واقع أمني جديد في الجنوب السوري يقوم على قيود عسكرية مشددة ومنطقة منخفضة أو معدومة القدرات العسكرية. فهذا الهدف كان جلياً وواضحاً منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد، حيث سعت القوات الإسرائيلية إلى استهداف الأصول الاستراتيجية السورية، بما في ذلك القدرات الجوية والبرية والبحرية، في محاولة للحد من قدرة الدولة السورية على إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية. فنرى عبر هذه الانتهاكات والتدخلات والهجمات أن العقيدة الأمنية والعسكرية ومنهجية الجيش الإسرائيلي قد تغيرت وتطورت بشكل جذري بعد 7 أكتوبر “معركة قطاع غزة 2023″، من الاعتماد على “إدارة الصراع والردع التقليدي” إلى استراتيجية “المنع والاستباق والتدمير الشامل للخصوم ”  ، فأصبحت تتعاطى مع التهديدات بشكل مختلف وبأنماط متباينة تبعاً لاختلاف الجغرافيا والإقليم والظروف المحيطة، في إطار مقاربة تقوم على إدارة التهديد وإعادة تشكيل المجال الأمني والعسكري.

أما فيما يتعلق بسورية، فنجد انعكاسات تطوير العقيدة الأمنية والسياسية بشكل واضح عبر التعامل مع الشأن السوري والحدود السورية فالانتقال من انتظار التهديد و الردع إلى العمل على منع تشكيل التهديد عبر العمل الاستباقي و ونقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود،  فالحذر هو سيد الموقف، ونهج إبعاد الخطر المحتمل إلى أبعد نقطة ممكنة وفرض واقع سياسي وعسكري يتماشى مع رؤية إسرائيل للمنطقة هو النهج   المُتبع ، فلا تهاون ولا هوادة تجاه أي تطور في الإقليم، وخاصةً الجغرافية السورية. فتسعى إسرائيل إلى تقييد النفوذ الإقليمي داخل سورية، كما دلت عليه الضربات على مطار أبو الظهور العسكري في شهر آب 2026، ومنع أي شراكات أو تحالفات فعلية وحقيقية تعيد لسورية قوتها وتعافيها الأمني والاقتصادي.

وفي هذا السياق، إن استمرار حالة الفراغ الأمني وتعدد مراكز النفوذ تشير  إلى زيادة قابلية البيئة المحلية لظهور فواعل مادون الدولة وجماعات مسلحة غير حكومية، وهذا سيساهم في إبقاء الجنوب السوري في حالة أمنية سائلة، مما يساهم في تعزيز أدوار وقوة هذه الفواعل على حساب المؤسسات الرسمية، مما يخلق واقعاً تتعدد فيه مراكز النفوذ والسيطرة.

وعلى الجانب الاجتماعي، فإن التدخلات الإسرائيلية المتكررة في مدينتي القنيطرة ودرعا والقرى والأرياف لهاتين المحافظتين، وما رافقها من تدمير للممتلكات ومداهمات واعتقالات وتخريب للحقول الزراعية وأعمال تجريف وسرقة للمواشي، في مناطق تعتمد اعتماداً كبيراً جداً على الزراعة وتربية المواشي، أدت إلى حالة رفض شعبي واستياء جماهيري كبير للتواجد الإسرائيلي في هذه المناطق والقرى والبلدات. حيث تشير شهادات الأهالي في الجنوب، وخاصةً مناطق القنيطرة، إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلية تتبع سياسة القوة والعنف تارةً، وتارةً تنتهج نهجاً ناعماً، وهو ما يمكن قراءته في بعض الحالات بوصفه محاولة خلق درجة من ” الاعتياد” أي جعل الأهالي يشعرون بأن الوجود الإسرائيلي طبيعياً وأمراً معتاداً.فعلى سبيل المثال، يقوم جنود الإحتلال  الإسرائيلي  باعتقال أحد الشباب والتحقيق معه ومن ثم إعادته لأهله، أو الدخول لبعض القرى في ريف القنيطرة والشراء من المحلات والتسوق، محاولةً فتح قنوات وأبواب مرةً بالقوة ومرةً باللين، وإن كان من الصعب الجزم بأن هذه سياسة موحدة أو منهجية في جميع مناطق الجنوب السوري.

وبالرغم من الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية الرامية إلى تخفيف حدة التوتر وخلق بيئة مواتية ومناخ مناسب للتوصل إلى اتفاق أمني، ومنها المحادثات التي رعتها الولايات المتحدة (مثل تلك التي جرت في باريس)، وآخر هذه الجهود هو اجتماع الأردن، حيث التقى الوفد السوري ممثلاً بوزير الخارجية أسعد الشيباني بالوفد الإسرائيلي بوساطة أمريكية لبحث خفض التصعيد ووقف الهجمات والإعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، فتسعى دمشق عبر هذه الجهود إلى إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

فبالرغم من الجهود المبذولة في هذه المساعي الدبلوماسية، لا تزال فجوات جوهرية قائمة بين تمسك إسرائيل بما تعتبره خطوطاً أمنية حمراء، وبين تمسك دمشق بحقها في بسط سيادتها الكاملة على أراضيها.

انعكاس التدخلات على الجوانب الاقتصادية والاستقرار والعودة الطوعية لأبناء الجنوب

لم تقتصر آثار هذه التدخلات على الجانب العسكري، بل امتدت لتؤثر بصورة مباشرة في مسار التعافي الاقتصادي والاجتماعي في الجنوب السوري. فمنطقة الجنوب لها أهمية اقتصادية وبعد تجاري كبير، ولا تقتصر هذه الأهمية في الجانب السوري فقط، بل إن الجنوب يشكل ركيزة تجارية رئيسية لخطوط الترانزيت الإقليمي والطاقة الدولي بين أوروبا والخليج والعكس. فاستمرار الغارات والتوترات الأمنية يحد من قدرة الحكومة السورية على تقديم الخدمات لأبناء الجنوب، ويحد من قدرة الحكومة في دمشق على استعادة مؤسسات الدولة والاستفادة من الانفتاح الإقليمي والدولي فيما يتعلق بالمشاريع التجارية الكبرى والتي نقطة انطلاقها الجنوب السوري، كما يضعف ثقة المستثمرين ويؤخر إطلاق مشاريع إعادة الإعمار والتنمية. وبذلك، وجد الجنوب السوري نفسه أمام واقع أمني هش وبيئة اقتصادية غير مستقرة، الأمر الذي أعاق المبادرات الحكومية والمحلية الرامية إلى إعادة الازدهار والتعافي إلى الجنوب السوري.

لا تُعدّ العودة الطوعية قراراً عاطفياً أو سياسياً فحسب، بل هي عملية معقدة ترتبط بوجود بيئة آمنة ومستقرة، وقدرة مؤسسات الدولة على توفير الأمن والخدمات وفرص العيش الكريم. وفي هذا السياق، تكتسب الأوضاع في الجنوب السوري أهمية خاصة، نظراً لأن شريحة واسعة من اللاجئين السوريين في الأردن تنحدر من محافظات الجنوب، وخاصةً محافظة درعا، فإن التركيز على مدينة درعا عند الحديث عن ملف العودة الطوعية للاجئين السوريين من الأردن مردّه أن إحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تشير إلى أن نسبة اللاجئين المنحدرين من مدينة درعا هي الأكبر على الإطلاق بين المدن السورية بنسبة 48%، أي ما يقارب نصف اللاجئين السوريين في الأردن، ولذلك تم التركيز على محافظة درعا في سياق قضية العودة الطوعية. فبالرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة السورية، إلى جانب المبادرات المحلية والمجتمعية مثل حملة (أبشري حوران) لإعادة تأهيل المناطق المتضررة وتشجيع العودة، لكن في ظل استمرار التدخلات والاعتداءات الإسرائيلية التي تُفاقم التحديات أمام جهود التعافي، وتحد من قدرة مؤسسات الدولة على ممارسة دورها الكامل، وتُضعف فرص الاستثمار والتنمية. وينعكس ذلك بصورة مباشرة على قرارات العودة الطوعية، إذ تبقى البيئة الأمنية غير المستقرة عاملاً رئيسياً يدفع كثيراً من اللاجئين إلى تأجيل العودة أو العزوف عنها، حتى في ظل التحولات السياسية التي شهدتها البلاد والآمال والتطلعات التي رافقت ذلك التحول.

لا تقتصر تداعيات عدم الاستقرار على الداخل السوري فقط، بل تمتد إلى الأردن بحكم الجوار الجغرافي والترابط الأمني والاقتصادي، فأصبح الأردن يواجه نتيجةً لذلك تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، يستمر وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في الأردن في ظل النقص الحاد والكبير في التمويل الإغاثي والإنساني، فبحسب التقرير السنوي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2026، فإن اللاجئين السوريين يواجهون تراجعاً كبيراً في التمويل، وإن هذا التراجع يشكل تحدياً وضغطاً اقتصادياً واجتماعياً على اللاجئين السوريين وعلى الجانب الأردني كدولة مستضيفة. ومن جهة أخرى، تفرض المخاطر والتهديدات العابرة للحدود أعباءً إضافية على الحدود الأردنية لضبط المنطقة الشمالية ومكافحة النشاط العالي لتجار المخدرات والجماعات المسلحة والمهربين، وجعل الحدود السورية-الأردنية تهديداً متعدد المخاطر والمستويات.

في ضوء هذه المعطيات، تبقى التدخلات والاعتداءات الإسرائيلية هي التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً لما ينتج عنه من تهديدات للاستقرار واضطرابات أمنية في الجغرافية السورية، وتعثر التعافي الاقتصادي، وانعدام الشعور بالأمان للمجتمع، واعتبارات حساب المخاطر فيما يتعلق بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. و من هذا المنطلق، يمكن لدول الإقليم و بشكل خاص  الأردن  الذي يمكن  أن يضطلع بدور الوسيط والميسّر في المسار الأمني والدبلوماسي، بالتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية، فيما يساهم في نزع فتيل التصعيد الأمني والعسكري والتمهيد لإيجاد أرضية حقيقية لاتفاق ضامن ومُلزم للجانب الإسرائيلي لوقف الاعتداءات والانتهاكات في حق الدولة السورية.  وفي نهاية المطاف، يبقى الاستقرار الأمني والتعافي الاقتصادي والتنمية وعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدولة على بسط سيادتها على الجنوب السوري بشكل كامل، وتمكين الحكومة السورية لاستعادة عمل المؤسسات الحكومية والخدمية بكامل جاهزيتها وكوادرها وأنظمتها في مناطق ومحافظات الجنوب السوري.

عن الباحث

علي فواز

عرض جميع أعمال الباحث ←

ماذا تريد أن تبحث عن؟