قدم الباحث في #عمران_للدراسات_الاستراتيجية محمد العبدالله تصريحاً لـ جريدة عنب بلدي ضمن تقرير بعنوان: "حرب وغلاء وشبكات فساد...عوامل تدمر #الثروة_الحيوانية في #سورية".
بين فيه الباحث التحديات التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية وتداعياتها المستقبلية.
 

مُلخّصٌ تنفيذيّ

  • يرصد هذا التقرير عمليات الاغتيال المُنفَّذة ضمن مناطق سيطرة الفصائل العسكرية المعارضة في الشمال السوري، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/ يناير وحتى حزيران/ يونيو 2021، والتي بلغ عددها 70 عملية، خلّفت342 ضحية.
  • توضّح عملية الرصد في مختلف المناطق، استخدام أدوات متعددة في تنفيذ الاغتيالات، إذ نُفذّت 36 عملية عن طريق العبوات الناسفة، بينما استخدم الطلق الناري في 19 عملية، في حين نُفِّذت 15 محاولة عبر عربات النقل المفخخة.
  • ما زالت طبيعة العمليات في ريف حلب الشمالي الغربي، تتراوح بين عمليات انتقائية استهدفت أشخاصاً بعينهم، وأُخرى عشوائية استهدفت مجموعات عسكرية وسط تجمعات مدنيين، وعمليات استهدفت تجمعات مدنية خالصة كالأسواق.
  • سجّلت مناطق "درع الفرات" أكبر نسبة اغتيالات خلال الرصد قياساً بباقي المناطق، فيما سجّلت منطقة عفرين أعلى نسبة للضحايا المدنيين، نتيجة طبيعة العمليات وأدوات التنفيذ المستخدمة ضمنها.
  • سجّلت مناطق إدلب وما حولها انخفاضاً في معدل الاغتيالات، مقابل تعدد الجهات المُستَهدَفة والمُنفِّذة، وسط بيئة أمنية معقدة.
  • بالرغم من الانخفاض النسبي في معدل الاغتيالات في إدلب؛ إلا أن العمليات المُنفَّذة كانت انتقائية، اعتمدت على الطلق الناري والعبوات الناسفة، واستهدفت قياديين عسكريين وفاعلين مدنيين.
  • يَلحظ التقرير الحالي زيادة وتيرة العمليات ضد القوات التركية في إدلب، مقابل ظهور مجموعات جديدة تتبنى تلك العمليات، مما يشير إلىى أن استهداف التواجد التركي في سورية عبر العمل الأمني بات يتصاعد بشكل ممنهج ومدروس.
  • تُظهر البيانات المرصودة، نشاطاً واضحاً لـ "غرفة عمليات غضب الزيتون" و"قوات تحرير عفرين"، في مناطق "نبع السلام" وعفرين تحديداً، وذلك عبر التبني العلني لعمليات الاغتيال المُنفّذة في تلك المناطق.
  • إن معدل الاغتيالات وطبيعة أهدافها، لا يعدّان مؤشراً على عجز التشكيلات الأمنية لـلقوى المسيطرة على ضبط الأمن والاستقرار بالنسبة للمدنيين فحسب، وإنما يؤشّران على ضعف قدرتها على تأمين وحماية عناصرها أيضاً.
  • تفيد القراءة العامة للبيانات، بالمزيد من ضعف الحالة الأمنية في جميع المناطق المرصودة ضمن الشمال السوري، مقابل ضعف قدرة القوى الفاعلة وتعثرها في الحد من هذه العمليات، التي تسهم في تراجع مؤشرات الأمن والاستقرار على مختلف المستويات. 

مدخل

تشهد مناطق سيطرة الفصائل العسكرية المعارضة في الشمال السوريّ خرقاً أمنياً واضحاً، يتجلى في أبرز جوانبه بوتيرة عمليات الاغتيال المستمرة ومعدلاتها المرتفعة، والتي تعد مؤشراً هاماً على تدهور حالة الاستقرار الأمني وتدني القدرة على ضبطها من قبل القوى المسيطرة، خاصة مع ازدياد محاولات الاغتيال ضمن تلك المناطق وتعدد دوافعها ومُنفذيها واختلاف أساليبها، وسط استمرار قصف النظام وحلفائه لبعض تلك المناطق، الأمر الذي يزيد من تعقيد الوضع الأمني والقدرة على ضبطه.

وعادةً ما تتصف عمليات الاغتيال بالسريّة لناحية الجهة المنُفذّة؛ إلا أن هناك نسبة كبيرة من تلك العمليات ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة تتبناها جهات محددة بشكل علني كغرفة عمليات "غضب الزيتون"([1]) و"سرية أنصار أبي بكر الصديق"([2]) و "قوات تحرير عفرين"([3]). في اختراق أمني واضح وصريح لتلك المناطق، خاصة "نبع السلام" وعفرين. وبالرغم من اختلاف وتيرة ومعدل عمليات الاغتيال من منطقة إلى أخرى ضمن الشمال السوري؛ إلا أنها تتقاطع في التدليل على التراجع العام لمؤشرات الاستقرار الأمني.

وفي متابعة لملف الاغتيالات ضمن مناطق سيطرة الفصائل العسكرية المعارضة في الشمال السوري؛ صَمّمَتْ وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، نموذجاً خاصاً لرصد تلك العمليات وتحليل البيانات الخاصة بها، كمؤشرات للاستقرار الأمني ([4])، وإخراجها ضمن تقرير دوريّ يرصد وتيرة عمليات الاغتيال، موضّحاً نتائجها، وما أسفرت عنه، مقابل الجهات المُنفّذة -إن عُلِمت-وكذلك الجهات المُستهدَفة. كما يسعى التقرير إلى تحليل تلك البيانات ومقاطعتها بين مختلف المناطق، في محاولة لرسم الملامح العامة للوضع الأمنيّ وقياس أوليّ لمؤشرات الاستقرار.

وعليه، يرصد هذا التقرير عمليات الاغتيال ضمن مناطق عدة في الشمال السوري، منها: ريف حلب الشمالي، والذي شكّل نطاق العمليات العسكرية: "درع الفرات" و"غصن الزيتون". مقابل مدينتي تل أبيض ورأس العين "نبع السلام" في الشمال الشرقي، إضافة إلى ما تبقى من محافظة إدلب وريف حلب شمال غربي سورية، وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين (كانون الثاني/ يناير وحتى حزيران/ يونيو 2021)، إذ بلغ عددها 70محاولة اغتيال، خلّفت 342 ضحية. وتوضّح البيانات انخفاضاً طفيفاً في معدل الاغتيالات، مقارنة بالتقرير السابق، الذي أصدرته وحدة المعلومات في مركز عمران، (الاغتيالات في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من تموز حتى كانون الأول 2020)، إذ بلغت 74 عملية، خلّفت 471 ضحية ([5]).

وقد توزعت عمليات الاغتيال الـ 70 المرصودة ضمن التقرير الحالي، بحسب الأشهر، على الشكل التالي: 21 محاولة اغتيال خلال شهر كانون الثاني/ يناير، في حين بلغت خلال شباط/ فبراير 14 محاولة، فيما بلغت المحاولات خلال آذار/مارس 9 محاولات، بينما شهد نيسان/ أبريل 14 محاولة، لتنخفض في أيار/ مايو إلى 11 محاولة، في حين بلغت في حزيران/ يونيو محاولة وحيدة. ويسعى هذا التقرير بعد رصد تلك العمليات، إلى دراستها وتحليلها واستعراضها بحسب؛ مناطق السيطرة، والجهات المُستَهدَفة والمُنفِّذة، طبيعة أداة التنفيذ، ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها، مقابل أثرها على مستوى الأمن والاستقرار في المنطقة.

أولاً: "درع الفرات" (خرقٌ مستمر)

تُظهر عملية الرصد الخاص بمناطق ريف حلب الشمالي الغربي "درع الفرات"، بلوغ معدل عمليات الاغتيال خلال 6 أشهر من الرصد: 25 عملية (الشكل 1)، نُفّذت 9 منها عبر الطلق الناري، وأسفرت عن 10 ضحايا، إذ حققت 8 عمليات من 9 غايتها في تصفية الجهة المستهدفة، فيما فشلت عملية وحيدة في تحقيق هدفها. وقد بقيت المحاولات جميعها مجهولة المُنفِّذ. وكانت فصائل "الجيش الوطني" هدفاً لتلك الاغتيالات بواقع 3 عمليات، مقابل 6 عمليات استهدفت كوادر إدارية مدنية من المجالس المحليّة والإعلاميين.

بالمقابل، نُفِّذت 11 من 25 عملية عبر العبوات الناسفة، مخلّفةً بمجموعها 30 ضحية (4 قتلى، 26 جريحاً)، منهم 24 مدنياً مقابل 6 من عناصر "الجيش الوطني". فيما نُفِذت 5 عمليات من 25 عبر آليات نقل مُفخّخة، حيث خلَفت 65 ضحية (21 قتيلاً، 44 جريحاً)، منهم 46 مدنياً مقابل 19 من عناصر "الجيش الوطني" (الشكل 2)، واستهَدَفَت أغلب تلك العبوات والمفخخات شخصيات أو مجموعات عسكرية وسط تجمعات المدنيين، إضافة إلى استهداف تجمعات مدنية خالصة. وقد اتهمت وزارة الدفاع التركية عبر بيان رسمي "قوات سوريا الديمقراطية" بتنفيذ عمليتين ([6])، بينما بقيت 14 من مجمل عمليات العبوات الناسفة والمفخخات مجهولة المُنفِّذ.

ويتضح من خلال أرقام وبيانات الرصد الخاصة بمناطق ريف حلب الشمالي الغربي، انخفاض طفيف في معدل عمليات الاغتيال مقارنة بالتقرير السابق، الذي أصدره مركز عمران وغطى الفترة الممتدة من تموز/ يوليو وحتى كانون الأول/ ديسمبر 2020، إذ سجّل التقرير السابق 27 عملية اغتيال في تلك الفترة، في حين رصد التقرير الحالي تنفيذ 25 عملية. بالمقابل، توضّح الأرقام انخفاضاً في معدل عدد الضحايا، مقارنة بالتقرير السابق، الذي سجّل 240 ضحية، بينما بلغ مجموع عدد الضحايا خلال فترة الرصد الحالية 105 ضحايا. وقد يُردّ ذلك إلى اختلاف أهداف العمليات الحالية وأدوات التنفيذ المستخدمة فيها، والتي اعتمدت بنسبة 36% على الطلق الناري، كما أن أغلب العمليات المُنفَّذة عبر العبوات الناسفة استهدفت شخصيات عسكرية/مدنية بعينها، في حين استهدفت آليات النقل المفخخة في أغلبها تجمعات مدنية خالصة، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا، شكّلت نسبة المدنيين منهم 72%، مقابل 28% من عناصر "الجيش الوطني" (الشكل 3).

أما بالنسبة للجهات المُنفِّذة، فيُلحظ من البيانات، إعلان وزارة الدفاع التركية مسؤولية "قوات سوريا الديمقراطية" عن 8% من مجموع العمليات المرصودة. في حين بقيت 92% من عمليات الاغتيال مجهولة المُنفِّذ، الأمر الذي يشير إلى استمرار تردي الواقع الأمني، وضعف قدرة الجهات المسيطرة على تتبع تلك العمليات والكشف عن منفذيها والحد منها.

وبالرغم من أن التقرير سجّل تراجعاً طفيفاً في معدل عمليات الاغتيال في المنطقة، مقارنة بالتقرير السابق؛ إلا أن الواقع ما يزال يشير إلى اتساع الخرق الأمني، مقابل عدم تقدم القوى المسيطرة في ضبط الاستقرار وتضييق حجم هذا الخرق. خاصة في ظل اتهامات لأطراف وجهات عدة بالسعي إلى زعزعة الأمن والاستقرار، وتقاطع مصالحها في ذلك، كحزب الاتحاد الديمقراطي"PYD" وخلاياه النشطة في المنطقة، التي يعدونها امتداداً للنفوذ التركي ومن فيها "أهداف مشروعة"، إضافة إلى النظام الذي يسعى إلى زعزعة أمن المنطقة وإفشال أي نموذج أمني/حوكمي فيها.

ثانياً: عفرين (تبنٍ علنيّ)

من خلال رصد وتحليل البيانات لعمليات الاغتيال الخاصة بمدينة عفرين ومحيطها من المناطق، يتضح أنها شهدت بالعموم: 16 عملية اغتيال خلال 6 أشهر من الرصد، أسفرت عن 140 ضحية بين قتيل وجريح. وقد نُفِّذت عمليتان من مجموع العمليات الـ 16 عبر الطلق الناري، حققتا غايتهما في تصفية الجهة المستهدفة، وكان عناصر "الجيش الوطني" هدفاً لهاتين العمليتين اللتين بقيتا مجهولتي المُنفِّذ.

بالمقابل، وبحسب البيانات المرصودة، نُفِّذت 14 عملية من مجمل العمليات الـ 16 عبر العبوات الناسفة (الشكل 4)، واستهدفت عناصر ومجموعات لـ "الجيش الوطني" وسط تجمعات للمدنيين، في حين استهدفت أخرى تجمعات مدنية خالصة، ما أدى إلى وقوع 28 قتيلاً و110جرحى (الشكل 5)، 110منهم من الضحايا المدنيين، و28 من عناصر "الجيش الوطني"، وقد تبنّت "غرفة عمليات غضب الزيتون" عبر معرفاتها الرسميّة 3 من مجموع عمليات العبوات الناسفة، كما تبنّت "قوات تحرير عفرين" 3 من مجموع العمليات أيضاً، فيما بقيت 8 محاولات مجهولة المُنفِّذ.

وتبيّن أرقام وبيانات الرصد الخاصة بمدينة عفرين ومحيطها، ارتفاعاً طفيفاً في معدل عمليات الاغتيال، مقارنة بالتقرير السابق الذي أصدره مركز عمران، وغطى الفترة الممتدة من تموز وحتى كانون الأول 2020، إذ سجّل التقرير السابق 14 عملية اغتيال في تلك الفترة، بينما رصد التقرير الحالي تنفيذ 16 عملية. وعلى الرغم من ارتفاع معدل عمليات الاغتيال مقارنة بالتقرير السابق؛ إلا أن نسبة الضحايا في التقرير الحالي كانت أكبر، فقد بلغت خلال أشهر الرصد الحالي 140 ضحية، في حين سجّل التقرير السابق 95 ضحية. وقد يُردّ ذلك إلى اختلاف الأهداف وأدوات التنفيذ في أغلب العمليات الحالية، حيث اعتمدت بنسبة 88% على العبوات الناسفة، التي استهدفت شخصيات أو مجموعات عسكرية وسط تجمعات مدنيين، مقابل أخرى استهدفت تجمعات مدنية كالأسواق والأفران، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا، شكّلت نسبة المدنيين منهم 79%، مقابل 21% من عناصر "الجيش الوطني" (الشكل 6).

بالمقابل، يُلحظ من خلال البيانات نشاط واضح لغرفة عمليات "غضب الزيتون" و "قوات تحرير عفرين"، فقد تبنّتا تنفيذ 38% من مجمل عمليات الاغتيال المُنفَّذة في المنطقة، إذ يبدو أنها تركّزان عملياتهما ونشاطهما الأمني في عفرين، التي شهدت أكبر عمليات اغتيال تبنتها الغرفة قياساً بباقي المناطق. بينما بقيت 62% من مجموع العمليات مجهولة المُنفذ. وقد استهدفت تلك العمليات في أغلبها عناصر "الجيش الوطني"، والذين تحولوا إلى أهداف متحركة داخل مدينة عفرين، سواء على المستوى الفردي عبر تصفية أفراد بعينهم، أم على مستوى جماعي عبر استهداف مجموعاتهم العسكرية وسط تجمعات مدنية، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين. وتنسجم طبيعة تلك العمليات مع الرؤية المعلنة لـ"غرفة عمليات غضب الزيتون"، والتي تعتبر المنطقة "امتداداً للنفوذ التركي" وترى المقاتلين المحليين والعوائل المهجّرة بالإطار ذاته، وبالتالي تكثف من عملياتها وتشرعنها تحت هذا الغطاء، دون تمييز بين مدني وعسكري.

بالمقابل، فإن حركة الاغتيالات في عفرين والتبني الواضح لها، يتناسب طرداً مع مستوى القدرة الأمنية للجهات المُسيطرة، فعلى الرغم من تسجيل مناطق "درع الفرات" نسبة أكبر بعمليات الاغتيال (25) من عفرين ومحيطها (16)؛ إلا أن ذلك لا يعني اختلافاً كبيراً في مستوى الضبط الأمني، خاصة وأن أغلب العمليات التي نُفّذت في عفرين كانت "نوعيّة"، ناهيك عن وضوح الجهات التي تقف خلفها، وهي "غرفة عمليات غضب الزيتون" و"قوات تحرير عفرين"، وتوسيعهما لنشاطهما بشكل يشير إلى ارتفاع مستوى تلك العمليات وتوسيع دائرة أهدافهما، وزيادة النشاط الأمني لبقايا خلايا حزب الاتحاد الديمقراطي"PYD". مقابل استمرار الخرق الأمني في المنطقة، وعدم إحراز تقدم كبير على مستوى الضبط من قبل الجهات المسيطرة.

ثالثاً: "نبع السلام" (اتهامات لـ PKK)

 يشير الرصد الخاص بمنطقتي رأس العين وتل أبيض، واللتين شكلتا نطاق العملية العسكرية "نبع السلام"، إلى بلوغ عمليات الاغتيال خلال 6 أشهر من الرصد: 12عملية اغتيال، نُفّذت عمليتان منها عبر الطلق الناري، حقتتا غايتهما في تصفية الجهة المستهدفة (الشكل 7). في حين كانت العبوة الناسفة أداة لتنفيذ 10 عمليات، استهدفت عناصر ومجموعات "الجيش الوطني" وسط تجمعات للمدنيين، بينما استهدفت أخرى جهات مدنية، ما أدى إلى وقوع 58 ضحية بين قتيل وجريح (الشكل 8)، منهم 42 مدنياً، و16 من عناصر "الجيش الوطني". وكانت فصائل "الجيش الوطني" هدفاً لتلك العبوات بواقع 5 محاولات، مقابل 5 محاولات أيضاً استهدفت جهات مدنية.

ويتضح من خلال البيانات الخاصة بمدينتي رأس العين وتل أبيض "نبع السلام"، انخفاض طفيف في عمليات الاغتيالات، قياساً بالتقرير السابق، والذي سجّل 15 عملية اغتيال، في حين سجّل التقرير الحالي 12 عملية، بالمقابل يُلحظ انخفاض في معدل ضحايا تلك العمليات، قياساً بالتقرير السابق، والذي سجّل وقوع 97 ضحية بين قتيل وجريح، في حين رصد التقرير الحالي وقوع 60 ضحية بين قتيل وجريح. وقد يُردّ ذلك من جهة إلى الانخفاض الطفيف في معدل عمليات الاغتيال عن سابقتها في التقرير الفائت، ومن جهة أخرى إلى تغيير نوعية الأهداف التي باتت تركز على استهداف أفراد بعينهم سواء كانوا مدنيين أم عسكرييين عبر العبوات الناسفة والطلق الناري، مقابل عمليات أخرى استهدفت تجمعات مدنية متوسطة الكثافة أو عناصر من "الجيش الوطني" وسط تجمعات مدنية. ما أدى إلى وقوع عدد من الضحايا، شكّلت نسبة المدنيين منهم 70%، في حين شكّلت نسبة عناصر "الجيش الوطني" 30% (الشكل 9). 

أما بالنسبة للجهات المُنفِّذة، فعلى الرغم من عدم وجود تبنٍ علني لتلك العمليات، إلا أن مصادر جمع البيانات تشير إلى اتهامات لخلايا حزب العمال الكردستاني "PKK" في الضلوع بأغلب تلك العمليات، خاصة وأن طبيعة العمليات لا تختلف عن سابقاتها في مناطق سيطرة "الجيش الوطني"، من ناحية الأهداف والأدوات وأساليب التنفيذ.

ومن خلال الأرقام السابقة لمختلف المناطق المرصودة، يتضح أن مناطق سيطرة "الجيش الوطني" في ريف حلب الغربي "درع الفرات" الأكثر تردياً أمنياً، قياساً بمناطق (عفرين، تل أبيض، رأس العين). وذلك لناحية ارتفاع وتيرة الاغتيالات واتساع الخرق الأمني وتعدد الجهات المُنفِّذة واختلاف مصالحها وارتباطاتها، مقابل ضعف قدرة القوى المُسيطرة على ضبط الاستقرار وتضييق حجم هذا الخرق. ولعل ارتفاع معدل العمليات إلى هذا الحد لا يُعدُّ مؤشراً على عجز التشكيلات الأمنية لـ "الجيش الوطني" على ضبط الأمن والاستقرار بالنسبة للمدنيين فحسب، وإنما ضعف قدرتها أيضاً على تأمين وحماية عناصرها، وهذا ما تدلل عليه طبيعة تلك العمليات، الممتدة إلى مختلف مناطق سيطرة "الجيش الوطني"، والتي شهدت عمليات اغتيالات لا تختلف كثيراً عن سابقتها، لناحية طبيعتها والجهات المُنفِّذة والمُستَهدَفة. ومهما اختلفت دوافع تنفيذها والجهات التي تقف وراءها؛ فإن الحد منها وتحمُّل مسؤولية نتائجها يقع في النهاية على عاتق القوى والتشكيلات العسكرية والأمنية المُسيطرة في تلك المناطق، سواء "الجيش الوطني" أم القوات التركية.

 

رابعاً: إدلب وما حولها (أهداف متعددة)

من خلال البيانات المرصودة، يتضح أن عدد عمليات الاغتيال فيما تبقى من محافظة إدلب وما حولها بلغ  17 عملية، خلال 6 أشهر من الرصد، حققت 5 عمليات منها غايتها في تصفية الجهة المستهدفة، بينما فشلت 12 محاولة في ذلك بعد نجاة الطرف المُستَهدَف. وقد أسفر مجموع العمليات عن 37 ضحية، منهم 12 قتيلاً و25 جريحاً.

أما بالنسبة لأدوات التنفيذ، فقد اعتمدت 6 عمليات اغتيال على الطلق الناري، نجحت 3 منها في تصفية الهدف، بينما فشلت 3 عمليات في ذلك، وأسفر مجموع عمليات الطلق الناري عن 7 ضحايا، بينهم قاضٍ و 4 من الفصائل الجهادية ضمنهم قائد ميداني. بينما نُفِّذَت 11 عملية عن طريق العبوات الناسفة، أسفرت عن 30 ضحية، منهم 7 من فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" ضمنهم قياديون ميدانيون، مقابل 6 مدنيين ضمنهم عضو مجلس محلي، في حين استُهدِف عناصر "هيئة تحرير الشام" في عملية أسفرت عن قتيلين، كما استُهدِف عناصر الجيش التركي المتواجد في المنطقة بـ 4 محاولات أسفرت عن 15 بين قتيل وجريح (الشكل 10).

ومن مُجمل عمليات الاغتيال الـ 17، استُهدِف عناصر وقيادات "مجموعات جهادية" بواقع 5 عمليات، بينما كانت فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" هدفاً في 3 منها، في حين تم استهداف جهات مدنية بواقع 5 عمليات، كما تم استهداف الجيش التركي في 4 محاولات (الشكل 11). أما بالنسبة للجهة التي تقف وراء تلك العمليات، فقد تبنّت سرية "أنصار أبي بكر الصديق" محاولة وحيدة استهدفت عناصر الجيش التركي، في حين بقيت المحاولات الـ 16 الأخرى مجهولة المُنفِّذ، حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

ويتضح من خلال بيانات الرصد الخاصة بمناطق إدلب وما حولها، انخفاض طفيف في معدل عمليات الاغتيال، قياساً بالتقرير السابق الذي أصدره مركز عمران، وغطى الفترة الممتدة من تموز وحتى كانون الأول 2020. إذ سجّل التقرير السابق 18 عملية اغتيال في تلك الفترة، بينما رصد التقرير الحالي تنفيذ 17 عملية. كما تشير البيانات إلى تعدد الجهات محل الاستهداف، فقد كانت الجهات المدينة والفصائل الجهادية الأكثر استهدافاً خلال فترة الرصد الحالي بمعدل 29% لكل منهما من مجموع العمليات. بينما كان عناصر الجيش التركي المتواجد في المنطقة هدفاً في 24% من عمليات الاغتيال المُنفَّذة خلال فترة الرصد، إذ يلحظ التقرير الحالي ازدياداً واضحاً في استهدافهم، قياساً بالتقرير السابق، الذي لم يرصد أية محاولة ضدهم. في حين مثلت "الجبهة الوطنية للتحرير" هدفاً في 18% من مجموع العمليات.

وبالرغم من تعدد أدوات تنفيذ عمليات الاغتيال؛ إلا أن الجزء الأكبر من تلك العمليات كانت انتقائية، فقد اعتمدت بنسبة 35% على الطلق الناري، مقابل 65% اعتمدت العبوة الناسفة كأداة للتنفيذ، مستهدفة أشخاصاً بعينهم بطريقة غير عشوائية، سواء بالنسبة للعسكريين أم المدنيين، ما أدى إلى وقوع ضحايا إضافيين ضمن محيط التفجير، أو من مرافقي الشخصية المستهدَفة. حيث بلغت نسبة الضحايا المدنيين 22% مقابل 78% من العسكريين (الشكل 12).

 

وتشير طبيعة العمليات وأدوات التنفيذ المستخدمة ضمنها، إلى اختلاف واضح في طبيعة الاغتيالات المنفذة في إدلب عن باقي مناطق سيطرة "الجيش الوطني"، التي تغلب عليها العمليات العشوائية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، بينما تبدو العمليات في إدلب منتظمة ومدروسة باتجاه تصفية شخصيات مدنية وعسكرية محددة، وذلك ضمن بيئة معقدة أمنياً، ومتعددة اللاعبين ذوي المصالح المتضاربة، في مؤشر لفوضى البيئة أمنياً وتراجع القدرة على الضبط والسيطرة. ولعل ما يؤكد ذلك هو انخفاض نسبة الضحايا المدنيين في المنطقة مقارنة بالعسكريين، الأمر الذي يختلف كلياً عن باقي مناطق سيطرة الجيش الوطني حيث يشكل المدنيون النسبة الأكبر من حصيلة عمليات الاغتيال ضمنها.

خاتمة

 تفيد القراءة العامة لهذا التقرير بما يحمله من أرقام وبيانات عن عمليات الاغتيال، باستمرار ضعف الحالة الأمنية في جميع المناطق المرصودة ضمن الشمال السوري، وضعف قدرة القوى الفاعلة وتعثرها في الحد من هذه العمليات، التي تسهم في تراجع مؤشرات الأمن والاستقرار على مختلف المستويات.

وعلى الرغم من محاولات بعض الفصائل والتشكيلات العسكرية المعارضة تطوير أدواتها في ضبط الأمن، من خلال أجهزة الشرطة والشرطة العسكرية، وازدياد أعداد المنتسبين لتلك الأجهزة، وتخريج عدد من الدورات؛ إلا أنها ما تزال غير قادرة على الحد من تلك العمليات، ولا تملك قدرة الوصول إلى مُنفّذيها، الأمر الذي يستدعي إعادة هيكلة تلك الأجهزة، ورفع مستوى التدريب الخاص بعناصرها، ورفدهم بكافة التجهيزات اللوجستية والتقنية التي تساعد في الحد من تلك العمليات، إضافة إلى رفع مستوى التنسيق الأمني بين المناطق المختلفة، وتشكيل لجان أمنية مشتركة للتنسيق بين تلك المناطق من جهة، ولإعادة هيكلة آليات التنسيق الأمني بين الجانبين التركي والسوري من جهة أخرى، خاصة مع وجود عوائق إدارية تحول دون الشكل الأمثل لهذا التنسيق، وبالتالي تسهم بشكل مباشر وغير مباشر بتوسيع هامش الخرق الأمني.

مقابل كل ذلك، لا بد من الدفع لإشراك المجتمع المحليّ والتنسيق مع فعالياته ومؤسساته المدنيّة في هذا الإطار، والسعي لتجسير أي هوة بين تشكيلات قوى الأمن الداخلي والمجتمعات المحلية العاملة ضمنها، بما يسهّل مهمتها ويعزز من حالة الأمن، ويرفع المسؤولية بأهميتها للجميع، وبشكل يسهم في تأمين بيئة أمنيّة مناسبة لنشاط المؤسسات المدنية. إضافة لذلك، من المهم أن تعمل القوى الأمنية والعسكرية المسؤولة عن تلك المناطق، على التعاطي مع الاغتيالات والتفجيرات بشفافية أعلى، عبر إعلان بيانات وأرقام رسميّة عن طبيعة تلك العمليات والمسؤولين عنها ونِسب العمليات التي نُفِذّت مقارنة بالمحاولات التي تم إحباطها قبل وقوعها، وذلك بشكل دوري يوضَح وتيرة الاغتيالات والجهد المقابل في مكافحتها والحد منها، ويضع الرأي العام المحلي-الدولي بصورة الواقع الأمني في المنطقة.   

ولا يُعد تردي الأوضاع الأمنية محلياً ضمن مناطق سيطرة الفصائل العسكرية المعارضة، أمراً منفصلاً عن السياق العام للملف السوري وتعقيداته، والتي ترمي بظلالها محلياً على مختلف المناطق السورية، بغض النظر عن القوى المسيطرة، إذ إن حالة الفوضى الأمنية التي تجلت بصورة الاغتيالات في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، تتكرر بصور وأدوات وكثافة مختلفة ضمن مناطق سيطرة نظام الأسد، وكذلك مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، على الرغم من المركزية الأمنية التي تحكم تلك المناطق، والمفتقَدة في مناطق سيطرة فصائل المعارضة.

 

([1] ) "غرفة عمليات غضب الزيتون": وهي بحسب توصيفها   لنفسها عبر معرفاتها الرسميّة؛ "مجموعة من شباب وشابات عفرين، مختصة بالعمليات ضد "مرتزقة الاحتلال التركي"، وتقوم باغتيال المقاتلين المحليين المدعومين من تركيا، بالإضافة إلى المقاتلين الأتراك المتواجدين في المنطقة، للاطلاع والتعرف أكثر على هذه المجموعة راجع الرابط التالي: http://www.xzeytune.com

([2] )"سرية أنصار أبي بكر الصديق": فصيل عسكري ينشط في إدلب، "يدّعي استقلاليته وعدم تبعيته لأي جهة"، ينشط في عمليات أمنية ضد عناصر الجيش التركي في محافظة إدلب، للمزيد راجع: ما هوية "السرية" التي نفذت 19 هجوماً ضد القوات التركية في إدلب، السورية.نت، 24 تشرين الأول/أكتوبر، متوافر على الرابط التالي: https://bit.ly/3r92NuR

([3] ) "قوات تحرير عفرين": هي مجموعة من المقاتلين الكرد، الذين يصفون تجمعهم بــ "حركة مقاومة” عبر شن هجمات تستهدف الجيش التركي و"الجيش الوطني" المدعوم من تركيا في عفرين ومناطق أخرى، كما أن هذه الحركة لا تقول صراحة إنها تابعة لـحزب الاتحاد الديمقراطي PYD أو "قسد". للمزيد حول طبيعة عمليات تلك الحركة راجع: مجموعة "تحرير عفرين" تتبنى استهداف نقطة تركية بريف حلب، الموقع الإلكتروني لصحيفة عنب بلدي، 13 أيلول/سبتمبر 2020، متوافر على الرابط التالي: https://cutt.us/2f6xU

([4]) فيما يتعلق بمصادر التقرير فهي على الشكل التالي: 1) نقاط الرصد الخاصة بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية في الشمال السوري. 2) التقرير الأمني الخاص الصادر عن مكاتب منظمة "إحسان الإغاثية" في الشمال السوري. 3) المُعرّفات الرسمية للجهات التي تم استهدافها (مدنية، عسكرية). 4) المُعرّفات الرسمية للجهات المُنفِذة، أو التي تعلن تبنيها للعمليات كـ "غرفة عمليات غضب الزيتون". 5) المُعرّفات والمواقع الرسمية للوكالات ووسائل الإعلام المحليّة، والتي تقوم بتغطية الأحداث في

مناطق الرصد.

([5]) للاطلاع على التقرير السابق "الاغتيالات في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من تموز حتى كانون الأول 2020"، راجع الرابط التالي: https://bit.ly/3l8pagk

[6])) بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية تعلن من خلاله تنفيذ "قوات سوريا الديمقراطية" لعمليتي اغتيال في مناطق "درع الفرات"، متوافر على الرابط: https://bit.ly/3FQzWzx

التصنيف تقارير خاصة

ملخص تنفيذي

  • تبرز عمليات إزالة مخلفات النزاع ومن بينها الألغام الأرضية في منطقتي درع الفرات وعفرين، كأحد التحديات التي توجه لها الجهود في سبيل تحقيق التعافي المبكر، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها المعطيات المرتبطة بهذه العمليات.
  • تهدف الورقة إلى محاولة تشخيص واقع عملية إزالة الألغام في هاتين المنطقتين، من خلال التعرف إلى برامج الفاعلين المحليين والدوليين، وتحليل أدوارهم وجهودهم في هذا الصدد، وتفكيك التحديات التي تواجه هذه العملية. والتعرف إلى الآثار التي تشكلها الألغام الأرضية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية.
  • إن الجهود المبذولة لإزالة هذا النوع من الذخائر عبر الأعوام الماضية، يعوزها بشكل واضح غياب التنسيق بين الجهات الفاعلة في هذا الإطار لأسباب عدة. مع غياب الدعم الدولي اللازم في هذا الجانب لأسباب سياسية. إلى جانب غياب جهة عابرة للمجالس والمنظمات، لتنسيق الجهود وحوكمتها في هذا الإطار بما يسهم في معالجة هذا الملف بشكل فاعل.
  • لم تحقق حملات التوعية لتفادي آثار الألغام الأرضية تلك الفاعلية المطلوبة، لأسباب ترتبط بقلة عدد المنظمات المهتمة بهذا الجانب، واقتصارها على عدد محدود جداً. إلى جانب غياب التنسيق بين المنظمات، ووكالات الإعلام، والجهات العاملة، وغيرها من الأسباب الأخرى.
  • إن توفير الدعم الطبي والنفسي والمادي للمتضررين من هذه الذخائر يعد متطلباً أساسياً للتعافي المبكر ضمن المجتمعات المحلية، وهو الشيء الذي ما تزال تفتقده نسبة كبيرة منهم.

 

مقدمة

مع تراجع حدة النزاع المسلح في منطقتي درع الفرات وعفرين، الواقعتين تحت النفوذ التركي، بدأت هاتان المنطقتان تشهدان مؤخراً بضعة خطوات تدريجية نحو التعافي المبكر، ومحاولة الجهات القائمة على هذه المناطق توفير متطلبات البيئة الآمنة، لضمان نجاح هذه الخطوات. وتبرز عمليات إزالة مخلفات النزاع في هذا السياق، كأحد التحديات التي توجه لها الجهود في سبيل تحقيق التعافي المبكر، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها المعطيات المرتبطة بهذه العمليات. ففي فترة خضوعها لكل من "تنظيم الدولة" و"قوات سورية الديمقراطية" قبل عام 2016، قام كل منهما بتفخيخها بالألغام الأرضية، إلى جانب الألغام الأرضية القديمة المتواجدة على طول الحدود التركية المحاذية لها. الأمر الذي شكَّل ويشّكِل مصدر تهديد كبير لحياة السكان واستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي ضمن هذه المناطق.  

تأتي أهمية الورقة من محاولة الإحاطة بالتقدم المنجز في عملية إزالة الألغام، في ضوء قلة المعلومات المتوافرة عن الإجراءات التي تتم في هذا الصدد، وأعداد الإصابات، والدعم المقدم لبرنامج إزالة الألغام، والآثار السلبية المرتبطة بها، كأحد الجوانب الهامة في توفير البيئة الآمنة للمواطنين، ونجاح عملية التعافي المبكر. ويتمثل الهدف الرئيس لهذه الورقة في محاولة تشخيص واقع عملية إزالة الألغام، من خلال التعرف إلى برامج الفاعلين المحليين والدوليين، وتحليل أدوارهم وجهودهم في هذا الصدد، وتفكيك التحديات التي تواجه هذه العملية. والتعرف إلى الآثار التي تشكلها الألغام الأرضية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية في هاتين المنطقتين.

ختاماً، تحاول الورقة وضع مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في زيادة فاعلية هذا البرنامج، بما يخدم هدف تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، اللازم لنجاح عملية التعافي المبكر. 

أولاً: واقع إزالة الألغام في منطقتي درع الفرات وعفرين

تشكل الذخائر غير المنفجرة بمختلف أنواعها أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية التعافي المبكر، في الدول الخارجة من النزاعات. وفي تقريرها الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2020، أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن سورية تعد من أسوأ دول العالم في كمية الألغام المزروعة منذ عام 2011([1])، وصنفت منظمة "الحملة الدولية لتحريم الألغام الأرضية"، في تقريرها الصادر عام 2019 سورية في المرتبة الرابعة من بين الدول المتلقية للمساعدات الدولية لإزالة الألغام. كذلك حذرت الأمم المتحدة في شهر يوليو/تموز 2019 من تعرض حياة أكثر من عشرة ملايين سوري للتهديد بسبب تواجدهم في مناطق ملوثة بالألغام، داعية جميع أطراف النزاع في سورية، للسماح بإزالة مخلفات النزاع من المتفجرات، وضمان احترام وسلامة العاملين في المجال الإنساني، المسؤولين عن إزالة الألغام([2]). مما يدل على مدى تلوث البلد بهذا النوع من الذخائر، غير المنفجرة، وكونها مصدر خطر كبير.

مع تحول النزاع في سورية إلى الطابع العسكري في عام 2012، بدأت القوى العسكرية باللجوء إلى استخدام الذخائر المنفجرة كأداة حرب، ووسيلة لفرض نفوذها العسكري في مناطقها، وعرقلة أي تقدم للقوى المتحاربة معها. ونظراً لسيولة الوضع الأمني في عموم المناطق، واستمرار النزاع في بعضها، فإن من الصعب وضع تقدير دقيق للعدد الإجمالي للألغام المزروعة، مع وجود توقعات بوصول هذا العدد إلى عشرات الآلاف. وتصدرت مناطق الشمال السوري بشكل عام المناطق السورية في مستوى انتشار الذخائر المنفجرة، في محافظات حلب وإدلب واللاذقية، للفترة الممتدة ما بين يوليو/تموز 2013 ومايو/أيار 2019. إذ سُجِلَ ما لا يقل عن 113.107 استخدام للذخائر المتفجرة، شكلت نسبة الذخائر الأرضية المنفجرة منها ما يقارب 50%. وفي محافظة حلب وحدها سُجلَ ما لا يقل عن 58.084 استخدام لهذه الذخائر([3]).

 في تناولنا لواقع الألغام الأرضية في منطقتي درع الفرات وعفرين، الواقعتين في الشمال الغربي من سورية، فإن الوقوف على الإحصاءات الفعلية المرتبطة بهذه الألغام يعد صعباً، نظراً لتعدد القوى العسكرية التي خضعت لها هاتان المنطقتان بعد عام 2011، وقيامها بزرع أنواع مختلفة من الألغام الأرضية والمفخخات. ففي منطقة درع الفرات، وإبان سيطرة تنظيم "داعش" عليها، لجأ الأخير إلى الاعتماد بشكل كبير على زراعة الألغام في غالبية مدنها، معتمداً على خبرة عناصره الأجانب في هذا المجال، لاستهداف المقاتلين على جبهاته. ووفقاً للعديد من الخبراء العسكريين؛ فإن الألغام العائدة للتنظيم تعد من بين الألغام الأشد فتكاً وخطورة، بنوعيها المضادة للأفراد، والمضادة للآليات. ومن بين أنواع هذه الألغام: المسطرة، والمسبحة، واللغم الليزري، والدوسة، والحجر([4]). ويصف بعضهم ألغام تنظيم الدولة بأنها مثلت "فناً عسكرياً" بحد ذاته، من ناحية أنواعها، وطرق وأماكن زرعها، ومدى استفادته منها في مواجهة أعدائه، قبل وبعد خروجه من المناطق التي سيطر عليها([5]). لكنها بالمقابل أودت بحياة العشرات من المدنيين، وسببت إصابات خطيرة للعديد منهم([6])، بعد أن تمكنت قوات المعارضة السورية بمساندة الجيش التركي من تحرير هذه المنطقة من تنظيم داعش في 29 مارس/آذار من عام 2017.

في منطقة عفرين، عمدت قوات "قسد" الجناح العسكري للإدارة الذاتية، على زرع وتفخيخ المنطقة بأعداد كبيرة من الألغام الأرضية، منذ استيلائها على المنطقة في أغسطس/آب لعام 2015، في محاولة منها لصد أي تقدم للجيش التركي وقوات المعارضة السورية نحو المنطقة. ومع اقتراب معركة "غصن الزيتون" في عام 2018، زادت هذه القوات من كمية الألغام المزروعة في الأحياء والمساكن والمناطق الزراعية، بهدف إحداث أكبر ضرر ممكن بالقوات المهاجمة، ومنع المدنيين من مغادرة المنطقة، للاحتماء بهم في حال نشوب المعركة، وهو ما كشفت عنه العديد من التقارير الميدانية([7]). وبعد هزيمة قسد في مارس/آذار 2018، شكلت عملية إزالة هذه الألغام تحدياً كبيراً، تطلب تدخل قوات متخصصة من الجيش التركي لتنظيف المدن والأحياء من هذه الألغام، وتجنيب المدنيين المخاطر الناتجة عن انفجارها. ووفقاً للخبراء المختصين في هذا المجال؛ فإن طبيعة الألغام التي تم زرعها في منطق عفرين هي من الأنواع التقليدية، ذات التصميم الروسي. وفي شهر يناير/كانون الثاني في عام 2018 تمكنت القوات المسلحة التركية من تفكيك 80 لغم أرضي، و650 عبوة ناسفة وفقاً لبعض المصادر([8]).

تمثلت أبرز التحديات التي واجهت الجهات القائمة على إزالة الألغام في هذه المناطق، في نوعية الألغام المزروعة، من قبل كل من تنظيم داعش وقوات قسد، وكثافتها، والتكتيكات المستخدمة في زرعها، والتي تطلبت وجود خبراء مختصين للقيام بإزالتها. إلى جانب عدم وجود خارطة يمكن الاسترشاد بها لإزالة هذه الألغام، بأقصر فترة زمنية، وانخفاض مستوى كفاءة الكوادر المحلية التي أوكلت إليها هذه المهمة، في جانبيها العسكري والمدني، سواء من ناحية عدم توفر المستلزمات الحديثة للكشف عن الألغام، أم لعدم توفر برامج التدريب اللازمة لتأهيل هذه الكوادر، وغياب الدعم الدولي اللازم لبرنامج إزالة الألغام في هاتين المنطقتين لأسباب سياسية. أضف إلى ذلك ضعف حملات التوعية للمواطنين في كيفية تجنب أخطار هذه الألغام([9]). وبالتالي ما تزال تشكل بقايا هذه الألغام خطراً يهدد المجتمعات المحلية، مع ما يفرضه ذلك من العمل على زيادة حملات التوعية، والعمل على نزعها بشكل كامل.

أضف إلى ذلك فإن بعض المصادر تشير إلى وجود كميات كبيرة من الألغام على طول الأراضي المحاذية للحدود التركية، زرعها الجيش التركي في الفترة ما بين (1957-1998)([10])، والتي تقدر كميتها ما بين (613.000-715.000) لغماً مضاداً للأفراد، لمنع العبور غير المشروع للحدود([11]). وقد نتج عنها العديد من الضحايا المدنيين، الذين اضطروا للهرب بعد تصاعد حدة النزاع في هاتين المنطقتين([12]). وما تزال هذه الألغام إلى الوقت الحاضر تمثل خطراً يهدد حياة السكان المحليين، سواء منهم العاملين بالزراعة، أم الذين يحاولون اجتياز الحدود التركية عن طريق شبكات التهريب.   

ثانياً: الفاعلون في إزالة الألغام ... الأدوار والفاعلية

مع شيوع حالة شبه الاستقرار الأمني في عدد من المناطق السورية، بدأت تظهر جهود العديد من الفواعل المدنية والعسكرية في عمليات إزالة الألغام، ومخلفات الحرب. وعلى الرغم من وجود التمايز في هذه الجهود، سواء من حيث الدعم المحلي والدولي المقدم لها، أم من حيث كفاءة الكوادر العاملة وتجهيزاتها، إلا أنها تُظهِر مدى أهمية هذه العمليات، كأحد عناصر البيئة الآمنة اللازمة لاستقرار السكان المحليين، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والتعافي من تبعات النزاع. وكغيرها من المناطق السورية؛ فقد برز عدد من الفواعل الذين أسهموا خلال الأعوام الماضية في هذه الجهود، في منطقتي درع الفرات وعفرين، ونستعرض فيما يلي أهم الإسهامات التي قدمها كل منهم:

1.   منظمة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)

كان لمنظمة الدفاع المدني منذ تأسيسها في عام 2015 دور هام في تأمين متطلبات البيئة الآمنة، فقد عملت على محاور عدة في هذا السياق. وفي إطار تناولنا لموضوع الذخائر غير المنفجرة، كان للمنظمة خطوات ملموسة في مناطق سيطرة المعارضة السورية، عبر قيامها بإزالة هذه الذخائر، وتجنيب المواطنين مخاطرها. وكان لهذه الخطوات أثر كبير في توفير العودة الآمنة للنازحين في هذه المناطق، وتوفير مقومات الحياة الأساسية، عبر إعادة تأهيل المرافق العامة، كالمدارس، والطرقات وغيرها، ووفقاً لآخر إحصاءاتها المنشورة على موقعها الإلكتروني، فقد تمكنت الفرق المتخصصة في المنظمة من إزالة 1243 جسماً قابلاً للانفجار، من مخلفات الحرب منذ 1 يناير/كانون الثاني 2019 حتى نهاية شهر مارس/ آذار لعام 2021، بينها 986 قنبلة عنقودية.

ومنذ عام 2017، كان هناك تواجد فعلي لفريق الدفاع المدني في منطقة درع الفرات، بعد تحريرها من تنظيم داعش، فقد عمل على إزالة آلاف الذخائر غير المنفجرة في المدن والبلدات الرئيسية، وقد بلغ عدد الذخائر غير المنفجرة التي تم إزالتها منذ عام 2015 في مناطق الشمال السوري عن طريق منظمة الدفاع المدني 23000([13]). ومع تحرير منطقة عفرين من قوات "قسد" في عام 2018، عمل الدفاع المدني كذلك على الإسهام في إزالة الذخائر غير المنفجرة فيها. وعلى الرغم من المتطلبات التي تحتاجها عملية إزالة هذه الذخائر، عملت المنظمة بما أوتيت من إمكانات محدودة، على تأهيل الكوادر المحلية للإسهام في هذه العملية([14])، إذ يضم كادر المنظمة العامل في إزالة الذخائر مزيجاً من العسكريين، ذوي الخبرة، إلى جانب المدنيين، الذين يتم تدريبهم للعمل على الإزالة بشكل مباشر([15]). وخلال الأعوام الماضية، كان هناك عدد من الإصابات، التي طالت هذا الكادر، وأودت بحياة عدد من طواقمه([16]). إلا أن التحدي الأبرز الذي تواجهه منظمة الدفاع المدني في هذا السياق، يتجسد في قلة الدعم المقدم، على الصعيدين اللوجستي والمادي. إلى جانب محدودية كفاءة وخبرة الكادر العامل، الذي لم يتلقَ التدريب الكافي للعمل في هذا المجال. وفي إطار سعيها لزيادة فاعلية نشاطها، تعمل المنظمة على التعاون والتنسيق مع المجالس المحلية والمجتمعات المحلية للمساعدة على إزالة الذخائر غير المنفجرة، من خلال عمليات تلقي الإبلاغ من قبل المواطنين، في حال اشتباههم بوجود ألغام في مناطقهم، والقيام بالمسح غير التقني، بهدف تقليل الإصابات التي يمكن أن تنتج عن هذه الذخائر إلى الحد الأدنى، وتأمين العودة الآمنة للسكان إلى مناطقهم([17]). لكن من جانب آخر، ووفقاً لمنظمة الدفاع المدني، لا يوجد علاقات تنسيق وتعاون مع الفصائل العسكرية في هذا الصدد، لأسباب خاصة بالمنظمة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تشرذم الجهود، وعدم تكاملها في إطار سياسة موحدة لإزالة ما تبقى من هذه الذخائر.

2.   الجيش الوطني السوري

باعتبارها أحد الفواعل الأساسيين لتوفير مقومات البيئة الآمنة، عملت الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية منذ تواجدها في منطقتي درع الفرات وعفرين، في عامي 2016 و2018 على التوالي، على إزالة مخلفات النزاع العسكري لتمهيد العودة الآمنة للنازحين، وتجنيب السكان المحليين أخطار هذه المخلفات. ومع بدء عملية هيكلة هذه الفصائل في جسم عسكري واحد "الجيش الوطني"، تم تخصيص العناصر ذوي الخبرة في هذا المجال، ضمن ما يعرف بـ"سرية الهندسة" المتخصصة بتفكيك الألغام الأرضية.

بعد تحرير منطقتي درع الفرات وعفرين عملت فرق الهندسة التابعة للجيش الوطني على تفكيك الألغام الأرضية التي خلفها تنظيم داعش وقوات قسد. ووفقاً لتقديرات الجيش الوطني، فإن العدد الإجمالي للألغام بعد انسحاب داعش يقدر بحوالي 60 ألف لغم، هناك حوالي 20 ألف لغم تمت إزالته من قبل سرية الهندسة، التي عملت بإمكانيات بسيطة، ومعدات بدائية، وأجهزة كشف معادن، في حين أن الأعداد الباقية والتي يقدر عددها بـ 40 ألفاً، تم إزالة نسبة كبيرة منها من قبل الفلاحين، والأفراد المدنيين، وجهات أخرى. ويعمل الجيش الوطني على التعاون مع المجالس المحلية والسكان المحليين، وبشكل خاص الفلاحين، لأنهم الأكثر عرضة لمواجهة الألغام، وذلك لكون مناطق الاشتباك كانت في أراضيهم الزراعية([18]).

في جانب التحديات التي تواجه الجيش الوطني في هذا الإطار، يمثل نقص التمويل لتأمين المعدات اللازمة لإزالة الذخائر غير المنفجرة، وانخفاض مستوى الكفاءات البشرية، وقلة خبرتها في هذا المجال، أحد أهم هذه التحديات، والتي كلفته العديد من الخسائر المادية والمعنوية، لذا تحاول إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني العمل على توعية المقاتلين، بشكل دوري ومستمر، بمخاطر المفخخات والألغام، سواء من خلال الندوات، أم التقارير التوعوية، أم المنشورات. والعمل بشكل متوازٍ على التدريب المستمر للعناصر في مجال إزالة الألغام([19]).

3.   الجيش التركي

منذ بدء العمليات العسكرية للجيش التركي في منطقتي درع الفرات وعفرين، عملت وحدة تفكيك المتفجرات في الدرك التركي على تفجير عدد من الألغام وإزالتها، وعملت كذلك على تعليم قوات الشرطة المحلية على تفكيك المتفجرات، والتعامل مع الأجسام المشبوهة. ففي منطقة الراعي تم إزالة حوالي 10 آلاف و438 جسم متفجر، في عام 2017([20]). كذلك فإن هناك تعاون مستمر بين عناصر الجيش الوطني السوري والجيش التركي في إزالة الألغام، التي زرعتها قوات قسد، في إطار أنشطة تعزيز الأمن في منطقة عفرين. إضافة إلى ردم الخنادق، التي تم تلغيمها، وإزالة أكوام الأتربة التي تؤثر سلبًا على الحياة اليومية للمدنيين في المنطقة، وذلك بمساهمة من المجلس المحلي لعفرين، وولاية هاتاي التركية([21]).

في السياق ذاته، تنشط القوات المسلحة التركية بتطهير مناطق عدة، بينها الحدود التركية مع سورية، من الألغام، بواسطة فريق مهام خاصة يعرف باسم "صيادي الألغام".  يتم العمل على تطهير حقول الألغام التي جرى تحديدها مسبقاً، والتي هي على طول الشريط الحدودي الذي يبلغ حوالي 150كم2، إضافة إلى الحقول التي يجري اكتشافها. ولتتماشى مع أهداف الأمم المتحدة في "عالم خال من الألغام لعام 2025"، تستمر تركيا في العمل على إزالة جميع الألغام المدفونة، وإزالة الألغام والذخيرة غير المنفجرة، وقد أحرزت تقدماً هاماً في هذا الصدد على حدودها مع سورية([22]). يضاف إلى ذلك تعاونها المستمر مع الجيش الوطني، لتدريب العديد من العناصر بموضوع إزالة الألغام([23]).

4.   المنظمات المحلية

إبان تحرر منطقة درع الفرات برزت مبادرات محلية لإزالة الألغام، كان من أبرزها مبادرة المركز السوري للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحرب (في أيد أمينة)، الذي تأسس في نهاية عام 2016، وضم أكثر من 50 متطوعاً، يملك بعضهم خبرة سابقة أثناء "الخدمة الإلزامية" في جيش النظام. وقد وضع القائمون عليه سياسات ومعايير وبرامج منظمة، بما يتوافق مع برامج الأمم المتحدة للألغام (UNMAS). وطرح المركز خمسة برامج للتعامل مع مخلفات الحرب في المناطق المحررة، وهي: الاستجابة السريعة، ومساعدة الأهالي، ونزع الألغام، والتوعية بمخاطر الألغام، ودعم ضحايا الألغام، إضافةً إلى تدمير المخزون. وكان للمركز جهود واضحة في عمليات إزالة الألغام، على الرغم من محدودية إمكانياته اللوجستية والمادية. وكان له تنسيق وتعاون واضح مع الهيئات المدنية، متضمنة المجالس المحلية، ولجنة إعادة الاستقرار، والشرطة الوطنية([24]).

إلى جانب ما سبق، فقد سُجِلَ وجود بعض المبادرات من المجتمع المحلي، ومنها قيام بعض الصناعيين في المنطقة بتصنيع جرار خاص للحراثة وإزالة الألغام بآن واحد، للمساهمة في تذليل الواقع الذي يعاني منه المزارعون([25]). إضافة إلى العديد من المبادرات الفردية التطوعية، من ذوي الخبرة بنزع الألغام، لتجنيب الأهالي الوقوع كضحايا محتملين لهذه الذخائر غير المنفجرة([26]).

ثالثاً: تداعيات الألغام على المجتمعات المحلية

خلف النزاع في سورية عشرات الآلاف من الألغام والعبوات الناسفة. وما يزال بعضها مدفوناً في أماكن مجهولة، إلى جانب بعض الذخائر غير المنفجرة، وانتشارها في مساحات واسعة من المناطق المأهولة بالسكّان، مما يشكل تهديداً للمدنيين. وما يفرضه هذا الأمر من أثر سلبي مباشر على استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.

على الرغم من عدم وجد آلية شاملة لجمع بيانات دقيقة عن ضحايا الألغام والذخائر غير المنفجرة، فقد أوردت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2020 تقديرات للخسائر البشرية بين صفوف المدنيين السوريين التي تسبَّبت بها هذه الألغام، وذلك منذ مارس/آذار 2011 حتى ديسمبر/كانون الأول/ 2020، وأوردت حصيلة الضحايا بمن فيهم الأطفال والنساء، والكوادر الطبية والإعلامية، وكوادر الدفاع المدني، وتوزعهم بحسب المحافظات التي قتلوا فيها، كما استعرضت بعضاً من أبرز الحوادث التي وقعت إثر انفجار الألغام.

وسجَّل التقرير مقتل ما لا يقل عن 2601 مدنياً، من بينهم 598 طفلاً، و267 سيدة، قتلوا عبر المئات من حوادث انفجار الألغام في مختلف المحافظات السورية، منذ عام 2011، وكان من بينهم 8 من الكوادر الطبية، و6 من كوادر الدفاع المدني، و9 من الكوادر الإعلامية. وأشار التقرير أن 703 ضحية من العدد الإجمالي للضحايا كان في محافظة حلب([27]). وقد سجل عام 2018 وفقاً لبعض المصادر، العدد الأكبر من ضحايا الألغام في منطقة عفرين، إذ قتل 55 شخصاً، بينهم 39 طفلاً، فيما تجاوزت عدد الإصابات الكلية إلى 360 شخصاً، وفي عام 2019 كان عدد الأشخاص الكلي 125 شخصاً، أغلبهم في منطقة عفرين وتل رفعت، فيما سُجل العشرات من الضحايا، كذلك في مناطق الباب وجرابلس والبلدات والقرى التابعة لها([28]).

أما على الصعيد الاجتماعي والصحي، وكغيرها من المناطق الأخرى، فإن لهذه الذخائر آثار سلبية على الأفراد القاطنين في منطقتي درع الفرات وعفرين، بزيادة حالات الخوف والقلق لدى فئات كبيرة من المجتمع، إلى جانب انتشار بعض الأمراض النفسية، والاضطرابات السلوكية الناجمة عن ذلك، ومدى القدرة على التعايش والعودة إلى الحياة الطبيعية. وذلك نتيجة للإصابات التي خلفتها هذه الذخائر، والتي أدت في كثير من الأحيان إلى الموت او التشوهات الخلقية، التي وثقتها بعض التقارير الميدانية من هاتين المنطقتين([29]). فأخطار هذه الألغام تطال جميع الفئات السكانية، مع وجود تمايز بين هذه الفئات، من حيث تعرضها لهذه المخاطر، إما بسبب العمر، أو الدور الاجتماعي، أو نمط النشاط الذي تقوم به. أضف إلى ذلك قلة الدعم المقدم من قبل المنظمات المهتمة بمصابي الحرب، بسبب الكلفة المرتفعة الواجب تقديمها لهم لإعادة المصابين إلى حياتهم بشكل طبيعي. وغياب البرامج الخاصة بذلك على الأمد الطويل الأجل، وخاصة ما يرتبط منها بالعلاج الفيزيائي، والدعم النفسي، وتركيب الأطراف الصناعية، وغيرها من المستلزمات الأخرى، التي تعد جزءاً أساسياً في التراتبية العلاجية للمصابين، وخاصة لمن بترت أطرافهم([30])، والذين تقدر أعدادهم بالآلاف في مناطق شمال سورية، بين مدنيين وعسكريين، تتنوع إصاباتهم بين الخفيفة والمتوسطة، والإعاقات الدائمة، التي تحتاج لرعاية طبية على المدى الطويل. ويبين الشكل توزع أعداد الضحايا وفقاً للأعوام في عموم مناطق سورية.                                                                               

إلى جانب ما سبق، ما تزال حملات التوعية الخاصة بمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة دون المستوى المأمول، سواء من ناحية كيفية التحوط منها، أم من ناحية التعامل مع الإصابات الناجمة عنها، والتي تتسبب في كثير من الأحيان بعاهات جسدية ونفسية دائمة للمصابين، ما لم يتم التعامل معها بالأسلوب الطبي الصحيح. ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى النقص الكبير في عمل المنظمات الإنسانية، العاملة في جميع أنحاء المناطق السورية، والمهتمة بهذا الجانب من جوانب التعافي المبكر للمجتمعات المحلية، فقد فشلت العديد منها في رفع مستوى الوعي حول مخاطر الألغام ومخلفات الحرب، ناهيك عن كيفية التعامل معها([31]).

في الجانب الاقتصادي، بدا واضحاً التأثير السلبي للألغام على الحياة الاقتصادية في هاتين المنطقتين، إذا ما علمنا بأن أكثر الأشخاص المعرضين لخطر الوقوع ضحية لحوادث الألغام هم: المزارعون، ورعاة الماشية، والبناؤون، وجامعو الخردة المعدنية، وعمال البناء، والعاملون في المجال الإنساني، والأطفال في طريقهم إلى المدرسة، والمشردون داخلياً، والعائدون إلى منازلهم.

وقد تجلى هذا بشكل واضح في هاتين المنطقتين، اللتين تعتمدان على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل لنسبة جيدة من سكانها، لعدم قدرة المزارعين على استغلال قسم من أراضيهم، بعد أن أصبحت هذه الأراضي مسرحاً للعمليات العسكرية، وقيام الأطراف المتحاربة بزرع الألغام الأرضية كأداة حرب ضد بعضهم. الأمر الذي خلق تحدياً كبيراً للمزارعين، وللجهات القائمة على القطاع الزراعي، في كيفية تنظيف الأراضي الزراعية، والطرقات المستخدمة للنقل الزراعي من الذخائر غير المنفجرة، بما فيها الألغام الأرضية. ومدى قدرتها على تأمين المتطلبات اللوجستية والمادية اللازمة لنزع هذه الذخائر، نظراً لقلة الخبرات المحلية في هذا المجال والكلفة المادية المرتفعة التي تتطلبها عمليات الإزالة([32]).

إلى جانب ذلك، فقد سُجِلَ العديد من الإصابات في صفوف المزارعين، الذين حاول بعضهم إزالة هذه الألغام بشكل شخصي، إلى جانب الإصابات التي تعرض لها بعضهم وذويهم، نتيجة جهلهم بوجود هذه الألغام، وعدم اتخاذ إجراءات الوقاية اللازمة، بسبب قلة حملات التوعية في هذا الصدد. ففي منطقة درع الفرات لوحظ أن الجهات المعنية بإزالة مخلفات الحرب كانت جهودها مركزة على المباني السكنية والطرق العامة، وعدم منحها الأهمية المطلوبة للأراضي الزراعية، بسبب كثافة الألغام المزروعة فيها، مما كان له تداعيات سلبية على الحياة الاقتصادية للسكان المحليين، الذين تعتمد نسبة كبيرة منهم على الزراعة كمصدر للدخل، وكان جراء ذلك امتناع بعض المزارعين عن زراعة حقولهم خوفاً من التهديد المحتمل لهذه الألغام([33]). ولكن ذلك لا ينفي وجود بعض التجارب الناجحة في إزالة الألغام الأرضية من الأراضي الزراعية في بعض البلدات، كما في بلدة أخترين، والتي تم الإعلان أنها آمنة ونظيفة من الألغام بشكل كامل، بتاريخ 26-01-2017([34]). أما في منطقة عفرين، والتي يتركز الإنتاج الزراعي فيها على زيت الزيتون، فقد شهدت كذلك العديد من الإصابات بعد أن تم تلغيم الحقول الزراعية، على خطوط التماس بين قوات قسد والجيش الوطني، مما كان له أثر كبير على عدم تمكن المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وجني محاصيلهم ضمن هذه المنطقة([35]).   

رابعاً: الفاعلون في الجانب الاجتماعي

إن المخاطر والآثار المرتبطة بالألغام والذخائر غير المنفجرة لا تنتهي بمجرد وجود جهات قائمة للعمل على إزالتها في هذه المناطق. بل إن الأمر يرتبط في جانب كبير منه بمدى وجود جهات قادرة على بث التوعية اللازمة بفاعلية، للحد من الأخطار المحتملة لهذه الذخائر، وقادرة أيضاً على تقديم المساعدة الطبية اللازمة للأفراد المصابين، ليتمكنوا من تجاوز آثار هذه الإصابات البدنية والنفسية.

في عام 2015، وفي ذروة انتشار الإصابات بالذخائر غير المنفجرة في منطقة درع الفرات، أدركت بعض المنظمات ضرورة العمل على نشر حملات التوعية للتنبيه على الأخطار المرتبطة بالألغام، كما قام بعضها أيضاً بتقديم الدعم للمصابين بها. ونظراً للخبرة التي يمتلكها بعض الفاعلين في إزالة الألغام الذين تم الإشارة لهم سابقاً، فقد كان لهم دور ملموس في نشر حملات التوعية بما أوتوا من إمكانات. فقد قامت منظمة الدفاع المدني بحملات توعية ممنهجة، لزيادة فاعلية إزالة الألغام في هاتين المنطقتين، وكان لهذه الحملات آثار إيجابية ملموسة، بتقليلها لعدد الإصابات بين المدنيين. وتم تسجيل استجابة جيدة من قبل المدنيين لهذه الحملات على أرض الواقع، الذين أدركوا المخاطر المرتبطة بهذا النوع من الذخائر غير المنفجرة. كذلك لعبت الفصائل العسكرية التابعة للجيش الوطني دوراً في الأنشطة المرتبطة بحملات التوعية، والندوات الثقافية، بالتعاون مع اتحاد جمعيات الفلاحين والمدارس. وكان لهذه الحملات أثر جيد في زيادة توعية المواطنين، خاصةً أنها تنفذ من قبل بعض العسكريين المختصين بالذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية. وهي ما تعتبر ميزة لهذه الحملات، مقارنة بحملات التوعية التي يقوم عليها بعض المدنيين، ذوي الخبرة القليلة في هذا المجال. إلا أن هذه الحملات لم تتلق الدعم اللازم، إذا ما قورنت بحملات التوعية المنفذة من قبل المنظمات الأخرى، وذلك لأسباب ترتبط بإحجام الداعمين عن التعامل مع فصائل الجيش الوطني، كجهة عسكرية داخل هذه المناطق([36]).

كذلك لوحظ نشاط واضح للمركز السوري للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحرب (SMAC)، في منطقة درع الفرات منذ عام 2015، فيما يتعلق بالتوعية من أخطار الألغام، إذ استهدفت حملاتها: المدارس، ومخيمات النازحين، واللاجئين في دول الجوار، والتي هدفت للمساهمة في رفع الوعي حول الألغام ومخلفات الحرب، ومخاطرها وآليات الوقاية منها([37]). فقد قام المركز بتصميم كتيبات صغيرة لتنشر في إطار هذه الحملات. كذلك قام المركز بتنظيم عدد من الندوات والمحاضرات التوعوية([38]).

في السياق ذاته، شهدت منطقتي درع الفرات وعفرين وجود عدد من منظمات المجتمع المدني، الفاعلة في عمليات التوعية، تجاه أخطار الألغام، ومن بينها منظمة "بهار"، التي تنشط في منطقة عفرين منذ ثمان سنوات. إذ قامت بتنفيذ العديد من حملات التوعية للمدنيين، من مخلفات الحرب، عن طريق قيامها بجولات في القرى، والشوارع، والمنازل، مع توزيع منشورات عن آلية الإبلاغ في حال الاشتباه بوجود جسم غريب في المنطقة([39]). إلى جانب ذلك، يقوم فريق التوعية التابع للمنظمة بالمساهمة في عملية إزالة الألغام، من خلال تأشير المناطق الملوثة بالألغام وإغلاقها، والتنسيق مع فرق الهندسة التابعة للجيش الوطني، عبر إبلاغهم للقيام بمسح المنطقة وإزالتها لاحقاً([40]). كما كان لمؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية، العاملة في هاتين المنطقتين، مساهمة جيدة في هذا الصدد، من خلال برنامج الحماية التي تعمل عليه المؤسسة، والذي تقوم من خلاله بتدريب أعضاء الفرق الجوالة ضمن هذه المناطق، على نشر التوعية من مخلفات الحرب، باستخدام البروشورات والكتيبات التوضيحية في القرى والبلدات ومخيمات النزوح الداخلي. 

كذلك لوحظ تواجد للمنظمة الإنسانية لمكافحة الألغام التركية (IMFAD) في منطقة درع الفرات، منذ يناير/كانون الثاني 2019، بمشروع توعوي يستهدف 6000 شخص، 95% منهم أطفال، تتراوح أعمارهم ما بين (6-17) سنة، إلى جانب 5% من البالغين، بما في ذلك قادة المجتمع، والإداريون، وموظفو المؤسسات والمنظمات غير الحكومية، من أجل زيادة الوعي بالمخاطر التي تسببها الألغام والذخائر غير المنفجرة، لمنع تعرضهم للأذى بسبب هذه المخاطر([41]).

في جانب الدعم الصحي المقدم لمصابي مخلفات الحرب، فإن الملاحظ غياب البرامج والمناهج المختصة لرعاية مصابي الحرب في هاتين المنطقتين، ويقتصر تقديم الدعم الطبي لهم على مراكز ومؤسسات طبية غير معنية بهم بشكل أساسي، بالإضافة إلى منظمات خصصت جزءاً من عملها للعلاج الفيزيائي ورعاية المتضررين، بشكل لا يتناسب والحاجة الفعلية لهذه الخدمات الطبية. إذ تعد مشكلة قلة مراكز العلاج الفيزيائي من أبرز المشكلات التي يعاني منها المصابون بمخلفات الحرب، الذين تتفاوت إصابتهم بين الخفيفة والمتوسطة، والإعاقات الدائمة التي تحتاج لرعاية طبية طويلة الأمد. 

وفيما يرتبط بالدعم المقدم لهذه الشريحة من الأفراد، فقد كان لمركز الخطوات السعيدة في مخيّم باب السلامة على الحدود السورية التركية دور هام في مساعدة مبتوري الأطراف في الشمال السوري، كونه كان المركز الوحيد في منطقة أعزاز لتقديم الأطراف الصناعية المجانية للمصابين، وما يزال المركز يقدم خدماته، بما يتوفر لهم من الدعم والتدريب، لخدمة سكان المنطقة([42]). ونشط أيضاً مركز "في أيد أمينة" في تقديم الدعم، عن طريق رفع أسماء المصابين والمتضررين للمنظمات الدولية والحكومة التركية، وقد تمكن من إجراء بعض العمليات الجراحية للمتضررين في أعينهم.

كذلك كان للمجالس المحلية لمناطق درع الفرات إسهام في هذا الصدد، فقد قدم المجلس المحلي لبلدة جرابلس بالتعاون مع الحكومة التركية بالإعلان عن مشروع خيري وإنساني للمتضررين من مخلفات الحرب. تم التركيز من خلاله على تركيب الأعضاء المبتورة كالأرجل والأيدي، يضاف إلى ذلك قيامه بجمع أسماء المتضررين وتسجيلها، عبر مكتبه الإغاثي، لتقديم العلاج لهم في تركيا([43]). وبتاريخ 13-12-2019 افتتحت الرابطة الطبية للمغتربين السوريين "سيما" بالتعاون مع شركاء عدة، مركزاً للأطراف الصناعية في مدينة الباب([44])، لإحياء هذا الجانب الخدمي، ومساعدة فاقدي الأطراف، لإعادة تأهيلهم جسدياً ونفسياً، بشكل مجاني، وتلبية لحاجة السكان والنازحين لخدمات إعادة التأهيل، وتركيب الأطراف الصناعية، التي تخفف عن فاقدي الأطراف صعوبات التنقل لمراكز بعيدة لتلقي العلاج([45]).

توصيات ختامية

مثلت الذخائر غير المنفجرة بما فيها الألغام الأرضية عبر الأعوام الماضية أحد العوامل التي حدّت نسبياً من أنشطة التعافي الاقتصادي المبكر، في مناطق درع الفرات وعفرين. وأفرزت كذلك العديد من التداعيات السلبية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان، سواء من تعرض منهم للإصابة بهذه المخلفات بشكل مباشر، أم حتى أولئك الذين شكلت هذه الذخائر تهديداً أمنياً على حياتهم وعلى سبل عيشهم.

إن المتتبع للجهود المبذولة لإزالة هذا النوع من الذخائر عبر الأعوام الماضية، يلحظ بشكل واضح غياب التنسيق بين الجهات الفاعلة في هذا الإطار. سواء من ناحية تكوين جهة واحدة، يعهد إليها استلام هذه المهمة، تكون قادرة على تصدير أرقام فعلية لما تم إزالته وما هو متبقٍ من الذخائر غير المنفجرة، أم من ناحية تنسيق جميع الجهود والإمكانات والخبرات المحلية واستثمارها بشكل فاعل، لتنظيف هاتين المنطقتين بشكل كامل، من هذه الذخائر، مع غياب الدعم الدولي اللازم في هذا الجانب لأسباب سياسية. وبالتالي لا بد من العمل على تشكيل لجنة عابرة للمجالس والمنظمات، لتنسيق الجهود وحوكمتها في هذا الإطار بما يسهم في معالجة هذا الملف بشكل فاعل.

 أضف إلى ذلك أن حملات التوعية التي تتم في هذا الصدد لم تحقق تلك الفاعلية المطلوبة، لأسباب ترتبط بقلة عدد المنظمات المهتمة بهذا الجانب، واقتصارها على عدد محدود جداً. إلى جانب غياب التنسيق بين المنظمات، ووكالات الإعلام، والجهات العاملة، والمجالس المحلية، لتنظيم حملات إعلامية كبيرة، تستهدف جميع السكان المحليين، والقاطنين في مخيمات النزوح الداخلي، أو القادمين إلى هذه المناطق من خارجها. وبالتالي لا بد من العمل على تكاتف جهود كلّ الجهات المعنية بمختلف إمكاناتها وخبراتها، في ظل غياب الخرائط التي تحدد مواقع هذه الألغام، وهو ما يمثل تحدٍ بحد ذاته لهذه الجهات، وما يتطلبه من جهد ووقت طويل لإزالتها، ومدى القدرة على توفير الدعم الكافي لإنجاز هذه المهمة.    

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن توفير الدعم الطبي والنفسي والمادي للمتضررين من هذه الذخائر يعد متطلباً أساسياً للتعافي المبكر ضمن المجتمعات المحلية، وهو الشيء الذي ما تزال تفتقده نسبة كبيرة منهم. لتكون هذه الشريحة من الأفراد قادرة على تجاوز آثار هذه الإصابات، التي لا يستطيع الغالبية منهم تغطية تكاليفها المرتفعة. وبالتالي لا بد من تضافر جميع الجهود لاستجرار الدعم الدولي اللازم لتنفيذ برامج رعاية طبية طويلة الأمد، وتوفير جميع مستلزماتها. بما يمّكِن المتضررين من ممارسة حياتهم الطبيعية، والتعافي من هذه الآثار. 

 


 

([1]) الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 10-12-2020: https://bit.ly/2SF2Ek9

([2]) محمد طارق، الأمم المتحدة: الألغام ومخلفات الحرب تهدد حياة 10 ملايين سوري: متحدث أممي دعا أطراف النزاع في سورية للسماح بإزالة مخلفات الحرب من المتفجرات، وكالة الأناضول للأنباء، 22-07-2019: https://rb.gy/qrnnqt

([3])  Explosive Munitions in Syria -Report 3, Aleppo, Idleb, and Latakia governorates between July 2013 and May 2019, Syria Conflict Mapping Project, Support for Peace in Syria program, The Carter Center, USA.

([4]) المسطرة والليزري والحجر.. "فن الألغام" لدى "تنظيم الدولة"، جريدة عنب بلدي، 09-03-2017: https://bit.ly/3dTd5YZ

([5]) أين يزرع "داعش" ألغامه، جريدة عنب بلدي، 09-03-2017: https://bit.ly/2QreVYv

([6]) لا توجد أرقام موثقة لحصيلة القتلى بسبب هذه الألغام، إلا أنها تقدر بالعشرات، إضافة إلى وجود الكثير من حالات الإعاقة التي تسببت بها لسكان هذه المنطقة، وفقاً لبعض التقارير الميدانية من هذه المناطق خلال الأعوام الماضية.

([7])  الجيشان التركي و"السوري الحر" يواصلان إزالة الألغام في عفرين، موقع شام، 09-05-2018: https://rb.gy/mjxmzp

([8])  تفكيك مئات العبوات الناسفة وعشرات الألغام في عفرين، موقع بلدي نيوز، 01-05-2018: https://rb.gy/ykaxyf

([9])  مداخلة مجدولة لـلسيد هشام اسكيف من إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني، تم إجراؤها في جلسة مناقشة نتائج الورقة البحثية في مدينة غازي عنتاب بتاريخ: 09-12-2020.

([10])  سورية/تركيا – ألغام أرضية تودي بحياة المدنيين الفارين من كوباني، هيومن رايتس ووتش، -04-12-2020: https://rb.gy/noqqzm

([11]) Thousands of landmines planted along Turkish-Syrian border, Middle East Monitor, 10-01-2014: https://rb.gy/rsdov5

([12]) انضمت تركيا إلى اتفاقية حظر الألغام في 2003، وهي ملزمة كدولة طرف، بضرب نطاق حول جميع المناطق الملغومة، ورصدها، وتسويرها في أقرب موعد ممكن، "لضمان استبعاد المدنيين على نحو فعال. كما أنها كانت ملزمة بموعد نهائي مبدئي في مارس/آذار 2014، لرفع جميع الألغام، إلا أنها حصلت على تمديد حتى مارس/آذار 2022. وصرحت وزارة الدفاع التركية أنها أوقفت في عام 1998 زرع الألغام الأرضية، وبدأت أنشطتها في العام نفسه لإزالة الألغام الأرضية، التي تم زرعها على حدودها مع سورية. 

([13]) من مقابلة تم إجراؤها مع منسق ملف الذخائر المنفجرة لدى منظمة الدفاع المدني محمد سامي المحمد، بتاريخ: 18-09-2020.

([14]) قامت المنظمة بتدريب 6 فرق، مكونة من 72 عنصر مؤهل، للتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، موزعةً بين ريف حماة وإدلب ومنطقة درع الفرات وعفرين منذ 2016 حتى الوقت الحاضر. 

([15]) من مقابلة تم إجراؤها مع منسق ملف الذخائر المنفجرة في الدفاع المدني السوري، مرجع سابق.

16 لغم أرضي يودي بحياة 3 من متطوعي "الخوذ البيضاء"، زمان الوصل، 14 كانون الأول 2019: https://www.zamanalwsl.net/news/article/118887/

([17]) من مقابلة تم إجراؤها مع منسق ملف الذخائر المنفجرة في الدفاع المدني السوري، مرجع سابق.

([18]) الجيش الحر يواصل نزع ألغام "داعش" من ريف حلب الشمالي، وحدة تفكيك الألغام فككت أكثر من 5 آلاف لغم وعبوة ناسفة، منذ تحرير مدينة جرابلس، وكالة الأناضول للأنباء، 27-12-2016: https://cutt.ly/YbigJnc

([19]) من مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع أحد عناصر الجيش الوطني السوري، بتاريخ: 25-09-2020.

([20]) الدرك التركي يدمر 10 آلاف جسم متفجر في بلدة "جوبان باي" السورية، موقع Yeni Şafak، 26 ديسمبر2017: https://bit.ly/3aH2C15

([21]) عمر قوباران، الجيشان "التركي" و"السوري الحر" يواصلان إزالة الألغام في "عفرين"، وكالة الأناضول للأنباء، 09.-05-2018: https://bit.ly/3edJzxA

([22]) كرم قوجه لر، عزت ماضي، "عين الأناضول" ترصد أنشطة "صيادي الألغام" على الحدود السورية، وكالة الأناضول، 22.06.2020 : https://bit.ly/37o1y0R

([23]) من مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع أحد عناصر الجيش الوطني، مرجع سابق.

([24]) حسن مطلق، مركز ناشئ يزيل الألغام ومخلفات الحرب شمال سورية، جريدة عنب بلدي، 12-03-2017: https://cutt.ly/2biuF0u

([25])مزارعو ريف حلب يحجمون عن الموسم.. الألغام لا ترحم، جريدة عنب بلدي، 2017-10-29 : https://rb.gy/v0ncj3 ,

([26]) مصطفى أبو شمس، تنظيم الدولة ينسحب مخلفاً الألغام، مجلة عين المدينة، 05-03-2017: https://cutt.ly/xbilt2P

([27]) سورية من أسوأ دول العالم في كمية الألغام المزروعة منذ عام 2011 على الرغم من حظر القانون الدولي استخدامها، تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان،  10-12-2020: https://bit.ly/3nmW6AV

([28]) الألغام غير المنفجرة ما تزال تدمّر حياة الأطفال في شمال وشرق سورية، موقع مركز توثيق الانتهاكات في شمال سورية، 10-04-2019: https://bit.ly/2RmEREo

([29]) عمر قوباران، إصابة طفلين شمالي سورية إثر انفجار لغم من مخلفات "داعش، الانفجار وقع في مدينة الباب بحسب مصادر محلية، وكالة الأناضول للأنباء، 29-06-2020: https://bit.ly/3aGseei

([30]) نور عبد النور وآخرون، مصابو الحرب في سورية .... ضحايا على قيد الحياة، جريدة عنب بلدي، 12-08-2018: https://bit.ly/3eDwcp8

([31]) ""monitorينشر تقريراً عن ضحايا الألغام في سورية، موقع السوري اليوم، 12-04-2021: https://bit.ly/3e7Vr46

([32]) تتراوح كلفة إنتاج لغم مضاد للأفراد بين (3 -30) $، بينما كلفة تعطيله او نزعه بين (300 -1000) $، وهذا بدوره يستنزف الاقتصاد المحلي، ما لم يتم الاتفاق على خطة دولية للعمل عليه.

([33]) مزارعو ريف حلب يحجمون عن الموسم.. الألغام لا ترحم، مرجع سابق.

([34]) ريف حلب.. إزالة 400 لغم من مخلفات التنظيم في "أخترين"، جريدة زمان الوصل، 30-01-2017: https://cutt.ly/cbuKC11

([35])  حسين الخطيب وحفصة جودة، موسم الزيتون في سورية.. تراث قديم ومصدر رزق ولكن، موقع نون بوست، 08-11-2018: https://rb.gy/3kgeha

([36]) في مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع أحد العناصر في الجيش الوطني، مرجع سابق.

([37]) للاطلاع أكثر يمكنك زيارة موقع المنظمة على شبكة الانترنت، http://www.syrmac.org/

([38]) “المركز السوري للألغام” يبدأ حملة لتوعية أطفال مدارس حلب، جريدة عنب بلدي، 09-05-2017: https://bit.ly/2RgdVpZ

([39]) للاطلاع أكثر يمكنك زيارة موقع المنظمة على شبكة الانترنت: https://bahar.ngo/home

([40]) من مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع مدير المكتب الإعلامي في منظمة بهار أمير خربوطلي بتاريخ:  20-09-2020.

([41])  للاطلاع أكثر يمكنك زيارة موقع المنظمة على شبكة الانترنت، https://www.imfad.org/

([42]) لبنى سالم، أطراف صناعية محلية... سوريون يأملون بأيدٍ وأرجل بديلة، موقع العربي الجديد، 21-03-2017: https://bit.ly/3gVXQ3G

([43]) مشروع لتركيب أعضاء لمبتوري الأطراف شمالي حلب، جريدة عنب بلدي، 25-09-2017:  https://enabbaladi.net/archives/174867

([44]) يعد هذا المركز أحد فروع المشروع الوطني السوري للأطراف الصناعية، المنشأ في عام 2013، في مدينة الريحانية جنوب تركيا، وذلك بدعم من الرابطة الطبية للمغتربين السوريين سيما ومجموعة من الشركاء.

([45]) "سيما " تفتتح مركزاً للأطراف الصناعية في ريف حلب الشمالي، موقع سيما العالمية، 14-12-2019: https://bit.ly/339yAyS

 

التصنيف أوراق بحثية

مع دخول الثورة السورية في عامها التاسع، ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يزال هناك أكثر من 6 ملايين و700 ألف لاجئ سوري في العالم (حتى يونيو/حزيران 2019)، وأكثر من 6 ملايين ومئتي ألف سوري من النازحين داخلياً (حتى أغسطس/آب 2019) ويحتاج أكثر من 11 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية في سوريا، ولا يزال الوضع الإنساني في شمال شرق سوريا وفق تعبير المفوضية "مزرياً"، حيث يحتاج الآن ما يقدر بنحو مليون و650 ألف شخص إلى المساعدة الإنسانية، (حتى سبتمبر/أيلول 2019)(1). كما تشير إحصائيات منسقو الاستجابة في الشمال السوري إلى نزوح قرابة مليون سوري من حماه وإدلب وريف حلب جراء المعارك التي شهدتها تلك المحافظات خلال الأشهر الأولى من عام 2020(2). ومع تعاظم حجم هذا الملف وتداعياته وتبعاته الأمنية والاجتماعية المتوقعة؛ تتزايد الأسئلة السورية الملحة حول هذا الملف وموضعه وأهميته في الصراع السوري، ومدى حضوره في الأولويات السياسية للأطراف الفاعلة في الشأن السوري، وإدراك دوره ومآلاته في سياق سيناريوهات اشتداد الصراع أو سيناريوهات التسوية ومساراتها.

سياقات النزوح واللجوء

تنوعت أدوات النظام في قمع الحراك الثوري منذ لحظاته الأولى؛ اتضح أن مقاربة العنف الممنهج هي المقاربة "الأنجع" بمنظوره؛ وقد عانت الحواضن المجتمعية للثورة من هذه المقاربة مما دفع قسما كبيرا منها، وفي ظروف متعددة وبأشكال مختلفة، إلى اللجوء والهجرة نحو أماكن أكثر أمناً واستقراراً.

وقد مرت هذه المقاربة بعدة مراحل؛ إذ ابتدأت بمرحلة العقاب الجماعي   المستندة على شن حملات أمنية وعسكرية للسيطرة على الموقف الميداني في مناطق الحراك (لعل أبرز مثال عليها النزوح القسري لأهالي جسر الشغور في الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى ديسمبر/كانون الأول 2011). ثم انتقل النظام إلى مرحلة "التطهير المكاني" التي تزامنت مع قيام القوى الثورية المسلحة بإخراج القوات الأمنية للنظام من مناطقها، الأمر الذي دفع النظام إلى الزج بمزيد من القوات العسكرية لقمع الحراك وهو ما بدأ في محافظة حمص عبر تهجير أحياء بابا عمرو والسباع والخالدية وعشيرة وكرم الزيتون والرفاعي والبياضة والسبيل ووادي العرب ومنطقة جوبر والسلطانية وأحياء كرم الزيتون والرفاعي والبياضة ووادي العرب وحي السبيل.  أما المرحلة الثالثة فتم تأطيرها بالتزامن مع تبلور "مفهوم سوريا المفيدة"، فقد تم تأطير هذه المرحلة كأداة من جملة أدوات تحقيق الاستراتيجية الإيرانية في سوريا المعروفة بــالحفاظ على "سوريا المفيدة"، ويمكن تسجيل بدء هذه المرحلة مع حملة حزب الله وقوات النظام على مدينة القصير في مايو/أيار 2013(3)، لتنتقل بعدها سياسة التهجير إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة في محيط العاصمة كداريا والمعضمية والزبداني الواقعة ضمن سوريا المفيدة.  وفي سياق تلك المراحل كانت دينامية "اتفاقيات الإخلاء" تحدث أثراً واضحاً في معدلات الهجرة والنزوح(4).

عقب التدخل الروسي في أواخر سبتمبر/أيلول 2015 الذي استند على استراتيجية تطويع الجغرافيا واستثمارها سياسياً في تحسين موازين الصراع؛ استطاع الفاعل الروسي عبر قوته الجوية واستناده إلى الميليشيات الإيرانية أن يخرج مدينة حلب الشرقية من معادلات الصراع المحلي، ونجم عن ذلك تهجير قرابة 150 ألف مدني من أحياء المدينة؛ ذهب 75% منهم إلى ريف حلب الغربي ومحافظة إدلب، بينما توجه 25% منهم إلى ريف حلب الشمالي(5).

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، وإثر تعثر مؤتمر الحوار المنعقد في سوتشي في تحقيق هدفه وتكريس الحل السياسي الذي ترتجيه موسكو بعدما ثبتت جل مناطق الصراع إبان قضمها لحلب الشرقية عبر اتفاقيات خفض التصعيد؛ عاد النظام مجدداً لاستراتيجية القضم الاستراتيجي لتلك المناطق، منطقة تلو أخرى، إذ شن نظام الأسد، وبدعم روسي، أعنف هجوم بري وجوي على منطقة الغوطة الشرقية التي تحتوي على 400 ألف محاصر منذ عام 2012.  وتجاوز عدد المهجرين والنازحين من الغوطة الشرقية أكثر من 80 ألف شخص (حتى تاريخ 9 فبراير/شباط 2018)(6). كما أن هناك ما يزيد عن 52 ألفاً يحتمون في تسعة ملاجئ جماعية في ريف دمشق يتم تزويدهم بإمدادات الطوارئ والمساعدة الصحية؛ وقد تتبعت مجموعة "منسقو الاستجابة في الشمال السوري" مصير قرابة 50 ألف نازح، وأوضحت أنهم توزعوا بنسبة 59% في إدلب و6% في حماه و25% في محافظة حلب(7).

وعلى مسافة قريبة من الغوطة الشرقية تقع منطقة القلمون الشرقي ومنها الضمير، والناصرية، والرحيبة، والقطيفة، وفي 19 أبريل/نيسان 2018 وافقت الفصائل العسكرية في القلمون على بنود اتفاق مصالحة مع روسيا، قضى بتسليم السلاح الثقيل الضخم، وتهجير آلاف المدنيين الذين لا يريدون المصالحة مع نظام الأسد باتجاه مناطق الشمال السوري؛ وقد تم تهجير قرابة 5 آلاف وثلاثمئة شخص،  وبذات السياق هجر قرابة 9 آلاف وثلاثمئة شخص من جنوب دمشق إلى  إدلب، كما هجّر النظام قرابة 35 ألف و600 نازح من ريف حمص الشمالي، في الفترة بين 7 و 18  مايو/أيار 2018،  وبعد ريف دمشق وحمص، توجهت قوات النظام وحلفائه جنوباً، وسيطرت على المناطق المحررة فيها، لتهجر قرابة 10 آلاف و700 من درعا والقنيطرة، بالفترة الممتدة بين 15 إلى 31 يوليو/تموز 2018، ممن غادروا إلى شمال سوريا(8).

ومنذ معارك إدلب وريف حلب الأخيرة وخلال الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2019 حتى توقيع الاتفاق الروسي التركي في 5 مارس/آذار 2020 نزح حوالي مليون و410 أشخاص(9)، وتوزعوا على المخيمات في مناطق درع الفرات و"غصن الزيتون" إضافة للقرى والبلدات الآمنة. (انظر الشكل المجاور رقم 1).

 وفي يناير/كانون الثاني 2020 سُجّل نزوح حوالي 464 ألف و800 شخص في جميع أنحاء سوريا(10).

الشكل رقم 1: وجهة النازحين من نوفمبر/تشرين الثاني 2019 حتى مارس/آذار 2020

أما فيما يتعلق بالأرقام الخاصة بتوزع اللاجئين السوريين في دول الجوار فقد بلغ عدد اللاجئين في تركيا 3 ملايين و600 ألف لاجئ، بينما كانت لبنان هي الدولة الثانية من حيث عدد اللاجئين السوريين حيث يوجد بها 929 ألف لاجئ، كما لجأ الى الأردن 662 ألف لاجئ، وأخيراً إقليم كردستان في العراق حيث يوجد به 245 ألف لاجئ (انظر الشكل 2).

الشكل (2): توزع اللاجئين السوريين في دول جوار سورية

 أما بخصوص توزع اللاجئين في أنحاء العالم فقد حصلت ألمانيا على الحصة الأكبر من اللاجئين حيث ضمت 770 ألف لاجئ، بينما ضمت جمهورية مصر131 ألف والسويد 122 ألف لاجئ، وكندا 40 ألف لاجئ، والولايات المتحدة 16 ألف لاجئ. (الشكل 3)(11).

الشكل (3): توزع اللاجئين السوريين في بعض دول العالم

 

العملية السياسية وملف اللاجئين والنازحين

منذ اندلاع الثورة السورية وتحولها إلى صراع متعدد المستويات، يركز المجتمع الدولي في تعاطيه مع الملف السوري -باستثناء صرخات الاستجابة والنداء للملف الانساني من قبل الأمم المتحدة ومنظماتها- على محورين:

  • تركز الأول حول ضرورات احتواء الأزمة وتداعياتها والحؤول دون زعزعة الاستقرار في المنطقة وهذا ما عزز منهجية "إدارة الأزمة" والتحكم في موازين الصراع بما تمليه خرائط المصالح الأمنية الاقليمية والدولية ومتطلبات التحكم في موارد الصراع واتجاهاته.
  • أما المحور الثاني فكان على مستوى المنظمات والدوائر السياسية المعنية بالملف الإنساني، وتركز حول السبيل الأفضل لمساعدة السوريين ومعالجة الأزمة الإنسانية نظراً لآثارها وتداعياتها على مستوى الاستقرار الإقليمي(12).

من جهة عملياتية؛ لم تلحظ القرارات الدولية المعنية بالشأن السوري السياسية منها والإنسانية أي حديث عن ملف اللجوء والهجرة باستثناء البند 14 من القرار 2254 الذي أكد على "تهيئة الظروف المواتية للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية وتأهيل المناطق المتضررة وفقاً للقانون الدولي"، ويحث القرار بذات البند الدول الأعضاء على تقديم المساعدة في هذا الصدد"(13). كما غاب نقاش هذا الملف خلال كل جولات التفاوض في جنيف وأستانة باستثناء جدولة شكلية على أجندة جولة أستانة 10 بتاريخ 30 يوليو/تموز 2018 حيث تضمنت بند (بدء محادثات لعودة اللاجئين والنازحين) لكن دون صدور أي نتيجة عن ذلك(14). والجدير بالذكر أن هذه الجولات (أستانة وجنيف) رافقتها عدة حملات تهجير. (للتفصيل انظر الجدول التالي)(15):

تأثر ملف "اللجوء والنزوح" بالانحرافات والاستعصاءات التي شهدتها العملية السياسية لا سيما بعد التدخل الروسي الذي حاول التأثير على بوصلة مسار جنيف سواء بمسار أستانة أو عبر التحكم به من خلال إعادة تعريف الحل السياسي واختزاله بلجنة دستورية تم طرحها في مؤتمر الحوار في سوتشي وتم تبنيه من قبل الأمم المتحدة؛ حيث شكل انتفاء مرحلة "الانتقال السياسي" من أجندة العملية السياسية نقطة نكوص في حلحلة ملف اللجوء والنزوح، ومما ساهم في تعقيد مداخل الحل عدة أمور -هي بمجملها نتاج التدخل الروسي- وهي:

  1. إخراج المعارضة (السياسية والعسكرية والمدنية) من العديد من المناطق الاستراتيجية؛ ومحاصرة المناطق المتبقية بخيارات لا تتجاوز ثنائية "الرضوخ، التهجير"، وهذا ما كان بدرعا والقلمون والغوطتين وجنوب دمشق وريفي حمص وحماه.
  2. تحول إدلب من ثقل عسكري نوعي لبيئة مليئة بالتحديات الصعبة، وستبقى مجالاً للأهداف العسكرية الروسية تحت عدة ذرائع مما يفاقم إشكاليات هذا الملف ويزيد من تحدياته.

وعليه وبحكم تطورات المشهد السوري واختلاف درجة التأثير للفاعلين لصالح التسيد الروسي، لا تزال الغايات الأمنية والعسكرية تفرض نفسها وغياب مداخل الحل السياسي عن ميادين النقاش والتفكير الدولية، لا سيما في ظل الانكفاء الأمريكي وسياسات الوقاية الذاتية المتبعة من الدول الأوربية؛ وهذا كله أجل ويؤجل تحدي العودة الكريمة والطوعية للاجئين والنازحين السوريين.

معوقات العودة

تبين الأرقام المرصودة لعام 2019 عن عودة حوالي 480 ألف نازح إلى مناطقهم في عموم المحافظات السورية من أصل 6 ملايين و200 ألف نازح، أكثرهم عاد إلى درعا ثم إدلب وحلب(16). وفيما يتعلق بعودة اللاجئين فقد سجل لبنان العدد الأكبر لعودة اللاجئين من بين جميع دول الجوار السوري. وبحسب بيان صادر عن الأمن العام اللبناني، في مارس/آذار2019، بلغ عدد السوريين الذين عادوا 172 ألفا و46 لاجئاً سورياً منذ عام 2017، حيث يتم تنسيق العودة بين الأمن العام اللبناني والنظام السوري(17). ومن جهة أخرى أوضح مركز إدارة الدفاع الوطني في روسيا عن عودة 256 ألف لاجئ خلال النصف الأول من عام 2019 إلى سوريا عبر المعابر البرية مع لبنان والأردن(18). أما في تركيا فأعلن الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان أن 365 ألف سوريٍ عادوا إلى ديارهم ومنازلهم في مناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"(19)، وفي ألمانيا عاد 13 لاجئا إلى الأراضي السورية ضمن برنامج العودة الطوعية الذي يشجع على عودة اللاجئين مقابل ألفي يورو(20).

في حين تطرح العديد من منظمات المجتمع المدني رؤيتها الوطنية لملف اللاجئين والنازحين  بما يسهم في التماسك الاجتماعي والاستقرار في سوريا(21)؛ يصر النظام على مقاربته الوحيدة في هذا السياق ضمن ما أسماه "المصالحة" والتي تتكلم في بنودها عن التهجير أكثر من العودة(22)؛ لكن مع مضي النظام في توسيع سيطرته العسكرية، شُهدت عودة لبعض النازحين دون توفر أي ضمانات، سواء أكانت أمنية أم متعلقة بسبل العيش أو الاستجابات المحلية؛ ومرد ذلك عدة أسباب منها ما يتعلق بانعدام الأمل والأفق السياسي أو ما هو مرتبط بالضغوط المعاشية والأمنية التي يتعرض لها النازحون واللاجئون في البيئات المستضيفة(23).

وهنا نموذجان لعودة النازحين واختبار ادعاءات النظام في تقبل عودتهم؛ النموذج الأول في ريف دمشق (التي أعاد النظام السيطرة عليها مطلع 2018) والثاني حلب الشرقية (التي تمت السيطرة عليها عام 2016).

فبالنسبة للأول أي ريف دمشق، فحتى يناير/كانون الثاني 2020 عاد ما مجموعه 35 ألفا و500 شخص جلهم عاد من بلدات الريف ذاته وقسم عاد من مدينة دمشق. وبخصوص حلب الشرقية (التي تمت السيطرة عليها عام 2016) فحتى ذات التاريخ، عاد قرابة 56 ألفا و500 شخص أغلبهم من بلدات ريف حلب(24). ويمكن تفسير هذه الأرقام المتدنية بأمرين، الأول عدم قدرة النظام على توفير الأسباب الموجبة للعودة خاصة فيما يرتبط بالاستجابات الطارئة وما تستلزمه من إجراءات تضمن التعافي المبكر للمناطق الخارجة من معادلات الصراع(25)، والثاني مرده إلى عدم رغبة النظام أساساً في عودة من يعتبرهم "مناهضين لسلطته" خلال سنوات طويلة. 

لقد أثقلت حركة النزوح في المناطق المستضيفة في سوريا على البنية التحتية المحلية وعلى الهياكل الإدارية(26)، وإذا ما ربطنا تأثر الواقع الأمني بملف العودة عموماً، فإنه سيحيلنا إلى تلمس وقياس:

  • قدرة الاستجابة المحلية للهياكل الإدارية الناشئة على مواجهة التحديات الأمنية التي أفرزها هذا الملف.
  • ومدى ارتباط الاستقرار الأمني بفعالية الأدوار التي يلعبها "القطاع الأمني"، الذي تأثر بتعدد أنماط الحكم الأمني في سوريا من جهة، وتفاوت الأداء الحكومي فيها من جهة ثانية.

ففيما يتعلق بالمناطق التي يسيطر عليها النظام (والتي تزداد مساحتها)، لا تزال الأسئلة المرتبطة بملفي عودة اللاجئين والنازحين والاستجابة المحلية تشكل تحدياً رئيسياً للفاعلين المحليين، وتساهم إلى جانب التردي في الواقع الأمني العام في تشكيل مناخ داعم لعدم العودة؛ ويزداد هذا التحدي عمقاً مع غياب سياسات الإصلاح والتغيير الأمني، إذ تؤكد معظم التقديرات والتحليلات وجود عدة أسباب تقف وراء التدفق المحموم لحركة النزوح والتهجير(27).

الأول: فإضافة إلى تدهور الواقع الأمني، فإن أول هذه الأسباب شيوع إحساس لدى عموم السوريين بانسداد الأفق وانعدام الأمل بخلاص قريب، أو على الأقل بتحسن الوضع الأمني واستعادة حياة عامة قوضت مقوماتها. كما يساهم عجز الفاعلين المحليين، عن توفير أبسط مستلزمات العيش، في تعزيز مقاربات الهجرة لا العودة، حيث لا غذاء ولا كساء ولا قدرة على فرض سياسات عامة تحسن خدمات الماء والكهرباء والخدمات التعليمية والصحية فضلا عن فقدان فرص العمل(28).

الثاني: ويرتبط بهاجس معظم الشباب بضرورة الهروب من العنف والاقتتال لا سيما مع حملات التجنيد الإجباري والاحتياط التي تجبرهم "قانونياً" على أن يكونوا في خضم هذا الصراع خصوصاً بعد صدور المرسوم 104 لعام 2011، ما دفع عوائل كثيرة لمغادرة سوريا خشية استدعاء أبنائهم إلى الخدمة الإلزامية أو الاحتياط، إضافة إلى تكرس قناعة عدم جدوى تحصيلهم العلمي مع غياب الإمكانات المرجوة لممارسة اختصاصاتهم عملياً. والأهم شيوع حالة قلق وخوف عامة من انحسار شروط الأمن والسلامة(29).

أما فيما يرتبط بمناطق سيطرة المعارضة، فنجد أنه كان من الطبيعي أن تؤثر البيئة الأمنية غير المستقرة على ثبات هياكل الحوكمة المحلية (المعني الأساسي في عمليات الاستجابة)، وعلى حركة العودة خاصة بعد أن تعددت حالات التهجير، حيث تتفاوت درجات الاستقرار الأمني في مناطق سيطرة المعارضة بحكم حجم وطبيعة وتعدد القوى العسكرية المسيطرة وطبيعة علاقاتها فيما بينها؛ وطبيعة القوى المهددة لأمن المجتمعات المحلية ناهيك عن العوامل المهددة لأمن المجتمع المحلي والتي تتنوع بين عوامل ذات طبيعة أمنية واجتماعية واقتصادية (30).

سيناريوهات ومآلات

بطبيعة الحال يرتبط ملف العودة بمحددين رئيسيين؛ أولها متعلق بالرؤى الدولية والاقليمية لهذا الملف ومدى التقاطع أو التعارض في هذه الرؤى، وثانيها متعلق بالسيناريوهات المتوقعة للملف السوري ودرجة تأثره بملف العودة الذي سيكون عاملاً مهماً في معادلات الاستقرار والسلام (الضرورات الاجتماعية والاقتصادية).

الأول فيما يتعلق بالرؤى الدولية والإقليمية: ففي حين تحمّل موسكو المعارضة والدول الداعمة لها (وعلى رأسهم الولايات المتحدة) كامل المسؤولية في عرقلة العودة (31)؛ فإنها لم تنجح في تحقيق غايات ما أسمته "البرنامج الروسي لعودة اللاجئين" والذي يطمح لعودة مليون لاجئ إلى قراهم وبلداتهم وذلك من خلال "تأسيس لجنة في كل من لبنان والأردن وتركيا، للتنسيق والمتابعة مع الجانب الروسي في سبل العودة وآلياتها. حيث أبلغت موسكو الدول المعنية في المنطقة أنها نسّقت مع النظام السوري، وأنّ لديها ضمانات بعدم التعرض للعائدين إضافة لإنشاء مراكز لاستقبال اللاجئين وتوزيعهم وإيوائهم(32).

 فبعد قرابة العامين ونيف على طرح هذا البرنامج، ورغم تأكيدات وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بأن معدلات العودة لم" تكن كبيرة"(33)، فإن الإحصاء الروسي يحصي عودة 577 ألف لاجئ سوري من الأردن ولبنان منذ شهر يوليو/تموز 2018، ( قرابة 182 ألف من لبنان، قرابة 400 ألف من الأردن)، ولكن دون تبيان آلية الإحصاء التي يغلب عليها سمة إحصاء الدخول عبر المعبر الحدودي أكثر من سمة حركة عودة اللاجئين(34).

وتدلل المعطيات المتعلقة بالحركة الروسية العسكرية المستمرة ومؤشرات العودة المنخفضة على أن الرؤية الروسية لهذا الملف تتمحور حول غايتين سياسيتين؛ الأولى عدم جعل هذا الملف معطلاً لسير الهندسة الروسية تجاه إعادة تشكيل الحل السياسي وفق منظورها، وبالتالي عدم جعله استحقاقاً سياسياً وشرطاً لازماً للاستقرار؛ والغاية الثانية تتمثل في كيفية استثمار هذا الملف وما يعنيه من تحد أمني واجتماعي على البيئات المستضيفة، وجعل مسار حل هذا الموضوع مرتبطا بشرعنة نظام الأسد من جديد. وكلتا الغايتين تعتبر هذا الملف تحدياً لحكومة النظام بدلاً من اعتباره استحقاقاً سياسياً وشرطاً لازما للاستقرار.

أما فيما يتعلق بالرؤية الدولية التي يمكن توضيحها من خلال ما يعرف "بالمجموعة المصغرة حول سوريا" (الولايات المتحدة الأمريكية؛ بريطانيا، فرنسا، المملكة العربية السعودية؛ مصر؛ الأردن)، والتي حددت أن أي انخراط في استحقاقات الانتقال السياسي -سواء إعادة الإعمار أو العودة الطوعية والآمنة- مرتبط بإنجاز عملية سياسية بإشراف الأمم المتحدة في جنيف. وتنفيذاً لهذا الأمر لا تزال سياسية العقوبات الاقتصادية الضاغطة على النظام مستمرة بهدف دفعه للانخراط في العملية السياسية، وإنجاز اتفاق سياسي وفق قواعد القرار 2254، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي.

قد تبدو هذه الشروط الدولية "شروطاً موضوعية" لضمان تنفيذ القرارات الدولية المعنية بالشأن السوري، إلا أن تراجع اهتمام هذه الدول وتجاهلها لما يتم من عمليات تهجير، واكتفاءها بالإدانات (لا سيما وأن انخراطهم في الملف بات محكوماً بمنهجية محاربة تنظيم الدولة سابقاً ومحاصرة طهران حالياً)، إنما يبعث بمؤشرات أن هذه الشروط هي واجهة تخفي سياسة عرقلة مقصودة للآليات الروسية، وتأزيم تدخلها العسكري والسياسي والاقتصادي في سوريا فحسب، دون وجود أي حل سياسي في الأفق؛ أي استمرار التنافس على المكسب السياسي، بما لا يفسر جهود المنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين إلا أنها من باب الاستجابة الطارئة.

وفيما يتعلق بتركيا؛ فهي طبقت منذ بداية الثورة السورية سياسة الحدود المفتوحة مع اللاجئين السوريين مما ساهم في وصولهم الى القارة الأوربية، وأعادت إغلاق الحدود مع سوريا في 2015 بعد الاتفاق مع الاتحاد الأوربي على تمويل الاتحاد الأوروبي للمشاريع المتعلقة باللاجئين في تركيا، مقابل إيقاف تركيا لتدفق اللاجئين إلى أوروبا(35)؛ ثم بدأت الحكومة التركية بعد دخولها العسكري في سوريا وسيطرتها على مناطق "درع الفرات" وعفرين ومنطقة تل أبيض ورأس العين، بالمطالبة بمنطقة آمنة في سوريا لعودة اللاجئين السوريين في تركيا إليها، واعتبرت أنقرة أن تشكيل "منطقة آمنة" في سوريا يسرع عملية العودة الطوعية للاجئين السوريين من تركيا. ووفقاً للإحصاءات التركية، فإنه "بفضل الأجواء الآمنة التي تشكلت عقب عمليتي درع الفرات، وغصن الزيتون في شمال سوريا، عاد 354 ألف سوري بشكل طوعي إلى هذه المناطق". كما أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن 74 ألف مدني سوري عادوا إلى المناطق التي حررتها عملية "نبع السلام" شمالي سوريا(36). وبالتزامن مع إعلان أنقرة "التزامها" مبدأ "عدم ترحيل" أي مهاجر نظامي(37)؛ فإنها تطمح إلى إعادة توطين 3 ملايين لاجئ سوري ضمن "المنطقة الآمنة" التي تحاول الدفع بإنشائها شرق الفرات، من خلال استمرار المحادثات مع واشنطن(38).

وتشهد العلاقة الأوروبية التركية في هذا الملف توترات واضحة لا سيما بعد نزوج قرابة مليون سوري جراء العمليات العسكرية الأخيرة في الشمال السوري والضغط على تركيا لفتح الحدود؛ وبحكم ما اعتبرته أنقرة تجاهلاً لهذا الملف وتداعياته، فتحت السلطات التركية حدودها مع اليونان أمام اللاجئين السوريين وهو ما زاد التوتر. وفي حين لا تبدو مؤشرات انفراج في هذا الملف، تستمر محاولات الدعوة لعقد اجتماعات تركية مع بعض دول الاتحاد الأوروبي لمناقشة قضية المهاجرين، حيث تعتبر أنقرة "أن مسألة اللاجئين وسوريا وإدلب تعد اختبار إرادة وقيادة للاتحاد الأوروبي أكثر من تركيا، وعلى الاتحاد القيام بمسؤولياته"(39).

عموماً يتضح أن الرؤى الدولية والإقليمية تجاه ملف اللاجئين والنازحين -وإن اكتست بعدا إنسانيا في السياسات والخطابات- لا تعدو أن تكون ورقة ضغط سياسي يمارسها الجميع لتحقيق مقاربات سياسية وأمنية. ولا يزال الملف أسير تفاهمات سياسية لم تتوفر الظروف السياسية لنضجها.

الثاني ارتباط ملف العودة بالسيناريوهات المحتملة: في ظل المشهد السياسي الذي دخل مجدداً مرحلة الاستعصاء -بعد جولتين من اجتماعات اللجنة الدستورية- فإن السيناريوهات المحتملة تنحصر في الآتي:

  1. سيناريو استمرار   تعطيل مسار العملية السياسية والاستمرار بعمليات التشكل الأمني الآخذة بالتبلور في أكثر من منطقة. فشمال شرق سوريا بات منطقة نفوذ أمريكية تحاول واشنطن إعادة إنتاج صيغة حكم محلي فيها غير مهددة لأمن تركيا، وبنفس الوقت تمنع النظام وحلفاءه من الاستفادة من موارد تلك المنطقة، وتستمر في محاصرة وتقويض الوجود الإيراني. وهناك أيضا شمال غرب سوريا (مناطق سيطرة المعارضة في إدلب وريف حلب) التي تشهد اشتباكات مستمرة ومحاولة بلورة تفاهم أمني مؤقت بين أنقرة وموسكو حول إدارة الطرق البرية.  هذه العمليات وإن بدت تنحو باتجاه تشكيل حدود أمنية قابلة للتحول إلى حدود سياسية، إلا أن عدم توافر بيئة تفاوض أمريكية روسية جدية، سيساهم في تعزيز صيغ لمصلحة تجميد الصراع؛ وبالتالي سيبقى ملف العودة مؤجلاً خاصة في ظل تزايد موجات اللجوء والنزوح وسينحصر التعاطي معه بسياسات استيعاب النازحين وتحسين الأوضاع القانونية للاجئين في بلاد اللجوء.
  2. سيناريو تحقق الرؤية الروسية القائم على غلبة النظام وإنجاز حل سياسي من داخل أطره، وتحويل الاستحقاقات السياسية لمرحلة ما بعد الصراع إلى "تحديات حكومية غير مستعجلة" ومرتبطة بمقدار قبول المجتمع الدولي بشرعية نظام الأسد؛ وبالتالي فإن ملف العودة وما يستلزمه من برامج عودة كريمة وآمنة وطوعية ستكون غائبة كلياً وبالتالي سيؤثر ذلك على معايير الاستقرار التي منها التوافق السياسي والتماسك الاجتماعي وإعادة الشرعية وتأهيل الدولة لإعادة الإعمار.

في ظل هذه السيناريوهات ومع استمرار غياب سياسات معالجة موضوعية وفق القانون الدولي ومتطلبات التماسك الاجتماعي والاستقرار؛ يبدو أن مسألة اللاجئين والنازحين خاضعة للمنظور الروسي (وحلفائه النظام وإيران) الذي يجهد لتحويل الاستحقاقات السياسية إلى تحديات حوكمية غير مستعجلة، وبالتالي استمرار عدم مراعاة العوامل الأمنية والاجتماعية الدافعة للاستقرار. ولعل نظرية "المجتمع المتجانس" (التي طرحها بشار الأسد في منتصف عام 2017 في دلالة على أن ما تبقى في سوريا هو القسم المتجانس) تدلل على عدم رغبته بعودة من وقف ضده سنوات، وبالتالي الاتجاه نحو تثبيت التغيير الديمغرافي الناجم عن الصراع، وهو ما سيبقي عوامل الصراع متأججة.

خاتمة

لا شك أن ملف اللاجئين والنازحين السوريين يعد من أثقل الملفات من حيث تداعياته الإنسانية والاجتماعية والأمنية، ومن حيث حركته المتسارعة في ظل ما تشهده سوريا من سيناريوهات إعادة التشكل الأمني وتضارب الرؤى بين الفاعلين الرئيسيين. ومما يزيد من هذا الثقل هو التغييب التام لأجندة وبرامج العودة الكريمة وما تستلزمه من استجابات حكومية وأمنية مستعجلة؛ وهذا ما سيكون له أثر استراتيجي على معادلات الاستقرار والسلام في سوريا، فطالما أن هذا الملف لا يزال ينظر له كورقة تحسين شروط بين الفاعلين الإقليميين والدوليين فإنه سيتحول لتحد غير مستعجل، الأمر الذي يتطلب تضافر جهود منظمات المجتمع الدولي والإقليمي والمحلي وتشكيل ضغط ملح على الفاعلين للنظر إليه كاستحقاق سياسي؛ حيث لا يمكن أن تقوم دولة جديدة  أو نظام حكم جديد في سوريا  طالما أن أكثر من نصف الشعب مهجر ونازح.

 

المصدر مركز الجزيرة للدراسات: https://bit.ly/2USBp2D


 مراجع

  1. انظر صفحة سوريا في موقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020):  https://2u.pw/YA2Hc
  2. SYRIAN ARAB REPUBLIC Recent Developments in Northwest Syria Situation Report No. 9 – As of 26 February 2020.
  3. التغير الديموغرافي في سوريا، تقرير نشره موقع نصح، تاريخ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني2016، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/4tylK
  4. يمكن ترتيب اتفاقيات الإخلاء حتى عام 2017 وفق الشكل التالي: تلكلخ (يونيو/حزيران 2012)، حمص القديمة (مايو/أيار 2014)، الحجر الأسود (يوليو/تموز 2015)، الزبداني (سبتمبر/ أيلول 2015)، حي القدم (ديسمبر/كانون الأول 2015)، قريتي قزحل وأم القصب (يوليو/تموز 2016)، داريا (أغسطس/آب 2016).
  5. التغيير الديمغرافي والتهجير القسري في سوريا (حمص- دمشق وريفها – حلب وريفها)، عن وحدة تنسيق الدعم، 20 يونيو/حزيران 2016، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/uDXcd
  6. سوريا: عدد الفارين من الغوطة تجاوز 80 ألفا خلال هذا الشهر، موقع أخبار الأمم المتحدة، 28 مارس/آذار2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/hi4Rv
  7. التهجير القسري من الغوطة الشرقية – الإصدار الثاني، وحدة تنسيق الدعم، 13إبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/n8BHy
  8. كم عدد السوريين المهجرين في 2018؟ قناة الجسر الفضائية، 17 ديسمبر/كانون الأول 2016، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/qxLmH
  9. وتوزيعهم على الشكل التالي: محافظة حلب قرابة 408 آلاف و900، ومن محافظة إدلب قرابة 632 ألف و500. للمزيد انظر: عنب بلدي، بيانات توضيحية لنتائج الحملة العسكرية على شمال غربي سوريا، 08 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): http://bit.ly/3d0hkQj
  10. حيث سجلت أكبر حركة نزوح في محافظة إدلب وبلغت حوالي 320 ألفا و600 نازح (منهم 297 ألفا نزحوا من داخل إدلب و23 ألفا و500 نزحوا من حلب)، فيما تم تسجيل ثاني أكبر حركة نزوح في حلب بحوالي 132 ألفا و600 نازح، ( منهم 86  ألفا ومئة شخص قادمون من داخل حلب، و46 ألفا و400 نازح من إدلب)، كما تم تسجيل حركة نزوح في الشهر الأول من عام 2020 في محافظة الحسكة بحوالي 4 آلاف و900 نازح، (منهم 3،700 نزحوا داخل المحافظة بينما انتقل الباقي من محافظة حلب). أما في محافظة الرقة فقد نزح إليها حوالي 3،400 شخص، واستقبلت محافظة اللاذقية حوالي 1300 نازح من محافظات حلب وحمص وطرطوس وحماة. وفي محافظة ريف دمشق، أفادت التقارير بحوالي 100 تحرك للنازحين داخلياً 2020.

Humanitarian response, IDP and Spontaneous Returnee Movements - 31 January 2020, http://bit.ly/2QhfTTH

  1. المصدر السابق.
  2. مجموعة نقاشية عقدها الباحث مع مجموعة من الباحثين والمهتمين بشأن اللاجئين والنازحين عبر السكايب حول تموضع ملف اللاجئين السياسي وأسباب تعثر حله، تاريخ 28 فبراير/ شباط 2020.
  3. انظر قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 الصادر بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، البند رقم 14 صفحة رقم 5.
  4. وحددت بنود جدول أعمال الاجتماع كالتالي؛ منطقة خفض التصعيد في إدلب والمخاطر والخروقات المتعلقة بها، وملف المعتقلين ومجموعة العمل الخاصة بها، واللجنة الدستورية، وملف عودة المهجّرين الذي تطرحه روسيا؛ للمزيد انظر: "أستانة-10" بطعم "سوتشي-2"، موقع المدن، تاريخ 30 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/RrsNF
  5. الجدول من إعداد الباحث
  6. Humanitarian response, IDP and Spontaneous Returnee Movements - 31 January 2020, http://bit.ly/2QhfTTH
  7. "عربي21" ترصد بالأرقام عودة اللاجئين الطوعية إلى سوريا، موقع عربي 21، تاريخ 7 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/rESkA
  8. في موسكو تمت جلسة هيئتي أركان التنسيق المتعدد الوزارات لروسيا وسوريا بشأن عودة اللاجئين إلى الجمهورية العربية السورية، موقع وزارة الدفاع الروسية، تاريخ 10 يونيو/حزيران 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/p77su
  9. تركيا تكشف أعداد السوريين العائدين إلى المناطق التي وفرت الأمن فيها، ترك برس، 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/9j7X9
  10. ألمانيا: ولايتان تكشفان عن عدد اللاجئين العائدين طوعاً إلى بلدانهم ونسبة السوريين منهم، موقع عكس السير، تاريخ 17 فبراير/ شباط 2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/2slwC
  11. الانتقام والقمع والخوف: واقع السوريين العائدين إلى مناطق سيطرة النظام السوري، تقرير صادر عن الرابطة السورية لكرامة المواطن، وعُقد مؤتمر صحفي للاطلاع على نتائج دراسة قامت بها الرابطة تستطلع به آراء عينة من العائدين. (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://tr.agency/news-63383
  12. للتوضيح: في اتفاقية "المصالحة" مع مدينة الضمير مثلا؛ نصت الاتفاقية على " تسليم عناصر المقاومة السلاح الثقيل والمتوسط، على أن يتم تسليم لوائح الراغبين بالخروج إلى "جرابلس" في الشمال السوري  وتم تحديد مواعيد الخروج بدءا 19من / 4/2018 وحتى 23/ 4/2018؛ وأوضحت الوثيقة أن إخراج الراغبين سيتم تحت إشراف الشرطة العسكرية الروسية والهلال الأحمر ومخابرات النظام السوري، مشيرة إلى أنه يحق لكل عنصر حمل سلاحه الفردي مع ثلاثة مخازن ممتلئة. للاطلاع على الوثيقة انظر: "زمان الوصل" تحصل على وثيقة اتفاق تهجير أهالي "الضمير"، زمان الوصل، تاريخ 17/4/2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/8Kn0D
  13. مجموعة نقاشية عقدها الباحث مع مجموعة من الباحثين والمهتمين بشأن اللاجئين والنازحين عبر السكايب حول تموضع ملف اللاجئين السياسي وأسباب تعثر حله، مرجع سابق.
  14. لتتبع حركة عودة النازحين انظر الإحصائيات التي يقدمها مكتب الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/dxsa9
  15. ويقصد بالتعافي المبكر سلسلة من الإجراءات التي تتخذها "الحكومة" بعد الصراع مباشرة، تضمن من خلالها تحقيق الأمن وحرية التنقل والحركة؛ وإصلاح البنية التحتية الأولية والتعافي الاقتصادي والاجتماعي.
  16. للاطلاع على تلك الأعباء انظر: في الانتقال إلى الدولة الآمنة: آليات استعادة الاستقرار في سوريا، ملف صادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 10 أغسطس/آب 2015، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/tp8aH4
  17. قال فيليبو غراندي المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اليوم (الجمعة) إنه من "المبكر جدا" الحديث عن عودة اللاجئين إلى سوريا لأن الوضع هناك ما زال غير آمن ومحفوفا بالمخاطر، انظر: مفوض اللاجئين: سوريا ما زالت خطيرة على عودة اللاجئين، موقع الجزيرة، تاريخ: 9 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/aaCNLq
  18. كريستين هليبرغ:"أسباب لجوء السوريين"، موقع قنطرة الإلكتروني، تاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2015، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/scVnf2
  19. أكرم البني: "عن دوافع هجرة السوريين إلى الغرب"، موقع جريدة الحياة الإلكتروني، تاريخ 16أكتوبر/تشرين الأول 2015، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://goo.gl/McWDv2
  20. أيمن دسوقي: " المجالس المحلية وملف الأمن المحلي: دورٌ مطلوب لملف إشكالي "، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 2 يناير/ كانون الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/kWtfX
  21. أوضح البيان الختامي للقاء رئيس المركز الوطني لقيادة الدفاع في روسيا العماد أول ميخائيل ميزنيتسيف، ووزير الإدارة المحلية في حكومة نظام الأسد حسين مخلوف حول عودة المهجرين السوريين إلى سوريا، أن المشكلات التي تعيق تطبيق مبادرة عودة المهجرين من وجه النظر الروسية، تتلخص بالنقاط التالية: عدم تحقيق الاستقرار والأمن من قبل فصائل المعارضة بعد محاولة الجانب الروسي إقامة ممرات إنسانية، وجود وحدات عسكرية تابعة لدول أجنبية ضمن الأراضي السورية مما يساعد على إطالة أمد النزاع وعدم تهيئة الظروف للعودة الآمنة، وجود دعم "مصطنع" للظروف اللاإنسانية من قبل المنظمات في مخيمات اللاجئين، تهيئة الولايات المتحدة الأرضية لتأجيج المنظمات من أجل الحفاظ على عدم الاستقرار في سوريا.
  22. أمين محمد حبلا: "هل ينجح الروس بإعادة اللاجئين السوريين؟" الجزيرة نت، 27 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/iqjoO
  23. هذا ما أقر به وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف خلال لقاء صحفي مشترك مع نظيره الأردني أيمن الصفدي في الأردن، 19فبراير/ شباط 2011، حيث قال: " إن المركز الروسي الأردني المشترك، الذي تم تشكيله قبل عدة سنوات في عمان بهدف تسهيل عودة اللاجئين السوريين، قد حقق إنجازات ملموسة، ولو لم تكن كبيرة"، للاطلاع على التصريح، انظر روسيا اليوم، 19 فبراير/شباط 2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/MqAmp
  24. البيان المشترك للهيئتين التنسيقيتين الوزاريتين الروسية والسورية حول المشكلات التي تعيق تطبيق مبادرة عودة المهجرين إلى أماكن إقامتهم المختارة، موقع وزارة الدفاع الروسية، مرجع سابق. (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020) https://bit.ly/3ak3YMM
  25. Gerry Simpson: "Repatriation" of Syrians in Turkey Needs EU Action”, Human Rights Watch,7/11/2019. https://2u.pw/SEhbs
  26. تركيا: إنشاء "منطقة آمنة" يسرع عودة اللاجئين السوريين، موقع روسيا اليوم، 19 ديسمبر/ أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/jKxpg
  27. المصدر السابق.
  28. أردوغان يقترح إعادة توطين 3 ملايين لاجئ سوري في المنطقة الآمنة شمال سوريا، موقع روسيا اليوم، 18 ديسمبر/ أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/sM6WH
  29. قمة تركية أوروبية في إسطنبول لبحث أزمة الهجرة :أنقرة تسعى لتعديل اتفاقية 2016 مع أوروبا وتتعهد "بمحاسبة" اليونان، الشرق الأوسط، 11 مارس/آذار  2020، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2020): https://2u.pw/l8Cfr

 

التصنيف أوراق بحثية

شارك الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، في حوار تلفزيوني ضمن برنامج الصالون السياسي على تلفزيون سوريا، للحديث حول مستقبل هيئة تحرير الشام في ضوء التصريحات الأخيرة لزعيمها، وضمن سياق الحملة العسكرية للنظام وحلفائه على الشمال السوري. وقد ناقشت الحلقة الرسائل التي حملتها تصريحات الجولاني الأخيرة، إضافة إلى تحولات الهيئة كبنية تنظيمية وطبيعة تلك التحولات، مقابل سؤال المستقبل والمصير والسيناريوهات المحتملة لذلك، في ظل الظروف الموضوعية التي تحكم الملف السوري والتوافقات الإقليمية والدولية التي ستحدد مساراته.

 

يهدف هذا التحديث المعلوماتي لتبيان تغيرات السيطرة وخارطة القوى الفاعلة في الشمال السوري بعد عملية "نبع السلام" التي أطلقها الجيش التركي والجيش الوطني في 9/10/2019، والتي استهدفت تواجد قوات سورية الديمقراطية بالقرب من الحدود السورية-التركة في المنطقة بين مدينتي (تل أبيض في محافظة الرقة ورأس العين في محافظة الحسكة)، وسيركز هذا التحديث على النقاط التالية: 1) خريطة السيطرة والنفوذ حتى تاريخ 12/12/2019 في الشمال السوري (الحسكة، الرقة، حلب، وإدلب).  2) خارطة السيطرة للقوى الفاعلية الدولية والمحلية بشكل عام. 3) القوى المسيطرة على أهم الموارد والبنية التحتية في المنطقة الشمالية (أهم الطرق الدولية -المعابر الحدودية الدولية ووضعها).

استند هذا التحديث في معلوماته على مصادر وحدة المعلومات في مركز عمران وبرنامج Terra Server والذي يقدم صور أقمار صناعية حديثة، بالإضافة إلى المواقع الرسمية لوزارات الدفاع للدول الفاعلة وبياناتهم المتعلقة بالشأن السوري، وفيما يتعلق بأرقام ونسب السيطرة فقد تم الاعتماد على برنامج ArcGIS مما يزيد من نسبة الدقة في احتساب المساحات والنسب، مع احتمالية الخطأ بنسبة 1 إلى 2%.

خارطة القوى الفاعلة في الشمال وتطورات مواقع النفوذ والسيطرة

 خارطة رقم (1): مواقع النفوذ والسيطرة في المحافظات الشمالية – 12 كانون الأول 2019

 

 نسب وتوزع سيطرة الفواعل المحلية في الشمال السوري

 

 

المعابر في الشمال السوري: تقييم حالة

التصنيف تقارير خاصة

أجرى موقع عربي 21 بتاريخ 25 تموز 2019، مقابلة صحفية مع -المدير التنفيذي لمركز عمران- الدكتور عمار القحف، حول مجازر إدلب وتفاهمات "لجنة الدستور" ومسار أستانة، الذي أكد على أن المجازر الحاصلة في الشمال السوري هي نتيجة لعدم تفاهم الأطراف السياسية، واعتبر أن المجازر تهدف لتحقيق "ستار أمني" للنظام، كما أنها إحدى أدوات الضغط الروسي على تركيا، للقبول بشروط تسوية معينة وتحويل الإنجازات الأمنية لمنجزات سياسية، متوقعاً تعطل مسار أستانة بسبب تصاعد الانتهاكات الميدانية، ومؤكداً على إصرار تركيا لمنع سقوط إدلب وعدم سحب نقاط المراقبة التابعة لها، رغم استهدافها، لتستطيع التفاوض مع النظام وروسيا.

للمزيد انقر رابط المصدر: http://bit.ly/2KdGYmT  

قام الباحث أيمن الدسوقي من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بمداخلة صحفية في جريدة القدس العربي، للتعليق على "الموقف الإماراتي من المقترح التركي لإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري". حيث أشار الباحث إلى افتراق السياسات الإماراتية والتركية على مستوى الإقليم، ومسعى الإمارات الحثيث لإجهاض المقترح التركي لصالح مقترح تعمل عليه يقوم على نشر قوات عربية أو دعم قوات عشائرية مختلطة، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بالحراك الإماراتي وزيارة عدد من مستشاريها لمناطق قسد، وعن مدى نجاح الإمارات في التسويق لمقترحها، أجاب الباحث بأن ذلك مرهون بمدى قدرتها على حشد الدعم السياسي من موسكو وواشنطن، وتأمين الغطاء العربي وتوفير التمويل الكافي.

المصدر جريدة القدس العربي: https://bit.ly/2SiOFOJ 

مُلخّصٌ تنفيذيّ

  • خضعت موسكو بإبرامها اتفاق إدلب مع تركيا لجملة من الظروف المحلية والدولية، والتي حالت دون مُضيها قدماً في معركة ليست محسومة دبلوماسياً، وهو ما اعتادت عليه موسكو سابقاً، الأمر الذي قد يُفهم بأنه نصر تركي حقق لأنقرة ما كانت تريده، والواقع أن الاتفاق لم يحقق لتركيا مكاسب، وإنما جنبها مجموعة من الخسائر المادية والسياسية.
  • يشكل اتفاق إدلب مجموعة تحديات جدية لتركيا واختباراً لها أمام موسكو والمجتمع الدولي من جهة، وأمام سُكان تلك المنطقة من المدنيين والفصائل المتحالفة معها من ناحية ثانية، وأهم من ذلك لقدرتها على حماية أمنها القومي ودورها السياسي في الملف السوري.
  • ألقت موسكو الكرة في ملعب تركيا بقبولها باتفاق سوتشي، وهو الأمر الذي يمثل رهاناً روسياً على الوقت لاستعادة إدلب ومحيطها، فنجاح أنقرة بتنفيذ جزء الاتفاق المتعلق بالمنطقة العازلة لا يعدو كونه تذليلاً للعقبات الصغرى، وتقدماً مرحلياً ستعقبه مراحل أكثر صعوبة.
  • لا يُمثل الاتفاق نصراً لأحد أو هزيمة لآخر، وإنما يمكن اعتباره رهاناً روسياً على الوقت، واختباراً لتركيا يُحدد قدرتها على إدارة ملفات إقليمية معقدة على المستوى العسكري والسياسي وفرض واقع جديد على المستوى المحلي في إدلب.
  • تشير المواقف الأوروبية المنسجمة مع الموقف التركي وبخاصة فرنسا وألمانيا، إلى إمكانية تحييد الملف السوري عن باقي الملفات الخلافية مع تركيا، وتشكيل استراتيجية أوروبية تركية جديدة تقوم على تنسيق مشترك يكسر احتكار مسار أستانة للواقع الميداني على الأرض السورية.
  • نجاح تركيا في تنفيذ جزء الاتفاق المتعلق بالمنطقة العازلة كمرحلة أولى ومن ثم تفكيك التنظيمات المصنفة إرهابية في المنطقة، لا يشكل ضمانة لعدم مطالبة موسكو بعودة المنطقة إلى سيطرة النظام.
  • تعيش منطقة خفض التصعيد الرابعة ما عاشته سابقاتها من المناطق فيما يخص الإشكالات العسكرية والإدارية والاقتصادية، والتي أفضت إلى سقوطها، ولذلك لا يعتبر اتفاق "سوتشي" إنقاذاً للمنطقة من مصير سابقاتها في حال استمرار ذات الظروف المحلية، والمواقف الإقليمية والدولية السلبية اتجاه المنطقة.
  • تشكل منطقة خفض التصعيد الرابعة اليوم تحدياً كبيراً يحدد النجاح أو الفشل في التعامل معه مصير الحل السياسي في سورية، وهذا ما يتطلب تكريس جهود محلية ودولية لدعم تنفيذ الاتفاق كمرحلة أولى، ومن ثم تأمين استقرار المنطقة عبر عملية إعادة الهيكلة السياسية والعسكرية والإدارية، الأمر الذي يتطلب تنحية الملف السوري عن قائمة الملفات الخلافية مع تركيا، والتعامل مع المنطقة كآخر مناطق الثورة السورية وليس كمنطقة نفوذ تركي.

مُقدمة

أثمرت الجهود التركية على المستوى الدبلوماسي والميداني في تجنيب إدلب معركة دامية كان من الممكن أن تؤدي إلى كارثة إنسانية بكل المقاييس، وذلك عبر اتفاق سوتشي الذي توصل إليه الرئيسان التركي والروسي في 17 أيلول/سبتمبر 2018. وبالرغم من الارتياح والترحيب الدولي والمحلي بالاتفاق، والناتج عن النظر إليه من زاوية إنسانية؛ إلا أن الاتفاق يطرح جملة من التساؤلات حول تفصيلاته وآلياته التنفيذية، وما سيفضي إليه أخيراً، وبخاصة حول مستقبل إدلب وما تمثله من ثقل عسكري وسياسي كمعقل أخير للمعارضة السورية.

ولا يعد الاتفاق من حيث الشكل مختلفاً عما سبقه من اتفاقات بين أطراف أستانة حول مناطق خفض التصعيد، وبخاصة اتفاق ضم إدلب إلى تلك المناطق في أستانة 6، حيث تبدو تلك الاتفاقات في ظاهرها إنقاذاً لأرواح المدنيين وفتحاً للمجال أمام الحلول السياسية، ولكن مؤداها يكون مكاسب منخفضة التكلفة لموسكو تتيح لها قضم مناطق المعارضة الواحدة تلو الأخرى، وهو الأمر الذي يدفع إلى طرح التساؤلات التالية:

  1. هل شكَّل الاتفاق تنازلاً روسياً لتركيا على المدى البعيد، وهل يُعتبر الاتفاق تفويضاً دولياً لأنقرة لإدارة الشمال السوري، خاصةً مع الدعم الأوروبي للموقف التركي من معركة إدلب؟
  2. هل يُمكن الوثوق بموسكو من جديد، بالنظر إلى سلوكها خلال الاتفاقات السابقة حول مناطق خفض التصعيد، أم أن مصير إدلب اليوم بات رهناً بقدرة أنقرة على تفكيك "هيئة تحرير الشام"؟
  3. هل تستطيع تركيا منفردة إدارة الشمال السوري (مناطق درع الفرات، غصن الزيتون، إدلب) وتشكيل كيانات عسكرية وإدارية فيها، بشكل يدعم موقف المعارضة السورية في التفاوض مع النظام على الحل السياسي؟

وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن التساؤلات السابقة، وفق عدة مداخل، بدءاً بتحليل المقدمات التي أفضت إلى اتفاق "سوتشي" حول إدلب والظروف المحلية والإقليمية والدولية التي رسمت سياقه، وذلك ضمن حسابات الربح والخسارة بالنسبة لطرفيه (روسيا وتركيا)، مقابل تفكيك التحديات التي تعترض الاتفاق ولاتزال، سواء ما يتعلق منها بتفصيلاته وآلياته التنفيذية، أو تلك المتعلقة باستدامته على المدى البعيد، خاصة بالنسبة للدور التركي وموقعه الوظيفي من الاتفاق، فنجاح أنقرة في تنفيذ الجزء المتعلق بالمنطقة العازلة لا يعدو كونه تذليلاً للعقبات الصغرى وتقدماً مرحلياً ستعقبه مراحل أكثر صعوبة. لتتوصل الدراسة إلى نتائج تمثل إجابات عن تساؤلاتها وتقدم استشرافاً لمستقبل منطقة خفض التصعيد الرابعة في ظل هذ الاتفاق، إضافة إلى تقديمها عدة توصيات مباشرة مبنيّة على أساس النتائج وتشخيص التحديات وكيفية تجاوزها.

أولاً: الاتفاق بين موسكو وأنقرة (الرابح والخاسر)

نجحت تركيا في وقف العجلة الحربية الروسية المنتشية بانتصاراتها السابقة في مناطق "خفض التصعيد" من التقدم إلى إدلب، وذلك بالتحرك على مستويين محلي- إقليمي ودولي، حيث اعتمد التحرك التركي على إتقان اللعب على المتناقضات والمصالح المتشابكة للدول المعنية بالملف السوري على تلك المستويات، فعلى المستوى المحلي عززت تركيا نقاط المراقبة الخاصة بها في ريف حماه وزادت عدد قواتها في إدلب، كما طلبت من الفصائل الحليفة لها ضمن تشكيلات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" الاستعداد للمشاركة في المعركة، ونشرت أخبار عن إدخالها شحنات سلاح نوعي للمعارضة، الأمر الذي ساهم برفع معنويات فصائل المعارضة في "الجبهة الوطنية للتحرير" وعزز رغبتها بالدفاع عن مواقعها ورفض سيناريو المصالحات على غرار ما حدث في ردعا، وانعكست بالنتيجة تلك الروح المعنوية على الشارع في إدلب، والذي شهد تظاهرات بزخم كبير رافضة للمعركة.

 على المستوى الإقليمي استغلت تركيا الموقف الأمريكي المتصلب اتجاه طهران وحاجة الأخيرة للموقف التركي الرافض للالتزام بالعقوبات الأمريكية حيالها، ونجحت في تحييدها عن المعركة، مُستفيدة من موقف أوروبي منسجم مع الموقف التركي من المعركة، خاصة ألمانيا وفرنسا، وبالتالي فإن طهران لن تغامر بتوتير الجو مع الاتحاد الأوروبي الرافض للانسحاب من الاتفاق النووي، ومع الدول التي تقود وساطة مع الولايات المتحدة بخصوص هذا الاتفاق، حيث اختارت طهران عدم توريط ميليشياتها في معركة على منطقة لا تعتبرها ضمن "سورية المفيدة" بالنسبة لها، خاصةً بعد تنفيذ اتفاق إخلاء كفريا والفوعة، وفي وقت تغرق فيه تلك الميليشيات في مستنقع داعش بريف دير الزور.

على المستوى الدولي أيضاً نجحت تركيا باستمالة الموقف الأوروبي لتأييدها، وذلك بلعب ورقة اللاجئين والتلويح بأن أي موجة لجوء ناجمة عن معركة في إدلب لن تقتصر أثارها على تركيا وحدها، وإنما ستطال أوروبا، وهو الأمر الذي يخلق مشكلة حقيقية وكابوساً بالنسبة للحكومات الأوروبية التي تواجه صعوداً لليمين المتطرف واحتجاجات شعبية ضد الهجرة واللاجئين، ناهيك عن احتمال تسلل مقاتلي القاعدة إلى أوروبا بين أفواج اللاجئين. إضافة إلى ذلك استفادت تركيا من مخاوف أوروبية حيال سلوك واشنطن اتجاه الاتحاد الأوروبي فيما يخص الناتو والاتفاقات التجارية بين الاتحاد وأمريكا، حيث عكست المواقف الأوروبية ما يمكن اعتباره رغبة في إثبات أن الناتو يستطيع التحرك منفرداً دون غطاء أمريكي، وهو ما تدل عليه تصريحات تركيا بأن "حدودها مع إدلب هي حدود الناتو"، والمواقف الحازمة من فرنسا وبريطانيا حول الكيماوي، والموقف الألماني الجديد نسبياً حول إمكانية التدخل العسكري في حال استخدام الكيماوي، وهذا ما قد يشير إلى إمكانية تفعيل دور تركي أوروبي على المستوى الدبلوماسي فيما يخص الملف السوري، يُعيد إحياء مسار جنيف ويمهد لانهيار أستانة، خاصة بعد الشرخ الذي أحدثته إدلب بين أطراف المسار الثلاثة.

في ظل تلك الجهود التركية لم يكن من الممكن لموسكو أن تمضي قدماً في معركة ليست محسومة دبلوماسياً، وهو ما اعتادت عليه سابقاً، كما أن موقف إيران وعدم نيتها للمشاركة في المعركة في ظل النقص العددي لقوات النظام يجعل الحسم العسكري للمعركة أقرب للمستحيل، خاصةً مع الدعم التركي للفصائل المعارضة ووجود قوات تركية على الأرض، وعليه لم يبق أمام موسكو إلا التراجع عن العمل العسكري والتفاوض مع تركيا حول بدائل تحقق للطرفين مصالحهم وتحافظ على مسار أستانة.

مما لا شك فيه أن موسكو  بإبرامها لهذا الاتفاق تكون قد خضعت لجملة من الظروف المحلية والدولية، والتي عكست نجاحاً للجهود التركية على الصعيدين العسكري والديبلوماسي، وهو ما يُفهم بأنه نصر تركي حقق لأنقرة ما كانت تريده من وقف عملية عسكرية شاملة تشنها موسكو على إدلب، والواقع أن الاتفاق لم يحقق لتركيا مكاسب وإنما جنبها مجموعة من الخسائر المادية والسياسية على رأسها خسارة مصداقيتها أم حلفائها من الفصائل السورية في "جبهة التحرير الوطنية" وأمام جمهور الثورة السورية في الشمال السوري، وهو ما سينعكس بالضرورة على دورها السياسي والعسكري في الملف السوري، إذ سيؤدي أي تراجع لفصائل منطقة "خفض التصعيد" الرابعة إلى انكشاف مناطق السيطرة التركية على الشريط الحدودي مع سورية (درع الفرات، غصن الزيتون) أمام قوات النظام ومليشيات "قسد" التي أعلنت عن نيتها المشاركة في معركة إدلب، وبالتالي سيصبح ما حققته تركيا من مكاسب عسكرية مهدداً، بالإضافة إلى الأعباء الإنسانية التي ستتحملها تركيا نتيجة المعركة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها، وما سيترتب عن أي موجة نزوح جديدة من حراك سياسي داخلي معارض لطالما اتخذ من اللجوء السوري ذريعة لمهاجمة الحكومة التركية.

أما بالنسبة لموسكو فيبدو  أن "الاتفاق المؤقت" على حد تعبير مسؤوليها([1])، قد حقق لها ما كانت تصبو إليه مرحلياً؛ فالمعركة في منطقة "خفض التصعيد" الرابعة تبعاً لطبيعتها الجغرافية والفصائل الموجودة فيها لا يمكن حسمها بمرحلة واحدة، فالمنطقة جغرافياً تقسم إلى منطقة سهلية على تخوم مناطق سيطرة النظام ومنطقة جبلية خلفها، وهو الأمر الذي يستوجب أن تكون المعركة على مرحلتين: الأولى تتم السيطرة فيها على المناطق السهلية، ثم مرحلة أخرى أكثر صعوبة وقد تستغرق أشهر للاستحواذ على المنطقة الجبلية، إضافة لذلك تشهد المنطقة السهلية تواجد كثيف للفصائل المعتدلة "جبهة التحرير الوطني"، ولذلك فالاستحواذ عليها في المرحلة الأولى بالنسبة لموسكو سيسهل عليها استخدام القوة المفرطة في المرحلة اللاحقة كون المنطقة ستكون في الغالب خاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام"([2])، وعليه تكون موسكو وفقاً للاتفاق قد حققت أهداف المرحلة الأولى من المعركة دون خوضها، فهي قد استكملت تأمين مواقعها في ثلاث محافظات (حلب، حماه، اللاذقية) وأبعدت خطر استهداف قاعدة حميميم عبر الطائرات المسيّرة، وضمنت افتتاح طرق التجارة الضرورية للنظام، والتي سيساهم تأمينها بقضم ما لا يقل عن 10 كم2 من المساحات التي تسيطر عليها فصائل المعارضة، حيث ستوكل مهمة تأمين تلك الطرق لدوريات مشتركة (روسية تركية إيرانية) بحسب تصريحات لقيادات في فصائل المعارضة([3]).

 أما بخصوص المرحلة الثانية من المعركة والهيمنة المباشرة على إدلب، فيبدو أن موسكو على ثقة بأنها قادمة لا محالة وتأجيلها لفترة يصب في صالح موسكو، فقد أتاح انسحاب "هيئة تحرير الشام" من المنطقة العازلة بموجب اتفاق سوتشي الفرصة لموسكو لتشكيل بقعة جغرافية محدودة تقع تحت سيطرة تنظيمات إرهابية تتفوق بشكل كبير  من الناحية القتالية والتسليحية على الفصائل المعتدلة في تلك المنطقة، مما قد يتيح لها الهيمنة المطلقة على تلك المنطقة، الأمر الذي سيخلق ذريعة لموسكو لفتح معركة، خاصة في ظل عجز تركيا على مدار عام من اتفاق أستانة 6 عن تفكيك "هيئة تحرير الشام"، ورفض الأخيرة للعرض التركي بحل نفسها والاندماج مع "جبهة التحرير الوطنية"([4])، إضافة إلى صعوبة خيار نقل التنظيمات المتطرفة من إدلب إلى مناطق أخرى كما تم سابقاً في عدة صفقات. وفي ظل هذا الواقع فالمرجح أن تفضي الأمور إلى معركة قد تفضل تركيا أن تخوضها بنفسها مع فصائل "جبهة التحرير الوطني" للتخلص من "هيئة تحرير الشام" أو بعض أجنحتها، الأمر الذي يُرجح ألا تعارضه موسكو؛ فمثل تلك المعارك تكون فاتورتها مرتفعة لناحية الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، خاصةً مع تداخل مناطق الهيئة مع المناطق المدنية، وستتحمل تركيا أي ردود فعل دولية لتلك المعركة، كما حدث إبان تحرير مدينتي الباب وجرابلس من "تنظيم الدولة" وعفرين من مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ، وبالنتيجة ستحقق موسكو مكاسب مجانية جديدة عبر عقد المصالحات أو عودة مؤسسات النظام إلى إدلب كمقدمة لتصفيتها كمنطقة أخيرة للمعارضة على غرار سابقاتها من المناطق.

يدعم هذا السيناريو لمصير إدلب أن اتفاق سوتشي لا يُعد جديداً، وإنما هو نسخة من الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أستانة 6 لضم إدلب ومحيطها إلى مناطق خفض التصعيد في أيلول /سبتمبر من العام الفائت، حيث تضمن الاتفاق تشكيل منطقة عازلة بإشراف نقاط مراقبة إيرانية روسية تركية، وتكليفاً لتركيا بتفكيك التنظيمات المصنفة إرهابية([5])، ولم يُكمل الاتفاق عاماً واحداً حتى بدأت موسكو بالتحشيد للهجوم على المنطقة بذريعة الفشل التركي بتنفيذ مهمة تفكيك "هيئة تحرير الشام"، وهو السيناريو الذي ستعمل موسكو على تحقيقه اليوم في ظل استمرار الظروف ذاتها دون تغيير فيما يخص "هيئة تحرير الشام" والواقع العسكري والإداري والسياسي لمنطقة خفض التصعيد الرابعة، وهو ما يشكل مجموعة تحديات جدية لتركيا واختباراً لها أمام موسكو والمجتمع الدولي من جهة، وأمام سُكان تلك المنطقة من المدنيين والفصائل المتحالفة معها من ناحية ثانية، وأهم من ذلك لقدرتها على حماية أمنها القومي ودورها السياسي في الملف السوري عبر الاحتفاظ بمنطقة خفض التصعيد الرابعة.

ثانياً: تحديات الدور التركي

ألقت موسكو الكرة في ملعب تركيا بقبولها باتفاق سوتشي، وهو الأمر الذي يمثل رهاناً روسياً على الوقت لاستعادة إدلب ومحيطها، فنجاح أنقرة بتنفيذ جزء الاتفاق المتعلق بالمنطقة العازلة لا يعدو كونه تذليلاً للعقبات الصغرى، وتقدماً مرحلياً ستعقبه مراحل أكثر صعوبة وعقبات أكبر حجماً تتعلق بتفكيك الهيئة، وتغيير الواقع الإداري والعسكري والاقتصادي للمنطقة في حال كان لدى أنقرة رغبة بالحفاظ عليها ودمجها تحت إدارتها مع منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون"([6])، ويمكن إجمال أبرز التحديات التي من الممكن أن تواجه الدور التركي، بالتالي:

1.   تحديات متعلقة بالاتفاق

بالرغم من نجاح أنقرة في تنفيذ الخطوة الأولى من الاتفاق والمتعلقة بسحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة؛ إلا أن استكمال الخطوات المرحلية اللاحقة من الاتفاق ستكون أكثر صعوبة وبحاجة إلى أمد أبعد مما اتفق عليه، وهو ما ستطالب به أنقرة غالباً، فانسحاب الفصائل المتشددة من المنطقة العازلة لم يتم وفق الجدول الزمني في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، كما تُشير المواقف المعلنة للفصائل بأن الخطوة لن تسير بسلاسة كسابقتها، فقد رفضت أربعة تنظيمات جهادية الاتفاق (حراس الدين، أنصار التوحيد، جبهة أنصار الدين، جبهة أنصار الإسلام) وأعلنت تشكيل غرفة عمليات تحت مسمى "وحرض المؤمنين"، وعرضت صوراً لاستهداف مواقع قوات الأسد في معسكر جورين من نقاطها في المنطقة منزوعة السلاح المتفق عليها بعرض 20 كيلومتراً في مناطق سيطرة المعارضة([7]).

ويُشير بيان "هيئة تحرير الشام"([8])، والذي تأخر صدوره إلى قبل يوم من نهاية المهلة المحددة في الاتفاق لانسحاب الفصائل المتشددة، إلى أن الهيئة قبلت بسحب السلاح الثقيل كخطوة تكتيكية لكسب الوقت، ولكنها قد لا تسير إلى جانب تركيا في تنفيذ باقي بنود الاتفاق، حيث تضمن البيان شكراً لتركيا على جهودها ورفضاً للتخلي عن السلاح أو قتال النظام في إشارة مستقبلية إلى أنها لن تقبل حل نفسها، وقد يُمثل هذا البيان حلاً وسطاً توصل إليه جناحا الهيئة اللذان انقسما حول الاتفاق بين رافض (جناح أبو اليقظان المصري) وجناح يرحب بالاتفاق والاندماج مع "الجبهة الوطنية للتحرير" (جناح الجولاني)([9])، كما أن مواقف الفصائل المعتدلة حول الاتفاق جاءت أيضاً متحفظة على بعض بنوده فيما يتعلق بحدود المنطقة العازلة والدوريات الروسية، مما يُشير إلا أن تركيا اليوم أمام موقف حرج، خاصةً مع نفاد المهلة المتفق عليها لانسحاب التنظيمات المتشددة والمترافقة مع تصاعد اللهجة التهديدية من النظام وموسكو حول إمكانية استئناف المعركة في حال عدم التزام الطرف الآخر بوعوده، وأن الاتفاق مؤقت وإدلب ستعود إلى سيطرة النظام([10])، وهو ما يضع أنقرة أمام خيارين، الأول طلب تمديد المهلة الزمنية لانسحاب التنظيمات المتشددة من المنطقة العازلة، الأمر الذي قد تقبله موسكو مقابل تنازلات معينة من الطرف التركي بخصوص تفاصيل الاتفاق، ومن المرجح أن تكون التنازلات حول الدوريات الروسية في المنطقة العازلة، والثاني هو القيام بعمل عسكري محدود لإجبار الفصائل الرافضة للانسحاب على الالتزام ببنود الاتفاق، وهو خيار أقل ترجيحاً نظراً لأن أي اشتباك تركي مع هذه الفصائل قد يؤثر على الاتفاق برمته لأنه سيتجاوز حدود المنطقة العازلة، مما يفتح الباب أمام معركة شاملة في إدلب .

وفي ظل الاحتمال الأول ونجاح أنقرة بكسب المزيد من الوقت لإقناع الفصائل الجهادية بالانسحاب من المنطقة العازلة؛ فإن الخلافات حول باقي بنود الاتفاق لن تتوقف مع فصائل المعارضة أو مع "هيئة تحرير الشام"، وبخاصة حول نقطة فتح الطرق التجارية (M4-M5)، والتي يستلزم تأمينها انسحاب فصائل المعارضة بمقدار 10 كم2 على جانبي الطريق، مما يعني خسارة أراضٍ جديدة بالنسبة للمعارضة، وخسارة أكبر بالنسبة لهيئة "تحرير الشام"، والتي ستتنازل عن إدارتها للمعابر الحدودية مع تركيا بعد خسارتها لمعابر التجارة مع مناطق النظام في المنطقة العازلة، وهي أهم موارد تمويل الهيئة، ناهيك عن قبولها بحل نفسها والاندماج مع "جبهة التحرير الوطني"، تلك العقبات التي ستواجه تركيا الواقع على عاتقها مهمة التخلص من التنظيمات الإرهابية في إدلب كشرط لاستمرار الاتفاق؛ تجعل من خيارات أنقرة ضيقة وقد تفرض عليها في مرحلة ما خوض معركة مع تلك التنظيمات، وبخاصة مع الجناح المتشدد من "هيئة تحرير الشام" وغيرها من الفصائل المصنفة دولياً إرهابية (حراس الدين، أنصار الإسلام، الجهاديين المستقلين الفصائل، خلايا داعش، الحزب الإسلامي التركستاني) وهي تنظيمات تضم في غالبها مقاتلين أجانب وتتسم بالتشدد ورفض الحلول السياسية، الأمر الذي قد يدفع تلك التنظيمات للتوحد في مواجهة أي محاولات للتخلص منها، مما سيشكل كتلة صلبة من الجهاديين المتشددين الأجانب يصعب التخلص منها عسكرياً كون المعركة ستكون وجودية بالنسبة لهم، وذات فاتورة مرتفعة بشرياً في ظل وجودهم في مناطق ذات كثافة سكانية كبيرة.

2.   تحديات ما بعد الاتفاق: (الاستدامة)

تعكس التصريحات التركية رغبة أنقرة بالاحتفاظ بنقاط المراقبة الخاصة بها وبوجودها العسكري في إدلب ومحيطها لحين إجراء انتخابات في سورية([11])، واستكمال تأمين شريطها الحدودي من تواجد مليشيات PYD في شرق الفرات، وبالمقابل تُظهر التصريحات الروسية إصراراً على استعادة إدلب ولو بعد حين([12]). وفي ظل تلك الرغبات المتضاربة بين شريكي أستانة يبقى مصير إدلب معلقاً بمدى نجاح تركيا في تذليل العقبات المتعلقة بتنفيذ بنود الاتفاق مع نهاية العام الحالي، وقدرتها على فرض واقع جديد في إدلب وباقي المناطق الواقعة تحت سيطرتها في الشمال السوري، وهو ما يستلزم جهود أكبر لتذليل عقبات أخرى تعترض استدامة سيطرة المعارضة وتركيا على تلك المناطق، ويمكن تحديد تلك العقبات بالتالي: 

أ‌.        عقبة عسكرية: (معضلة التوحيد)

يُشكل الواقع العسكري لمنطقة خفض التصعيد الرابعة معضلة حقيقية أمام تركيا؛ فالمنطقة تحتوي على ما يقارب 90 ألف مقاتل مختلفي التوجهات والمشارب العقائدية بين معتدل ومتشدد وأكثر تشدداً([13])، ناهيك عن الاختلافات المناطقية الناجمة عن تهجير حوالي 20 ألف مقاتل إلى إدلب من باقي المناطق السورية. الأمر الذي خلق واقعاً من الفوضى الأمنية تجلى في عمليات تفجير واغتيالات باتت شبه يومية في المنطقة، إضافة إلى حدوث اشتباكات متكررة بين "هيئة تحرير الشام" والفصائل المنضوية تحت "جبهة التحرير الوطني".

وفي ظل هذا الانفلات الأمني وفوضى السلاح؛ فإن مهمة تركيا في الحفاظ على المنطقة تحت سيطرتها وإبعاد شبح إخضاعها لسيطرة النظام مجدداً ستكون أقرب للمستحيلة، خاصةً في حال استنساخ تجربة درع الفرات في إدلب، وهو ما بدأت تركيا القيام به بالفعل. حيث طلبت من الفصائل في منطقة خفض التصعيد الرابعة تقديم كشوف ذاتية لمقاتليها وكشوف للسلاح الذي تمتلكه على غرار ما قامت به سابقاً مع فصائل درع الفرات وغصن الزيتون، وقد تكون تلك الخطوة تمهيداً لدمج فصائل إدلب بـ "الجيش الوطني" الذي تم تشكيله في الشمال السوري([14]). تلك المساعي التركية رغم أهميتها الظاهرية لتشكيل كيان عسكري جامع؛ إلا أن المشكلة تكمن في مضمونها إذا ما قيست بتجربة الجيش الوطني، فالفيالق الثلاثة المكونة للجيش هي كيانات على الورق فقط دون أي ارتباط حقيقي بقيادة مركزية، وهو أقرب إلى ائتلاف فصائل بإشراف تركي منه إلى جيش، حيث لا يملك وزير الدفاع أو رئيس هيئة الأركان التابعين للحكومة المؤقتة أي صلاحية فعلية لإصدار أوامر إلى الفصائل، وما زال أي فصيل داخل الجيش الوطني أكبر عملياً من كل الحكومة، ولا يقبل فعلياً تلقي أي نوع من الأوامر منها([15])، إضافة إلى عجز جهاز الشرطة العسكرية التابع لوزارة الدفاع عن ردع انتهاكات الفصائل اتجاه المدنيين وضبط سلوك أفرادها.

ب‌.   عقبة إدارية: (معضلة الحوكمة)

لا يقل الواقع الإداري لمحافظة إدلب سوءً عن واقعها العسكري لناحية الانقسامات من حيث التبعية، ووجود عدد كبير جداً من المجالس المحلية يقارب 140 مجلساً، وحسب تقرير أولي لمسح ميداني أجراه (مركز عمران للدراسات الاستراتيجية) مع وحدة المجالس المحلية، جرى في الفترة من 8 أبريل/نيسان 2018 وحتى 15 مايو/أيار 2018 في محافظة إدلب، فإن 59% من المجالس المحلية تُصنِّف نفسها بأنها تتبع إدارياً للحكومة المؤقتة مقابل 7% تُصنف نفسها تابعة لحكومة الإنقاذ. ومن الملاحظات وجود عدد من المجالس التي تتبع الحكومة المؤقتة لكنها مرغمة على التعاون مع حكومة الإنقاذ، فيما تصنف 16% من المجالس نفسها بأنها مستقلة عن حكومتي الإنقاذ والمؤقتة([16]). وعموماً، يمكن تسجيل عدة ملاحظات تجاه فاعلية المؤسسات السياسية والإدارية المحلية والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني في محافظة إدلب، إذ تصطدم سياساتها بالعديد من العراقيل التي تحد من خياراتها، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أولاً: إلى التعارض في أجندات الجهات المسيطرة على المحافظة، وثانياً: إلى تشتت الإدارات والهيئات المدنية التي لا تزال تفتقر لرؤية استراتيجية موحدة تُمكنها من امتصاص صدمة النزوح وابتداع أدوات إدارة سياسية واقتصادية واجتماعية تتواءم مع الوضع غير المستقر للمحافظة، وثالثاً: للاعتمادية المفرطة على المنظمات الدولية والمحلية في تقديم المساعدات للسكان ومخيمات المهجرين والمجالس المحلية([17]). 

هذا الواقع الإداري يُشكل أيضاً عقبة في وجه المساعي التركية لإعادة تنظيم المنطقة تمهيداً لدمجها مع منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون، خاصةً في ظل احتمال اندماج "هيئة تحرير الشام" عسكرياً مع "الجبهة الوطنية"، وإدارياً ضمن هيكل الحكومة المؤقتة. الأمر الذي سيكون شكلياً ويحافظ للهيئة على المجالس المحلية التابعة لها، وهو ما سيؤدي إلى استمرار حالة التردي الإداري في المنطقة، ويفتح الباب أمام موسكو لطرح عودة مؤسسات النظام على الأقل لإدارة إدلب.

 بالمقابل يبدو أن تركيا ليست غافلة عن صعوبات الواقع الإداري في إدلب، فبالتوازي مع مساعيها لضبط المشهد العسكري، بدأت بإجراء إحصاء مدني للسكان، كما ركز وفد "الائتلاف الوطني السوري" في زيارته لإدلب على ضرورة ضبط الواقع الإداري للمحافظة([18])، ومن المرجح أن يتم سحب نموذج الإدارة المتبع في مناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" على إدلب، وهو نموذج ليس أفضل حالاً بكثير، فالحكومة المؤقتة تعد غطاءً شكلياً دون صلاحيات فعلية في الإشراف والمتابعة للمشاريع، والتي يقوم الممول ذاته بعملية الإشراف عليها، كما تتبع أيضاً قطاعات الصحة والتعليم للإشراف التركي وليس للحكومة المؤقتة([19]).

ت‌.   عقبة اقتصادية: (معضلة الفقر)

لا تعتبر العملية العسكرية على إدلب هي الخطر الوحيد الذي يهدد سكانها بالكارثة، وإنما يُنذر الوضع المعيشي للسكان فيها بكارثة إنسانية وشيكة الحدوث ناجمة عن الفقر ونقص الخدمات الإغاثية. حيث يبلغ تعداد السكان في منطقة خفض التصعيد الرابعة (محافظة إدلب وريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي)، بحسب إحصاءات شهر آب/ أغسطس من عام 2018، ما يقارب من (3.867.663) نسمة. يمثل السكان المقيمين فيها نسبة 58% أي ما يقارب (2.226.736) نسمة، في حين بلغ عدد السكان النازحين (1.621.077) نسمة وما نسبته 41%. كذلك يشكل عدد السكان القاطنين في مخيمات النزوح (791.640) نسمة وما نسبته 20% من العدد الكلي لسكان المحافظة([20])، ويصل معدل الفقر بين السكان إلى 90.5%، ويبلغ تعداد العوائل التي تعيش بدخل شهري أقل من 40 دولار (107.622)([21]). ويعاني النازحون بشكل خاص من تردي الوضع الإنساني والاجتماعي بشكل كبير وعدم القدرة على تلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم، في ظل تفشي البطالة بشكل مرتفع وانعدام سبل المعيشة لدى نسبة كبيرة منهم ووقوعهم تحت خط الفقر المدقع. أضف إلى ذلك المشكلات المرتبطة بانهيار البنية التحتية والوضع الصحي المتردي وغياب المأوى وارتفاع الأسعار والظروف الأمنية الخطرة التي يعيشون ضمنها([22]). كما أسهم تدهور الأداء الاقتصادي على كافة المستويات في الانكماش في النشاطات الاقتصادية وبروز العديد من النشاطات غير الرسمية كانتشار العمل العشوائي وتنامي ظاهرة "تجار الأزمة"؛ مما أفسح المجال أمام اقتصاد مواز يحاكي الرسمي المفترض، بإيراداته وشبكاته وتعاملاته التجارية. كما أن سوء الأحوال الأمنية وتدخل "الجماعات المسلحة" في مفاصل الإدارة، والقصف العنيف، وانتشار الاغتيالات، شكلت عوامل رئيسية لهروب أصحاب الأموال للخارج وعدم استقبال المحافظة لأي نوع من الاستثمارات، فانتشرت على إثر ذلك البطالة في ظل حاجة المواطنين الماسة للعمل من أجل كسب المال([23]).

  يشكل الوضع الإنساني تحدياً كبيراً أمام بقاء المحافظة على وضعها الحالي تحت سيطرة المعارضة وبإشراف تركي، فالأوضاع المُزرية للسكان عموماً وللمهجرين منهم خصوصاً قد تُهيء لموجات من العودة الجماعية إلى مناطق سيطرة النظام على غرار ما حدث مع 600 شخص من أهالي حي الوعر في حمص نتيجة الأوضاع المتردية في مخيمات جرابلس وريف إدلب([24] وهو الأمر الذي سيصب في صالح الجهود الروسية لاستعادة اللاجئين قبل الحل السياسي، وبالتالي تدعيم صفوف قوات النظام عبر التجنيد الإجباري للعائدين. لذلك يُشكل الوضع الإنساني في إدلب وغيرها من المناطق التي تُشرف عليها تركيا تحدياً أمامها لا يقل أهمية عن تحدي إعادة الهيكلة العسكرية والإدارية، خاصةً في ظل تحملها وحيدة تقريباً لنفقات إعادة إعمار البنية التحتية في تلك المناطق (الصحة، التعليم) ورواتب مقاتلي "الجيش الوطني" و"الجبهة الوطنية للتحرير" في ظل أزمة اقتصادية تعيشها، وتراجع الدعم الدولي والعربي للمناطق الخاضعة تحت سيطرتها.

ثالثاً: النتائج

من خلال استعراض الظروف المحلية والدولية المحيطة بالاتفاق الروسي التركي حول إدلب، ومناقشة الواقع العسكري والاقتصادي والإداري لمنطقة خفض التصعيد الرابعة، يمكن التوصل إلى النتائج التالية والتي تمثل إجابات للتساؤلات التي طرحتها الورقة، وهي:

  1. لا يُمثل الاتفاق نصراً أو هزيمة لآخر، وإنما يمكن اعتباره رهاناً روسياً على الوقت، واختباراً لتركيا يُحدد قدرتها على إدارة ملفات إقليمية معقدة على المستوى العسكري والسياسي.
  2. لا يزال شبح احتمال شن حملة عسكرية على إدلب قائماً، خاصةً في ظل مواقف الفصائل المتشددة في المنطقة من الاتفاق، والإصرار الروسي على استعادة إدلب واعتبارها الاتفاق مؤقتاً، حيث تراهن موسكو على العقبات والإشكاليات التي تعاني منها إدلب، والتي يصعب على تركيا منفردة أن تضطلع بها في حدود الإطار الزمني المرسوم لتنفيذ الاتفاق.
  3. تشكل المواقف الأوروبية المنسجمة مع الموقف التركي وبخاصة فرنسا وألمانيا، إلى إمكانية تحييد الملف السوري عن باقي الملفات الخلافية مع تركيا، وتشكيل استراتيجية أوروبية تركيا جديدة تقوم على التنسيق المشترك، تكسر احتكار مسار أستانة للواقع الميداني على الأرض السورية، ويؤكد ذلك استئناف التنسيق الأمريكي التركي فيما يخص ملف منبج، ولكن مرحلة ما بعد الاتفاق سوتشي وإمكانية انخراط الأوروبيين في عملية إعادة الهيكلة للمنطقة بشكل يؤدي إلى استخدامها كورقة ضغط سياسي على موسكو والنظام تبقى رهناً بمخرجات الاجتماع الرباعي (روسيا، تركيا، ألمانيا، فرنسا) الذي عقد منذ أيام.
  4. تعقيدات المشهد العسكري في إدلب لناحية وجود تنظيمات متشددة أبدت رفضها للاتفاق وتكتلها في كيانات جديدة، يشير إلى أن تركيا قد تسعى إلى طلب تمديد للإطار الزمني للاتفاق بغية استكمال محاولاتها لتحييد الأطراف الأقل تشدداً من تلك التنظيمات، وذلك لتخفيف فاتورة أي عمل عسكري قد تضطر تركيا للقيام به للتخلص من الأجنحة المتشددة والجهاديين الأجانب.
  5. نجاح تركيا في تنفيذ جزء الاتفاق المتعلق بالمنطقة العازلة كمرحلة أولى ومن ثم تفكيك التنظيمات المصنفة إرهابية في المنطقة، لا يشكل ضمانة لعدم مطالبة موسكو بعودة المنطقة إلى سيطرة النظام، وهنا تظهر الحاجة التركية إلى تشكيل مظلة دعم سياسي واقتصادي دولي تمكنها من مواجهة الضغوط الروسية وتجاوز العقبات والتحديات التي تمثلها الظروف العسكرية والاقتصادية والإدارية للمنطقة، وذلك في حال رغبت تركيا بالبقاء في المنطقة إلى حين إجراء انتخابات في سورية.

رابعاً: التوصيات

تعيش منطقة خفض التصعيد الرابعة ما عاشته سابقاتها من المناطق فيما يخص الإشكالات العسكرية والإدارية والاقتصادية، والتي أفضت إلى سقوطها، ولذلك لا يعتبر اتفاق "سوتشي" إنقاذاً للمنطقة من مصير سابقاتها في حال استمرار ذات الظروف المحلية، والمواقف الإقليمية والدولية السلبية اتجاه المنطقة ومن خلفها الثورة السورية التي تعتبر هذه المنطقة آخر المناطق التي تمثلها. وفي الوقت ذاته يُمكن أن تشكل المنطقة فرصة لانطلاقة جديدة تفرض واقع جديد على مستوى الثورة السورية وتحسين شروط التفاوض على الحل السياسي مع النظام، وبالتالي فرصة للأطراف الإقليمية والدولية الراغبة بعدم تفرد موسكو بصياغة الحل السياسي، ومحاصرة نفوذ إيران في سورية، ولكن هذا الواقع الجديد بحاجة إلى عملية إعادة هيكلة شاملة على المستوى العسكري والإداري والسياسي للمنطقة، وتعاون إقليمي دولي مع الدور التركي. وعليه يمكن من خلال تحليل واقع المنطقة وإشكالياتها صياغة التوصيات التالية:

1.   على المستوى السياسي

تُشكل منطقة خفض التصعيد الرابعة مع مناطق "درع الفرات" الواقعة تحت الإشراف التركي مساحة جغرافية كبيرة، وثقل سكاني هائل يُمثل كل المحافظات السورية، وعليه لابد من إعطاء طابع تنظيمي للجهود الشعبية المتمثلة بالتظاهرات يؤسس لفاعلية سياسية تحتاجها الثورة السورية بعد خساراتها المتعاقبة على المستوى العسكري وانحسارها إلى الشمال فقط، ويمكن ترجمة ذلك إلى خطوة عملية تتمثل بإعادة إحياء مفهوم التنسيقيات الثورية والتي تمثل كل قرية أو مدينة أو مجموعة من المهجرين وإعطاء تلك التنسيقيات طابع رسمي يعترف بها وبأعضائها من قبل المجالس المحلية والحكومة الانتقالية والائتلاف، وتأمين حاجات تلك التنسيقيات اللوجستية اللازمة لتنظيم التظاهرات. إن مثل هذه الخطوة ستشكل أرضية لفصل العمل العسكري والإداري عن السياسي في الشمال السوري، وستتيح الفرصة لإحياء فاعلية شعبية مؤثرة ومعبرة عن وجهة نظر جمهور الثورة السورية، كما أن وجود مثل تلك التنسيقيات ودعمها يُمكن أن يُستثمر في سبيل إحياء العمل السياسي ورفع الوعي الشعبي تحضيراً للاستحقاقات القادمة كالدستور والانتخابات البرلمانية وفق الرؤية الدولية.

2.   على المستوى العسكري

يعيش الشمال السوري عموماً مشهداً عسكرياً بالغ التعقيد لجهة العدد الكبير من المقاتلين المنضوين تحت لواء فصائل متعددة الاتجاهات، العدد الغالب من قياداتها وأفرادها من خلفيات مدنية وليست عسكرية. ولم يعد هذا الواقع العسكري مقبولاً في ظل المرحلة القادمة، والتي سيكون عنوانها بناء السلام ما بعد النزاع، حيث تتطلب تلك المرحلة وفقاً للأجندة الدولية تصفية العسكرة وإعادة دمج أطراف الصراع في جيش وطني موحد بالتزامن مع مسار الحل السياسي. وهنا تكمن المشكلة، فطرفا اتفاق أستانة (روسيا، تركيا) يمتلكان رؤى غير مناسبة للتعامل مع ملف تصفية العسكرة، الرؤية الروسية تتمثل بالمصالحات وإعادة دمج من يرغب من المقاتلين في جيش النظام، وهو الأمر الذي يمثل إعادة رفد وترميم جيش النظام والحفاظ على عقيدته وليس إعادة هيكلته بشكل يجعله مؤسسة داعمة للسلام والتحول الديمقراطي في البلاد، أما الرؤية التركية فتتمثل بإنشاء بنية تحمل طابع المؤسسة العسكرية النظامية (وزارة دفاع وهيئة أركان)، ولكنها دون صلاحيات فعلية على الأرض، حيث تحتفظ الفصائل بكيانها المستقل وقياداتها ومناطقها، وهو ما يساهم باستمرار حالة الفوضى وتغول الفصائل على حالة المؤسسات المدنية، ويعدم أي إمكانية لدمج تلك الفصائل مستقبلاً في جيش وطني، وبذلك يتحقق لموسكو والنظام ما يرمون إليه في الحفاظ على مؤسسة عسكرية موالية للنظام وتشكل أداة حماية له.

بين تلك الرؤيتين، المطلوب اليوم في الشمال هو عملية إعادة هيكلة حقيقية للقطاع الأمني تمهد لعملية إعادة الهيكلة الشاملة على مستوى سورية، ولابد لتلك العملية في الشمال من أن تبدأ بعملية ما يسمى بالـ (DDR) "نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج"، وهي عملية تشمل نزع السلاح المنفلت وضبطه وإدارة الأسلحة الموجودة في المنطقة، ثم تسريح واستبعاد العناصر المدنية، خاصة على مستوى القيادات من الفصائل واستبدالهم بضباط وصف ضباط عسكريين تمهيداً لدمج الفصائل في كيان عسكري موحد، وتحتاج مثل هذه العمليات إلى خبرات دولية مارست مثل تلك البرامج في نزاعات سابقة، إضافة إلى إمكانات وبرامج اقتصادية لتمكين المقاتلين الذين يتم تسريحهم، وعادة يتم تقديم منح مالية للمقاتلين المسرحين لتمكنهم من العودة إلى الحياة المدنية، وتأمين مورد رزق بديل، وتلك الإمكانات لا تستطيع تركيا تحمل عبئها منفردة؛ لذلك لابد من إطلاق عملية إعادة هيكلة عسكرية في الشمال بإشراف المؤسسات الدولية المتخصصة كالأمم المتحدة و منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ((OECD.

إن إطلاق عملية إعادة هيكلة حقيقية في الشمال يمكن أن ينتج كياناً عسكرياً ضخماً يحقق مكاسب للعديد من الأطراف؛ ومنها لجم التطلعات الروسية لهندسة حل سياسي يحقق مصالحها منفردة، ويساهم في حال دمجه في الجيش النظامي في إحداث تغيير حقيقي على مستوى بنية وعقيدة الجيش السوري بشكل يضمن استقرار السلام بعد النزاع، بالإضافة لذلك فمثل هذا الكيان يُمكن أن يتم الاعتماد عليه في مواجهة المليشيات الإيرانية مستقبلاً، وكسر احتكار قوات "سورية الديمقراطية" للمناطق المحررة من تنظيم الدولة شرق الفرات.

3.   على المستوى الإداري والاقتصادي

بالتوازي مع الحاجة لإعادة الهيكلة السياسية والعسكرية تظهر حاجة ملحة جداً في الشمال السوري لإعادة هيكلة إدارية تساهم في خلق نموذج حوكمي جديد، ولابد أن يرتكز هذا النموذج إلى وحدة القرار الإداري أي حصره في يد الحكومة المؤقتة على كافة المستويات ودمج أي كيانات إدارية أخرى ضمن الحكومة، وبخاصة على مستوى الدعم والنشاط الإغاثي، وهذا ما يتطلب تظافر الجهود بين القوى المحلية الفاعلة على الأرض ومجمل المؤسسات السورية المعارضة (وسائل إعلام، مراكز بحثية، تجمعات سياسية، منظمات مجتمع مدني)، وذلك لخلق نموذج حوكمة جديد للشمال السوري يهيئ لحكم مدني رشيد، ونظام لامركزية إدارية قابل للتعميم مستقبلاً على مستوى سورية، وهو ما يقتضي بالضرورة أيضاً توافر الدعم الدولي لخلق مثل تلك التجربة، وخاصةً لناحية دعم الحكومة السورية واعتباره الكيان الإداري الوحيد المخول بإدارة المنطقة. إن تحقق إعادة هيكلة إدارية وعسكرية في الشمال السوري سيساهم في خلق بيئة آمنة يُمكن استغلالها للتواصل مع رجال الأعمال السوريين للاستثمار في الشمال عبر مشروعات تحددها المجالس المحلية والحكومة المؤقتة وتوفر لها الحماية والإمكانات اللازمة، الأمر الذي سيساهم في خلق فرص عمل وتحريك النشاط الاقتصادي، وبالتالي التخفيف من نسبة الفقر.

تشكل منطقة خفض التصعيد الرابعة اليوم تحدياً كبيراً يحدد النجاح أو الفشل في التعامل معه مصير الحل السياسي في سورية، وهذا ما يتطلب من الجهات المحلية مدنية وإدارية وعسكرية تكريس جهودهم لدعم تنفيذ الاتفاق لتجنيب المنطقة شبح هجوم روسي جديد، ولابد للدول الداعمة للثورة السورية إقليمياً ودولياً دعم الجهود التركية على مستوى تنفيذ الاتفاق كمرحلة أولى، ومن ثم تأمين استقرار المنطقة عبر عملية إعادة الهيكلة السياسية والعسكرية والإدارية، والتي ستشكل فرصة لإعادة التفاوض إلى سكة جنيف وفق مقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وليس الرؤية الروسية، الأمر الذي يتطلب تنحية الملف السوري عن قائمة الملفات الخلافية مع تركيا، والتعامل مع المنطقة كآخر مناطق الثورة السورية وليس كمنطقة نفوذ تركي.


 

([1]) موسكو تؤكد تنفيذ اتفاق إدلب وتعتبر المنطقة العازلة مؤقتة، موقع صحيفة الشرق الأوسط، 28/9/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2ygHr2r

([2]) فابريس بالونش، الجولة الأولى من الحملة على إدلب قد تستهدف المتمردين المدعومين من تركيا، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 11/9/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2pSfEkc

([3]) بعد المنطقة العازلة... ثلاثة ملفات تنتظر التطبيق في إدلب، موقع صحيفة عنب بلدي، 10/10/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2RP20vi

([4]) "النصرة" ترفض طلب تركيا بحل نفسها وتحذر "الوطنية للتحرير" من استهدافها، موقع روسيا اليوم، 4/8/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2Mjnj4T

([5]) توافق بأستانا على منطقة خفض تصعيد في إدلب، موقع الجزيرة نت، 13/9/2017، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2NDbo1G

([6]) أردوغان: لن نخرج من سورية قبل أن يجري شعبها انتخاباته، موقع روسيا اليوم، 4/10/208، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2CJkfxB

([7]) أربعة تشكيلات “جهادية” ترفض اتفاق إدلب وتحاول عرقلته... تعرف إليها، موقع صحيفة عنب بلدي، 15/10/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2yHx0nU

([8]) "تحرير الشام" تعلق على اتفاق إدلب وترفض تسليم السلاح، موقع صحيفة عنب بلدي، 14/10/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2NHhj5W

([9]) اتفاق المنطقة العازلة في إدلب... السياق والواقع الراهن واتجاهاته، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 12/10/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2A6Jmbk

([10])برغم "اتفاق سوتشي"... روسيا تهدد مجددًا باجتياح إدلب، موقع الدرر الشامية، 23/9/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2CKiJeQ

([11]) أردوغان: تركيا لن تغادر سوريا حتى يجري الشعب السوري انتخابات، سبوتنيك عربي، 4/10/2018، متوافر على الرابط التالي: https://goo.gl/X1kZve

([12])برغم "اتفاق سوتشي"... روسيا تهدد مجددًا باجتياح إدلب، موقع الدرر الشامية، مرجع سبق ذكره.  

([13]) فابريس بالونش، الجولة الأولى من الحملة على إدلب قد تستهدف المتمردين المدعومين من تركيا، مرجع سبق ذكره.

([14]) إدلب على خطى منطقتي "درع الفرات" و "غصن الزيتون"، موقع صحيفة عنب بلدي، 7/10/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2Ekxarw

([15]) الحكومة السورية المؤقتة الثالثة مراجعة وتقييم، مركز جسور للدراسات، 13/7/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2NIDaKb

([16]) تقرير أولي لمركز عمران غير منشور.

([17]) د. عمار القحف، فرص الاحتواء والسيطرة على إدلب في مسارات الأزمة السورية، مركز الجزيرة للدراسات، 24/5/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2s95y01

([18]) بعد المنطقة العازلة... ثلاثة ملفات تنتظر التطبيق في إدلب، موقع صحيفة عنب بلدي، مرجع سبق ذكره.

([19]) الحكومة السورية المؤقتة الثالثة مراجعة وتقييم، مركز جسور للدراسات، مرجع سبق ذكره.

([20]) محمد العبد الله، النازحون في إدلب... قراءة في التحديات والمآلات في ضوء التفاهم التركي-الروسي، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 3/10/2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2zPAXJ8

([21]) د. عمار القحف، فرص الاحتواء والسيطرة على إدلب في مسارات الأزمة السورية، مركز الجزيرة للدراسات، مرجع سبق ذكره.

([22]) محمد العبد الله، النازحون في إدلب... قراءة في التحديات والمآلات في ضوء التفاهم التركي-الروسي، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، مرجع سبق ذكره.

([23]) د. عمار القحف، فرص الاحتواء والسيطرة على إدلب في مسارات الأزمة السورية، مركز الجزيرة للدراسات، مرجع سبق ذكره.

([24]) حين يستغل النظام السوري عودة النازحين كورقة سياسية، موقع DW، 3/8/2017، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2S4mqQM

التصنيف الدراسات

ملخص تنفيذي

  • رغم تفاخر موسكو بسير العمليات العسكرية والتفاوضية التي قادتها في الجنوب السوري، إلا أن استمرارها بتعزيز مقاربة الاستحواذ وعودة السيطرة للأسد ستبقى مُعرضة للعديد من الهزات والارتكاسات طالما استمر التغييب المتعمد لضرورة وجود لحظة سياسية في سورية تؤسس لاستقرار مستدام.
  • تتنامى مؤشرات "القلق" الروسي حيال الدور التركي في الشمال، وهذا اختبار جدي لمسار الأستانة الذي سيشهد جولات صعبة فيما يتعلق بالترتيبات النهائية للشمال السوري.
  • شكل استهداف قاعدة حميميم هاجساً روسياً واضحاً في الآونة الأخيرة، خاصة في ظل عدم وجود وسائل فعّالة وغير مُكلفة للتصدي للطائرات المسيرة، مما يعزز تنامي مؤشر الاستنزاف.
  • تدفع روسيا باتجاه تعزيز مقاربة الأسد مقابل الضبط الإيراني؛ لتستثمر في وهمٍ لن يحصل، فالتغلغل الإيراني بِبُنى الأمن والدفاع بات عضوياً وأي إشارة لإمكانية هذا هي إشارة غير موضوعية ومنافية للواقع.
  • تمضي موسكو في منهجها الرافض كلياً لتفاعلات الملف الإنساني مستخدمة ذات المصطلحات التشكيكية في صحة التقارير الدولية وتحاول جاهدة إبعاد هذا الملف عن مسرح التأثير وهو ما لا يتوقع حدوثه مما سيعقد الموقف الروسي مستقبلاً.

تمهيد

تعددت قضايا الاهتمام الإعلامي والبحثي الروسي حيال سورية خلال الفترة الممتدة من 15حزيران – 15 تموز 2018. ويُمكن حصرها عدة محاور رئيسية منها: تطورات الجبهة الجنوبية الأخيرة؛ تزايد القلق الروسي حيال السياسة التركية في الشمال؛ السيناريوهات المتوقعة لمنطقة شرق النهر؛ القلق المتنامي من الهجمات ضد قاعدة حميميم؛ بالإضافة إلى مستجدات الملف الكيماوي. ويؤكد التعاطي الإعلامي والبحثي الروسي حيال كل هذه الملفات على التماهي المطلق مع الرؤية الرسمية للدولة، إذ تتلقف هذه الرؤية دون تكبد عناء البحث عن تفاصيلها في المشهد السوري التي تؤكد استمرار غياب عوامل الاستقرار المرتبط كلياً بمرحلة سياسية جديدة تنظرها البلاد وتعمل موسكو على إلغائها لصالح تعويم نظام الأسد.

"تسويات" في الجنوب و"ترقُّب" في الشمال

تشهد الساحة الميدانية في سورية هجوماً روسياً إيرانياً مع ميليشيات الأسد على الجنوب السوري أمام صمت دولي عامة وأميركي خاصة؛ على الرغم من كون المنطقة منطقة خفض تصعيد باتفاق الولايات المتحدة والأردن وروسيا بالتنسيق مع إسرائيل. ويأتي كل هذا كمؤشر صريح على احتمالية حدوث صفقة أولية ينتظر أن تكتمل ملامحها في قمة ترامب بوتين التي عقدت في 16/7/2018.

في بث مباشر من راديو سبوتنيك؛ أشاد الباحث مركز الدراسات الاستراتيجية فلاديمير فيتين بـ"النجاح" الذي حققه العسكريون الروس والسوريون في درعا نتيجة المفاوضات التي أجراها ضباط حميميم مع الفصائل المقاتلة والمراكز السكانية، والتي كانت نتيجتها حسب قوله "ترك الإرهابيين في منطقة خفض التصعيد لأسلحتهم المختلفة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة للجيش السوري". وأشار إلى أن الأسلحة تعود لعدة دول غربية كانت قد أُدخلت عبر الأردن، ومصرحاً "بعجز" محاولات الولايات المتحدة إيقاف هجوم القوات السورية التي يدعمها الطيران الروسي، وأن معظم البلدات يتم تسليمها دون قتال، مع أقل الخسائر البشرية وخاصة بين المدنيين. ويُتابع بالتركيز على إمكانية حل كثير من القضايا بواسطة المفاوضات على مدار الأسبوع الماضي([1]).

كما أوضح لافروف -وزير خارجية روسيا- الموقف الرسمي لموسكو بقوله أن اتفاقية خفض التصعيد قائمة بحكم الاتفاقات بين ترامب وبوتين وجوهر القضية تكمن في إبعاد "الإرهابيين عن الحدود الإسرائيلية وسيطرة الجيش السوري عليها"، وأن روسيا "نفّذت التزاماتها تجاه الاتفاقية" و"نأمل من الشركاء تنفيذ التزاماتهم، مما يظهر عدم رضى موسكو عن المحادثات التي تجريها الولايات المتحدة مع المعارضة([2]). وحول هذا الهجوم نشر آيغور سوبوتين في صحيفة نيزافيسمايا الروسية تحليلاً معمقاً حول تداعيات هذا الهجوم وهواجس موسكو حياله، حيث ركز على مجموعة من النقط أهمها ([3]):

  1. خشية تأثر المسار الدستوري بتطورات الجنوب؛ إذ تتبين مؤشراته من خلال لقاء غويتيرش (الأمين العام للأمم المتحدة) مع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف الذي أوضح استمرار الانقسام في مجلس الأمن ومحاولة بعض الأطراف حل القضية من وجهة نظرها؛
  2. قلق إسرائيل المتزايد: إذ لا تزال تل أبيب تطالب موسكو بانسحاب القوات الموالية لإيران من المنطقة الحدودية معها لا سيما مع وضوح المشاركة الإيرانية؛
  3. تأكيد تصريحات أنطون مادراسوف عضو المجلس الروسي للشؤون الخارجية بأنه "ليس مستبعداً أن يشكل الهجوم الأخير مشكلة للدبلوماسية الروسية التي تُتّهم دائماً بالأخطاء التي يرتكبها الأسد.

إلا أن الحركية الروسية لا تلحظ هذه الهواجس؛ فهي ماضية باتجاه تعزيز سيطرة النظام العسكرية وإخراج حل سياسي يبدأ بالدستور وفق مخيالها السياسي؛ ومختبرة بذات الوقت هوامش تحركاتها في مناطق ذات النفوذ الأمريكي. وعلى الرغم من أن المشهد العام وإن بدا يسير باتجاه استحواذ الأسد على المزيد من مناطق سيطرة المعارضة إلا أن المُضي دون وجود استراتيجية خروج ولحظة سياسية جديدة تعيشها البلاد وتستطيع من خلالها مواجهة تحديات عميقة مرتبطة كلياً بمولدات الاستقرار فإن المشهد العام في سورية سيكون أسير الفوضى والسيولة الأمنية ومعززاً لعوامل التشظي الاجتماعي.

أما في الشمال السوري؛ ووفقاً لتحليل الخبير في الشأن السوري نيقولاي بلوتنيكوف، فإن مؤشرات عديدة تدلل على سعي "تركيا على تدمير الحكومة السورية" كما عنون مقاله؛ ودفع الخبير بتعزيز اتجاهات التحليل نحو ربط تصرفات الحكومة التركية ببوصلة "تدمير الدولة السورية التي تقاتل الإرهابيين"، والمساعدة في "إنشاء جيب للمعارضة في شمال سورية مع حكومتها". وأكد أن إنشاء مؤسسات موازية للسلطة في دولة ذات سيادة ينطوي على مشاكل قانونية ودبلوماسية لابد من حلها. ومن هذه المؤشرات الآتي([4]):

  1. إنشاء مؤسسات إدارة محلية وتعليمية باللغات الثلاث العربية والتركية والإنكليزية؛
  2. إنشاء مراكز بريد ولوحات طرقية باللغة التركية ومصارف وموظفين؛
  3. جمع الأموال بسبب الضرائب المحلية والإيجار والرسوم البلدية بالليرة التركية؛
  4. وجود العلم التركي وصورة أردوغان في المؤسسات الرسمي؛
  5. إنشاء جهاز للشرطة بقوام 7000 فرد يحملون الإشارات التركية؛
  6. تعيين مفتي للباب من الشؤون الدينية التركية.

تدلل هذه الرؤية حيال الفاعل التركي على أن التحالف التركي الروسي ضمن مسار الأستانة هو تحالف قلق تجمعه الهواجس الأمنية المشتركة وتعمل على تباعده في المنظور الإداري والسياسي. فعلى الرغم من أنَّ الحركية التركية في الشمال السوري أتت ضمن تفاهمات الأستانة إلا أن ملامح عدم التوافق على الشكل النهائي لترتيبات هذه المناطق مرشح لمزيد من التبايُنات وسيحتاج العديد من التفاهمات الجزئية.

رغبة متزايدة بسحب "الورقة الكردية"

فيما يرتبط بشرق النهر (مناطق سيطرة الإدارة الذاتية) نشرت صحيفة سفابودنايا بريسا مقالاً بعنوان "ترامب سيسلّم الأكراد السوريين لبوتين"؛ وسردت مجموعة من المعطيات الداعمة لهذا العنوان، ومما ذكرته الصحيفة([5]):

  • بدأ الاتصالات بين قوات الأسد والقوات الكردية، واستمرت المحادثات حوالي شهر. وربما كانت شرارة البدء بها المقابلة التي أجراها الأسد والذي أبدى فيها استعداده لمناقشة أي مقترحات بناءة مع الأكراد، ولكنه أضاف إذا فشلت الجهود فسيستعمل القوة لحلها.
  • تفاهم الدولتين اللتين ترعيان الأطراف المتنازعة وهما روسيا والولايات المتحدة، فهاتان القوتان كانت قد وصلتا إلى حد الاصطدام، حيث كان العالم يتوقع حرباً بينهما.
  • قيام بعض القوى الكردية المدعومة من أميركا بالحديث فجأة عن هدنة مع دمشق، وقد بدأت المفاوضات بزيارة وفد صغير من موالي الأسد إلى الحسكة والقامشلي وتكررت اللقاءات.
  • حديث صحيفة الوطن السورية عن اتفاق تم برفع الأعلام السورية في القامشلي والحسكة وتشكيل حواجز من قوات مشتركة في المدينة.

وبينما يعتقد المستشرق السياسي الروسي "كارين جيفورجيان"، أنه لا يستحق أخذ مثل هذه الأخبار بتفاؤل مفرط، فقد تمت محاولات سابقة، وربما يتحول الوضع للأسوأ. كما شارك الخبير العسكري إيرك يلدريم التركي في حوار الصحيفة حيث قال: إن أميركا بهدف الحفاظ على علاقتها مع تركيا "التي تعتبر pyd مجموعات إرهابية" أجبرت القوات الكردية على الانسحاب من منبج، ويعتقد أن أميركا قد تعطي الأراضي التي تسيطر عليها لروسيا، ويعتبر ذلك صفقة مربحة للأسد الذي ليس لديه ما يواجه به تركيا. كما أن وجود القوات الروسية في الشمال سيحُد من العمليات العسكرية التركية في حال استمرارها شمالاً. ويُتابع الخبير بأن بوتين سيتفاهم مع أردوغان على ذلك قبل قبول عرض ترامب "تفادياً لعدم إساءة العلاقة مع تركيا". ويرى الخبير أنه قد تسمح قوات الحماية الشعبية YPG لقوات النظام بالتواجد في الأراضي التي تسيطر عليها ولكنها لن تتخل عن إدارتها لها([6]).

استنزاف "حميميم" وأسئلة "التنف"

وبسؤال مركزي إلى متى سيصمد دفاع قاعدة حميميم؟ تساءلت إيفان شفارتس التي حللت أخبار تعرض قاعدة حميميم لهجوم بطائرات مسيرة مجهولة التابعية، واستطاعت وسائط الدفاع الجوي "بانتيسير "للقاعدة من إسقاط الطائرات المهاجمة. ولكن السؤال إلى متى سيبقى إسقاط هذه الأهداف الرخيصة بواسطة منظومات الصواريخ المضادة غالية الثمن؟ وبالنظر لهذه المنظومة التي تضم 12 صاروخ إطلاق، فتستطيع إسقاط 12 طائرة، واستمرار الدفاع بهذه الطريقة سيؤدي إلى استهلاك هذه الصواريخ ونفادها، وفي حال تعرض القاعدة لموجات هجوم منظم قد تستطيع هذه الطائرات الوصول إلى مرابض الطائرات في القاعدة وتحقيق أهدافها. وسيصبح الدفاع عن القاعدة كمن يتصيّد العصافير بمدفع، ولكن إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الجيش الروسي يستخدم صواريخ مضادة للطائرات لتدمير طائرات بدون طيار، وهذا يعني عدم وجود وسائل فعالة من التدابير المضادة الإلكترونية ضد طائرات بدون طيار، كما يؤكد عدم فعاليّة الدفاع عن القاعدة([7]).

يؤكد المعطى أعلاه على مؤشرٍ بالغ الأهمية، ويتمثل بجعل الوجود الروسي وجوداً قلقاً تحده العديد من المخاوف الأمنية وتعرضه لاستنزافات مستمرة. وبغض النظر عن الجهة المستهدفة وما تحمله من تفسيرات محتملة، إلا أنه يكرس مقاربة الكلفة المرتفعة للانخراط الروسي في سورية الذي يشهد تزايداً ملحوظاً. فقد أُعلن مؤخراً عن شركة أمنية تُسمى "باتريوت" لها نفس مهمة "فاغنر" مع وجود أشخاص يعملون بعقود سرية مع وزارة الدفاع الروسية. وقد شاركت هذه القوات بشكل غير مباشر في تحرير دير الزور، حيث قامت بقطع خطوط الإمداد القادمة من شرق الفرات والتعامل مع قوات YPG عند اللزوم، كما شارك البعض مع قوات النمر([8]).

وفيما يرتبط بمصير قاعدة التنف الأميركية فقد بيَّنت الأوساط الإعلامية الروسية أنها ستكون حاضرة في نقاشات ترامب بوتين، وتوقعت دوراً كبيراً ستلعبه إسرائيل في هذا الموضوع (الدفع باتجاه تثبيت القاعدة)، ولهذا وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى موسكو في 11/7 لمناقشة ذلك. وكان الحديث يدور على سحب القوات الإيرانية إلى 100 كم عن الحدود الإسرائيلية ثم إلى 80، بينما تُطالب إسرائيل بسحبها نهائياً، في الوقت الذي لا تستطيع فيه موسكو إعطاء مثل هذه الضمانات. وحسب الصحيفة فإن موسكو على استعداد لنشر قوات شرطة عسكرية في هذه المناطق، وأنها سعت لعدم مشاركة قوات إيرانية في الجنوب. ولكن مصادر المعارضة تُفيد باندماج هذه القوات مع الجيش السوري وارتداء زيّه العسكري، ولكن ماهي ردود فعل إيران؟ أجاب على ذلك حميد عزيري عضو نادي فالاداي وكبير المحاضرين في جامعة طهران بأنه لا يرى أي مؤشرات لمغادرة إيران سورية موضحاً أن إيران تُمارس أنشطتها عن طريق ميليشيات ليس لموسكو تأثير عليها([9]).

وفي هذا السياق وبحكم تغلغل الإيرانيين بشكل عضوي (عبر أفراد أو مجموعات محلية أو أجنبية) في بُنى الجيش والأمن، فإن موسكو ستبقى تعمل على عرض اتفاقات مع واشنطن وأن تبيعهم وهماً يسمى الانسحاب الإيراني؛ إلا أن هذا لا ينفي بالمقابل احتمالية رضا الأمريكان بضبط نفوذ إيران وتعميم نموذج الجنوب.

الملف الكيماوي وسياسة النكران الروسية

وفيما يتعلق بتطورات التحقيق في استخدام السلاح الكيماوي؛ تابعت الخارجية والدفاع الروسيتين اتهامها لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بتحيُزها في التحقيق الذي يجري في سورية في دلالة على تشبُث موسكو بسياسة تحييد آثار الملف الإنساني مهما بلغت تداعياته. كان ذلك على لسان قائد السلاح الكيميائي والبيولوجي الروسي الجنرال أيغور غريلوف حين ساق التُهم التالية:

  1. عدم أخذ الأدلة من المواقع المشتبه بها، مما يؤدي إلى ظهور عبارات تحتمل تفسيرات متناقضة لمحتوى التقرير؛
  2. عدم تضمن هذه التقارير أدلة دامغة، وهذا يشير صراحة إلى العدائية ضد النظام السوري؛
  3. إن اتهام دمشق من خلال فكرة أن القنابل ألقيت من الطائرات على اعتبار أن الإرهابيين ليس لديهم طائرات، هو غير صحيح برأيه لأن البراميل كانت موجودة لدى الإرهابيين في مكان قصف الطيران مما أدى إلى انفجارها حسب رأيه.

في سياق متصل ووفقاً لبيانات وزارة الدفاع فإن "الخوذ البيضاء" هم من عملوا على تزييف الحقائق وافتعال الهجوم الكيميائي. وتُشير الصحيفة أن الولايات المتحدة تستبق التحقيق في كل مرة لتوجيه ضربات للنظام السوري، معتبراً أن "الخوذ البيضاء" تعمل لصالح القاعدة وجبهة النصرة. ويدَّعي كريلوف اكتشاف القوات الروسية مخبراً لدى الخوذ البيضاء لتصنيع الأسلحة الكيميائية بمعدات غربية وأمريكا الشمالية([10]).

بينما كتبت صحيفة كاميرسانت الروسية نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز إن تقرير اللجنة المشكلة لتقصي جرائم النظام السوري في حقوق الإنسان واستخدامه للأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية الذي نشر يوم الأربعاء بتاريخ 20/6 في صيغته النهائية يختلف كثيراً عن صيغة المسودة التي أعدتها اللجنة، حيث اختفت كثير من الحوادث المفصّلة عن استخدام الكلور المؤكد في مناطق الغوطة الشرقية، كاستبعاد اتهام النظام السوري عن مقتل 49 شخصاً بينهم 11 طفلاً في إلقاء قنبلة على مبنى سكني في الغوطة ومن استخدامه صواريخ أرض -أرض محملة بالغاز السام ألقيت على دوما التي ذهب ضحيتها  49 شخصاً وأصيب فيها 650 شخص، بينما يؤكد كاتب المقال المسؤولية الكاملة للجيش السوري وحلفائه عن الهجمات الكيميائية.

وتعليقاً على تقرير الأمم المتحدة أعرب لافروف عن شكوكه بنتائج التقرير لأن اللجنة اعتمدت على وسائل التواصل الاجتماعي والفيديوهات الصادرة عنها بدلاً من الذهاب إلى الموقع وهذه أدلة لا يمكن الوثوق بها حسب قوله([11]). ويذكر هنا أن موسكو ممثلة بنائب وزير الصناعة قد عارضت بشدة مشروع القرار الأممي الذي طالب بضرورة تحديد اللجنة إلا أنه تم إقرارها بعد موافقة 82 دولة واعتراض 24 دولة أخرى. والجدير بالذكر أن هذه القرارات لن تكون سارية المفعول قبل تشرين الثاني القادم موعد اجتماع الأعضاء في دورتهم العادية([12]).

لا تزال تمضي موسكو في منهجها الرافض كلياً لتفاعلات الملف الإنساني مستخدمة ذات المصطلحات التشكيكية في صحة التقارير الدولية وشيطنة كافة المنظمات الإنسانية السورية. وتحاول أن تفرض منهجية واحدة في عمل هذه التقارير عبر الاكتفاء بالوصف دون تحديد المسؤولية، وهذا يدل بشكل واضح على خطورة هذا الملف على إنجازاتها السياسية والعسكرية في المسرح السوري، لذا تحاول جاهدة إبعاده عن مسرح التأثير وهو ما لا يتوقع استمرار تغييبه مما سيعقد الموقف الروسي مستقبلاً.

وكخاتمة لهذا التقرير؛ يمكن القول:

إن معظم الأطروحات والتحليلات الروسية حيال تطورات المشهد السياسي والعسكري السوري تنطلق من ذات الفرضيات التي تُسوقها موسكو رسمياً؛ ولم تُشكل تلك الإشارات الخجولة التي يتم التطرق إليها بين الحينة والأخرى حيال مؤشرات الاستنزاف الروسي اتجاهاً إعلامياً أو بحثياً عاماً في روسيا، فلا تزال مفردات "الانتصار على الإرهابيين؛ تدمير الدولة؛ والسيادة الوطنية؛ والنظام الشرعي" هي الأكثر تحكماً بمخيال معظم المحللين والباحثين، وهذا يفسر تغييبهم المتعمد "لضرورة التأسيس لمرحلة سياسية جديدة" التي بدونها ستبقى المناخات العامة مرشحة للعديد من الارتكاسات والتحديات.


([1]) فلاديمير فيتين "نجاحات الروس والسوريين في درعا" مركز الدراسات الاستراتيجية، تاريخ: 5/7/2018 https://goo.gl/8KMzmT

([2]) مارينا بيلينكايا "الأردن يهيئ المناخ لقمة هلسنكي" كاميرسانت، تاريخ: 4/7/2018 https://goo.gl/3hLNoG

([3]) ايغور سوبوتين "الهجوم السوري الجديد في الجنوب يسبب صداعاً لروسيا" نيزافيسيمايا، تاريخ: 21/6/2018 https://goo.gl/2tuNyN

([4]) نيقولاي بلوتنيكوف "كيف تعمل تركيا على تدمير الحكومة السورية" نيزافيسيمايا، تاريخ 22/6/2018 https://goo.gl/czq9oa

([5]) نيكيتا سماغين "كيف سيغير ترامب إيران من الداخل" المجلس الروسي للشؤون الدولية، تاريخ: تاريخ 4/7/2018 https://goo.gl/k1kWz5

([6]) زاور كارييف "بوتين يسلم الاكراد السوريين لبوتين، سفابودنايا بريسا، تاريخ: 4/7/2018 https://goo.gl/b2uVgL

([7]) ايفان شفارتس "إلى متى سيصمد دفاع قاعدة حميميم" نيزافيسيمايا، تاريخ: 1/7/2018 https://goo.gl/Nx7Zuw

([8]) وتفيد صحيفة سفابودنايا بريسا أن من بين المشاركين ضابطين من داغستان برتبة نقيب ورائد سافروا إلى سورية بمعرفة قادتهم ولكن بدون علم وزارة الدفاع الروسية، قد يكون السبب الحصول على أجر مرتفع، وأحدهم حصل على لقب بطل ولكنه توفي والسبب في ظهور هذه التنظيمات التناقض في القوانين الروسية، أما عن عناصر "فاغنر" فهي تحصل على رواتب عالية بفضل مهنيتها، وما الاشاعات التي تفيد عن عدم معالجة جرحى هذه الشركات فهو غير صحيح لا بل ويتلقى ذويهم الدعم المالي والنفسي إذا لزم الأمر. في حين أشار أحد قادة فاغنر لم يذكر اسمه أنهم لا علاقة لهم بهذه المجموعة ولكن يقومون بأعمال مشتركة أحيانا، للمزيد أنظر: زاور كارييف "ارسال مرتزقة روس جدد إلى سورية" سفابودنايا بريسا، تاريخ: 7/7/2018 https://goo.gl/2tUKgH

([9]) ايلينا تشيرنينكو، ميخائيل كاراستيكوف "على ماذا يمكن ان يتفق الرئيسان بوتين وترامب في هلسنكي" كاميرسانت،9/7/2018 https://goo.gl/Xs1h8S

([10]) اولغا بوجييفا "روسيا تتهم منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بالتحيز في التحقيق"، مسكوفسكايا كمسامولسكايا، تاريخ:22/6/2018https://goo.gl/gW22wa

([11]) ايكاترينا مارييفا "لماذا ظهر تقرير لجنة الكشف عن استخدام الكيماوي في سورية مخففا" كاميرسانت، 21/6/2018 https://goo.gl/3v6Eqd

([12]) ايكاترينا مارييفا "منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ستعلن جهة استخدام السلاح الكيميائي" كاميرسانت، 27/6/12018  https://goo.gl/FKJr2a

التصنيف تقارير خاصة