مدخل
حاولتُ في المقال الأول «تبسيط الإجراءات كمدخل لإعادة بناء الدولة»([1])، نقل النقاش من الشكوى من البيروقراطية والازدحام إلى طريقة عمل الدولة نفسها. فالإجراء الإداري يعكس توزيع المعلومات والصلاحيات بين المؤسسات، وفهم الإدارة للرقابة والمخاطر، والعبء الذي تتحمله أو تنقله إلى المواطن. وكانت الفكرة الأساسية أن التبسيط يبدأ بمراجعة الإجراء: نبسط، ثم نوحد، ثم نربط المؤسسات، وبعدها نرقمن ما بقي ضرورياً.
لكن ما الذي نستطيع فعله الآن، قبل تعديل القوانين واكتمال مشاريع الأتمتة الكبرى؟ هل كل ورقة أو توقيع نريد الاستغناء عنه يحتاج إلى مجلس الشعب؟ أم أننا نجمع القوانين والقرارات والتعاميم والممارسات الإدارية تحت عبارة “هيك القانون”، فننتظر تعديلاً تشريعياً حتى في الحالات التي يمكن معالجتها ضمن صلاحيات الحكومة أو الوزارة أو الإدارة المعنية؟
لا يتعلق السؤال بوزارة بعينها. المنطق نفسه يظهر في الأحوال المدنية والجوازات والمحاكم، كما في التعليم ومعادلة الشهادات والتصديقات. والتبسيط بهذا المعنى لا يقتصر على حملة مؤقتة لحذف بعض الأوراق، وإنما يعني إدخال مراجعة الإجراءات ومبرراتها وكلفتها ضمن العمل الإداري المعتاد، بما يسمح بتصحيح الأعباء غير الضرورية كلما ظهرت.
في نقاش حول ضغط المراجعين، رأى أحد المديرين أن المؤسسة تحتاج إلى موظفين ومساحات إضافية. وفي نقاش آخر كان الاعتراض على تسهيل معاملة أنه سيجلب أعداداً ضخمة من الناس لتسجيل معاملاتهم. لكن كفاءة الإدارة تُقاس بقدرتها على تمكين الناس من تثبيت حقوقهم بأقل وقت وكلفة، وليس بعدد المعاملات التي يحول تعقيدها دون تقديمها. وقبل توسيع المباني، ينبغي أن نفهم لماذا يأتي كل هؤلاء المواطنين، وكم مرة يعود الواحد منهم لإنجاز الخدمة نفسها.
المؤسسة التي أنجزت مليون معاملة قد تكون فعالة، لكن المؤسسة التي ألغت الحاجة إلى مئتي ألف معاملة ربما حققت إنجازاً أكبر. لذلك لا يكفي قياس الأداء بعدد المعاملات المنجزة أو النوافذ الجديدة، بل ينبغي أن يشمل أيضاً عدد الزيارات التي ألغيت، والوثائق التي لم تعد مطلوبة، والمعاملات التي أصبحت تنجز من مراجعة واحدة. وأحياناً تكون أفضل خدمة جديدة هي المعاملة التي لم يعد المواطن مضطراً إلى القيام بها.
أن يمشي المسؤول المعاملة
قد يقرأ الوزير أو المدير تقارير دقيقة عن عدد المعاملات المنجزة، من دون أن تكشف له هذه التقارير ما يُواجهُه المواطن عند دخوله المبنى للمرة الأولى: يسأل عن الغرفة المطلوبة، ثم يكتشف بعد الانتظار أنه يحتاج إلى صورة أو طابع، فينتقل إلى طابق آخر أو مبنى مختلف، قبل أن يعود إلى نقطة البداية.
تُسمي أدبيات تصميم الخدمات ذلك النظر إلى «رحلة المستخدم» كاملة. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية-OECD([2]) أن تصميم الخدمة ينبغي أن ينطلق من احتياجات المستخدم ومساره الفعلي، مع تجاوز الحدود المؤسسية. فلا يفترض أن يفهم المواطن الهيكل الداخلي للحكومة كي يحصل على خدمة، أو أن يتحمل نتيجة عدم التواصل بين إداراتها.
ويمكن ترجمة ذلك إلى ممارسة بسيطة: على المسؤول أن «يمشي المعاملة». يختار أكثر المعاملات استخداماً ويتابعها كما يقوم بها المواطن: كم زيارة ووثيقة وتوقيعاً تحتاج؟ لماذا يخرج من المبنى؟ ماذا يضيف المختار أو الطابع أو النسخة المصورة؟ وهل تستطيع المؤسسة الحصول على المعلومة بنفسها؟ وكثير من الاختلالات لا يظهر في الهيكل التنظيمي، وإنما في الخطوات التي يضطر المواطن إلى اتباعها لإنجاز معاملته.
عندما تتكرر خطوة زائدة مئة ألف مرة في السنة تصبح كلفة عامة: ساعات من وقت المواطنين والموظفين، ومواصلات وطباعة وأرشفة وطوابير. وتكشف دراسة رحلة المواطن هذا العبء، وتُتيح قياس كفاءة الخدمة بصورة أدق. فقد تظهر المعاملة في التقرير منجزة مرة واحدة، بينما احتاج المواطن إلى ثلاث مراجعات وأيام من الانتظار حتى ينجزها.
ليس كل ما نسميه قانوناً قانوناً
تستخدم عبارة «هيك القانون» لوصف مستويات مختلفة: نص تشريعي، أو قرار حكومي، أو تعليمات تنفيذية، أو تعميم وزاري، أو تفسير داخلي، أو نموذج صممته دائرة، أو ممارسة لم يعد أحد يعرف متى بدأت. والتمييز بينها شرط للإصلاح، لأن لكل مستوى جهة تملك تعديله وأداة مناسبة لذلك.
إذا فرض النص التشريعي متطلباً واضحاً فقد نحتاج إلى تعديل التشريع. وإذا كان مصدره قراراً أو تعميماً فالأمر يقع غالباً ضمن صلاحية السلطة التنفيذية، في حدود القانون. أما الممارسة المتراكمة فلا ينبغي افتراض أنها تحتاج إلى قانون لإيقافها. وغياب هذا التفكيك يُحول أحياناً أبسط تغيير إداري إلى رحلة صعود تنتهي بالقول إن الأمر يحتاج إلى مجلس الشعب.
ولدينا أيضاً تضخم تشريعي يجعل تفاصيل تشغيلية صغيرة أسيرة نصوص يصعب تعديلها. وظيفة القانون تحديد الحقوق والاختصاصات والضمانات، مع ترك مساحة للإدارة لتطوير التنفيذ. وقانون الأحوال المدنية رقم 13 لعام 2021،([3]) رغم حساسية موضوعه، أحال تنظيم جوانب من السجلات والعمل الإلكتروني والتعليمات التنفيذية إلى القرار الوزاري. وهذا يُتيح التمييز بين الحق الذي يحميه القانون وطريقة تقديم الخدمة، ويفتح مساحة لتطوير التفاصيل الإجرائية من دون المساس بالحقوق والضمانات القانونية.
وتبين الممارسة السورية الحديثة أن التغيير التنفيذي ممكن. فقد سمحت وزارة العدل في عام 2026 برفع دعاوى تصحيح القيود المدنية خارج منطقة القيد الأصلي،([4]) واعتمدت التبليغ الإلكتروني([5]) في إجراءات قضائية. ولا تعني هذه الأمثلة أن كل إجراء يمكن إلغاؤه بقرار إداري، لكنها تدعونا إلى السؤال عما إذا كنا قد استخدمنا المساحة التي يُتيحها الإطار القانوني قبل المطالبة بقانون جديد؟
لذلك ينبغي وضع السند الحقيقي أمام كل ورقة وتوقيع وتصديق وزيارة، ثم تحديد صاحب الصلاحية. وما يحتاج إلى تعديل تشريعي يدرج في مسار واضح للمراجعة، وما يمكن تغييره إدارياً يعالج في مستواه. وبهذا نُحافظ على الضمانات القانونية، ونمنع في الوقت نفسه استخدام كلمة «القانون» لإغلاق النقاش حول إجراءات لم يفرضها المشرع أصلاً.
عندما يصبح التوقيع بديلاً عن الثقة
لا يأتي التعقيد كله من الوثائق المطلوبة من المواطن؛ بعضه يتولد داخل المؤسسة. تمر الورقة على أربعة أو خمسة موظفين: تأشيرة، فتوقيع، فختم، ثم مراجعة رئيس الشعبة أو الدائرة، وربما عودة إلى موظف آخر. لبعض المراحل غرض حقيقي، وخاصة في القرارات الحساسة، لكن ماذا إذا كان الجميع يعيد فحص الشيء نفسه؟
كثرة التواقيع لا تجعل المعاملة بالضرورة أكثر صحة، وقد تميّع المسؤولية. حين يكون موظف مختص مسؤولاً عن التحقق ضمن صلاحيات واضحة، نعرف من راجع وعلى أي أساس. أما حين يشترك خمسة أشخاص في الفحص نفسه، فقد يطمئن كل منهم إلى أن السابق أو اللاحق دقق، ويصعب تحديد المسؤول الفعلي. تصبح الموافقة موزعة بينهم، من دون أن تكون هناك مسؤولية محددة عن النتيجة.
وقد يكون هذا النمط مؤشراً على تضخم وظيفي أو بطالة مقنّعة: تُنشأ مهمة لموظف، ثم يصبح وجود المهمة سبباً لاستمرار الخطوة نفسها. ولا يصح تعميم هذا التفسير؛ فقد يكون السبب خوف الموظف من المسؤولية، أو غياب دليل واضح، أو ضعف التدقيق اللاحق. لكن النتيجة في هذه الحالات واحدة: وقت أطول من دون دليل على أن القرار أصبح أدق.
لذلك ينبغي أن تتناسب الرقابة مع الخطر، كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،([6]) وأن تُزال الازدواجية التي لا تُضيف حماية. والمقصود ليس جمع الصلاحيات كلها بيد موظف واحد، وإنما تحديد وظيفة كل مراجعة، والإبقاء على الفصل بين الاختصاصات حيث يحمي الحقوق أو يمنع التلاعب. فالتوقيع الذي يتحقق من أمر مستقل يختلف عن توقيع يكرر ما سبقه لمجرد الاحتياط.
قد يمنح تعدد الأختام والتواقيع شعوراً مُتخيلاً بارتفاع مستوى التحقق، مع أن بعضها يكرر المراجعة نفسها من دون أن يضيف ضمانة جديدة. لكن صحة المعلومة تأتي من مصدرها وإمكان التحقق منها ووضوح مسؤولية من راجعها. لذلك نسأل عن كل تأشيرة: ماذا تضيف؟ هل تمنع خطراً مختلفاً؟ وإذا حذفت، ما الضمانة التي نفقدها فعلاً؟
هذه الأسئلة تفتح أيضاً باب إعادة توزيع العمل. ويمكن إعادة توجيه وقت الموظف الذي تحرر من مراجعة مكررة إلى خدمة الحالات المعقدة، أو ضبط الجودة، أو كشف التزوير. تقليل الخطوات لا يعني الاستغناء الاعتباطي عن العاملين؛ إنه يقتضي إعادة توجيه وقتهم إلى أعمال تحتاجها المؤسسة فعلاً، بدلاً من استمرار المعاملة المعقدة لتبرير توزيع وظيفي موروث.
الدولة لديها المعلومة: الجواز نموذجاً
في حادثة جرت في إحدى دوائر الشؤون المدنية، طُلب من شخص أن يكون شاهداً على معاملة تثبيت نسب، فقدّم جواز سفر سوري ساري المفعول وإخراج قيد حديث يحمل صورته وخاتم المحافظة، فقيل له إن الوثيقتين لا تصلحان، استناداً إلى تعليمات قديمة تشترط البطاقة الشخصية حصراً، من دون أن تكون بدائل إثبات الهوية في الظروف الحالية واضحة للموظف أو للمراجع، مع أن جواز السفر كان قد قُبل لإثبات هوية الشاهد أمام المحكمة الشرعية في المعاملة المرتبطة بالواقعة نفسها. وفي حادثة أخرى، طُلب من مراجع إحضار بيان عائلي مطبوع مع أن بياناته كانت ظاهرة أمام الموظف على الشاشة. وعندما نوقش الأمر، اكتفى الموظف بالتحقق منها مباشرة وقَبِل المعاملة. وتوضح الحالتان أن توافر المعلومة لا يكفي إذا لم تكن صلاحية الموظف في استخدامها واضحة، أو إذا ظلت التعليمات تحصر الإثبات في وثيقة بعينها.
المشكلة ليست بالضرورة تعنت الموظف؛ فهو ينفذ ما يراه حماية له وللمؤسسة. لكنها تصبح أشد إلحاحاً مع العائدين ومن أمضوا عقوداً خارج البلاد ولا تتاح لهم الوثائق نفسها. ولا يعني ذلك أن الجواز يحل قانوناً محل البطاقة في كل معاملة؛ قد توجد نصوص خاصة. المطلوب مراجعة وسائل إثبات الشخصية وتوحيد المقبول منها، حتى لا يكتشف المواطن أن وثيقته صالحة في مؤسسة ومرفوضة في المجاورة. وينبغي ألا يعتمد قبول الوثيقة أو رفضها على اجتهاد فردي يختلف بين موظف وآخر أو بين دائرة وأخرى.
ويكشف إجراء استخراج الجواز المشكلة بوضوح حيث يبدأ الطلب إلكترونياً عبر المنصة، وهي خطوة إيجابية. لكن سرعان ما تنقلب المعاملة إلى رحلة ورقية: استخراج القيد من الشؤون المدنية في وزارة الداخلية، ثم تثبيت الصورة وتصديقها لدى المختار (الذي يتبع للداخلية أيضاً)، وإضافة تصديق الوحدة الإدارية أو البلدية (وزارة الإدارة المحلية)، ثم حمل الوثيقة إلى الهجرة والجوازات. وداخلها يبدأ مسار آخر بطباعة الطلب الإلكتروني، ثم انتقال الملف بين عدد من الطوابق والمكاتب لاستكمال التأشير والتوقيع والختم وأخذ البصمة والتسليم. وقد تختلف بعض هذه الخطوات بين مركز وآخر، وهو بحد ذاته سبب إضافي لتوحيد الإجراء ونشر متطلباته بوضوح مع بيان حدود الصلاحية المتاحة للموظف في الحالات الاستثنائية.
إخراج القيد صادر عن وزارة الداخلية، لكنه يذهب إلى جهات أخرى لتختمه قبل أن يعود إلى الوزارة نفسها. وإذا كانت بيانات السجل مؤتمتة ويمكن الوصول إليها، أو إنشاء قناة وصول مأمونة إليها، فلماذا لا يتحقق موظف الجوازات منها مباشرة؟ أما الرسوم المستحقة قانوناً فيمكن تحصيلها بوضوح ضمن المعاملة وتوزيعها وفق أصولها، من دون أن يحمل المواطن الورقة بين المكاتب.
وقد يطبع الطلب الإلكتروني نفسه، ويرفق به إخراج القيد والوثائق، ثم ينتقل الملف بين الموظفين للتأشير والتوقيع قبل أن ينتهي في الأرشيف. أما الجواز فيطبع أخيراً اعتماداً على بيانات النظام الإلكتروني. وهكذا جرت رقمنة مدخل المعاملة، بينما بقي معظم مسارها الداخلي ورقياً. وفرنا طريقة إلكترونية لتقديم الطلب، لكن الإجراء الذي يلي التقديم بقي على حاله.
ولا تكفي معالجة ذلك بتحويل كل ختم إلى ختم إلكتروني وكل تأشيرة إلى زر موافقة. ينبغي أن نعرف ما تضيفه كل خطوة، وهل يمكن لموظف مفوض أن يتحقق من البيانات ويسجل موافقته، مع أثر إلكتروني يوضح من راجع ومتى وعلى أي أساس، ويتيح التدقيق اللاحق. وتبقى مراحل التحقق من الشخصية والبصمة أو غيرها حيث تكون ضرورية؛ أما ما يكرر التحقق نفسه فيخضع للمراجعة. بهذا تقل الزيارات والتصديقات، وتوفر الدولة كلفة الطباعة والأرشفة ووقت الموظفين، من دون أن تضعف قدرتها على التحقق. فالسؤال لا يقتصر على كيفية تسريع انتقال الورقة، وإنما يبدأ مما إذا كنا نحتاج إلى إنشائها وتداولها أصلاً. وقد تكون المعلومة المرتبطة بسجلها ومصدرها أسهل في المراجعة من نسخة ورقية انفصلت عنهما. وتبين تجارب دول عديدة أن جمع التحقق من الهوية والبيانات والرسوم في نقطة خدمة واحدة ممكن عندما تكون السجلات مترابطة وصلاحيات الموظف محددة بوضوح. ولا يعني ذلك نقل نموذج جاهز إلى سوريا، وإنما الاستفادة من المبدأ وتطبيقه تدريجياً وفق البنية القانونية والتقنية المتاحة.
وهذا هو مبدأ «مرة واحدة فقط»: ما حصلت عليه الدولة أو أنتجته إحدى مؤسساتها لا ينبغي أن ينقله المواطن يدوياً بين أجزائها. ويمكن البدء داخل الوزارة ثم التوسع إلى المؤسسات الأخرى عبر قنوات موثوقة، من دون انتظار مشروع تقني شامل. ويقتصر الوصول إلى البيانات على الموظفين المخولين ولغرض الخدمة، مع تسجيل استخدامها وحمايتها. فتبادل المعلومات مسؤولية مؤسسية، وليس إتاحة مفتوحة لها.
معادلة الشهادات والتحقق بحسب المخاطر
ظهر المنطق نفسه في جلسة استماع وزير التربية والتعليم أمام مجلس الشعب في أيلول/سبتمبر 2026، حين شرح متطلبات العودة إلى وثيقة الثانوية والتحقق من التسلسل الدراسي لحاملي شهادات جامعية أو ماجستير أو دكتوراه من الخارج، وأشار إلى أن هذا النهج معمول به دولياً. وأكدت التغطية الرسمية([7]) مناقشة معادلة الثانوية للعائدين الحاصلين على مؤهلات جامعية «للتحقق من تسلسلهم الدراسي».
والمقصود هنا مناقشة السياسة المتبعة، لا شخص الوزير: حين تقدم شهادة عليا صادرة عن جامعة معترف بها وقابلة للتحقق، هل يقتصر التحقق على المؤهل المقدم وشروط الحصول عليه، أم يستدعي في جميع الحالات إعادة التحقق من كامل التسلسل الدراسي السابق؟ وقد أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في شباط/فبراير 2026([8]) أن وثائق المعادلة لغايات التعادل الوظيفي لمؤهلات المعهد المتوسط والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه تشمل الثانوية، إلى جانب المؤهل المطلوب وكشوف العلامات والتسلسل الدراسي عند الحاجة ووثائق أخرى. وهذا يجعل المسألة متعلقة بسياسة مؤسسية عامة، لا بحالة فردية أو بتصريح عابر.
من حق الدولة أن تتحقق من الشهادات، وخاصة بعد سنوات الثورة وتنقل السوريين بين أنظمة تعليمية متعددة. لكن درجة الإثبات وكلفته ينبغي أن ترتبطا بالغرض. فالرجوع إلى مؤهل سابق مبرر حين يكون لازماً لتقييم الشهادة أو تظهر قرينة جدية، أما جعله شرطاً ثابتاً في جميع الملفات فيحتاج إلى بيان الغرض منه، والحالات التي يؤثر فيها فعلاً في قرار المعادلة. وليس كل ما يمكن طلبه ضرورياً لاتخاذ القرار، ولا يصبح ضرورياً لمجرد أن جمعه ممكن.
فإذا قدم مواطن شهادة دكتوراه من جامعة معترف بها، وأمكن التحقق من الشهادة والبرنامج وشروط القبول، فقد لا تكون إعادة طلب وثيقة الثانوية ضرورية في كل حالة. وإذا ظهر تناقض في التواريخ أو شروط القبول أو مصدر الشهادة، يصبح الرجوع إلى الوثائق السابقة منطقياً. كما أن تخصيص المستوى نفسه من التدقيق لجميع الملفات يستهلك وقتاً يمكن توجيهه إلى الحالات التي تظهر فيها تناقضات أو مؤشرات تستدعي تحققاً إضافياً.
ولا تقدم الممارسة الدولية قاعدة واحدة تفرض إعادة معادلة كامل التسلسل الدراسي لكل مؤهل أعلى. فاتفاقية اليونسكو العالمية للاعتراف بمؤهلات التعليم العالي([9]) تركز على تقييم المؤهلات والفروق الجوهرية ذات الصلة، وتدعو إلى إجراءات لتقييم مؤهلات اللاجئين والنازحين حتى حين تنقص الوثائق. ولا أستنتج من ذلك ضرورة إلغاء كل متطلب سابق، وإنما أن التحقق يمكن تصميمه بطرائق متعددة تراعي الغرض من المعادلة وطبيعة المؤهل والوثائق المتاحة. ولذلك فإن تعميم القول إن «هكذا يفعل العالم» يحتاج إلى تدقيق.
وأظهرت المؤسسات السورية نفسها مرونة في ملفات أخرى؛ فالقبول الشرطي للطلاب العائدين([10]) يتيح الدراسة ريثما تستكمل الوثائق. ويمكن قبول الملف قبولاً مشروطاً في الحالات التي تسمح بذلك، مع استكمال التحقق خلال مدة محددة، ووقف الأثر النهائي أو سحبه إذا ثبت التزوير وفق الأصول القانونية. وبذلك لا يفقد الطالب فرصة التعلم لمجرد تأخر ورقة، ولا تتنازل المؤسسة عن مسؤوليتها عن سلامة القرار.
ينطبق على التعليم ما ينطبق على المعاملات الأخرى: الإثبات الإداري لا ينتج يقيناً مطلقاً، حتى بعد خمس وثائق وأربعة أختام. المطلوب درجة معقولة من التأكد تتناسب مع احتمال الضرر وأثره. وتواجه سوريا مخاطر حقيقية بسبب تضرر بعض السجلات وتعدد جهات الإصدار ووقوع أحداث كثيرة خارج البلاد، إضافة إلى التزوير الفعلي. لكن ذلك لا يقتضي إخضاع كل مواطن وكل معاملة لأقصى مستوى من التحقق.
يمكن اعتماد مسار مبسط للحالات منخفضة المخاطر، تقبل فيه الوثيقة أو الإقرار مع المسؤولية القانونية والتدقيق بالعينة أو لاحقاً؛ ومسار متوسط يحتاج تحققاً إضافياً؛ ومسار مشدد يسبق فيه التحقق القرار حين تتعلق المسألة بالجنسية أو النسب أو الملكية أو حقوق الآخرين. والوثيقة القابلة للمراجعة في سجل رسمي تختلف عن وثيقة يتعذر التحقق من مصدرها، كما تختلف البيانات المتسقة عن بيانات تتضمن تناقضات جوهرية.
يجب أن يصنف النظام مخاطر المعاملة والوثيقة وإمكان التحقق منها، لا الناس بحسب مناطقهم أو البلدان التي عاشوا فيها. وتكون المعايير موضوعية وقابلة للمراجعة، مع بدائل منصفة لمن فقد وثائقه. فصعوبة الوصول إلى سجل ليست دليلاً على كذب صاحبه، بل مشكلة تحتاج إلى طريقة تحقق ملائمة. وإلا تحول منهج المخاطر نفسه إلى حاجز جديد.
والأصل في المعاملات العادية أن تعامل معلومة المواطن بوصفها صحيحة ما لم يوجد سبب معقول للشك، مع تحقق يتناسب مع الخطر ومسؤولية واضحة عن البيانات الكاذبة. هذه ثقة مقترنة بالمسؤولية: تستخدم الدولة البيانات الموثوقة، ويُحاسب الموظف ضمن صلاحياته، ويتحمل المواطن مسؤولية تصريحه، مع بقاء حق الدولة في التدقيق والمساءلة. الثقة هنا لا تعني قبول كل ادعاء، بل تجنب الاشتباه العام الذي يرهق الجميع ولا يضمن كشف المزور.
لا يمكن لأي نظام رقابي أن يمنع الاحتيال بصورة مطلقة. وإذا رُفعت متطلبات الإثبات إلى الحد الأقصى في جميع الحالات، فقد تصبح كلفة الرقابة أعلى من المخاطر التي تعالجها. والأجدى هو تعزيز قدرة الدولة على اكتشاف التزوير ومحاسبة مرتكبيه، وتوجيه التدقيق الإضافي إلى الحالات التي تظهر فيها قرائن جدية أو تترتب عليها آثار قانونية حساسة.
لا نخلط الغاية بالوسيلة
إذا فرض القانون رسماً، فيبقى حق الخزينة محفوظاً؛ لكن الطابع الورقي ليس سوى وسيلة لتحصيله. يمكن دفع المبلغ في نقطة واحدة أو إلكترونياً، والحصول على إيصال مرتبط بالمعاملة، ثم توزيع الإيرادات محاسبياً وفق بنودها. ولا يحتاج المواطن فوق الرسم إلى رحلة لمعرفة الطابع وشرائه وإلصاقه. واستبداله يوفر أيضاً الطباعة والتوزيع والتخزين، وييسر المطابقة والرقابة.
وقد ترتبط بعض مراحل المعاملة برسوم وبدلات ومواقع وظيفية، فيصبح اختصارها أصعب مؤسسياً. لا يعني ذلك أنها أنشئت للجباية، لكنه يفرض فصل الإيراد المستحق عن بقاء الخطوة، ومراجعة الكلفة التي تحملها كل محطة. لا ينبغي أن تصبح وسيلة التحصيل سبباً لاستمرار إجراء لم يعد يؤدي غرضاً آخر.
وينطبق الأمر على الورق. إذا احتاج الموظف نسخة من أصل معروض أمامه، تستطيع المؤسسة مسحه ضوئياً. وإذا كانت الوثيقة في النظام، فلماذا نطبعها لإدخالها في إضبارة وتخزينها سنوات؟ الأرشيف ضروري لحفظ الإثبات والرجوع إليه؛ أما الورق فليس غاية بذاته. وتستبدل النسخة حين تتوافر حجية الحفظ البديل وأمانه، بدلاً من إنتاج ملفين متوازيين لمجرد الاعتياد.
ولا يتحقق مفهوم النافذة الواحدة بمجرد جمع عدد من الشبابيك في صالة واحدة. جوهرها أن يقدم المواطن طلبه من نقطة واحدة، وأن تتولى المؤسسة استكمال التواصل السريع والتحقق بين وحداتها والجهات ذات الصلة، وينتقل الملف بين الوحدات بدلاً من انتقال المواطن. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية([11]) أن أثر النافذة الواحدة يعتمد على إصلاح الإجراءات والتنسيق بين الجهات، لا على وضع واجهة جديدة فوق المسار القديم.
قد نحتاج إلى مراكز ومبانٍ جديدة، وخاصة بعد سنوات الثورة والتحولات السكانية والضرر الإداري. لكن زيادة القدرة الاستيعابية لا ينبغي أن تكون الاستجابة الأولى للازدحام: قبل زيادة القدرة على الاستقبال، نخفض عدد مرات المراجعة. وبهذا نعرف أين توجد حاجة فعلية للتوسع، وأين كنا سننفق على استيعاب زيارات كان يمكن إلغاؤها بقرار أو تنظيم أفضل للعمل.
برنامج يبدأ من الممكن
إذا اكتشف موظف إجراءً غير منطقي، فينبغي أن يجد مساراً واضحاً لمراجعته. وتحتاج كل وزارة خدمية إلى آلية دائمة تستقبل المشكلات المتكررة من مراكز الخدمة والموظفين والمراجعين، ثم تراجعها قانونياً وإدارياً وتحيلها إلى صاحب الصلاحية. ويمكن إسناد هذه المهمة إلى فريق صغير داخل البنية الحكومية القائمة يرتبط مباشرة بالوزير أو الأمين العام، بدلاً من إنشاء هيئة جديدة. ويتولى الفريق توثيق المقترحات، وتحديد الجهة القادرة على تعديل كل إجراء، ومتابعة القرار حتى تنفيذه. فما يستطيع المدير المختص معالجته لا ينبغي أن ينتظر الوزير، وما يدخل في صلاحية الوزير لا ينبغي أن يؤجل إلى حين تعديل القانون.
يمكن البدء ببرنامج تجريبي لمدة ستة أشهر في ثلاث جهات خدمية، مثل وزارات الداخلية والعدل والتعليم العالي، على أن تختار كل جهة خمس خدمات كثيرة الاستخدام أو الشكوى. تُرسم رحلة كل خدمة، ويُقاس عدد الزيارات والوثائق والتواقيع والرسوم والزمن، ثم يوضع أمام كل متطلب سنده القانوني والجهة التي تملك تعديله. وبعد ثلاثة أشهر تعتمد حزمة أولى من التعديلات الإدارية الممكنة، بينما تجمع التعديلات التي تحتاج إلى تشريع في مسار منفصل. وفي نهاية الفترة تنشر نتائج التجربة ويُقرر، في ضوئها، توسيع البرنامج إلى قطاعات أخرى.
وفي المرحلة التجريبية تبدأ كل جهة بمنع طلب المعلومات التي تستطيع الحصول عليها بصورة مشروعة من إحدى إداراتها، وتوحيد تفسير المتطلبات بين مراكزها، ومراجعة التواقيع والنسخ والتصديقات المتكررة. أما القضايا المشتركة بين الوزارات، مثل وسائل إثبات الشخصية والوثائق الأجنبية ومعادلة الشهادات والطوابع، فتجمع في قائمة حكومية مشتركة، ويحدد لكل منها فريق عمل ومدة للمراجعة وصاحب قرار واضح.
ويحتاج الموظفون والمديرون إلى تدريب على تفكيك الإجراء وتقدير المخاطر، وإلى تعليمات واضحة تحمي القرار الصحيح ضمن الصلاحية. فالموظف الذي اعتاد ربط سلامة القرار بكثرة الوثائق لن يغير ممارسته بمجرد صدور توجيه عام بالتسهيل. المطلوب دليل إجرائي واضح، وصلاحيات محددة، وآلية يرجع إليها الموظف عند الشك، وحماية للقرار السليم المتخذ ضمن الصلاحية، إلى جانب المساءلة عند الإهمال أو المخالفة.
ويمكن، في المراكز التي تظهر البيانات ارتفاع الطلب عليها، تجربة تمديد ساعات تقديم بعض الخدمات أو تطبيق نظام الورديات، من دون زيادة ساعات عمل الموظف الواحد. ويُتخذ القرار بناء على حجم الطلب والقدرة التشغيلية، على أن يبقى تقليل عدد الزيارات هو المعالجة الأساسية، لا مجرد توسيع ساعات استقبالها.
وتساعد التجارب الدولية في بناء المنهج من دون استنساخها. ففي فيتنام بدأ «المشروع 30»([12]) بجرد واسع للإجراءات ومتطلباتها، ثم راجع ضرورتها ومشروعيتها وكلفتها واقترح ما يلزم لتبسيطها. وتُفيد هذه التجربة بأن جرد الإجراءات ومراجعة ضرورتها ومشروعيتها وكلفتها ينبغي أن يسبق رقمنتها. كما تدعو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية([13]) إلى مراجعة القواعد بعد تطبيقها، حتى لا تتحول الاحتياطات المؤقتة إلى أعباء دائمة. وبهذا يصبح لكل إجراء مبرر يمكن مراجعته، ولا يكون استمرار العمل به سنوات سبباً كافياً لبقائه.
بعد ستة أشهر تُقارن النتائج بخط الأساس الذي جُمع في بداية البرنامج. وتشمل المؤشرات عدد الزيارات والوثائق والتواقيع التي ألغيت، ونسبة المعاملات التي أصبحت تنجز من مراجعة واحدة، ومتوسط زمن الإنجاز وكلفته على المواطن، وعدد البيانات التي أصبحت تنتقل داخل الدولة من دون أن يحملها المراجع. كما ينبغي رصد الشكاوى والأخطاء وحالات التزوير، للتأكد من أن التبسيط لم ينقل العبء إلى مرحلة أخرى أو يضعف الضمانات اللازمة.
لدينا قوانين تحتاج إلى تعديل، وربما إلغاء، وتشريعات وتعليمات متداخلة تستحق مراجعة جادة. لكن ذلك لا يؤجل ما تملكه الإدارة الآن. كما أن تفكيك الإجراءات يساعد على تحديد ما يحتاج فعلاً إلى تعديل تشريعي، وما يمكن معالجته بقرار أو تعميم أو تنظيم إداري. ولن يفيد شراء أفضل نظام إذا أبقينا عشر وثائق وسبع موافقات بلا مراجعة ثم طلبنا رفعها إلكترونياً؛ فعندها نكون قد رقمنّا طرفي البيروقراطية وتركنا البيروقراطية نفسها في الوسط.
يبدأ الإصلاح حين يستطيع الموظف السؤال عن مبرر الورقة، ويملك المدير صلاحية حذف الخطوة التي لا تضيف حماية، ويمشي المسؤول المعاملة كما يمشيها المواطن. ويتطلب ذلك أيضاً الثقة بالمعلومة القابلة للتحقق، وتحديد مسؤولية الموظف، ومحاسبة من يقدم بيانات كاذبة أو يرتكب التزوير. فوقت المواطن مورد اقتصادي واجتماعي، ووقت الموظف مورد للدولة، وكل مراجعة زائدة تستهلك الاثنين معاً.
لذلك، حين نرى صالة ممتلئة بالمراجعين، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: كم موظفاً وشباكاً ومبنى نحتاج؟ ينبغي أن نسأل قبل ذلك: لماذا اضطر كل هؤلاء إلى الحضور، وكم زيارة يمكن منعها من خلال تعديل الإجراء نفسه؟
([1]) عمار قحف، تبسيط الإجراءات كمدخل لإعادة بناء الدولة، أيلول 2026، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، https://shorturl.at/6jrsD
([2]) https://shorturl.at/2z92v
([3]) https://shorturl.at/8M9so
([4]) https://sana.sy/locals/2410039/
([5]) https://shorturl.at/bWPiP
([6]) https://shorturl.at/JBbyd
([7]) https://sana.sy/governorates/damascus/2580513/
([8]) https://sana.sy/education/2401134/
([9]) https://tinyurl.com/4yswpzps
([10]) https://sana.sy/governorates/damascus/2580513/
([11]) https://tinyurl.com/2ffsr9fs
([12]) https://tinyurl.com/ywc3a6jw
([13]) https://tinyurl.com/3h8k42mx