الدراسات

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

الملخص الترويجي

كانت علاقة الدين بالدولة في الدستور السوري نقطة جوهرية في جميع الحوارات والتفاوضات التي جرت بين التيارات المحافظة والليبرالية سابقاً، وجوهرية أيضاً في حوارات اللجنة الدستورية التي يفترض بأنها ستضع دستوراً لسورية. وعليه تهدف الدراسة إلى توسيع النقاش باتجاه بناء حوار فعال بين التيارات داخل اللجنة الدستورية وخارجها، لفتح الباب نحو حوارات مستقبلية تكسر القطيعة بين العديد من الثنائيات السورية وعلى رأسها ثنائية المحافظ والليبرالي.

 

تنقسم الدراسة إلى جزئيين أساسيين؛ الأول عرض تاريخي تحليلي لتعامل الدساتير السورية مع المسألة الدينية والمسائل المرتبطة بها، مستعرضةً مقارنات للقضايا ذاتها في الدساتير العربية. والثاني أهم الخلاصات لدراسات بعض المفكرين المحافظين العرب والسوريين، في تحديد القضايا التي يمكن للتيارين الوصول فيها إلى نقاط مشتركة تنعكس في الدستور، وإلى القضايا التي لا يمكن للدستور أن يعالجها إلا وفق النظام السياسي والقانوني المقبل في سورية."

تمهيد

كانت مصادر التشريع في الدستور السوري نقطة جوهرية في جميع الحوارات والتفاوضات التي جرت بين التيارات المحافظة والليبرالية، وهي على ما يبدو ستكون أيضاً جوهرية في حوارات اللجنة الدستورية التي تشكلت كجزء من الحل السياسي، والتي يفترض بأنها ستضع دستوراً لسورية ضمن سلة حلول أخرى تسعى إلى إحلال السلام. كانت الهيئات التأسيسية التي كتبت جميع الدساتير السورية والعربية تتعرض إلى نقطتي خلاف أساسيتين وهما: دين الدولة، ومصادر التشريع فيها. لقد جادلنا أن دين الدولة ومصادر التشريع فيهما قضيتان مرتبطتان ومنفصلتان بآن ([1]) ارتباط القضيتين يتأتى من أنهما كانتا مجال تفاوض أساسي بين التيارات المحافظة والليبرالية، وانفصالهما يكمن في عدم تعيين مخرج واضح لاستخدام أي منهما دستورياً. توضيحاً، يفترض أن ترتبط التشريعات القانونية بمصادر التشريع، وبالتالي فإن قانون الأحوال الشخصية، وهو القانون المفترض أنه الأكثر تأثراً بمصادر التشريع، يجب أن يتأثر بشكل واضح بتغير النص الدستوري، إلا أن هذا الأمر لم يكن دقيقاً، ففي حالات مثل دستور الـ 1920 ودستور 1930 وغيرهما لم يكن هناك ذكر لمصدر التشريع ورغم ذلك ظل قانون الأحوال الشخصية ذا طابع إسلامي. من جهة أخرى كان دين الدولة في تونس هو الإسلام وقانون الأحوال الشخصية ذا طابع ليبرالي مثلاً. كما أوضحنا أن التفاوض الذي جرى بين التيار المحافظ المسلم من جهة والتيارات الليبرالية والمحافظة المسيحية من الطرف الآخر، قد حال دون تبني نصٍ صريحٍ حول دين الدولة في الدستور، و"الاكتفاء" بجعل الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع. في حين أن هذا التفاوض في تونس أفضى إلى تنازل التيارات المحافظة فيها عن جعل الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع، و"الاكتفاء" بعبارة " دينها الإسلام" في وصف الدولة التونسية. إذاً تنازل التيار المحافظ في سورية في دستور 1950 عن عبارة دين الدولة هو الإسلام ورضي بالشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع، وتنازل التيار المحافظ في تونس عن الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ورضي بدين الدولة هو الإسلام. إذاً يمكن الاستنتاج أنه لا توجد علاقة سببية واضحة أو اتفاق على المخرج المتوقع من استخدام هذه العبارة أو تلك.

انطلاقاً من هذه المقدمة، سنعمد في بحثنا هذا إلى توسيع النقاش باتجاه بناء حوار فعال اليوم بين التيارات داخل اللجنة الدستورية وخارجها، آملين أن نفتح الباب نحو حوارات مستقبلية تكسر القطيعة بين العديد من الثنائيات السورية وعلى رأسها ثنائية المحافظ والليبرالي.

وسنتطرق أيضاً إلى قضية حقوق المرأة كونها مرتبطة بشكل وثيق بمصادر التشريع ودين الدولة والحوار الليبرالي-المحافظ ولكونها أخذت حيزاً هاماً في مداولات دستور 1920 وغيره من الدساتير. ولكن وقبل أن نلج في إشكالية البحث وأسئلته، نرى من الواجب توضيح هذه الثنائية أولاً، واصطلاحنا ثانياً.

يعاني المجتمع السوري من ثنائيات، أعاقت بالتضافر مع عوامل أخرى بناء هوية وطنية جامعة، فثنائيات من قبيل عربي -كردي، مسلم -مسيحي، سني -علوي، داخل -خارج، كانت على الدوام، وبشكل صارخ بعد العام 2011، مصدر قلق اجتماعي عام، وعامل عنف رهيب. إلا أن واحدة من الثنائيات التي اخترقت كل الثنائيات الأخرى، هي ثنائية ليبرالي -محافظ، أو لتوصيف القضية بشكل أدق ثنائية علماني -إسلامي. كانت هذه الثنائية دائمة البروز عند الانعطافات التاريخية في سورية، وليست أحداث السبعينات والثمانينات وحدها الشاهد. وكنتيجة للصورة المتخيلة عن الآخر، تكرست كلمة العلمانية كمرادف للإلحاد والإسلامية كمرادف للتطرف، رغم محاولات الطرفين شرح المفهومين، إلا أن الانطباع العام لم يتغير. من هنا، ولأغراض إجرائية وقصدية، فإننا نستعمل مصطلح الليبرالية لنقصد به التيارات التي تنادي بفصل الدين عن الدولة والمساواة بين الأفراد بغض النظر عن الجنس والدين والعرق والطائفة والمذهب، والتيارات المحافظة التي لا تدعم كلياً أو جزئياً فكرة المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء أو بين المسلم والمسيحي. الغرض من تحديد المصطلحات بهذا الشكل هو قصديّ بالدرجة الأولى. إذ نتوخى من تكريس هذا التقسيم في الخطاب السياسي السوري، بدل تقسيم علماني -إسلامي لعدة أسباب: أولاً، تجنب الصورة المتخيلة عن كل منهما، والتي تسم العلمانية بالإلحاد والكفر والإسلامية بالتطرف. ثانياً، نقل الخلاف الأيديولوجي إلى الحيز السياسي. ثالثاً، إن ثنائية المحافظ ليبرالي تكسر التخندق الحاصل في ثنائيات هوياتية مقسمة للمجتمع، كثنائية مسيحي/ مسلم أو عربي/ كردي. رابعاً، هو الشكل الذي يأخذه مصطلح الإسلامية في الأدبيات الغربية، والذي عن قصد أو بغير قصد، يضع مصطلح الإسلامية Islamic كمكافئ لمصطلح الإسلاموية Islamist رغم أن التيارات المحافظة في الغرب قد تسمي نفسها مسيحية Christian وليس مسيحوية Christianist.

ينطلق البحث في تحديد إشكاليته وأسئلته الأساسية ومنهجه، من ثم ينقسم البحث إلى جزئيين أساسيين: نمضي في الجزء الأول في عرض تاريخي تحليلي لتعامل الدساتير السورية مع المسألة الدينية والمسائل المرتبطة بها، مستعرضين مقارنات للقضايا ذاتها في الدساتير العربية. من ثم ننتقل في الجزء الثاني، وبالاستناد إلى استخلاصات الجزء الأول، وإلى دراسات بعض المفكرين المحافظين العرب والسوريين، في تحديد القضايا التي يمكن للتيارين الوصول فيها إلى نقاط مشتركة يمكن أن تنعكس كنقاط مشتركة في الدستور، وإلى القضايا التي لا يمكن للدستور أن يحلها، ويجب أن تترك للنظام السياسي والقانوني المقبل في سورية.

في الإشكالية والأهداف

برزت علاقة الدين بالدولة كمحدد أساسي للعلاقة بين التيارات المحافظة والليبرالية في سورية بشكل واضح في الدساتير السورية منذ دستور عام 1920. ([2]) وصلت هذه الإشكالية حد المواجهة في الشارع في العام 1972 إبان وبعد مداولات دستور 1973. لم تكن هذه القضية الوحيدة التي أثارت نزاعاً في مداولات الدساتير المختلفة، لكنها تبدو واحدة من القضايا الأكثر أهمية، على الرغم من قلة الأبحاث التي تطرقت إلى هذه المسألة حتى تاريخ كتابة هذا البحث، رغم وجود أبحاث هامة طبعاً في هذا المجال. إلا أننا بدأنا نلحظ اهتماماً متزايداً بها بعد الحديث عن دستور جديد كمخرج للحرب الدائرة في البلاد منذ العام 2011. فعلى سبيل المثال، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات ندوة بعنوان "مئوية الدستور السوري الأول 1919/1920: إشكالية العَلمنة" من تقديم محمد جمال باروت بتاريخ 2 أيلول 2020، لمناقشة تعامل مؤتمر العام 1920 مع قضية العلمانية. ([3]) كما ظهر بحث هام للدكتور إبراهيم دراجي والدكتورة ريم تركماني تناول قضية علاقة الدين بالدولة في العام ذاته. ([4])

على الرغم من أهمية هذا البند في الحياة السياسية عموماً، وفي الدستور خصوصاً، ظلت هذه المسألة بعيدة عن التناول البحثي الجدي والعميق في محاولة معرفة المحددات الأساسية التي أفضت إلى النصوص المعتمدة، أو غيابها، في جميع الدساتير، ناهيك عن مفاعيل هذه النصوص سياسياً وقانونياً.

زد على ذلك، أن عبارة "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع" حافظت على نفسها تقريباً، مع تباينات طفيفة، في جميع الدساتير السورية منذ العام 1950 وحتى آخر دستور في العام 2012، متنازعة مع محاولات لإدراج نص "دين الدولة هو الإسلام" لتبقى كذلك نتيجة للتفاوض المتوتر بين التيارات، دون أن يكون هناك تفسير واضح للفرق بين العبارتين، ومتنازعة مع محاولات أخرى لإزالتها تماماً من دون أن تبرز محاولات جدية لاقتراح نصوص دستورية تعمل على تقريب وجهات النظر بين التيارات.

عليه فإن هذا البحث سيسعى للإجابة عن الأسئلة الآتية:

  • كيف برزت علاقة الدين بالدولة في الدساتير السورية المختلفة؟ وكيف تباينت النصوص الدستورية فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين الدساتير العربية من جهة أخرى؟
  • ما الأسباب التي أفضت إلى اعتماد هذه النصوص، وما دور العوامل الداخلية والخارجية في تبنيها أو إغفالها؟
  • ما دور حقوق الجماعات وحقوق الأفراد فيها؟ وما مفاعيل هذه النصوص وآثارها القانونية والمجتمعية على الأفراد والجماعات؟
  • وبالاستناد إلى المحدثين من التيارين المحافظ والليبرالي، هل بالإمكان الوصول إلى نصوص توافقية تشكل أساساً للحوار بين هذين التيارين؟

في الإجابة عن هذه الأسئلة يسعى البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • تسليط الضوء على علاقة الدين بالدولة من وجهة نظر التيارين الليبرالي والمحافظ وانعكاساتها الدستورية، وفهم الأسباب التي أفضت إلى تبني النصوص النهائية في دساتير 1920، 1950، و1973
  • التقاط مجالات التقاطع المحتملة بين التيارات، ومدى إمكانية الوصول إلى إطار مشترك في الدستور التي تشتغل عليه اللجنة الدستورية.

 

سنعمد في هذا البحث إلى المنهج الوصفي التحليلي في مقاربة وجهات نظر التيارات المحافظة والليبرالية، مع استخدام المنهج التاريخي في فهم السياقات السياسية والاجتماعية التي أطّرت تعاطي الدساتير السورية المتعاقبة مع القضية الدينية. كما استعملنا المنهج المقارن في مقارنتنا بين الحوارات والتفاوضات التي جرت بين مختلف التيارات السياسية للجمعيات والهيئات التي كتبت دساتير الأعوام 1920، 1950، و1973. سنركز خلال استعراض المسألة الدينية على الحوارات والتفاوضات التي رافقت كتابة هذه الدساتير في محاولة لمقاربة الحوار الليبرالي المحافظ دستورياً مركزين على ثلاثة دساتير أساسية هي: دستور 1920 كونه أول دستور لسورية بعد انفصالها عن السلطنة العثمانية، وكونه أول دستور سوري يكتبه السوريون، ودستور 1950 كونه أول دستور يكتب بعد الاستقلال عن فرنسا، ولأنه أول دستور يذكر نصاً واضحاً لمصادر التشريع، ولأنه أول دستور يتم التنازع فيه بين نصي دين الدولة ومصادر التشريع، وأخيراً دستور 1973 والذي شهد تثبيت الحكم العسكري الشمولي لسورية الذي ابتدأ مع انقلاب آذار 1963، والذي دام حتى يومنا هذا. لا نعني بكلامنا أن الدساتير الأخرى كدستور العام 1930 مثلاً، غير مهمة، إلا أننا نرى أن هذه الدساتير الثلاثة شكلت عاملاً فارقاً في الحياة السياسية السورية.

سنعمد إلى الاقتباس الكامل لمداخلات أعضاء الهيئات التي كتبت هذه الدساتير، كون هذه المداخلات هي ما شكل الأساس في عملية الاستخلاص والتحليل من جهة، ولأهمية هذه المداخلات كناحية توثيقية من جهة أخرى.

لن نتطرق في هذا البحث إلى جميع النصوص التي تتعلق بالدين كالقسم، والتعليم، وأحوال الطوائف، وذلك أن هذه القضايا هي حصيلة النقاش على المادة الثالثة في الدستور، ومقدمته. فما جرى في نقاشات جميع الدساتير تركز على المادة الثالثة – حتى في غيابها في نص 1920 مثلاً-وعلى المقدمة كما سنرى في دستور 1950.

في سعينا للإجابة عن أسئلة البحث، سنركز على السياقات الاجتماعية والسياسية وتحديداً في النشاط السياسي الحزبي الذي سبق ورافق عملية كتابة الدساتير هذه. بالتالي، سنستعرض أهم الأحزاب التي عملت داخل قبة البرلمان في الجمعيات التأسيسية التي كتبت هذه الدساتير، سواء تلك المنتخبة كما هو الحال في المؤتمر السوري العام 1919-1920، وفي الجمعية التأسيسية في العام 1950، أو المعينة كما هو الحال في مجلس الشعب المعين في العام 1971-1973.

سنستعرض في ذلك، التفاوضات التي جرت داخل قبة البرلمان وتلك التي جرت خارجه بين الأحزاب فيما بينها، وبينها وبين القوى المجتمعية الدينية وقوى المجتمع المدني خارج البرلمان.

أولاً: الدستور والمسألة الدينية

ظلت المسألة الدينية حاضرة بقوة في كل الدساتير السورية التي كتبت خلال 100 عام، منذ العام 1920، تاريخ الدستور السوري الأول وحتى دستور العام 2012. وكانت واحدة من القضايا الأساسية التي أخذت قسطاً وافراً من الحوارات والتفاوضات التي رافقت كتابة ثلاثة دساتير على الأقل، وهي: دساتير الأعوام 1920، 1950، و1973 ولهذه الدساتير أهميتها الخاصة. فدستور العام 1920 كان أول دستور للكيان السوري بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية والذي، أي الدستور، لم يقيض له أن يرى النور بعد دخول القوات الفرنسية إلى دمشق. ودستور العام 1950 كان أول دستور سوري بعد الاستقلال ونهاية حقبة الانتداب. أما دستور 1973 فهو أطول دستور يحكم البلاد والذي أسس لحكم الأسد الأب والابن لقرابة 40 عاماً، والذي أثر بشكل واضح على دستور العام 2012 الذي جاء بعد انتفاضة العام 2011.

ليس مستغرباً أن تشهد هذه الدساتير الثلاثة تفاوضات مهمة لعلاقة الدين بالدولة شأنها في ذلك شأن كل الدساتير الأخرى في العالم العربي والعالم أجمع. فعلاقة الدين بالدولة لها أثر على القضية الهويّاتية التي يسعى الدستور إلى تأصيلها من جهة، وعلى حقوق الإنسان والجماعات من جهة أخرى.([5]) كما ستؤثر هذه النصوص، افتراضاً، على القوانين التي تكتب بفعل هذا الدستور، وبشكل أساسي قانون الأحوال الشخصية، وحقوق النساء، والأقليات الدينية والطائفية والمذهبية، وربما قوانين أخرى، ناهيك عن آثارها الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية.

تظهر العلاقة بين الدين والدستور في مجالات عدة منها ديباجة الدستور،([6]) ودين رأس السلطة التنفيذية، ودين الدولة، ومصدر التشريع، وحرية الاعتقاد، والأحوال الشخصية للطوائف، والتعليم عموماً والديني خصوصاً. ليست هذه قضايا عابرة، بل هي قضايا تقبع في جوهر الدستور كوثيقة للعقد الاجتماعي الذي يحكم علاقة الدولة بالمجتمع من جهة ويحدد وظيفتها من جهة أخرى، والتي ستحكم التشريعات التي ستستند إلى هذا الدستور.([7])

سنقتصر في هذا البحث على الدساتير الثلاثة الآنفة الذكر، مركزين فيها على التفاوضات التي دارت بين القائمين على كتابة الدستور من جهة، وبينهم وبين القوى الأساسية في المجتمع من جهة أخرى.

ثانياً: الدساتير السورية والمسألة الدينية

1.   دستور 1920

على خلاف دستوري العامين 1950 و1973، خلا دستور 1920 من أي ديباجة، رغم وجود أسباب موجبة لكنها لم تعتبر جزءاً من نص الدستور، وابتدأ فوراً بتعداد فصوله. ([8]) تظهر المسألة الدينية في دستور العام 1920 بشكل صريح في المادة الأولى التي تحدد دين الملك، وفي المادة الثالثة عشرة التي تمنع التعرض لحرية المعتقدات والديانات، والتي لا تمنع الحفلات الدينية من الطوائف على ألا تخل بالأمن العام أو تمس بشعائر الأديان والمذاهب الأخرى، وفي المادة الرابعة عشرة التي تذكر كيفية إدارة المحاكم الشرعية والمجالس الطائفية التي تحسب شرائعياً في الأحوال الشخصية المذهبية، وكيفية إدارة الأوقاف العامة مع أنها تتركها للمشرع لإقرار هذه الكيفية.

أما بشكل ضمني فيوجد المواد: العاشرة، والتي تقول إن السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، والمادة الحادية عشرة والتي تتحدث عن صيانة الحرية الشخصية، والمادة التاسعة والسبعين والتي تتحدث عن حق الانتخاب، والتي تتشابه إلى حد كبير مع الدساتير العثمانية 1878 و1908.

صمت هذا الدستور عن قضايا أساسية تتعلق بعلاقة الدين بالدولة، فهو لم يذكر دين الدولة ولا مصدر التشريع فيها ولا حقوق المرأة، ولا مكانة الدين الإسلامي في المجتمع بين باقي الديانات.

إن ظهور المسألة الدينية بشكل صريح وضمني والسكوت عن قضايا مرتبطة بها في دستور 1920، جاء نتيجة تفاوضات حول الدين والدولة وحقوق المرأة،([9]) جرت في أروقة المؤتمر السوري العام بين ثلاثة تيارات وهي: التيار الليبرالي، والذي كان يريد دولة لادينية بالمعنى اللائيكي،([10]) والتيار المحافظ، والذي أراد دولة إسلامية عربية بأساس ديني، والتيار الوسط، والذي كان يأخذ بالأساس الاجتماعي للمسألة الدينية في الدستور.

مثّل التيار الليبرالي شخصيات مثل رجل الدين المرموق الشيخ سعيد مراد، أستاذ مادة جملة الأحكام الشرعية في معهد الحقوق في بيروت ومن ثم في دمشق، ([11]) وإبراهيم الخطيب مندوب لبنان، سعد الله الجابري نائب حلب، ودعاس جرجس من قلعة الأكراد، وصبحي الطويل من اللاذقية. ([12]) أما التيار المحافظ فمثلته شخصيات مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني من حلب، والشيخ أحمد القضماني من دمشق، والشيخ أحمد العياشي وإبراهيم الشيخ حسن وخليل التلهوني. والتيار الوسط فمثّلته شخصيات مثل الشيخ رشيد رضا.

سنستعرض فيما يلي المواقف التفاوضية للأطراف الثلاثة ولكن قبل ذلك سنمر على الأحزاب السياسية التي كانت ممثلة في المؤتمر السوري العام.

1.1 الأحزاب السورية التي شكلت المؤتمر السوري العام

1.1.1 الكتلة التقدمية (حزب التقدم)

قاد الحراك القومي العربي خلال الحرب العالمية الأولى الجمعية العربية الفتاة، والتي تأسست في باريس في العام 1911 وتشاركت مع غيرها من الأحزاب والجمعيات التي عملت بشكل سري حتى شباط العام 1919 تحت اسم حزب الاستقلال العربي، ([13]) والذي ضم بين أعضائه شخصيات مثل الشيخ كامل القصاب والليبرالي الدكتور عبد الرحمن الشهبندر. تمتع حزب الاستقلال بعلاقة قوية مع الشيخ رشيد رضا من حزب الاتحاد السوري، والذي تأسس بدوره في القاهرة باسم حزب اللامركزية، والذي كان يدعو إلى نظام لامركزي يضمن حكماً ذاتياً للعرب، وذلك في العقد الثاني من القرن العشرين. بعد هزيمة السلطنة في الحرب العالمية الأولى تركزت أهداف حزب الاتحاد السوري في استقلال سورية الطبيعية وعروبتها، وعلى تبني نظام الحكم الملكي الدستوري، وخاصة بعد ظهور الأمير فيصل كشخصية ذات مرجعية دينية من سلالة الرسول الكريم كبديل عن الخلافة العثمانية، واللامركزية وبحماية الأقليات والأخوة بين المسلمين والمسيحيين. ([14]) تزعم هذا الحزب ميشيل لطف الله المسيحي رئيساً، والشيخ رشيد رضا نائباً للرئيس. يكفي أن نرى مسيحياً في الرئاسة وشيخاً في نيابة الرئاسة لندرك طريقة تعامل هذا الحزب مع قضية الدين. من الهام أن ننوه هنا أن الشيخ رضا كان يعتقد أن الدين الإسلامي قادر على توفير الحماية للمسيحيين وبأنه دين عصري وليس ديناً متطرفاً ورجعياً كما يزعم الغرب، وألا تعارض بين الإسلام والدولة المدنية الحديثة. ([15]) إذاً تركزت استراتيجية هذا الحزب على النضال القومي وعلى الإخاء بين أفراد الشعب، وذلك بشكل أساسي لمناهضة القوى الانفصالية المسيحية من جهة، والوقوف بوجه المزاعم الفرنسية بحماية المسيحيين في سعيها لفرض هيمنتها على سورية.

شكل حزبا الاستقلال والاتحاد تحالفاً تحت اسم الكتلة التقدمية والتي حصلت على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية في المؤتمر السوري العام ونجحت بإيصال الشيخ رضا إلى منصب رئيس المؤتمر.

1.1.2 الكتلة الديموقراطية: (الحزب الوطني السوري)

بدعم من الأمير فيصل، تشكل الحزب الوطني السوري من الشخصيات المتنفذة في دمشق بقيادة أمير الحج زمن السلطنة العثمانية عبد الرحمن باشا اليوسف، إضافة إلى شخصيات مثل عمر العابد، ومحمد الشريقي، وجنرالات الأمير فيصل مثل نسيب البكري وشريف ناصر، ([16]) كما كان من قياداته الشيخ المحافظ عبد القادر الخطيب، والذي رفض منح المرأة حق الانتخاب كما سنرى. ([17]) كانت غالبية أعضاء هذا الحزب من الفئة الأرستقراطية الثرية حتى سمي بحزب الذوات.  كخصمه السياسي، كان هذا الحزب يضع استقلال سورية الطبيعية هدفاً أسمى لكنه كان يدعو إلى التعاون مع فرنسا، منادياً بالمساواة بين المسيحيين والمسلمين في الوقت ذاته.

1.2 التفاوضات التي أفضت إلى هذه النصوص

رغم وجود كتلتين أساسيتين هما الكتلة التقدمية والكتلة الديموقراطية وعدد آخر من الكتل الصغيرة والمستقلين، ظهرت في حقيقة الأمر داخل البرلمان ثلاثة تيارات عابرة لبنية الأحزاب وهي: التيار الليبرالي والوسط والتيار المحافظ. ربما يعود هذا الانقسام إلى حقيقة أن الأحزاب المشكلة في فترة الاستقلال كانت تركز على قضية الاستقلال وحده، دون التفكير ملياً في قضايا أيديولوجية أو برامجية ستواجهها عند كتابة الدستور. استندت التيارات الثلاثة في مطالبها ومواقفها التفاوضية إلى منطلقات مختلفة. فالتيار الليبرالي الذي كانت أغلبية أعضائه من الكتلة التقدمية استند في مطالبه نحو دولة لا دينية وحق المرأة في الانتخاب على جانب حقوقي من ناحية، وعلى جانب آخر مرتبط بالعلاقة مع الغرب وبضرورة التفاوض معه منعاً لتدخله في شؤون سورية وحماية لاستقلالها من ناحية أخرى. في حين استند التيار المحافظ على الشريعة الإسلامية والتقاليد المجتمعية. أما التيار الثالث، فقد استند على ما أسماه مصلحة الأمة وتمثّل روحها.

فالتيار الليبرالي رأى أن تبني دولة لا دينية حداثة وتشبّه بالغرب المتطور، وبأن حق المرأة في الانتخاب هو حقها الإنساني، بل وحتى الشرعي.

كانت المطالبة بدولة لا دينية حاضرة بقوة بين النخب السورية، فالجموع التي استقبلت الأمير فيصل في دمشق كانت ترفع لافتات كتب عليها الدين لله والوطن للجميع، ([18]) وكان هنالك العديد من قادة الجمعية العربية من العلمانيين، وكان العديد من صحف دمشق تطالب بدولة محايدة تجاه الدين والدولة، مستخدمة مصطلحات مثل مدنية الدولة وحتى العلمانية. ([19]) كما أننا نظن أن التيار الذي كان يطالب بحق المرأة الانتخابي هو نفسه الذي طالب بدولة لا دينية، آخذين بعين الاعتبار أن التباين في درجة الليبرالية التي يتوخاها عضو ما تختلف عن تلك التي يطلبها عضو آخر.

يقول رشيد رضا في مقاله المنشور في العام 1934: "قد اقترح بعض أعضاء المؤتمر من غير المسلمين في هذه الجلسة أن يُنَص في قرار المؤتمر على أن حكومة سورية المتحدة لادينية (لاييك) و وافقه بعض المسلمين الجغرافيين، وعارضه آخرون مقترحين أن يُنص فيه على أنها حكومة إسلامية عربية، أو دينها الرسمي الإسلام، واحتدم الجدال، فلم أر مخرجًا من هذه الفتنة إلا اقتراح السكوت عن هذه المسألة، ومما قلته: إن إعلان كونها لا دينية يفهم منه جميع المسلمين أنها حكومة كفر وتعطيل، لا تتقيد بحلال ولا حرام، ومن لوازم ذلك أنها غير شرعية، فلا تجب طاعتها، ولا إقرارها، بل يجب إسقاطها عن الإمكان، فالأَوْلَى السكوت عن ذلك، فوافق الأكثرون على هذا الرأي والاكتفاء باشتراط أن يكون دين ملكها الرسمي هو الإسلام فتقرر ذلك".

ومن اللافت هنا عدة نقاط، الأولى إن اقتراح دولة لا دينية قبل نحو قرن من قبل أعضاء منتخبين لم يكن يرى على أنه خروج هائل عن المألوف، ([20]) على الأقل بين النخب. الثانية، هي أن رشيد رضا يسمي السوريين المسلمين المنادين بلادينية الدولة بالمسلمين الجغرافيين، والتي ربما عنى بها العلمانيين. الثالثة، هي أن الشيخ رضا لم ير بالدولة اللادينية نشازاً من جهة المفهوم، وسبب معارضته لها هو ما قد يفهمه الناس منها، لا جوهرها الفعلي.

أما في قضية المرأة، وتحديداً في تمكينها من حق الانتخاب، تبدو التفاوضات بين هذه التيارات جلية. فالتيار المحافظ، كان رافضاً بشكل قطعي لمشاركة المرأة في الانتخاب، مستنداً في ذلك إلى التقاليد وأحكام الشريعة. أما التيار الليبرالي فكان متحمساً لفكرة مشاركتها في الانتخابات، منطلقاً في ذلك من أنها متساوية مع الرجل في هذا الحق، وإلى مرجعيته الأوروبية. على سبيل المثال وفي معرض رفضه منح النساء حق الانتخاب يقول عبد القادر الكيلاني، والذي مثل الجهة في التيار المحافظ التي استندت إلى التقاليد المجتمعية: "إن الأوروبيين قد ساروا في حلبة التمدن 300 سنة فعاداتهم وتقاليدهم لا تمنع المرأة من الاشتراك معهم في كل شيء ومع ذلك أروني دولة من دول أوروبا أعطت الإناث هذا الحق" فالأصل عند هذه الجهة من التيار المحافظ هو العادات والتقاليد. أما الشيخ أحمد القضماني من دمشق فقد استند إلى الشريعة في معرض رفضه لإعطاء النساء حق الانتخاب. يقول الشيخ أحمد قضماني: "جعلها \أي المرأة\ الله بنصف عقل ونصف ميراث" فهذا التيار كان يرفض مشاركة المرأة في الانتخاب من وجهة نظره للشريعة الإسلامية. ([21])

وبالنسبة لموقف التيار الليبرالي المستند إلى مفهوم الحقوق والعلاقة مع الغرب كما أسلفنا. يقول السيد إبراهيم الخطيب: "لو كنت أعرف أن الأفكار مستعدة لقبول اقتراحي لهذه الدرجة لكنت اقترحت أن نعطي للمرأة أكثر من هذا الحق [حق الانتخاب]". ويقول السيد رفيق التميمي: "بإمكاننا أيها السادة أن نؤلف بين المذهبين القديم والجديد. إن حق الانتخاب واجب يعم جميع الوطنيين إلا أنه أصم فعلى كل وطني أن ينتخب ولكن لا يجازى إذا لم يصوت. نحن إذا أعطينا هذا الحق للمرأة فلها الحرية باستعماله أو رفضه." ويقول صبحي الطويل من اللاذقية: "إن هذا الانتخاب لو لم يفد إلا إثبات حق للمرأة لكفى".

أما التيار الذي استند في معرض دفاعه عن حق المرأة في الانتخاب إلى العلاقة مع الغرب فيمثله شخصيات مثل جورج حرفوش والشيخ سعيد مراد والذي دعي ببطل حقوق المرأة والذي يقول: "أتكلم باللغة العربية الفصحى التي يفهمها كل أحد. يقول الغربيون إن الشرق الذي سجل عليه إلى أجل غير معلوم جهل نصفه يجب أن نكون أوصياء عليه" ويقول جورج حرفوش: "غداً تقرأ أوروبا في جرائدها أن أعضاء المؤتمر السوري اقترحوا إعطاء حق الانتخاب للمرأة فتأكدوا أننا نحدث تأثيراً يغنينا عن عشرين وفداً". ([22])

أما التيار الثالث فقد كان يتحفظ على إعطاء المرأة حق الانتخاب من منطلق اجتماعي، والحفاظ على النظام العام، والذي سماه مرة بروح الأمة، ومصلحتها. لا يبدو أن هذا التيار كان رافضاً للفكرة من منطلق عقائدي، ولكن خشية من ردة فعل الجمهور. يقول محمد عزة دروزة في مذكراته: "وقد أخذ موضوع حقوق المرأة في الدولة حيزاً كبيراً، وكان للشيخ سعيد مراد (الغزي) مواقف إيجابية قوية في صدد تثبيت حقوقها وحريتها ومساواتها في الدولة، وكان للتقليديين مواقف مضادة ولكنها كانت تهزم أمام الحجج القوية من جهة، وكانت كثرة الشباب والمتفتحين في المؤتمر مساعدة على ذلك من جهة أخرى. ولولا أننا لاحظنا أن ظروف البلاد السياسية لا تتحمل هزة شديدة في الشعب يثيرها الرجعيون لأمكن إقرار مساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية والانتخابية والتمثيل وأهليتها لذلك".([23]) ويقول رشيد رضا: "فأنا أقول بوجوب محاربة الجامدين الذين يريدون أن تبقى المرأة جاهلة غير أن مسألة الانتخاب لا تترتب عليها مصلحة وقد توجب سوء التأثير وأظن أنكم تعرفون أن العوام والتيار العمومي لا يقبلان تحقيقاً فصرخة واحدة كافية لإثارتهما" ويقول في موضع آخر: "فإذا أعطينا المرأة حق الانتخاب أصبحت من أولي الأمر ولا يكون للرجل عليها درجة، نحن لا نريد أن ندخل في التفسير وقلنا إن المسألة لا مصلحة لنا فيها وليس لدينا من الوقت ما يسمح لنا بفتح الباب أمام المتعصبين".  أما عادل زعيتر فيقول: "لا شك أن كل واحد منا يريد أن تصل المرأة إلى الدرجة الراقية لكي تطلب حقها ولكن رغم ما قاله بعض الخطباء وادعاه من الفائدة في تخويل النساء حق الانتخاب أرى أن ذلك مضر لأنه لا يمتزج مع روح الأمة". ويقول الدكتور سعيد طليع: "فأنا لو كنت في أوروبا لكنت من الذين يدافعون عن إعطاء هذا الحق للمرأة ومؤيداً رأيي بالأدلة والبراهين القاطعة ولكني بما أني سوري وفي سورية لا يمكنني ذلك. نحن نسن قانوناً لكافة الأمة السورية فكل قانون لا ينطبق على روح الأمة لا يجدي نفعاً فسورية لا تتحمل هذا القانون". ([24])

انتهى الأمر كسابقه في موضع الدين بالدولة إلى الصمت عنه. لم يذكر الدستور أن الحق مقتصر على الرجال، ولم يذكر بشكل صريح موقفه من حق المرأة في الانتخاب. "الرئيس: [هاشم الأتاسي] يوجد اقتراح من عثمان سلطان وخمسة عشرة عضواً ويشاركهم السيد تيودور أنطاكي وهو "نقترح عدم البت في موضوع إعطاء المرأة حق الانتخاب وتسجيل الاقتراح في ضبط المؤتمر وإبقاء الفقرة من اللائحة القانونية على حالها" فمن يقبل ذلك فليرفع يده. وعند رفع الأيدي ظهر أن الأكثرية توافق الاقتراح".

لم تكن هذه القضايا، علاقة الدولة بالدين وحق الانتخاب للمرأة هي الوحيدة التي طرحت في المؤتمر، فقد ظهر خلاف أيضاً بين التيارين المحافظ والليبرالي حول ترويسة الخطاب الموجه إلى الأمير فيصل لشكره على ما قام به من أجل سورية، إلا أن التيار المحافظ احتج على عدم البدء بالبسملة، فاحتج بمقابلهم الليبراليون مطالبين بفصل الدين عن السياسة، ليأتي يوسف الحكيم، المحسوب على التيار الليبرالي بحل يتضمن البدء باسم الله، بدل باسم الله الرحمن الرحيم، فقبل الاقتراح. ([25])

من الملاحظ هنا، أننا لا نرى دوراً فاعلاً لرجال الدين من الطوائف غير السنية في مداولات هذا الدستور ولا في نصه. فعلى الرغم من ذكر المادة الرابعة عشرة لوجود طوائف ومذاهب لها أحوالها الشخصية الخاصة، إلا أننا لا نرى ذلك إلا استمراراً للنص كما ورد في الدستور العثماني 1876 وليس نتيجة تفاوضات تمت مع الزعامات التقليدية لهذه الطوائف كما جرى لاحقاً في مفاوضات دستور 1950. كما أننا لا نرى تحركات شعبية أثرت بطريقة أو بأخرى على مواقف أعضاء المؤتمر وقراراته، إنما التخوف من هكذا تحركات، كما ورد في مداخلة الشيخ رشيد رضا الذي كان يخشى ثورة من أسماهم بالمتعصبين. يعود هذا برأينا، إلى أن مداولات الدستور ظلت داخل قبة البرلمان ولم تحدث خارجه أي مفاوضات ذات مغزى، كتلك التي حدثت إبان مناقشة دستور 1950 على الأقل، رغم ورود تحركات للنساء والصحافة كما يورد كل من ماري شهرستان ([26]) وإليزابيت تومبسون ([27])، إلا أننا نرى أن هذه التحركات انحصرت في دمشق وبيروت وعلى نطاق ضيق لا يمكن مقارنته بما جرى في دستوري 1950 و1973.

انتهى المؤتمر إذاً دون نص صريح فيما يخص مرجعية الدولة الدينية وحقوق المرأة، رغم أن المرجعية الإسلامية ظلت راجحة في القوانين السائدة حتى العام 1950 تاريخ إقرار أول دستور بعد الاستقلال عن فرنسا. وانتصر التيار الوسطي الذي كان يحاول جمع التيارين المحافظ والليبرالي على قاعدة واحدة هي دعم الحكومة في مواجهة خطر فرنسا.

نستطيع هنا أن نخلص إلى ما يلي:

أولاً، لقد كان هذا الدستور شديد التأثر بالعامل الخارجي، فالتيار المحافظ كان من الشخصيات التي كانت تحظى بعلاقة طيبة مع الخلافة العثمانية والتي ظلت تؤكد على الروابط الإسلامية، في حين كان التيار الليبرالي متأثراً بالغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، معتبراً الغرب معيار العصرية. يقول يوسف الحكيم: "كان النواب التقدميون الأحرار على حق في تمسكهم بمبدأ فصل الدين عن السياسة، ذلك المبدأ الذي سارت عليه معظم الأمم الراقية. فهو لا يعني بوجه من الوجوه إهمال الدين والتجرد عن أحكامه السامية التي ترتفع بالإنسان نحو الكمال، نتعلم الصدق والمحبة والإخاء الإنساني والصفح عن الإساءة والعطف على الضعيف والفقير واحترام حقوق الآخرين ومراعاة القوانين والأنظمة التي تصدرها الدولة. بل يعني هذا المبدأ عدم تحكم العقيدة الدينية في سياسة الدولة التي قد تتبدل من يوم لآخر، وفي اطراد نهضتها من جميع نواحي الحياة، وقد ضم الوطن الواحد أبناء تعددت أديانهم ومذاهبهم واختلت درجات ثقافتهم وتفكيرهم وفلسفتهم".([28])

ثانياً، من الواقعية هنا أن نفترض أن روحية الدستور الليبرالي التي ألقت بظلالها على دستور 1920، كانت بين خطين أساسيين وهما الخط الذي يريد الابتعاد عن الخلافة العثمانية بمرجعيته الدينية والتقرب من الغرب من جهة، والخط الذي ما يزال يرى العلاقة مع الخلافة، وإن بصوت خفيض، أساساً دينياً لا تنازل عنه. غير أن التيار العروبي المهيمن على المؤتمر، وزخم الثورة العربية والرغبة بالاستقلال ومآسي تحكم المركز بالأطراف في زمن العثمانيين، جعل الخط الليبرالي متقدماً على المحافظ. ولكن لا بد من التنويه أن فشل فكرة اللادينية من حماية سورية من الانتداب أقنع المحافظين بعدم جدوى استمالة الغرب والتمظهر بروح الحداثة. وحتى رشيد رضا من التيار الثالث المعتدل بين التيارين الليبرالي والمحافظ أعاد تفكيره في السنوات اللاحقة من موقفه، وليس غريباً أن أحد أهم طلابه في مصر الشيخ حسن البنا صار الداعية الأساسي لفكرة الإسلام السياسي، والتي هاجمت ما تسميه نفاق الغرب تجاه الديموقراطية في العالم العربي عموماً.  

2.   دستور 1950

حفل هذا الدستور، على خلاف الدساتير السابقة كلها وتحديداً دستور العام 1920، بإشارات إلى المسألة الدينية في مواضع عدة. ربما كان هذا نتيجة العامل الداخلي والبعد المجتمعي، الذي أصبح أكثر طغياناً من البعد الخارجي الذي كما ذكرنا آنفاً كان مهيمناً على كتابة دستور العام 1920.

فنقرأ مثلا في المقدمة: "نحن ممثلي الشعب السوري العربي، المجتمعين في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة، نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية"، ونقرأ في موضع آخر من المقدمة: "ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومُثُله العليا. وإننا نعلن أيضاً أن شعبنا عازم على توطيد أواصر التعاون بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي، وعلى بناء دولته الحديثة على أسس من الأخلاق القويمة التي جاء بها الإسلام والأديان السماوية الأخرى، وعلى مكافحة الإلحاد وانحلال الأخلاق". ونقرأ في المادة الثالثة من هذا الدستور: "دين رئيس الجمهورية الإسلام. الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع. حرية الاعتقاد مصونة. والدولة تحترم جميع الأديان السماوية. وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن ألا يخل ذلك بالنظام العام. الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية". ونقرأ في المادة الرابعة والثلاثين: "الأوقاف الإسلامية ملك للمسلمين، وهي مؤسسة من مؤسسات الدولة العامة، تتمتع باستقلال مالي وإداري وتنظم أوضاعها بقانون." ([29]) ونقرأ في المادة الثامنة والعشرين: "يكون التعليم الديني إلزامياً في المراحل لكل ديانة وفق عقائدها".

مرة أخرى كانت هذه النصوص حصيلة تفاوضات عريضة بين التيارات الليبرالية والتيارات المحافظة.

تشكلت التيارات الليبرالية من القوى اليسارية والقومية آنذاك، متمثلة بالحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي، وشقيقه الحزب العربي الاشتراكي. في حين قاد التيار المحافظ المسلم حركة الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ مصطفى السباعي. أما التيار المحافظ المسيحي فقد انحاز في هذه التفاوضات إلى جانب التيار الليبرالي كما سنرى.

تشكلت الهيئة التأسيسية من 114 عضواً موزعة على النحو التالي: عصبة العمل القومي، جماعة الشهبندر، حزب الشعب، الحزب الوطني، التنظيمات الدينية، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب التعاوني الاشتراكي، حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي، المستقلون من بينهم من العشائر. يذكر الدكتور أمين إسبر أن من بين المستقلين هناك “تقدميين" واشتراكي. زد على ذلك أن الحزب الوطني قاطع الانتخابات لكن بعضاً من أعضائه ترشح كمستقل.

للوقوف على موقف هذه الكتل لا بد لنا من فهم ظروف نشأتها وتركيبتها الاجتماعية وأهدافها.

2.1 حزب الشعب

ظهر حزب الشعب مع تفكك الكتلة الوطنية التي قادت النضال التحرري ضد الاحتلال الفرنسي، ممثلاً للبرجوازية الحلبية وكبار الملاكين وبعض البورجوازيات المدينية في المدن الأخرى. ([30]) كان حزب الشعب راغباً في تقديم رؤية أكثر واقعية في سعيه لحماية مصالح الطبقة البرجوازية، عبر تقديمه تنازلات للطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى. ([31]) تمكن الحزب من استقطاب شخصيات من خريجي الجامعات الفرنسية والمتأثرين بالفكر الليبرالي والاشتراكي فيها.

ضم الحزب في صفوفه شخصيات معروفة بقربها من التيار المحافظ والإخوان المسلمين مثل معروف الدواليبي. ([32]) حاول هذا الحزب أخذ موقف وسطيّ في كل شيء تقريباً. فهو دعا إلى الاحتفاظ بالتراث دون أن يمنع هذا من الاقتداء بالغرب في شتى مناحي الحياة. ([33]) وتبنى مؤتمره التأسيسي ما أسماه بـ"الاشتراكية التطورية". يقول عبد الله حنا: "في خمسينيات القرن العشرين، ظهر جناحان داخل حزب الشعب" جناح محافظ مثَّل عموماً ملاك الأرض ومصالحهم، ونظر بعين الرضى إلى الحزب الوطني الممثل أيضاً لملاك الأرض، وجناح ليبرالي وقف على يسار الوسط وتمثل في شاكر العاص (القريب فكرياً من أكرم الحوراني) والمحامي علي بوظو (من وجوه حي الأكراد بدمشق) والمحامي هاني السباعي من حمص، وعبد الوهاب حومد من حلب...". وتقول الدكتورة خلود زغير "كانت حلب المعقل الحقيقي لحزب الشعب بزعامة رشدي الكيخيا وناظم القدسي. وقد حاز الحزب على دعم النخبة الليبرالية والإسلامية الحلبية المستنيرة وحصل على دعم كبار الملاك ومعظم الصناعيين في حلب، وساهم في تشجيع النمو الصناعي الحلبي".

يبدو أن حزب الشعب كان مهتماً بالجانب الاقتصادي دوناً عن القضايا الأخرى، مما جعل خلطته دون اتجاه إيديولوجي محدد وواضح، وتحديداً في قضية علاقة الدين بالدولة. تقول الدكتورة الزغير: "أخيراً نلاحظ أن تلك الأحزاب كلها شهدت انقسامات واختلافات في الرؤى السياسية بين زعمائها، فانتماء أشخاص إلى حزب معين لا يعني التزامهم جميعاً التوجه السياسي نفسه. كان لكل زعيم شبكة مصالحه وعلاقاته المحلية والإقليمية، خصوصاً في ظل صراع المحاور الإقليمية على سورية آنذاك".([34]) يؤكد هذا الاستنتاج ما طرحه مقرر لجنة الدستور في مداخلته في الجلسة الثامنة والثلاثين للهيئة التأسيسية والتي انعقدت بتاريخ 24 تموز 1950" إن لحزب الشعب منهاجاً أقسم عليه أعضاؤه ولذلك هم ملتزمون بالتصويت على ما جاء في مشروع الدستور مما هو منسجم مع مبادئهم ويصرح بأن هذا الدستور جاء منسجماً مع مبادئ حزبه التي أعلنها وارتبط بها أمام الأمة ذلك لأن حزب الشعب قد وضع برنامجاً يقوم على المبادئ الآتية: أولاً الديموقراطية بمعنى أن الشعب هو مصدر كل سلطة. ثانياً-الحرية بأنواعها لكل مواطن. ثالثاً-المساواة بين المواطنين دون أي تفريق بينهم بسبب ثروة أو جاه أو دين أو مذهب. رابعاً-التسامح بين المواطنين. خامساً-مبدأ العادلة الاجتماعية التي يعتبرها الحزب ضرورة لازمة للأخذ بيد الأمة والسير بها في مضمار الأمم التي سبقتها في هذا الميدان". ([35])

باستثناء المساواة بين الجميع بغض النظر عن الدين والمذهب، لا يتطرق الحزب لعلاقة الدولة بالدين، كما نلاحظ من محاضر الهيئة التأسيسية انعدام مشاركة ممثلي حزب الشعب، وهو حزب الأكثرية، في التعليق على المادة المرتبطة بالعلاقة بين الدين والدولة. الأمر الذي تفسره تركيبة الحزب المختلطة وأولوياته الاقتصادية، ولربما أيضاً تفضيله البقاء وراء موقف التيار المحافظ المسلم في الدستور، فقد كان الحزب بحاجة إلى أصوات الإسلاميين ليحصل على أغلبية الأصوات وبالتالي كان ميالاً لإرضائهم. وكذلك كان ميالاً للوحدة مع العراق بسبب مصالح الحلبيين الاقتصادية، ولكن الفكر الجمهوري كان قد ترسخ في سورية، وكان من الضروري تقوية الرابطة الهاشمية ذات الطبيعة الدينية لتجاوز الاعتراضات على اتحاد مع نظام ملكي حتى وإن لم يكن اتحاداً اندماجياً. يؤكد هذه المقولة ما يورده Thomas Pierret في كتابه "الدين والدولة في سورية، الأمة السنية من الانقلاب إلى الثورة" عن تهديد بقتل رشدي كيخيا زعيم حزب الشعب ورئيس الجمعية التأسيسية، وجهه الشيخ النبهان، أحد رجال الدين الهامين في سورية آنذاك، بعد إشاعات من رغبة كيخيا بدستور علماني، مما استدعى إعلان كيخيا توبته أمام الشيخ النبهان وتأكيده السعي نحو دستور يتخذ الإسلام مرجعية له. ([36])

2.2 الحزب الوطني

تشكل الحزب الوطني بعد انشطار الكتلة الوطنية كقاعدة للبرجوازية الدمشقية التي مثلتها الشخصيات التي ساهمت في قيادة عملية التحرر ([37]) ([38]). كنظيره حزب الشعب، والذي مثل أكثر البرجوازية الحلبية من الكتلة الوطنية، لم يحمل هذا الحزب برنامجاً سياسياً واضح المعالم. "كان الحزب الوطني يضم زعماء دمشق، وعكس السياسة الدمشقية والثقافة والبيئة المحلية الاجتماعية بأضيق صورها، فلم يمتلك أي منهاج أو قيادة ذات بنية تنظيمية واضحة، كما لم يمارس أي نظام على أعضائه. كان المعيار الذي اعتمده في قوته الانتخابية قدرات أفراده وقادته وعلاقتهم، وخصوصاً تأثير سجلهم الوطني وسمعتهم الشخصية وثرواتهم ومكانتهم الاجتماعية، وليس منهاجه الحزبي أو عقيدته السياسية، فهو لم يسع حتى إلى تجنيد أعضاء دائمين من الجماهير، وحصر تجنيد الأعضاء الجدد بوسط اجتماعي معين، غير مكترث بالتطورات والتغيرات التي حدثت في سورية كمجتمع ودولة بعد الاستقلال. وعلى الرغم من توافر الاحترام للقادة الوطنيين ولتاريخ الكثير منهم، فإن بعضهم بدت لديه الرغبة في الاستئثار بالحكم، مستندين إلى أنهم من الرعيل الأول لعهد الاستقلال". ([39])

كما لا تتضح أي وجهة للحزب في قضايا الهوية كالموقف من علاقة العروبة بالإسلام على الرغم من توجهه العروبي أما عن علاقة الدين بالدولة، ([40]) فقد أوضحها عضو الحزب آنذاك وجيه الحفار والذي يؤكد في كتابه على ضرورة فصل الدين عن الدولة، ([41]) ويؤكد هذا وجود شخصيات ليبرالية التوجه مثل سعد الله الجابري، الذي تزعم الحزب حتى وفاته في العام 1948. "أعلنت مبادئ الحزب أن "العرب في أنحاء وطنهم كافة أمة واحدة" واعتبرت "الصهيونية حركة عدائية خطرة على الكيان العربي" ... ومن أهداف الحزب "تشجيع الشركات الوطنية المساهمة والتعاونية وتأمين مساهمة الجمهور فيها، وإعادة النظر في الامتيازات الممنوحة". ([42])

على عكس حزب الشعب أبدى الحزب الوطني مواقف واضحة تجاه قضية الدين والدولة، لتظهر بشكل كبير في مقالات نجيب الريس، والذي كان أحد أهم شخصيات الحزب، والذي لم يكن عضواً في الهيئة التأسيسية، والذي كان أحد المناوئين الأكثر حدة لإعطاء أي هوية دينية للدستور. وهو، أي نجيب الريس، من قاد الحملة في الإعلام عن الجانب الليبرالي.([43])  غير أننا لسنا متأكدين من أن هذا التصدي خارج المجلس جاء نتيجة تشبث الحزب الوطني بفصل الدين عن الدولة، وإنما نابع برأينا عن رغبته في محاربة البرلمان والجمعية التأسيسية التي رفضها وقاطعها. يقول محمد حرب فرزات "فبينما كانت الجمعية التأسيسية ماضية في الدستور الجديد، تألفت جبهة من الحزب الوطني والتعاوني الاشتراكي والحزب الجمهوري الديموقراطي الذي أسس في حزيران 1950 وضم عدداً من مؤيدي القوتلي،... وأصدرت فيه هذه الأحزاب بياناً مشتركاً في 15 آب 1950 حملت فيه على الجمعية التأسيسية، واعتبرت الدستور القديم قائماً".([44])([45])

2.3 الكتلة الإسلامية الاشتراكية والإخوان المسلمون

حازت هذه الكتلة على عشرة مقاعد، ([46]) وتزعمها المراقب العام لجماعة الإخوان في سورية مصطفى السباعي، ([47]) وكان من أبرز شخصياتها محمد المبارك وعارف الطرقجي وعبد الحميد الطباع وسعيد حيدر وصبحي العمري وعبد الوهاب سكر وعبد السلام حيدر. ([48]) وقد أخذت هذه الكتلة بمبادئ الاشتراكية وزاوجتها مع الإسلام. قادت هذه الكتلة بزعامة السباعي جل المناقشات التي تناولت المادة الثالثة من الدستور. كما قادت هذه الكتلة التفاوضات الأساسية التي جرت خارج قبة البرلمان مع زعماء الطوائف المسيحية، والتيارات الليبرالية كالبعث والسوري القومي والشيوعي.

كانت مواقف هذه الكتلة واضحة جلية تجاه العروبة والإسلام وعلاقة الدين والدولة. "إذا عدنا إلى مفهوم "الأمة" في خطاب الإخوان المسلمين، نجد أن الشعب بمجموعه هو من يشكل الأمة فـ"الأمة هي مصدر القوة/ وتنفيذ إرادة الشعب واجب ديني". وفي بيانه الشهير حول دين الدولة، يؤكد السباعي أن "الشعب هو مصدر كل سلطة، وسيادته هي السيادة الحاكمة التي تتمثل في مجلسه التأسيسي وحكومته الدستورية". ([49]) كان السباعي أبرز من طور فكرة "الإسلام كقانون قومي" مشترك للمسلمين والمسيحيين، إذ ميز السباعي بين الإسلام الدين والإسلام الحضارة. "بالتالي، فإنه وجد في الإسلام فلسفة قومية للعرب، مسلمين ومسيحيين. يقول في هذا الصدد: "إن كل أمة من الأمم المتحضرة، وكل قومية من قوميات العالم الحديث، لها فلسفتها الخاصة بها، فللروس فلسفتهم الشيوعية وللغربيين فلسفتهم الديموقراطية أو الرأسمالية. ونحن العرب من مسلمين ومسيحيين لنا فلسفتنا التي طبعتنا في التاريخ طبعاً خاصاً." ([50])

حين تكلم السباعي عن أوجه الخلاف بين الإخوان وباقي الأحزاب السياسية، بيّن أن هذا "النزاع ينحصر في نقطة جوهرية -هي بالنسبة لدعوة الإخوان كالأساس من البناء وكالعمود الفقري من جسم الإنسان -وهي أن الإخوان يرون بحق أن الإسلام دين وسياسة/ عبادة وقيادة، مصحف وسيف، نظام شامل كامل يهيمن على جميع مرافق الحياة" ثم يضيف: "والأحزاب تنكر على الإخوان هذا الفهم الصحيح للإسلام، وتريد أن تحصر هذا الدين في الصوامع والمساجد، وتفصل بينه وبين السياسة والحكم ونظم الحياة! كما فعلت أوروبا، متجاهلة الفرق بين المسيحية والإسلام". ([51])

لم يكن الخطاب الإخواني حول مفهوم الدولة الإسلامية كما وضعه البنا والسباعي وغيرهم منطلقاً من مفهوم دار الحرب ودار الإسلام، والذي ساد لغة الجهاديين كالمودودي وسواه، "بل متمركزاً حول "شعبوية إسلامية" لا تكفر المجتمع المدني ولا ترى فيه "مجتمعاً جاهلياً" لا يقع في دار الإسلام "بل في دار الحرب" ([52]). أهمية هذا الخطاب هو طغيانه على مقاربة الكتلة الإسلامية في الجمعية التأسيسية لدستور 1950 سواء داخل المجلس أم خارجه.

لم تتوقف الكتلة الإسلامية عند الدين وعلاقته بالدولة في برنامجها السياسي، بل تعدته إلى مبادئ اقتصادية استندت إلى مفهوم الاشتراكية الإسلامية التي نادى بها السباعي، دون أن تحظى بتأييد كبير ضمن الأوساط المحافظة المسلمة. ([53])  

كانت هذه الكتلة هي صاحبة النسخة الأولى من الدستور والتي نصت المادة الثالثة فيها على أن" 1-دين الدولة هو الإسلام. 2-الأديان السماوية محترمة ومقدسة. 3-الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية. 4-المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات من غير تفريق بسبب الدين". ([54]) كما كانت هذه الكتلة هي من ضغط بقوة على ما يبدو للوصول إلى النص النهائي في كل ما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة في دستور الـ 1950 كما سنرى بعد قليل.

2.4 حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي

لا نعرف بالضبط عدد نواب حزب البعث العربي في الجمعية التأسيسية. يذكر أمين إسبر أن حزب البعث العربي الاشتراكي تمثل بثلاثة مقاعد، لكننا نعلم أن الحزب لم يكن آنذاك قد اتحد مع الحزب الاشتراكي، والذي لم يتأسس بدوره حتى بداية العام 1950. إلا أننا نعلم أن جلال السيد كان ممثلاً لحزب البعث العربي وأكرم الحوراني وإحسان الحصني كانا ممثلي حركة الشباب الحموي (سلف الحزب الاشتراكي العربي) على التوالي. لم يكن برأينا اختلاف كبير بين وجهة نظر البعث العربي والعربي الاشتراكي تجاه علاقة الدين بالدولة، فقد كان هنالك توجه متشابه بينهما في العديد من المجالات، أدى لاحقاً إلى اندماجهما تحت اسم حزب البعث العربي الاشتراكي في نهاية العام 1952. رغم ذلك، ظل جناح الحوراني، أي العربي الاشتراكي، منادياً بالاشتراكية أساساً للنضال، في حين كان توجه البعث أكثر نحو الأيديولوجيا والقومية. ([55])

تشكل حزب البعث العربي في نيسان العام 1942 بحسب ما ينقل عبد الله حنا عن جلال السيد، على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار وجلال السيد. ([56]) استهوى الحزب الأقليات من المسلمين، والمسيحيين، وبعض شيوخ القبائل ووجهاء المدن، ([57]) إضافة إلى وسط الطلاب والأساتذة. ([58]) في حين كان انتشار الحزب الاشتراكي، وسلفه حركة الشباب الحموي، بين الجيش والفلاحين. ([59]) كان لهذا الحزب توجهٌ ملتبسٌ تجاه الدين الإسلامي. يقول عبد الله حنا: "مع أن حركة البعث العربي هي حركة علمانية، إلا أن ميشيل عفلق سعى في خطابه على مدرج الجامعة السورية في نيسان/أبريل 1943 تحت عنوان "ذكرى الرسول العربي"، لإلقاء الأضواء على اللقاء بين القومية والدين الإسلامي/ بهدف كسب عواطف المؤمنين المسلمين. "إن الفروق الطائفية قال عفلق: "أبعدت قسماً هاماً من العرب عن روح بلادهم وتقاليدها وجعلتهم شبه غرباء في وطنهم، وأضعفت بالنتيجة مساهمتهم في الحكرة القومية. فنريد أن تستيقظ في المسيحيين العرب قوميتهم يقظتها التامة، فيروا في الإسلام ثقافة قومية لهم، يجب أن يتشبعوا بها ويحبوها".([60]) ويقول محمد حرب فرزات: "والأديان في نظر الحزب \البعث العربي\ على اختلافها متساوية ومقدسة ولكن الإسلام من "حيث هو حركة روحية امتزجت بتاريخ العرب واصطبغت بعبقريتهم وخصوصية ثقافتهم أتاحت ظهور نهضتهم الكبرى، له مكانة خاصة في القومية العربية وثقافتها وحركة انبعاثها، إلا أن هذه المكانة لا تفرض فرضاً، بل تولد من الحرية وتستمد من قوة الروح ومدى اتصال العرب بروحهم وتجاوبهم الحر العميق معها".([61])

لا يبدو صعباً تلمس أسباب استخدام البعث لخطاب قومي/ديني عاطفي في تلك الفترة. فهذا الحزب بأهدافه كان يحاول استهداف طبقة الفلاحين والعمال والتي بغالبيتها محافظة اجتماعياً وملتزمة دينياً ومتطلعة إلى أمجاد العرب والمسلمين، فهي بحاجة إلى خطاب يشابه هذه الفئة، هذا الخطاب هو ما جعل صوت البعث العربي خفيضاً في التعامل مع قضية علاقة الدين بالدولة كما سنرى لاحقاً.

على غرار حزب البعث، كان تيار أكرم الحوراني، حركة الشباب الحموي أو الحزب الاشتراكي، واضح التوجه نحو فئة الفلاحين، مما استلزمه توجيه خطابه الديني نحو محاربة الطائفية، وفك ارتباط الإقطاع بالدين. وخصوصاً بعد اتهام الإقطاع للحوراني بالماركسية، والتي كانت تختلط عند الكثيرين بمفهوم الإلحاد. ينقل عبد الله حنا عن جريدة الشعب التابعة للتيار النص التالي: " "ليست الإقطاعية من الدين بشيء، ومع هذا فهم يتبجحون باسمه وهو منهم بريء.... إن حركتنا الشعبية لا تستهدف القضاء على الإقطاعية والقبلية والعشائرية [فقط] وإنما تستهدف أيضاً القضاء على الطائفية. "إننا اليوم في معركة بين التقدمية والرجعية"، " نحن مؤمنون ولكننا لا نتعصب، لأن التعصب ليس من الدين في شيء. فالدين الإسلامي وكل الأديان بنيت على التسامح". ([62])

2.5 الحزب السوري القومي الاجتماعي

مثَّل الحزب السوري القومي الاجتماعي آنذاك في الجمعية التأسيسية نائبان هما عصام المحايري وعبد اللطيف اليونس([63]). كان لهذا الحزب موقف واضح من الدين وعلاقته بالدولة، إذ تذكر أدبيات هذا الحزب أن "المبدأ الأول من القسم الإصلاحي يقول: ": فصل الدين عن الدولة". إن أعظم عقبة في سبيل تحقيق وحدتنا القومية وفلاحنا القومي هي تعلق المؤسسات الدينية بالسلطة الزمنية، وتشبث المراجع الدينية بوجوب كونها مراجع السيادة في الدولة، وقبضها على زمام سلطاتها أو بعض سلطاتها، على الأقل. والحقيقة أن معارك التحرر البشري الكبرى كانت تلك، التي قامت بين مصالح الأمم ومصالح المؤسسات الدينية المتشبثة بمبدأ الحق الإلهي والشرع الإلهي في حكم الشعوب والقضاء فيها. وهو مبدأ خطر استعبد الشعوب للمؤسسات الدينية استعباداً أرهقها. ولم تنفرد المؤسسات الدينية باستعمال مبدأ الحق الإلهي والإرادة الإلهية، بل استعملته الملكية المقدسة أيضاً، التي ادعت استمداد سلطانها من إرادة الله وتأييد المؤسسات الدينية، لا من الشعب". ([64])

رغم مطالبة الحزب الواضحة بفصل الدين عن الدولة، إلا أنه يعود إلى مخاطبة العقل السوري مرة أخرى عبر الجانب الروحي. يرى محمد فرزات حرب أن هناك حالة من "تقدير الحزب للدين وإعلانه "رفض التسليم أن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس مادي بحت". وكان هذا إحدى وسائله لكسب الرأي العام ضد المرشحين الشيوعيين، مع أنه هو نفسه يقول بفصل الدين عن الدولة." ([65])

كان ممثل الحزب في الجمعية التأسيسية عصام المحايري واحدا من الذين عارضوا فكرة ربط الدين بالدولة كما سنرى لاحقاً.

3.   تفاوضات دستور الـ 1950 حول الدين والدولة

يمكننا القول إن عملية التفاوض على علاقة الدين بالدولة كانت من أعقد التفاوضات التي جرت أثناء كتابة هذا الدستور، إلى جانب قضايا أخرى كالملكية والأحزاب. تكرست التفاوضات حول هذه القضية عبر مرحلتين أساسيتين، كما حدثت داخل قبة البرلمان، وخارجه على مستوى الإعلام والمستوى الشعبي، والذي رافقته عرائض واحتجاجات. وبشكل أكثر وضوحاً مما جرى أثناء المؤتمر السوري العام، الذي تركزت عملية التفاوض فيه داخل قبة البرلمان كما ذكرنا آنفاً. 

انتخبت الجمعية التأسيسية لجنة للصياغة ضمت ثلاثة وثلاثين عضواً، مثلت جميع الكتل الحزبية والمستقلين في الجمعية باستثناء الكتلة الجمهورية. ([66]) تشكلت اللجنة من شاكر العاص، عبد اللطيف يونس، عبد الوهاب حومد، علي بوظو، عارف الطرقجي، عبد الله تامر، عبد الحميد الدويدري، عصمت شاهين، عبداللطيف المقداد، عبد اللطيف السباعي، مصطفى السباعي، ناظم القدسي، لطيف غنيمة، منير العجلاني، محمد خير الحريري، قاسم الهنيدي، جميل العبدالله، محمد الشواف، قدري المفتي، فيضي الأتاسي، هايل السرور، عبد الوهاب سكر، حكمت الحراكي، حامد ناجي، أنور إبراهيم باشا، رزق الله أنطاكي، حامد منصور، أحمد قنبر، دهام الهادي، راتب الحسامي، إسبر يازجي، جادالله عزالدين، زكي الخطيب. انسحب أحمد قنبر وجاء بدلاً منه رئيف الملقي، ومن ثم انسحب عبد اللطيف السباعي وجاء بدلاً منه سعيد حيدر، وانسحب فيضي الأتاسي فحل محله جلال السيد. اجتمعت اللجنة اجتماعها الأول بتاريخ 4 كانون الثاني 1950، وانتخبت ناظم القدسي رئيساً لها، وزكي الخطيب نائباً له، وعبد الوهاب حومد مقرراً للجنة.

طرحت لجنة الصياغة مشروع الدستور لأول مرة بتاريخ 15 نيسان 1950 واضعة مقدمة تختلف اختلافاً جذرياً عن النص النهائي الذي ذكرناه أعلاه. يقول نص المقدمة (الديباجة): "نحن ممثلي الشعب السوري العربي، المجتمعين في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة، نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية: إقامة العدل على أسس قويمة، حتى يضمن لكل إنسان حقه، دون رهبة أو تحيز وذلك بدعم القضاء وتوطيد استقلاله. نشر روح الإخاء والتسامح بين المواطنين في ظل حكم جمهوري ديمقراطي حر، حتى يشعر كل إنسان أنه جزء في بنيان الوطن وأن الوطن في حاجة إليه. ضمان الحريات العامة الأساسية لكل مواطن، والعمل على المعاني التي تتمثل في مفاهيم الشخصية والكرامة الإنسانية، دعم واجب الدفاع عن الوطن والجمهورية والدستور وذلك بمساهمة كل مواطن بدمه وماله وعمله، حين يقتضي الواجب الحفاظ عليها. تحرير المواطنين من ويلات الفقر والمرض والجهل والخوف بإقامة نظام اقتصادي واجتماعي صالح يحقق العدالة الاجتماعية ويحمي العامل والفلاح، ويؤمن الضعيف والخائف، ويوصل كل مواطن إلى خيرات الوطن. كفالة المساواة في الواجبات العامة والحقوق التي قررها الدستور ونصت عنها القوانين، وبصورة خاصة المساواة في الضرائب بنسبة تصاعدية، حتى تكون مساواة في التضحية والقدرة على المساهمة. تقوية الشخصية الفردية وتثقيفها وتعهدها، حتى يشعر كل مواطن أنه المسؤول الأول عن سلامة الوطن وعن حاضره ومستقبله ويعرف أن الوطن هو الحقيقة الخالدة الباقية وأن السوريين جميعاً أمناء عليها حتى يسلموها أولادهم وأحفادهم موفورة الكرامة، منيعة عزيزة الجانب، ويكون ذلك بتثقيف الشعب ثقافة وطنية صحيحة، وبنشر التعليم، وتسهيل أسبابه وبث المبادئ الأخلاقية القويمة، وتنمية الشعور الاجتماعي والتضحية في سبيل المجموع. ونعلن أن شعبنا السوري هو جزء من الأمة العربية بتاريخه وحاضره ومستقبله، يتطلع إلى اليوم الذي تجتمع فيه أمتنا العربية في دولة واحدة وسيعمل جاهداً على تحقيق هذه الأمنية في ظل الاستقلال والحرية. ونعلن أن هذه المقدمة جزء لا يتجزأ من هذا الدستور وضعت لتذكر المواطنين بالمبادئ التي قام عليها قانونهم الأساسي. وإننا، نحن ممثلي الشعب السوري العربي، لنضرع إلى الله العلي حتى نحقق مثلنا العليا، ونعيد بناء المجد العظيم الذي شاده أسلافنا العظام، ونرسم لأبنائنا وأحفادنا طريق السؤدد والعز." ([67])

كما وضع مشروع الدستور نص المادة الثالثة على الشكل التالي: " 1-الإسلام دين الدولة. 2-الأديان السماوية محترمة ومقدسة. 3-الأحوال الشخصية للطوائف مصونة ومرعية. 4-المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات من غير تفريق بسبب الدين." ([68])

إذاً اختلفت مقدمة الدستور النهائي عن المشروع بإضافة العديد من الإشارات الدينية إليها، وعادت المادة الثالثة لتنص على أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع. بين هذين النصين جرت تفاوضات صعبة داخل وبين التيار الليبرالي ورجال الدين المسيحيين والأعضاء المسيحيين في الجمعية من جهة، وبين التيارات المحافظة المسلمة من جهة أخرى. جرت هذه التفاوضات داخل قبة البرلمان وخارجه كما ذكرنا آنفاً.

3.1 التفاوضات داخل البرلمان

ليس لدينا معلومات كافية عما جرى داخل لجنة الدستور، والتي تقسمت بدورها إلى اللجنة التحضيرية ولجنة النص، لكننا نلحظ من تقرير مقرر اللجنة، الدكتور عبد الوهاب حومد، تجاهله للمادة الثالثة في استعراضه لأهم مواد وفصول الدستور، الأمر الذي قد يعزى إلى خشية حزب الشعب الذي ينتمي له الدكتور حومد، أو انعكاساً لتوترات حول هذه المادة حصلت أثناء إعداد النص. نؤكد أنه ليس لدينا إثبات على أي من الاحتمالين.

توقف نقاش الدستور حتى الجلسة الثامنة والثلاثين بتاريخ 24 تموز 1950. نظراً لأهمية علاقة الدولة بالدين كان افتتاح الجلسة من قبل ثلاثة من النواب المحسوبين على التيار المحافظ وهم الشيخ عبد الوهاب سكر النائب عن حلب وزكي الخطيب وحسن الحكيم. يمكننا أن نستخلص من مداخلات النواب الثلاثة مسائل أساسية عدة:

أولاً، كان هناك عدم رضا داخل أروقة التيار المحافظ عن التراجع عن نص دين الدولة هو الإسلام رغم الإضافات العديدة إلى مقدمة الدستور. تقول مداخلة الشيخ سكر "أخواني، الشعب يريد إقرار ما أقرته لجنة الدستور من أن (دين الدولة الإسلام)، ولم يرض بها بديلاً فرفع مادة أقرتها لجنة الدستور وهي معززة بإرادة الشعب وقوته وليس بالأمر الهين وكل ما جاء من وجوه التعديل فإن الشعب يستنكره ولا يقبله وحقه ذلك بلاد عربية إسلامية وأهلها إسلام من قرون وأجيال طويلة يحملون على عدم إعلان ما هم عليه من دستورهم إن هذا لأمر عظيم. ثم إني لسائل الزملاء المسيحيين ألم يقطعوا على أنفسهم حين ترشيحهم للنيابة كما فعل النواب المسلمون من العهود والمواثيق نحو الشعب وأكثريته الساحقة مسلمين وهل يستطيع أحد من الزملاء المسيحيين أن يقول إنه نجح بدون مساعدة المسلمين له ...... وإني لأعجب أشد العجب من إخواني أعضاء لجنة الدستور كيف قاموا بمناقضة أنفسهم برجوعهم عما كانوا عليه من الحق، ولقد سجل ما قالوه من الحجج والبراهين القوية على أن هناك قاعدة فقهية لو عمل بها وهي حق تقول (كل من قام بنقض ما تم من قبله فنقضه مردود عليه)."

ثانياً، لقد كان واضحاً توجه خطاب التيار المحافظ إلى المسيحيين وليس للبعثيين أو الاشتراكيين أو السوريين القوميين. بمعنى أن الخطاب كان نتيجة التفاوض مع التيار المحافظ المسيحي وليس مع التيارات الليبرالية. يقول حسن في مداخلته: "لما كان المفكرون من إخواننا المسيحيين مطلعين على هذه النصوص والوقائع ومطمئنين بذلك لعدالة الأكثرية المسلمة لم يترددوا في المساهمة في النهضة العربية عندما لاحت تباشيرها في أوائل العصر الحاضر، وقد قدر لهم المتقدمون من المسلمين العرب هذه الحركة الوطنية الطيبة فراحوا ينشطونها ويساهمون فيها بنحو ثانوي متخلين لإخوانهم المسيحيين عن تزعمها وعن مركز الصدارة فيها رغبة في تشجيعهم وفي تبديد مخاوف دهمائهم، ومن الإنصاف أن نعترف بأن الفضل في انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913 كان لقبضة من إخواننا المسيحيين".

ثالثاً، تركزت مداخلات نواب التيار المحافظ في تبريرها لضرورة النص على دين الدولة على ثلاثة منطلقات أساسية. الأول هو أن الدين الإسلامي هو دين الغالبية وبالتالي، وبحسب تفسيره للديموقراطية، فإن تحديد الإسلام كدين للدولة هو حق الغالبية المسلمة الديموقراطي. يقول حسن الحكيم: "... ومادامت الأكثرية المسلمة نفسها لا تعارض في تحقيق رغبتهم هذه لعواطفهم وزيادة في اطمئنانهم فمن حق هذه الأكثرية عليهم أن يبادلوها عاطفة بعاطفة فلا يعارضوها في تحقيق رغبتها من جهة النص في الدستور بأن الإسلام دين الدولة لا سيما وأن هذه المادة في مشروع الدستور تنص في نفس الوقت بصراحة تامة على أن الأديان السماوية محترمة ومقدسة، وأن الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية، وأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات من غير تفريق بسبب الدين...". ثاني هذه المنطلقات، هو دور الإسلام في تشكيل الشخصية القومية العربية. يقول الشيخ زكي الخطيب وهو أيضاً من التيار المحافظ المسلم: "أيها السادة إن التقرير المطبوع من قبل لجنة الدستور بقلم مقررها المفضال وإن كان يخلو من إشارة إلى المادة الثالثة الحساسة، وكانت هناك محاولات شتى ترمي إلى حذف هذه المادة وإلى إبقائها بشكل الجسد الخالي من الروح كل هذا لا يجعلني أشك في حسن نية الباحثين من مخالفين ومؤيدين فأنا لا أريد أيها السادة أن ألفت نظر الجمعية التأسيسية الكريمة إلى أننا نحن العرب لا نستطيع أن نفاخر بعروبتنا إلا إذا اقترنت بالمبادئ السامية التي أتانا بها دين العروبة دين السماء، دين الحق المؤيد مؤيداً للأديان السابقة ولمبادئها ولما فيها من حق وأخوة ونهضة". ثالث هذه المنطلقات هو أن الإسلام، بخلاف المسيحية، هو دين عقيدة وتشريع، ولا يكتفي بالجانب الروحاني بحسب قناعة هذا التيار. جاء هذا المنطلق على لسان مصطفى السباعي في رده على مداخلة النائب إلياس دمر. يقول الشيخ السباعي: "أما الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة بحجة الحفاظ على قومية الأمة فاسمحوا لي أن أقول إن هذه هي الفكرة التي هبطت من وحي أجنبي. لأن ذلك مبدأ أعلنته أوروبا بعد أن تغلبت القومية على الكنيسة وانتصرت عليها، ولأن المسيحية دين خلق كريم وروحانية سامية ولا علاقة لها بالتشريع وتنظيم شؤون المجتمع، وقد أعلن ذلك السيد المسيح بقوله (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، أما الإسلام فهو عبادة وخلق وتشريع، والتشريع أبرز خصائصه وأكثر أحكامه، والذين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة وإنما يدعوننا في الواقع الى أن نبتر الإسلام ونحصره في دائرة ضيقة، فهل هذا هو ما تريدون؟ وهل تطلبون منا ذلك وأنتم في بلد تدين أكثريته الساحقة بهذا الإسلام وتحترم تشريعه احتراماً عميقاً وبالغاً." ([69]) إضافة إلى ذلك، اعتبر الشيخ السباعي أن لا خوف على المسيحيين في بلد مسلم كون الإسلام يعترف بالديانة المسيحية في حين أن العكس غير صحيح.

رابعاً، كان واضحاً تصدر النواب المسيحيين في المطالبة بفصل الدين عن الدولة، وفي مقدمتهم النائب إلياس دمر. اعتمد النائب إلياس دمر على البعدين القومي والحقوقي من جهة، وعلى قضية الاستعمار والعلاقة مع الغرب من جهة أخرى. فمن جهة تحدث النائب إلياس دمر عن القومية العربية بوصفها رابطة تاريخ ولغة جامعة للمسلمين والمسيحيين، معتبراً أن ارتباط الدين بالدولة متناقض مع مفهوم القومية. يقول في مداخلته: "من الوجهة الداخلية نحن دولة مستقلة نؤمن بالفكرة القومية العربية ونسعى لأجلها، ولا يصح والحالة هذه أن نتخذ من الدين ركناً من أركان القومية، فإن هذا يتناقض مع المبدأ القومي بالمعنى الصحيح، وأن نبقي أي أثر للنعرة الدينية أو التحديد الديني في دستورنا المقبل، فهذه النعرة هي من بقايا القرون الوسطى ومن مخلفات المستعمر، فهي بعيدة كل البعد غريبة كل الغرابة عن الروح العربية الأصيلة".

من جهة أخرى قارب النائب دمر قضية الدين والدولة من وجهة نظر حقوقية، معتبراً أن تحديد دين رئيس الدولة هو إنقاص من حقوق المواطنة لغير المسلمين. يقول في موضع آخر من مداخلته: "وقد جد في الدستور الملغى مادة تتعلق بدين رئيس الجمهورية ووجوب كونه مسلماً وربما جاءت مادة مماثلة لها في مشروع الدستور الجديد، أفلا ترون ذلك شذوذاً ومخالفة لأبسط قواعد الديمقراطية التي سار عليها العالم المتمدن، هل يجوز حرمان المواطنين غير المسلمين من حق شرعي باعتبارهم مواطنين سوريين عرباً، عليهم نفس الواجبات المترتبة على المسلمين ولهم نفس الحقوق؟ ألا ترون أن ذلك يتعارض مع مبادئ الديمقراطية العربية الصحيحة التي هي مبدأ المساواة لأصحاب القومية الواحدة؟ فإن عدم تقييد الدولة ورئيسها بدين معين يفسح المجال أمام الكفاءات التي هي مقومات الرجل لا دينه - هذا مع العلم أن وجود مادة في الدستور أو عبارة مصبوغة بصبغة دينية أو بأي قيد آخر من هذا النوع تترك أثراً نفسياً غير مستحب في كل روح عربي غير مسلم، إذ يشعر هذا غير المسلم العربي الذي يمكن أن يكون مثالاً على الإخلاص والتضحية والوطنية – والذي يجاهد جنباً إلى جنب مع أخيه المسلم بأنه غريب في وطنه، ولا يتمتع بنفس الحقوق التي لأخيه المسلم شريكه بالجهاد والتضحيةـ لا لسبب إلا لأن دينه يختلف عن دين أخيه". أما البعد الثالث الذي حاول النائب دمر التركيز عليه، هو العلاقة مع الخارج، وبأن التمييز بين المسلمين والمسيحيين في الدستور مسألة تسر الغرب وتفتح له باب التدخل في سورية، إذ يقول: "فإنني واثق كل الثقة في أن الغرب يغتبط بأن يرى العرب يشيدون كيانهم القومي على أساس ديني، وأن غير المسلمين في البلاد العربية لا يشعرون بقوميتهم كما يشعر المسلم بها، وأن حقوق غير المسلمين منقوصة حتى يتمكن الغرب من بناء حججه الاستعمارية على هذا الأساس، وإني لأعتقد أن فصل الدين عن الدولة سيكون بمثابة الضربة القاضية لكل دعاية من هذا النوع من الوجهة الداخلية".

خامساً، جاءت مواقف بقية الأحزاب متوافقة مع سياساتها العامة التي ذكرناها آنفاً. فجلال السيد، النائب عن حزب البعث العربي، وجه اعتراضاته على القضايا الأساسية بالنسبة لحزبه وهي الاشتراكية والوحدة العربية، مؤكداً موافقته على النص المقترح. يقول السيد: "إنني أيها السادة أقول لكم إنني لو كنت أعتقد أن الكلمات والفقرات والجمل والمواد التي جاءت من مشروع الدستور والتي تتعلق بدين الإسلام، لو كنت أعتقد أنها غير صحيحة لما وافقت عليها، ولو كان الرأي العام ضدي ويتحمس لها، لأنني لا أريد أن أكون ولو في المسائل غير الحقة مسيراً بالرأي العام، ولكنني في القضايا الحقة أريد أن أكون أنا الموجه والقائد للرأي العام، ولن أبالي بعد ذلك بغضبه أو رضاه، ولذلك أرجو أن تؤخذ هذه القضية بنظرة كريمة لا أثر للعواطف فيها، فنحن قد سجلنا في مشروع الدستور في مقدمته وفي مواده، خاصة في المادة الثالثة، كل ما يقتضينا فضل الإسلام أن نضعه وأن نسجله اعترافاً بقدسيته وفضائله وطهارته والسلام عليكم." أما النائب عصام المحايري، النائب عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، فقد سجل اعتراضه على القضايا التي اعتبرها جوهرية لحزبه وهي علاقة الشعب السوري بالعروبة. أما دين الدولة، فقد أفرد له بضع جمل واعداً بالعودة إليه لاحقاً في اجتماعات مناقشة الدستور، الأمر الذي لم يحدث أبداً وفق محاضر جلسات الجمعية. يقول النائب المحايري: "بقي أمر أخير أثاره الزملاء البارحة وهو أمر دين الدولة. إن رأي القوميين الاجتماعيين الذين لي شرف تمثيل اتجاهاتهم في هذه الندوة رأي واضح جداً كنت أريد أن أبسطه وأتوسع فيه الآن، وأنا أناقش الآراء المخالفة التي بسطها لفيف من الزملاء يوم أمس لولا أني أطلت كثيراً. وإني لأترك مجال البحث في هذا الموضوع والمناقشة فيه حين تعرض هذه المادة للبحث، مشيراً فقط وبنوع خاص إلى أن ما قاله البعض من أن الشعب المسلم في البلاد لا يرضى عن دين الدولة بديلاً أمر خاطئ لأن المحمديين من القوميين الاجتماعيين وأنا منهم يدينون بخلاف ذلك، وليس ينفي هذا عنهم كونهم مسلمون (مسلمين) يؤمنون بالله وبرسوله وباليوم الآخر." ([70]) أما زميله في الحزب، عبد اللطيف يونس، فقد كان موقفه قريباً من موقف المحايري. يقول النائب يونس: "وهناك المادة الثالثة وإنني لا أرغب أن أخوض في بحثها مع العلم بأنني من القائلين، بل أنني من الراجين، بل من المتوسلين، بأن لا توضع هذه المادة في الدستور، ولكنني آمل من أعضاء هذه الجمعية وفي طليعتهم هذا الرجل النبيل المخلص [غالباً ما كان يقصد رشدي كيخيا] الذي عمل كل ما في وسعه ولا يزال يعمل في سبيل لم الشعب، وفي سبيل جمع الكلمة، لتجتمع كلمة الأمة على صعيد واحد متفقة على مبدأ واحد، فلا يختلف فيه مسلم، ولا يختلف فيه مسيحي، وإننا نأمل أن تلقى هذه الوساطة المبذولة من دولة رئيس الجمعية التأسيسية آذاناً صاغية لدى الأعضاء المسؤولين، وإني أناشدهم ذلك وإن كنت أنا في الصف الآخر الذي يقول بعدم وضع دين الدولة في الدستور، والسلام." ([71]) أما حزب الشعب، فلم يتطرق إلى المادة الثالثة إلا في مداخلات عارضة في مناقشة مواد أخرى. على سبيل المثال تحدث مقرر اللجنة الدكتور حومد في الجلسة الأربعين مطمئناً الشارع إلى أن المتحاورين في الجمعية التأسيسية قد وصلوا إلى نص جامع. ([72]) كما أورد النائب فيضي الأتاسي، نائب حمص عن حزب الشعب، ورئيس تحرير صحيفة "السوري الجديد"، ([73]) مقدمة الدستور، والتي تنص على الاستمساك بالإسلام ومكافحة الإلحاد، بوصفها مقيدة، إذا ما وضعت جنباً إلى جنب مع المواد المرتبطة بالأحزاب وتشكيلها، لأحزاب مثل الحزب الشيوعي. 

سادساً، كان لافتاً غياب شبه كامل لقضية حقوق النساء بشكل عام، وارتباط ذلك بالمادة الثالثة بشكل خاص، ولم يذكر هذا الأمر إلا بشكل سطحي في الدفاع عن الأسرة وليس عن حقوق النساء وذلك في مداخلة نائب القلمون، والمقرب من حزب البعث العربي، الدكتور "عبد السلام حيدر"، الذي قال: "العيب الثاني: مشروع الدستور يحوي كثيراً من التناقض بين أحكامه المختلفة وبين أحكام بعض مواده. فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة الثالثة على امتيازات الطوائف الدينية وصيانة الأحوال الشخصية لها، ونصت المادة السادسة عشرة على حماية الدولة للأسرة والزواج وتشجيعه، وإزالة العقبات المادية الاجتماعية التي تعوقه. وبما أنه أقر في المادة الثالثة امتيازات الطوائف فوسائل الحماية اللازمة للأسرة والزواج أصبحت غير متيسرة، كما أن إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه أصبحت متوقفة على خلو هذه الامتيازات منها، وهي كما نعلم ليست كذلك، فالشريعة الإسلامية اشترطت مهر المثل ‘ن لم يكن هنالك مهر مسمى، كما أباحت للزوجة ووليها فسخ عقد النكاح إن كان زوجها غير كفء لها، ومذهب الشيعة يتيح المتعة، والتقاليد المسيحية أخذت بمبدأ الدوطة وجميع ذلك مما يعوق الزواج ويضع في طريقه العقبات المادية والاجتماعية معاً". ([74])

توقفت بعد ذلك المداولات حول المادة الثالثة في الدستور وتم إقرارها بصيغتها الحالية التي ثبتت تقريباً بهذه الصيغة حتى تاريخنا هذا.

3.2 التفاوضات خارج البرلمان

 كان الحراك خارج البرلمان لاعباً أساسياً في تحديد علاقة الدين بالدولة بشكل أوسع مما جرى أثناء مناقشة دستور 1920. فقد قاد الحراك المدافع عن فصل الدين عن الدولة خارج البرلمان تياران أساسيان، هما: الحزب الوطني والكنيسة. في حين كان التيار المدافع عن نص "دين الدولة هو الإسلام" رابطة العلماء في دمشق.

كان الصوت الأعلى بين الأحزاب السياسية والمدافع عن فصل الدين عن الدولة هو نجيب الريس، المنتمي إلى الحزب الوطني، والذي كما ذكرنا كان قد قاطع انتخابات الجمعية التأسيسية، معتبراً أن هذا الدستور هو دستور الانقلاب، وأن حزب الشعب متحالف مع الانقلاب للهيمنة على السلطة. ([75]) وقد نشر الريس في جريدة القبس مقالاً رفض فيه ربط الدين بالدولة قال فيه: "لو كانت هذه البلاد للمسلمين وحدهم، لكانوا أحراراً في فرض دينهم على أنفسهم وعلى حكوماتهم وحكامهم، ولكن البلاد ليست لنا وحدنا، بل هي لنا ولغيرنا، وخصوصاً النصارى الذين كانت لهم قبلنا، والذين دخلنا عليهم وهم فيها أصحاب دولة وملك ودين.... إن كنتم لا تقصدون التطبيق فلماذا إذاً هذه المادة التي يثير مجرد وضعها فقط نفوس غير المسلمين في سورية وفي غيرها، ويفتح علينا وعلى بلادنا باباً جديداً من الدعاية في العالم الخارجي نحن في غنى عن فتحه، ولا نعتقد أن أية حكومة تتألف في سورية تستطيع تطبيق أوامر الدين الإسلامي ونواهيه على رعاياها في معاملاتهم، وخصوصاً في هذه الأيام التي تفرض منظمة الأمم المتحدة والعرف الدولي وإجماع الدنيا وجوب المساواة بين المواطنين نساء ورجالاً وأدياناً في كل دولة مستقلة، وسورية عضو في هذه المنظمة ومجبرة على تطبيق قوانينها." ([76]) أحدثت هذه المقالة ضجة في الأوساط الإعلامية السورية واللبنانية منها الصحفي "التائه" و"الصياد" ورافقتها بيانات من المؤتمر الأول لطلاب المدارس الثانوية في سورية، وجاء من المغتربين السوريين في المهاجر الأمريكية بحسب ما تورد سعاد جروس.([77])

لم يتوقف الأمر عند الحزب الوطني، فالحزب الشيوعي السوري والذي لم يكن له ممثلون في الجمعية التأسيسية، أصدر في شهر كانون الثاني بياناً هو الآخر رافضاً تحديد دين الدولة، وعبر بيانه المعنون "المبادئ الأساسية التي يريد أن يجعلها الشعب السوري أساساً للدستور، مذكرة الحزب الشيوعي إلى الجمعية التأسيسية" يقول فيها: "لقد أظهر أبناء الشعب السوري في كل وقت، أنهم متحدون على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم السياسية والاجتماعية، وفي سبيل الأهداف الوطنية والشعبية الكبرى. ولذلك يجب أن يسجل الدستور هذا الإخاء العميق بين جميع المواطنين دون تفريق بإقراره مبدأ فصل الدين عن الدولة، إن لجميع المواطنين حرية الاعتقاد والعبادة، وهذا لا يتنافى مع ما تطلبه جماهير الشعب السوري من جعل دستورنا دستوراً وطنياً لا طائفياً". ([78])

أما بقية الأحزاب فلا نرى لها بيانات واضحة رغم الزخم الاجتماعي الكبير الذي رافق نقاش هذه المادة، وربما للأسباب التي ذكرناها نفسها في الفقرة السابقة لجهة عدم رغبة هذه الأحزاب بخسارة قواعدها الشعبية من جهة، ومن جهة أخرى بسبب تحالفها مع الإخوان المسلمين حول قضايا اعتبرتها أكثر أهمية، كقضية العروبة والاشتراكية. على سبيل المثال، كان من الواضح تحالف السباعي وأكرم الحوراني على قضية الاشتراكية "نادى الإخوان المسلمون بوجوب النص على مبدأ تحديد الملكية الزراعية، ودعمت الجبهة الاشتراكية من خلال السباعي ممثلي الحركة الفلاحية في البرلمان الممثلة بأكرم الحوراني وإحسان الحصني نائبي الحزب العربي الاشتراكي"([79]). كما كانت حركة الإخوان "تتبنى شعارات وموافق تتقاطع مع معظم التيارات "التقدمية" في الساحة السياسية، لكن وفقاً لرؤية إسلامية؛ إذ دعا الإخوان إلى وقف التبعية للأجنبي، ودعموا سياسة الحياد الإيجابي، وطالبوا بوضع حد لتحالف الإقطاع والبرجوازية المدينية، ولتحرير العمال والفلاحين من الجهل والفقر، وفسح المجال للعناصر الشابة لدخول الجامعات ومعاهد التعليم العالي لتحسين مستوى المعيشة، ولتصفية الإقطاعية والدعوة إلى طريق تطور لا رأسمالي يقوم على تأميم رأس المال الأجنبي، وفرض قيود على رأس المال المحلي، وتأميم قطاعات الدولة، وحماية النظام الجمهوري للدولة السورية، ولتحرير فلسطين والنضال من أجل الوحدة العربية".([80])

إذاً انكفأت الأحزاب عن مناقشة المادة الثالثة خارج البرلمان وهي أصلاً ناقشتها بخجل داخله، لتترك الساحة للكنيسة لتزعم الحراك. يبدو هذا واضحاً من تحرك السباعي لمفاوضة الكنيسة بشكل مباشر، في حين اكتفى بالبيانات والبيانات المضادة في ردوده على الحزب الوطني وسواه من الأحزاب التي عارضت ذكر دين الدولة. ترأس التفاوض من الجانب المسيحي البطريرك ماكسيموس الرابع الصايغ، الذي ألقى عظة وجه فيها انتقادات شديدة للمادة الثالثة، واصفاً إياها بالتناقض. تذكر سعاد جروس في كتابها آنف الذكر أن السباعي اجتمع مع رجال الدين المسيحيين على "اختلاف طوائفهم وخرجوا بالاتفاق على بناء الدستور على أساس الإيمان بالله والمساواة وحسن الأخلاق"([81])، في حين لا نجد ما يذكر عن اجتماعات بين السباعي والقوى الليبرالية على اختلافها، مما يشي بخشية السباعي من القوى المسيحية وعدم خشيته من القوى الليبرالية.

رغم أن السباعي واجه تعقيدات مع القوى المسيحية أو الليبرالية، إلا أن مواجهته الكبرى كانت مع التيارات المحافظة الأكثر تشدداً. فقد رفضت رابطة العلماء تبني نص المادة المحور من دين الدولة هو الإسلام إلى الفقه الإسلامي مصدراً رئيسياً للتشريع. يذكر الشيخ سرور زين العابدين، أحد زعماء التيار المحافظ السوري حتى وفاته في العام 2018، في مذكراته "ولقد دعت رابطة العلماء إلى عقد اجتماع عام من علماء المدن السورية ورجال الإصلاح فيها. فتقاطرت الوفود من البلدان وانعقدت عدة اجتماعات وكان في أواخر شعبان من هذا العام 1369هـ اجتماع علمي كبير كمؤتمر إسلامي حضره بعض الوزراء وأعضاء المجلس التأسيسي الموقر، وشهده كثير من الوجهاء وأهل المكانة في العاصمة. فدارت المذاكرات حول المادة الثالثة من مشروع الدستور (دين الدولة الإسلام) التي فازت بتأييد الأكثرية في عدة لجان وجاءت وفقاً لدساتير الدول المجاورة، ومماثلة لدساتير الدول الأجنبية الكثيرة، في النص على ارتباط الدولة بدين الأكثرية، فصدر القرار الإجماعي من المؤتمر بتأييد ألوف العرائض التي قدمتها هذه الأمة، بوفودها الكثيرة إلى المجلس التأسيسي الموقر والمحافظة على المادة الثالثة بنصها المحكم (دين الدولة الإسلام)، والنص الذي ربط الأنظمة والقوانين بروح التشريع أسوة بالحكومات العربية والإسلامية المستقلة من قبل والتي استقلت حديثاً كالباكستان وإندونيسيا"([82]) . لم تكتف رابطة العلماء بالبيانات بل ذهبت حد مطالبة الكتلة الإسلامية الاشتراكية بالاستقالة في حال لم يتم تثبيت المادة بنصها الأساسي.([83])

استدعى هذا الموقف الحازم من الرابطة السباعي لإصدار بيان وجهه للرأي العام المتدين مطالباً إياه بتبني النص الجديد حماية للوطن من انقسامات طائفية خطيرة. ([84])

تمكن السباعي في نهاية المطاف من إقناع جميع المعترضين يميناً ويساراً بالنص النهائي الذي خرج به دستور العام 1950، والذي مثل بطريقة أو بأخرى براغماتية السباعي في سعيه إلى طمأنة الجميع متحاشياً أن يؤدي النقاش حول المادة الثالثة إلى انتخابات جديدة لم تكن كتلة الإخوان المسلمين واثقة من نتائجها. ([85])

ما هو مؤكد أن التيار المحافظ، وإن وافق على بقاء هذه المادة حتى يومنا هذا، لم يكن يوماً راضياً عن إلغاء نص دين الدولة هو الإسلام، كما يورد الشيخ سرور زين العابدين في مذكراته التي ينقل فيها عن الشيخ عدنان زرزور النص التالي: "حدثني والدي رحمه الله أن رأي العلماء ورأي الشيخ حسن - ويعني فضيلة الشيخ حسن حبنكة الميداني - كان أن يقدم السباعي وإخوانه استقالاتهم من المجلس أو الجمعية التأسيسية إذا رفضت المادة المذكورة كتمهيد لتحرك شعبي واسع يجبر المجلس على تبني هذه المادة، وأنهم أو الشيخ حسن كفيل بهذا التحرك وتحقيق هذه النتيجة .... ولكن النواب لم يقدموا استقالاتهم... بل قبلوا بالنصوص الدستورية الأخرى! وكان لسان الحال ولسان المقال أيضاً – كما سمعته من بعض الأطراف -يلوم الأستاذ السباعي ... بل يعرض به وينال منه رحمه الله." ([86])

كما ذكرنا، ظلت المادة الثالثة في موقعها، وتقريباً في نصها، ثابتة في جميع الدساتير اللاحقة باستثناء دستور الوحدة 1958 والدستور المؤقت 1962، ويعود هذا برأينا إلى عدة أسباب: أولاً ظلت هذه المادة ثابتة في جميع الدساتير العربية تقريباً وبالتالي سيكون إلغاؤها في سورية إشكالياً. ثانياً، إن تثبيت مادة ما أيسر من إلغائها، وخصوصاً إذا ما كان ذلك متعلقاً بقضية بالغة الحساسية بالنسبة للمجتمع كقضية الدين، كما سنرى في أحداث دستور 1973. ثالثاً، ظل السبب الأساسي الذي استدعى تثبيت هذه المادة قائماً حتى يومنا هذا، ألا وهو خشية النخبة الحاكمة من المواجهة مع الشارع المحافظ.

4.   دستور 1973

في العام 1970 وفي الثالث عشر من تشرين الثاني، أقدم حافظ الأسد على انقلابه الذي أسماه "الحركة التصحيحية" والذي غير تاريخ سورية الحديث جذرياً. قام حافظ الأسد، الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية خلفاً لأحمد الخطيب الذي عينه انقلاب الأسد رئيساً مؤقتاً ريثما يبلغ الأسد سن الأربعين، بإصدار دستور مؤقت، وتعيين مجلس شعب مؤلف من 173 عضواً وعضوة أنيطت به مهمة كتابة دستور دائم للبلاد. تضمن مجلس الشعب غالبية واضحة من أعضاء حزب البعث المقربين من الأسد، من أمثال عبد الله الأحمر، وعبد الحليم خدام، ومحمود الأيوبي، ومصطفى طلاس، ومحمد طلب هلال، كما ضم ممثلين عن حزب الاتحاد الاشتراكي مثل: حسن عبد العظيم وعبد المجيد منجونة، وحركة الاشتراكيين العرب، مثل: عبد الغني قنوت، إضافة إلى عدد من المشايخ المقربين من الأسد وعلى رأسهم الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية. كما ضم ما لا يقل عن 11 مسيحياً و4 سيدات. ([87])

جاء هذا الدستور على خلفية مفاوضات طويلة استمرت بين العامين 1970 و1973 بين حافظ الأسد وما سيعرف بأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية من ناحية، وبين ظهور مشروع دستور اتحاد الجمهوريات العربية بين ليبيا وسورية ومصر، والذي ظهر في العام 1972 وشكل عاملاً هاماً في مداولات هذا الدستور من ناحية أخرى.

على عكس دستور 1950، والذي كما ذكرنا زخرت مقدمته بالإشارات الإسلامية، جاءت مقدمة دستور 1973 خالية تماماً من أي إشارة للدين. أما المادة الثالثة فقد جاءت مختصرة أكثر من دستور 1950 لتكتفي بالبندين الأوليين، ناصة على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام، وبأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، محيلة باقي البنود التي كانت واردة في دستور 1950 والتي نصت على أن "حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن ألا يخل ذلك بالنظام العام، الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية" إلى المادة 35.

تركزت مقدمة الدستور على تعزيز الانتماء العروبي ومحاربة الصهيونية والاستعمار والإمبريالية والاستغلال، والسعي إلى تحقيق أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي في الوحدة والحرية والاشتراكية وتثبيت ارتباط شكل الدولة بـ “ثورة الثامن من آذار" و"الحركة التصحيحية". أي إن الهوية التي حاول دستور 1973 ترسيخها هي الهوية العربية لسورية دون أي ذكر للهوية الإسلامية.

مرة أخرى كان هناك تباين واضح بين علاقة الدين بالدولة بين مشروع الدستور والنص النهائي، ومرة أخرى كان لصالح ربط الدين بالدولة. فمشروع الدستور خلا من أي إشارة للدين، ([88]) وبدا دستوراً علمانياً، الأمر الذي استفز التيار المحافظ مما دفعه إلى الاحتجاج في الشارع([89])، بطريقة مشابهة لما جرى أثناء كتابة دستور 1950، فعادت لجنة كتابة الدستور إلى نص يخفف الاحتقان. وكحال الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور 1950، كانت التفاوضات التي تناولت المادة الثالثة داخل البرلمان أقل شأناً من تلك التي حدثت خارج البرلمان، بل لا نكاد نرى تفاوضاً حقيقياً داخل البرلمان بالمعنى الحقيقي للتفاوض. فمن تناول الحديث عن المادة الثالثة كانوا من أفراد الحزب الواحد متباينين بشكل طفيف عن بعضهم بعضاً وعن المعنى الحقيقي للنصوص. قد يعود ذلك إلى كون الأحزاب الممثلة في البرلمان هي أحزاب متحالفة سلفاً مع حزب البعث، مسلمة إلى حد كبير بقيادته، وهي الأحزاب التي تشكلت منها " الجبهة الوطنية التقدمية" بقيادة حزب البعث، تاركة زمام التفاوض كله له. إضافة إلى ذلك كانت الشخصيات المسيحية داخل مجلس الشعب صامتة بشكل كامل هذه المرة، وربما أيضاً بسبب تحالفها مع حزب البعث أو انتسابها له، وربما لتحالفها مع حافظ الأسد، الشخصية المنتمية للطائفة العلوية، هذا الانتماء الذي سيلقي بظلاله على جزء هام من التفاوض حول المادة الثالثة. إلا أن هذه المرة كان التفاوض الحقيقي بين السلطة بقيادة الأسد وحزب البعث من جهة وبين التيار المحافظ من جهة أخرى دون تدخل واضح للكنيسة أو الأحزاب اليسارية التي على ما يبدو اختبأت خلف موقف الأسد الداعي لدستور علماني لا يربط الدين بالدولة.

لقد كان الأسد على ما يبدو مطمئناً لعلاقته مع التيار المحافظ عبر شراكته مع الشيخ أحمد كفتارو والشيخ محمد الحكيم مفتي حلب، ([90]) وطبقة التجار في دمشق وحلب التي توسمت خيراً في بعض اللبرلة للاقتصاد بعد أن أنهكتها سياسات التأميم التي سرت منذ عهد عبد الناصر في العام 1958([91]). الأمر الذي جعله يطمئن إلى الدفع بدستور يخلو من نص المادة الثالثة بشكل كامل، ليعود بعد فترة قصيرة بنص مطابق لنص 1950، وإن كان موزعاً في مادتين. الجدير بالذكر، أن الدستور المؤقت الذي صدر بتاريخ 16/2/1971 كان قد تضمن المادة الثالثة بنص اقتصر على بند الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، دون النص على دين الرئيس أو باقي بنود المادة ([92]). كما أن نص مشروع دستور اتحاد الجمهوريات العربية الصادر في العام 1972، يتضمن مادة ستستخدم في التفاوضات على دستور 1973، وتنص هذه المادة على ما يلي: "تؤكد دولة الاتحاد على القيم الروحية وتتخذ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع." ([93]) رغم ورود مواد في الدستور المؤقت ومشروع دستور اتحاد الجمهوريات العربية، إلا أن النص الأولي لمشروع دستور 1973 جاء خالياً منها كما ذكرنا، ليعود النص النهائي إلى نص دستور العام 1950.

 سنستعرض فيما يلي التفاوضات داخل مجلس الشعب والتفاوضات خارجه والتي أفضت إلى العودة إلى النص السابق للمادة الثالثة.

ثالثاً: التفاوضات داخل مجلس الشعب

تشكلت لجنة كتابة الدستور بتاريخ 26 آذار 1972، وفق أحكام المادة 48 من الدستور المؤقت الذي وضعه حافظ الأسد بعد انقلابه مباشرة وأصدره في العام 1971 برئاسة فهمي اليوسفي، عضو القيادة القطرية لحزب البعث وعضوية السادة: أدهم مصطفى - غسان شلهوب - حسن عبد العظيم - جورج صدقني - عصام النائب - أديب النحوي - محمود قدور - سعيد الخوري - موريس صليبي - محمود الزعبي - عثمان عدي - غازي ناصيف - جورجيت وردة - محمود عبد القادر - ريس فرحان الفياض - فتح الله علوش - عبدالله موصللي - مدني الخيمي - سميح فاخوري - مهدي حداد، والتي شكلت بدورها لجنة للصياغة من فهمي اليوسفي، وغسان شلهوب، وأديب النحوي، وسميح فاخوري، وغازي ناصيف. ([94]) غابت بعدها مداولات الدستور حتى تاريخ 8 كانون الثاني 1973 والذي خصص لمناقشة تقرير لجنة الدستور ضمن عدة نقاط أدرجت على جدول أعمال تلك الجلسة. من الهام هنا أن نذكر أن اللجنة، وبحسب محاضر اجتماعات مجلس الشعب المؤقت لم تجتمع حتى تاريخ 18 كانون الأول 1972 لتعد النص المطلوب منها. إذاً لم تجتمع اللجنة خلال فترة تسعة أشهر. تذكر اللجنة في تقريرها استنادها إلى دساتير مصر ولبنان وجمهورية ألمانيا الديموقراطية، والاتحاد السوفييتي، ودستور سورية 1950 إضافة إلى تأكيدها على عدم تعارض مشروع الدستور مع مشروع دستور اتحاد الجمهوريات العربية.

لم يكن مفاجئاً تجاهل تقرير لجنة الدستور ذكر المادة الثالثة، ليتركز التقرير على التوجه العروبي والاشتراكي للدولة، دون التطرق إلى علاقة الدين بالدولة. غير أنه كان لافتاً ذكر المادتين 44 و45 المرتبطتان بالأسرة والمرأة. يقول التقرير: "ونصت المادة (44) على أن الأسرة هي خلية المجتمع وأوجبت على الدولة التشجيع على الزواج وحمايته وحماية الأمومة والطفولة ورعاية النشء والشباب. وقد أعطى المشروع للمرأة لفتة خاصة عندما ساواها بالرجل في جميع الحقوق ومنحها حق الترشيح والانتخاب دون أي قيد خاص، وأوجب المشروع بنص المادة (45) على الدولة أن تكفل للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة بكل المجالات وأوجب على الدولة أن تعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع".

تركزت المداخلات بعد التقرير على القضية الأساسية التي كانت تهم الأحزاب المشكلة للجبهة الوطنية، وهي دور الجبهة وعلاقتها بحزب البعث وبالمادة الثامنة التي تضع حزب البعث العربي الاشتراكي في قيادة الدولة والمجتمع. أي إن هذه الأحزاب لم تكن تعترض على ما ورد في المادة الثالثة والمادة الخامسة والثلاثين، على الرغم من التوجه الليبرالي (بمعنى فصل الدين عن الدولة) لهذه الأحزاب، لتقتصر المداخلات، القليلة بطبيعة الحال، على قضايا شكلية في المادة الثالثة، وعلى وجوب توافق نص الدستور مع ما ورد في مشروع دستور اتحاد الجمهوريات العربية. فمداخلة موريس صليبي، عضو مجلس الشعب عن الحزب الشيوعي السوري، تركزت على قضية الاشتراكية والجبهة الوطنية التقدمية، مع إشارة إلى ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة.

وكانت مداخلة سليم عقيل، وهي الأولى التي تطرقت إلى المادة الثالثة، لتدافع عن النص الوارد. يقول عقيل: "فقد جاءت المادة بالرغم من الإشارة في تقرير اللجنة أن دستور عام 1950 كان أحد المصادر التي استقت منه اللجنة مشروع الدستور المقدم إلى هذا المجلس، ودستور عام 1950 نص فيه على أن دين رئيس الدولة الإسلام وعلى أن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع وعلى احترام الأديان وحفظ حقوق الأحوال الشخصية بالنسبة للطوائف المسيحية أو الطوائف الأخرى، وحتماً سيقال بأن مثل هذا النص يتعارض مع الاتجاه التقدمي ويتعارض مع التطور الذي يسير عليه بلدنا، وأنا أقول أنه (إنه) لا يتعارض إطلاقاً لأن الأكثرية الساحقة في هذا البلد مسلمة، وإذا ما نص على دين رئيس الدولة الإسلام فليست في هذا حركة رجعية أو انعطاف إلى الخلف، بل تقرير لمبدأ ديمقراطي في أن يكون رئيس الدولة هو رئيس الغالبية من هذا الشعب، وأن يكون التشريع الإسلامي  مصدراً من مصادر التشريع ، فمؤتمر لاهاي وهو مؤتمر دولي عالمي اعتبر التشريع الإسلامي أحد مصادر التشريع في العالم فهو يكرمه، لا لأنه إسلامي فقط وإنما يكرمه؛ لأنه تشريع من نتاج الفكر العربي الإسلامي وهو موضع التقدير والاحترام من مختلف الأمم في مجال التشريع". اللافت هنا، هو ذكر مؤتمر لاهاي الذي اعتبر التشريع الإسلامي مصدراً من مصادر التشريع في العالم. اعترض عز الدين ناصر، القيادي في حزب البعث،  واعتبر مداخلة عقيل طائفية، معتبراً ان إرادة التشريع والحكم هي الإرادة الطبقية. يقول ناصر في مداخلته: "لقد تعرض الأخ سليم إلى مواضيع دينية وطائفية وإننا كعمال نفهم أن إرادة التشريع وإرادة الحكم هي الإرادة الطبقية التي نعتبرها هي منبع العمل منبع العطاء ومنبع الإنتاج، ولا يمكن أن تكون الإرادة الطائفية التي هي نبع التفرقة ومنبع عدم الإنتاج، إننا نرجو من زملائنا بأننا سنناقش مجمل ما ورد في مشروع الدستور ونحن كطبقة عاملة لن نبخل مطلقاً لإبداء كل ملاحظة نعتقد أنها تخدم واقع شعبنا، وقد شعرت من كلام زميلي أننا في مجتمع متخلف ولسنا في بلد يسير في خط الاشتراكية."([95])  

لم تكن هذه المداخلة هجوماً على المادة الثالثة بحد ذاتها، وإن كانت المداخلة الوحيدة التي هاجمت فكرة ربط مصادر التشريع بالدين بطريقة غير مباشرة، ناهيك عن ربط التخلف بما ذكره عقيل، وإنما كانت هجوماً على عقيل نفسه الذي انتقد هيمنة حزب البعث على الدولة وانتقد فكرة الجبهة الوطنية وانتقد كذلك الصلاحيات التشريعية لرئيس الجمهورية([96]) . أما عبد الله الأحمر، فلم تكن مداخلته لرفض المادة أو قبولها أو تعديلها، بل على ما يبدو كانت لتأكيد موقف الحزب من الدين والمجتمع مهاجماً خصومه من المحافظين، خارج المجلس وليس داخله، والذين اتهموا البعث بالابتعاد عن الدين. يقول الأحمر: "لست في حاجة إلى التأكيد أن كل من في المجلس يحترمون الأديان ويعتبرون الإسلام (جزءاً من التراث العربي ومصدراً من المناهل الأساسية التي نعتمد عليها في كل التشريعات، ولكن هذا شيء وما نقوم به من إقرار دستور دائم هو شيء آخر. إن الانتماء لأبناء الشعب في هذا القطر ولأبناء الأمة العربية جميعاً هو الانتماء العربي أصلاً، والإسلام جاء موجهاً للعرب قبل غيرهم، وأنا ألتقي مع الأخ سليم بأن الدين للأفراد وليس للدولة، وأن كل فرد له دينه وله معتقده. ونحن نحترم لكل فرد دينه ومعتقده، وتكون له الحرية الكاملة في إقامة الشعائر الدينية، ولم يعكر هذا الأمر إلا المستعمرون عندما كانوا هنا إبان الانتداب، وإذا كانت هناك من رواسب لإثارة النعرات فهي ليست من باب الحرص على الدين، لا على دين رئيس الدولة ولا على دين الدولة؛ لأن الأكثرية هي التي تنتخب رئيسها وتراعي كل الاعتبارات واقعياً ولم نر في يوم من الأيام أن رئيس الجمهورية لم يكن على دين الأكثرية. هذه الأمور كانت تراعى في الواقع إنما كانت تثار ولا نقول عندما تثار وإن كل من يثيرها معني أنه كان مدفوعاً ولكن كان من يريد أن يضع شعبنا في زاوية هو أن يكرس واقعاً قائماً تجاوزه شعبنا منذ أكثر من ربع قرن لأنه عندما تجاوزه لا نقول إنه تجاوز الدين وإنما أن نقول إنه تجاوز الأساليب التي كان الدين من خلالها مصدراً للتجارة سواء عندما كانت تناقش مثل هذه الأمور لتوضع في الدستور أو في شكل آخر ، فأنا حسب تقديري لسنا الآن في صدد مناقشة موضوع الدين ومركز الدين في نفوسنا وإصرارنا على احترام كل الأديان وكل المعتقدات وإنما نثبت في هذا الدستور مبادئ لشعب له انتماء عربي كمجموع، أما الأفراد كأديان فهذا أمر يهم الفرد وهذا ما تؤكده القوانين، ولذلك أرى أن الفقرة كما وردت منسجمة مع دستور دولة اتحاد الجمهوريات العربية أو مع مرحلة التطور التي وصل إليها شعبنا، وأرجو أن يقرها المجلس كما وردت".

إذاً لم يطلب عقيل ولا الأحمر ولا عز الدين تعديلات على المادة. كانت الشخصية الوحيدة التي طلبت التعديل هي فتح الله علوش الذي طالب بتبني النص الوارد في دستور اتحاد الجمهوريات العربية، غير أن التصويت ذهب بسرعة وبشكل واضح باتجاه النص الوارد في المشروع بشكل يوحي بقبول النص قبل عرضه على الأعضاء.


 

نستطيع أن نسلط الضوء على الملاحظتين الآتيتين في مداولات دستور 1973:

أولاً، على عكس دستور 1950، لم تحظ المادة الثالثة بقدر هام من النقاش داخل قبة البرلمان، ويعود هذا برأينا إلى أن جميع الأحزاب قد تعلمت من درس دستور 1950 من جهة، ومن جهة ثانية كانت هذه الأحزاب متفقة على قيادة البعث للعملية على ما يبدو، وأخيراً كان من الواضح أن كل التفاوضات قد جرت خارج المجلس والكل كان جاهزاً على التوقيع على النص المقترح، والأهم هو عدم وجود أحد من التيار المحافظ للدخول معها في تفاوضات!

ثانياً، لم تتقدم الشخصيات المسيحية بأي خطوة تجاه مناقشة المادة الثالثة على عكس فعلها في دستور 1950 ودستور 1920. ربما يعود هذا إلى أن هذه الشخصيات كانت منتمية لأحزاب كجورج صدقني المنتمي لحزب البعث أو موريس صليبي المنتمي للحزب الشيوعي، والذي استدعاها للالتزام بمواقف أحزابها، أو للأسباب نفسها التي دفعت الأحزاب إلى الصمت تجاه هذه المسألة.

ثالثاً، كان لافتاً أن التيار المحافظ ممثلاً بالشيخ أحمد كفتارو ومحمد الحكيم قد تغيب عن مناقشة مواد الدستور. لا يتضح لنا سبب تغيبهم، والذي قد يكون مصادفة، أو لتفادي الدخول في مناقشات هم في غنى عنها وخصوصاً بعد تثبيت المادة بنصها النهائي قبل الدخول إلى القاعة على ما يبدو.

رابعاً: التفاوضات خارج مجلس الشعب

كانت التفاوضات خارج قبة البرلمان أشد بوضوح من تلك التي حدثت داخل البرلمان، ومن تلك التي حدثت في جميع الدساتير السابقة. ففي هذه المرة لم يكن الإخوان المسلمون ممثلين في المجلس، وبالتالي كان تفاوضهم يحدث خارج البرلمان، كما انكفأت الكنيسة عن أي دور بارز تاركة الدور الأساسي للأسد والبعث من ورائه على ما يبدو، إذ إننا لم نصل إلى أدبيات تذكر أي بيان أو دور واضح لها. أما أحزاب المعارضة والتي لم تكن منضمة للجبهة الوطنية، فقد آثرت هي الأخرى الاختباء وراء الطرفين الأساسيين: البعث من جهة، ورابطة علماء الشام ممثلة بالشيخ حسن حبنكة الميداني وجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى. والهام هنا أيضاً أن قضية الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد قد لعبت دوراً في تعاطي الأطراف مع المادة الثالثة.

يبدو أن حركة الإخوان المسلمين كانت ترى في مشروع الدستور، الخالي من ذكر دين رئيس الجمهورية، فرصة لمهاجمة نظام الحكم بشكل حاسم. يقول سعيد حوى: "عندما قرأت نص الدستور وجدت أنه لا بد من عمل، وأن هذا العمل يجب أن يكون باسم علماء سورية، ورأيت أن طوائف كثيرة ستتجاوب مع هذا التحرك، فالناصريون والاشتراكيون، وحتى جماعة صلاح جديد سيلتقون حول هذا التحرك، وما دام التحرك بقيادة العلماء، فستظهر الحركة كلها بالمظهر الإسلامي، وهذا سيجبر حافظ الأسد على تنازلات وسيعطيه درساً للمستقبل في وجوب مراعاة الإسلام، ورأيت أن علينا نحن الإخوان المسلمين أن نوصل الناس من وراء ستار إلى وضع يندفعون فيه دون أن يكون هنالك ممسك علينا، وعلى هذا الأساس تحركت وأنا أداوم على تدريسي في المعرة، وقد سارت الأمور على ما يرام وبالشكل المخطط له، ولكن لله مراداً." ([97])

بدأ العلماء بالتحرك في دمشق وحلب وحمص وحماة. وكان واضحاً الدور البارز الذي لعبه الشيخ حسن حبنكة الميداني، والذي كان على ما يبدو القائد الفعلي للتيار المحافظ آنذاك والشيوخ عبد الكريم الرفاعي في دمشق، وخالد الشقفة في حماة ومحمد الشامي في حلب (والذي كان مقرباً من السلطة بحسب سعيد حوى) ([98]). من الواضح أن تحرك الشيوخ والاحتجاجات التي رافقت تحركهم في حماة تحديداً والتي هتفت مطالبة بإسلام الرئيس وبمهاجمته كعلوي، قد أحرجت الأسد كثيراً دافعة إياه إلى إصدار بيان يطالب فيه بوضع دين رئيس الدولة هو الإسلام، و"وأصر في الوقت ذاته على رفض "كل تفسير متخلف للإسلام يكشف عن تزمت بغيض وتعصب مقيت. فالإسلام دين المحبة والتقدم والعدالة الاجتماعية. دين المساواة بين الناس جميعاً"([99]).

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد كانت هتافات حماة بحسب سعيد حوى "لا دراسة ولا تدريس حتى يسلم الرئيس"([100])، وشارك الاشتراكيون والناصريون بالدعوة إلى الإضرابات ([101]). دفع كل ذلك حافظ الأسد إلى التحرك ضمن الأوساط العلوية والشيعية كي يبعد شبهة البدع عن الطائفة العلوية. يقول حنا بطاطو: "ولمواجهة التهمة التي يلقيها المتعصبون في وجهه بأنه ينتمي إلى طائفة من أصحاب البدع أصدر ثمانون من رجال الدين العلويين بياناً رسمياً في شأن هذه النقطة يؤكدون فيه على نحو قاطع أن كتابهم هو القرآن وأنهم مسلمون شيعة، وأنهم مثل أغلبية الشيعة اثنا عشرية أي من أتباع الأئمة الاثني عشر. وصادق على بيانهم المفتي الجعفري الممتاز في لبنان عبد الأمير قبلان وأكد الإمام موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان في رأي مرجعي "الوحدة المذهبية" للعلويين مع الشيعة. ([102])

غير أن التفاوض الأبرز كان بشكل مباشر بين الأسد والشيخ حسن حبنكة الميداني الذي عده سعيد حوى وحنا بطاطو القائد الديني الأبرز في تلك الفترة. ينقل عبد الرحمن حبنكة الميداني عن والده قصة لقائه بالأسد الأب في معرض التفاوضات التي رافقت كتابة الدستور: "أراد مجلس الشعب في إحدى دورات حكم الرئيس (حافظ الأسد) وضع دستور للدولة السورية، وكان اتجاه الدولة والحزب أن يكون دستوراً علمانياً، وفق مبادئهم المعلنة، فنهض جميع علماء المسلمين ورجال الحركات الإسلامية يطالبون بأن يوضع في الدستور مادة (دين الدولة الإسلام). وكتبوا في ذلك عرائض وقعها كثيرون، وكان الوالد في مقدمة الموقعين، ووجهوا برقيات لرئيس الدولة ولرئيس مجلس الشعب. وحضر جمع منهم إلى الوالد الإمام، يستحثونه للقيام بالمطالبة بهذا الأمر، فاتّصل بمقر الرئاسة، وطلب موعداً للاجتماع بالرئيس، وحُدد له وقتٌ لذلك. فذهب إليه، وقدر الرئيس (حافظ الأسد) في نفسه أن الغرض من الاجتماع المطالبة بوضع مادة (دين الدولة الإسلام) في الدستور، فأعد نفسه ببعض الأجوبة التي عرضها عليه مستشاروه القانونيون من قيادات حزب البعث. وحصل الاجتماع بينهما في قصر الرئاسة فطالبه الوالد الإمام بوضع مادة (دين الدولة الإسلام) في الدستور، وأبان له مطلب علماء المسلمين والجماهير العريضة الواسعة من الشعب الذي هو مسلم بأكثريته الساحقة. فأجاب الرئيس ببعض الأجوبة تعتمد على المغالطة، فكان من أجوبته المغالطيّة: أن الدولة إنما هي أرض ومبانٍ ودوائر ومؤسسات إدارية وعسكرية، وهي أمور لا تتصف بأنها ذات دين أو غير ذات دين، فلا معنى لذكر مثل هذه المادة في الدستور. فأجابه الوالد فوراً: إن القانونيين الذّين أفهموك هذا يتجاهلون الحقّ، ويبينون لك خلافه ويغالطونك. فقال الرئيس (حافظ الأسد) وكيف ذلك؟ فقال له الوالد الإمام: إنّ الدولة جهاز من أفراد الشعب وهم نائبون عن الشعب في تحقيق مطالبه، ويمثّلون في التعبير عن إرادته، وتحقيق مصالحه، وللشعب الذي تمثله الدولة في الإدارة أرض ومؤسسات وممتلكات. ولو كان الأمر كما زعموا لك، لما كان معنى لأن تقولوا: نحن دولة اشتراكية، ولأن تُعلن كلّ الدول في دساتيرها المبدأ الاعتقادي الذي تؤمن بهو وتعمل بموجبه أحكامها (علماني – ماركسي – اشتراكي – كاثوليكي – بروتستانتي -يهودي) ونحو ذلك. أفكلُّ هؤلاء لا يفهمون القانون، فهم عن جهل يضعون في دساتيرهم ما لا يتلاءم منطقياً مع مفهوم الدولة؟ لقد ظن الذين أملوا على الرئيس هذه المغالطة أن الوالد عالم ديني، رّبما انطلت عليه هذه الحيلة المغالطيّة، وجهلوا أنّ فقهاء المسلمين هم أساتذة رجال القانون في العالم، وأنّ فرنسا أم القانون المدني قد استمدت قانونها أساساً من الفقه الإسلامي، واستفادت أبنيتها القانونية النظرية من تحليلات فقهاء المسلمين. قال الرئيس (حافظ الأسد): لقد مرت على البلاد حكومات كان فيها جماعة من علماء المسلمين ممثلين عن الشعب، وكان فيهم عدد من الإخوان المسلمين، ووضعوا دستوراً ولم يضعوا فيه مادة (دين الدولة الإسلام) واقتصروا على أن يكون الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع. فكيف تطالبوننا بما لم تفعلوه أنتم؟"([103])

عادت بعد هذه التفاوضات المادة إلى النص الذي وضعه السباعي قبل اثنين وعشرين عاماً ليستمر حتى يومنا هذا. وهنا يمكننا أن نلفت الانتباه إلى الملاحظات التالية:

أولاً، كان لافتاً أن حوار التيار المحافظ مع السلطة انحصر في المادة الثالثة ولم يكن هنالك أي نص يذكر أي حوار حول المادة الثامنة، الأمر الذي يدفع إلى الظن أن المادة الثامنة قد كانت ثمن تمرير الأسد للمادة الثالثة. واعتبر التيار المحافظ أنه انتصر بمجرد أن أعاد المادة إلى الدستور، متناسياً المادة الثامنة والصلاحيات المطلقة التي أعطيت لمنصب الرئيس، وجميع مكامن الضعف في الدستور.

ثانياً، كان لافتاً أيضاً غياب التيار المحافظ المؤيد للسلطة ممثلاً بالشيخ أحمد كفتارو عن الحوارات خارج البرلمان، كما كان غائباً عن الحوارات داخله، ولم يكن سوى الشيخ محمد الشامي موجوداً للوساطة بين التيار المحافظ والسلطة. مما يدل على رغبة هذا التيار بالابتعاد عن المواجهة مع الشارع أو مع السلطة تاركاً الأمر بيد المشايخ المناوئين للسلطة وللأسد شخصياً القيام بهذا التفاوض. ليس لدينا ما يشير إلى أن هذا الغياب كان بطلب من الأسد لكفتارو، إلا أن هذه الحوادث قربت بين المؤسسة الدينية الرسمية والسلطة الحاكمة، مما جعل الأسد يضاعف من ميزانية الأوقاف ويوطد العلاقة مع تيار كفتارو حتى وفاته.

ثالثاً، كان غياب التيار الليبرالي، والمطالب بفصل الدين عن الدولة شبه كامل. فلا ذكر لأي دور للحزب الشيوعي ولا الحزب السوري القومي الاجتماعي أو غيرهما من الأحزاب في المطالبة بإلغاء المادة. بل على العكس، فبحسب سعيد حوى ربما وجدت بعض الأحزاب الفرصة سانحة لمهاجمة السلطة من بوابة محاولة الأخيرة إلغاء المادة الثالثة، أي إنها على العكس، طالبت بإعادة المادة الثالثة بغرض إضعاف السلطة الحاكمة.

رابعاً، على عكس تفاوضات دستور 1950، غاب دور الكنيسة تماماً عن التفاوض ولا ذكر لأي بيان أو موقف لها، لا خلال الحوارات داخل مجلس الشعب ولا خلال حراك الشارع، الأمر الذي يمكن عزوه إلى اختبائه خلف الأسد، ورضاه عن النص الموجود في دستور 1950 كونه رآه حلاً وسطاً وصل إليه مع التيار المحافظ.

خامساً، يجب ألا ننسى أن مصر وسورية كانتا تتحضران لخوض معركة تشرين الأول ضد إسرائيل، الأمر الذي قد يكون سبباً وراء تراجع الأسد لحاجته لدعم شعبي في معركته المقبلة من جهة، ووراء استعجاله كتابة الدستور من جهة أخرى.

سادساً، كان لافتاً في هذا الدستور غياب البعد الدولي عن التفاوض على خلاف مقاربات 1920 و1950، والتي إما نادت بمثال الغرب أو بالابتعاد عنه كأداة للتفاوض، خلت كل تفاوضات هذا الدستور من أي مقارنة حول المادة الثالثة مع الدساتير الغربية.

مرة أخرى فشلت النخب السورية في إنتاج حوار حقيقي حول هذه المادة، ولم تستند مقارباتهم دفاعاً عنها أو رفضاً لها إلى أسس علمية تشرح الفرق بين النصوص المتفرقة من جهة، ومن جهة أخرى تفتح الباب على الحوار الهادف الذي يتيح المجال أمام فهم عمومي مشترك للمعاني المختلفة، الأمر الذي أدى إلى انفجارات العام 1979-1982، وربما كان أحد عوامل انفجارات العام 2011.

خامساً: الدين والدستور في الدستور المقبل: أين سيصل الحوار بين المحافظين والليبراليين؟

في بحثنا حول علاقة الدين بالدستور نرى أن هنالك دساتير عربية وغير عربية نصت على دين الدولة، ودساتير عربية وسورية تحديداً نصت على أن مصدر التشريع هو الإسلام، لكننا لم نر أي مرجع يشرح الفرق القانوني بين النصين. فدستور تونس ينص على أن: "تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها."([104]) . في حين ينص دستور مصر على أن: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع." ([105]) علماً أن لدى تونس قانون أحوال شخصية يمنع تعدد الزوجات، والذي تتيحه قوانين مصر وسورية، فأين الأثر الفعلي للنص؟ كما أن مرام التيار المحافظ في سورية خلال العام 1973 و1950 كان دين الدولة وليس مصدر التشريع! وخلو دساتير 1920، 1930، 1958 من تحديد مصدر التشريع أو دين الدولة، لم يؤثر بتاتاً على القوانين التي سنت استناداً إلى هذه الدساتير سواء المدنية أم الجزائية أم غيرها. فباعتقادنا أن الخلاف بين التيار المحافظ والتيار الليبرالي حول النص هو خلاف سياسي لا يستند حقيقة إلى جوهر قانوني لمعنى النصين، كما يؤكد الفيلسوف الدستوري الألماني كارل شميدت أن مثل هذه الاتفاقات حول مشاكل الهوية والتموضع للفرقاء السياسيين توليفات لفظية آنية لتجيير الخلاف من اللحظة الدستورية إلى العمل السياسي اللاحق ([106]).

إن إدراك التيارين لمثل هذه الحقيقة، قد يفتح الباب أمام توافقات محتملة في اللجنة الدستورية التي تعمل على كتابة دستور سورية المقبل.

ومن التجارب المفيدة للحالة السورية تمكن الجمعية التأسيسية التونسية من الحفاظ على الهوية الإسلامية لتونس، مستخدمة لغة تماشي لغة العالم. فالنص الدستوري لا يمنع المرأة من شغل مناصب عليا وصولاً إلى منصب رئيس الجمهورية إذ ينص الدستور التونسي في فصل الرابع والسبعين على أن: "الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخبة أو ناخب تونسي الجنسية منذ الولادة، دينه الإسلام." وبالتأكيد سيحتج الليبراليون على فكرة حصر رئاسة الدولة بالمسلمين وحرمان المسيحيين منها، وهذا ينافي حق المواطنة الكاملة لكل سوري وسورية. غير أن الوصول إلى دستور يعطي حق المواطنة لكل المواطنين بغض النظر عن دينهم، يبدو غير ممكن، آخذين بعين الاعتبار التوجه العام لغالبية أعضاء اللجنة من جهة، وتاريخية هذه المسألة من جهة أخرى. زد على ذلك أن دين الرئيس سيكون هاماً في حالة نظام رئاسي، لكن ذلك سيكون أقل أهمية في نظام حكم برلماني يحظى الرئيس بصفة اعتبارية ويكون لرئيس الوزراء الصفة التنفيذية الفعلية. وحتى في نظام شبه رئاسي، سيكون منصب رئيس الحكومة منصباً في غاية الأهمية، وخصوصاً في نظام شبه رئاسي يحظى فيه رئيس الحكومة بصلاحيات واسعة.

أما لجهة قانون الأحوال الشخصية، فمهما كان نص الدستور، سيكون القول الفصل في البرلمانات المنتخبة. فإذا كان الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع فهذا يعني أنه ليس المصدر الوحيد، وسيبقى على التيارات السياسية المختلفة التفكير بلعبة الأغلبية السياسية لتمرير مشاريعها عبر اللعبة الانتخابية.

ناهيك عن وجود تيارات محافظة بدأت تتناول قضية المواطنة والدولة المدنية بشكل جذري ([107]) . فشخصيات مثل فهمي هويدي ومحمد عمارة وسليم العوا، ومحمد مهدي شمس الدين، والقرضاوي لها نصوص متقدمة في المواطنة تتيح ببعض مناحيها شغل المرأة لمنصب الرئيس، ورفض قتل المرتد، والمواطنة الكاملة للمسيحيين وسواها من المسائل التي تشغل التيار الليبرالي ([108]).

قد يكون الأمر هيناً بما يخص المسلمين من الطوائف المختلفة أو الأديان السماوية، أما لجهة أديان مثل الإيزيدية فالأمر بالتأكيد أكثر تعقيداً، وقد يكون هنالك حاجة لنصوص دستورية تحمي مثل هذه الجماعات. وسيصبح الأمر أكثر تعقيداً فيما يخص حرية عدم الاعتقاد بدين محدد وقضية الزواج المدني.

 سيكون برأينا النص المختار للمادة الثالثة دور هام في الحوارات بين المحافظين والليبراليين، ولا نرى الأمر محسوماً تجاه النص المقترح، ولذلك نقترح هنا طيف النصوص المحتملة لها، من النص الأكثر علمانية إلى النص الأكثر محافظة:

  • سورية دولة علمانية: نعتقد أن مثل هذا الخيار ضعيف الحظ، لغياب تيار قوي داخل اللجنة لفرض مثل هذا النص من جهة، ولعدم وجود مثل هذا النص في أي دستور سوري أو عربي أو دساتير الدول ذات الغالبية الإسلامية.
  • عدم ذكر مصدر التشريع: قد يكون هذا حلاً وسطاً، كون الغالبية الكبرى من الدساتير غير العربية والإسلامية، مثل إندونيسيا وماليزيا، لا تذكر أي نص حول مصدر التشريع. لقد كان هذا النص هو نص السباعي الذي استقته منه باقي الدول العربية، عندما تنازل عن نص دين الدولة هو الإسلام كما رأينا.
  • القانون الدولي والمعاهدات والمواثيق الدولية مصدر رئيسي للتشريع: نعتقد أن مثل هذا الخيار ضعيف الحظ أيضاً، لغياب تيار قوي داخل اللجنة لفرض مثل هذا النص من جهة، ولعدم وجود مثل هذا النص في أي دستور سوري أو عربي أو إسلامي، ولكون إخضاع الدستور السوري للمواثيق الدولية قد يكون إشكالياً عند الكثيرين لأسباب لا تتعلق بموضوع الدين وحقوق الإنسان والمواطنة، وإنما بعلاقة الدولة بالنظام العالمي ككل.
  • الإسلام دين الدولة: قد يحظى هذا النص برضى التيارين على غرار ما تم في تونس مثلاً.
  • القانون الدولي والمعاهدات والمواثيق الدولية مصدر رئيسي للتشريع، على ألا يتعارض ذلك مع الشريعة الإسلامية: وهذا أيضاً نص قد يحظى ببعض التوافق كونه يضع لأول مرة القانون الدولي والمعاهدات كمصدر للتشريع، رغم تقييده بحدود الشريعة الإسلامية.
  • مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع: إن ذكر مبادئ الشريعة، أو الشريعة هو نص مخفف ربما من وجهة نظر التيار الليبرالي من الفقه الإسلامي.
  • الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، سواء مرفقة بدين الدولة أم لا، وسواء بألـ التعريف أم دونها: هذا النص، كحال النص السابق، سيكون إشكالياً لدى تيار معقول داخل اللجنة، وإن كنا نرى أن الغالبية قد تكون معه، إلا أنها لن تكون غالبية كافية لفرضه، وبالتالي سيكون ربما من المتعذر القبول به كنص نهائي.
  • الفقه الإسلامي المصدر الوحيد للتشريع، سواء مرفقة بدين الدولة أم لا: هذا النص، سيكون إشكالياً بشكل أكبر من سابقه لدى تيار كبير داخل اللجنة، وبالتالي سيكون مستبعداً جداً القبول به كنص نهائي.
  • مقاصد التشريع هي المرجع الأساسي للتشريع وهذا اقتراح يمكن مناقشته لأن المقاصد يمكن أن تكون مقاصد إنسانية وخصوصًا إذا طورت، وهي قابلة لذلك وثمة محاولات داخل الفكر الإسلامي المعاصر لتطويرها وجعلها أكثر مواكبة للمفاهيم المعاصرة.

سادساً: خلاصة وخاتمة

 لقد كانت علاقة الدين بالدولة قضية مفصلية في الدساتير السورية الثلاثة التي درسناها في هذا البحث، تفوقت في كثير من الأحيان على مواد مهمة ترتبط بصلاحيات السلطة التنفيذية وفصل السلطات وتشكيل الأحزاب والجمعيات، واللامركزية وسواها من القضايا الهامة التي يحددها الدستور عادة. نعتقد أن هذا الأمر كان دوماً بالنظر إلى الدستور من وجهة نظر الهوية والحقوق لا من وجهة نظر البرامج والسياسات العامة كما يشرحها حسن طارق ([109]).

لم تنحصر التفاوضات حول هذه المادة داخل البرلمان فقط، ولم تكن بين التيارات ذاتها في كل مرة تم التفاوض عليها، كما لم تكن القضية دوماً واضحة في تناول هذه المادة كما رأينا في دستور 1920 فقد تركزت المسألة حول حقوق النساء أكثر منها حول علاقة الدين بالدولة.

وعلى الرغم من ظهور التيار المحافظ كطرف مفاوض دائم يدافع عن دين الدولة، كان الطرف الآخر إما تياراً ليبرالياً أو شخصيات مسيحية كما هو الحال في دستوري 1920 و1950. وفي حين كان حضور التيار الليبرالي في الدفاع واضحاً في مداولات دستور 1920 ولكنه كان ضعيفاً في مناداته بفصل الدين عن الدولة في دساتير 1950 و1973 ربما لأسباب تتعلق بقواعده الشعبية التي لا توافق على دستور ليبرالي كما ذكرنا.

ارتكز التيار الليبرالي في مناداته بفصل الدين عن الدولة على مسألتين أساسيتين: الأولى، كانت المسألة الحقوقية، والتي تركزت على حقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة، ومبدأ المواطنة بين أفراد الوطن بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الطائفة. أما المسألة الثانية، فقد كانت العلاقة مع الغرب إما تشبهاً بالغرب المتقدم، أو درءاً لتدخل الغرب تحت ذريعة حماية الأقليات أو حاجة المجتمع السوري "المتخلف" لوصاية أجنبية.

أما التيار المحافظ، فقد استند بشكل أساسي إلى ثلاث مرتكزات: الأولى، هي أن غالبية المجتمع هي من المسلمين، دون ذكر الأقليات الطائفية فيه كالعلويين والدروز والإسماعيليين، وبالتالي فمن حق الغالبية أن تطبع دستورها بالطابع الإسلامي، استناداً إلى مفهوم الديموقراطية كما يرونه. الثاني، كان يرتكز إلى العلاقة مع الغرب أيضاً، من كون الغرب يطبعه الطابع المسيحي وهذا حقه كما هو حق المجتمع ذي الطابع المسلم. القضية الثالثة، كانت ترتكز إلى أن العلمانية منتج مسيحي، ينطلق من أن المسيحية كانت عقيدة وليست شريعة كما هو الحال في الدين الإسلامي، وبأن الإسلام جاء بمنهج شامل للإصلاح وفيه خصائص مرونة وتطور، وأن الإسلام ينهج النهج العلمي والعلم التجريبي، وأن الإسلام في مجال التشريع مدني علماني، وأن الإصرار على الإسلام كدين للدولة هو لتأصيل المفردات وربطها بتاريخ الأمة، وكانت هذه هي مدخل الشيخ مصطفى السباعي بشكل أساسي.

أخيراً، لا بد لنا من ملاحظة انخفاض تأثير العامل الغربي على الدساتير السورية من العام 1920 والذي كان طاغياً خلاله، حتى دستور العام 1973 الذي كان مغيباً تقريباً عن المداولات.

يعود السوريون اليوم مرة أخرى للتداول الكثيف حول هذه المادة، طرف يريد المواطنة بمفهومها الغربي باعتبارها لغة العصر، وطرف يريد المرجعية الإسلامية باعتبارها العلامة المميزة للمجتمع، وطرف ثالث صوته ضعيف هذه المرة، يسعى إلى خطاب يقارب لغة العصر ولغة المجتمع، واللافت هنا أن هذه "الأطراف" عابرة للأطراف السياسية التقليدية، أي إنها عابرة لكتل المعارضة والسلطة والمجتمع المدني.


([1]) زيدون الزعبي، مصادر التشريع بين التيارين المحافظ والليبرالي، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 23-5-2020، الرابط: https://bit.ly/34GEngL

([2]) Elisabeth Thompson, How the west stole democracy from the Arabs: The Syrian Arab Congress of 1920 and the destruction of its historic Liberal-Alliance, Atlantic Monthly Press, New York, 2020.

([3])  ندوة بعنوان "مئوية الدستور السوري الأول 1919/1920: إشكالية العَلمنة" المركز العربي لأبحاث ودراسات السياسات، 2-9-2020، رابط: https://bit.ly/3kONjGs

([4])Rim Turkmani and Ibrahim Draji (2019) the question of religion in the Syrian Constitutions: historical and comparative review. Conflict Research Programme, London School of Economics and Political Science, London, UK, 05-2020. https://bit.ly/384zccC

([5]) حسن طارق، "دستورانية ما بعد انفجارات 2011 قراءات في تجارب المغرب وتونس ومصر"، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الدوحة 2016، ص 209-213.

([6]) ريم تركماني وإبراهيم الدراجي، " المسألة الدينية في الدساتير السورية مسح تاريخي مقارن"، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، 2019، ص 1-3، https://bit.ly/2JuSf5F

([7]) رغداء زيدان، "فلسفة الدستور والمسألة الدينية"، مركز حبر للدراسات، 2020، ص 1-2، https://bit.ly/2HNduzi

([8]) خلت هذه الأسباب من أي إشارة دينية.

([9]) محمد جمال باروت، المؤتمر السوري العام (1919-1920 ) الدستور السوري الأول: السياق، الطبيعة والوظائف، المراحل والقضايا، مجلة تبين، العدد 3، 2013، ص 43-45.

([10]) وهو التعريف الفرنسي للعلمانية، والذي يعدُّ عادة واحداً من التعريفات الأشد تطرفاً للعلمانية. على سبيل المثال، العلمانية البريطانية، تقبل بدين رئيس الدولة، أي الملكة، كما أن الدستور الأمريكي لا يذكر العلمانية ولا خلافها، أما الفرنسي فيذكر العلمانية تسع مرات.

([11]) المرجع نفسه، ص43.

([12]) اللافت هنا أن سعد الله الجابري كان يصلي ويصوم، ولم يفهم العلمانية كإلحاد وكفر. يقول الشيخ معروف الدواليبي في مذكراته الصفحة 110. "لقد كان سعد الله الجابري "شخصاً نقياً، وكان يصلي ويصوم، وهذا ثابت عنه في أيام النضال، وكان يدعوني للإفطار في على مائدته في رمضان دوماً."

([13]) محمد حرب فرزات، " دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها 1908-1955"، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الدوحة، 2019، ص 88-90.

([14]) Elisabeth Thompson, How the west stole democracy from the Arabs: The Syrian Arab Congress of 1920 and the destruction of its historic Liberal-Alliance, pp 238-239. 

([15]) المرجع نفسه، ص: 238-239.

([16]) المرجع نفسه، ص 162

([17]) المرجع نفسه، ص 211

([18]) المرجع نفسه ص 162.

([19])جمال باروت، محاضرة، المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات، بيروت، 2 أيلول 2020.

([20]) ربما كان الدستور العثماني لذلك بجعل كل المواطنين متساوين أمام القانون.

([21]) ماري ألماظ شهرستان، "المؤتمر السوري العام 1919-"1920، دار أمواج، بيروت 2000، ص 194-207.

([22]) المرجع نفسه، ص 194-207.

([23]) مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1993، المجلد الأول، ص 390 ـ 391.

([24])  ماري ألماظ شهرستان، "المؤتمر السوري العام 1919-"1920، مرجع سابق، ص206.

([25])  يوسف الحكيم، "سوريا والعهد الفيصلي"، دار النهار، بيروت 1986، ص 94-96.

([26]) ماري ألماظ شهرستان، "المؤتمر السوري العام 1919-1920”، مرجع سابق، ص 165.

([27]) Elisabeth Thompson, How the west stole democracy from the Arabs: The Syrian Arab Congress of 1920 and the destruction of its historic Liberal-Alliance, pp 207 – 208.

([28]) يوسف الحكيم، "سوريا والعهد الفيصلي"، مرجع سابق، ص 96.

([30]) محمد حرب فرزات، "الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، ص 235.

([31]) عبد الله حنا، "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،" بيروت، 2018، ص88-91.

([32]) المرجع السابق، ص88-91.

([33]) المرجع السابق، ص88-91.

([34]) خلود الزغير، سورية الدولة والهوية قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري (1946-1963) –، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2020، ص 73.

([35]) الجريد الرسمية. محاضر جلسات الهيئة التأسيسية، 24 تموز 1950.

([36])  Thomas Pierret, Religion and State in Syria, the Sunni Ulama from Coup to Revolution, pp 65-66.

([37]) محمد حرب فرزات "الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، مرجع سابق ص 234-235.

([38])  نشوان الأتاسي، "تطور المجتمع السوري بين العامين 1831-2011"، دار أطلس، بيروت 2015، ص 188-191.

([39]) خلود الزغير، سورية الدولة والهوية قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري (1946-1963) مرجع سابق، ص 156-158.

([40]) لا يذكر عبد الله حنا ولا محمد حرب فرزات ما يخالف هذا الزعم، فكلا المؤلفين أكدا على التوجه العروبي والسياسات الاقتصادية والمالية دون الحديث عن علاقة الدولة بالدين.

([41]) وجيه الحفار، "الدستور والحكم"، مطبعة الإنشاء، دمشق 1948، ص 113-118.

([42]) عبد الله حنا، "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية"، مرجع سابق، ص: 113-114.

([43]) سعاد جروس، "سورية زمان نجيب الريس: 1898-1952: من الانتداب إلى الانقلاب". رياض الريس للكتب والنشر، بيروت،2015، ص: 447-470.

([44]) محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، مرجع سابق، ص 262-263.

([45])  موضوع الدستور القديم هو نقطة الخلاف الأساسية التي أدت إلى الحرب الشعواء بين حزب الشعب والحزب الوطني. فبحسب الحزب الوطني فإن الدستور القديم الذي عدل في عام 1947 ليسمح للقوتلي بأن يصبح رئيساً للمرة الثانية كان يجب أن يعاد العمل به بعد أن سقط انقلاب الزعيم وكان من المفروض أن يرجع القوتلي رئيساً ليشرف على عملية إنتاج الدستور الجديد. غير أن التفاف حزب الشعب على الموضوع وبالتعاون مع الحناوي واستقطاب هاشم الأتاسي ليشرف على العملية الانتقالية أزعجا الكتلة الوطنية مما تسبب بمقاطعتها للانتخابات عام 1949 ودخول أعضائها في الانتخابات فرادى.

([46]) كان أغلب أعضاء الكتلة قد ترشحوا عن دمشق. ونقل العديد من أعضائها سجلاتهم ليجمعوا أصواتهم في العاصمة في استراتيجية لمسك أصوات العاصمة لصالحهم. وتحالفوا انتخابياً مع عدد من القيادات المسيحية المحافظة.

([47])  عبد الله حنا، "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية، مرجع سابق، ص 139-142.

([48])  محمد سرور زين العابدين، مذكراتي، الجزء الثاني، دار الأصول العلمية، إسطنبول،2020، ص 293.

([49])  خلود الزغير، سورية الدولة والهوية قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري (1946-1963) مرجع سابق، ص155-156.

([50]) المرجع السابق، ص 156.

([51])  المرجع السابق، ص 157-158.

([52])  محمد جمال باروت،" يثرب الجديدة -الحركات الإسلامية الراهنة"، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 1994.

([53])  محمد سرور زين العابدين، مذكراتي، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 303-310.

([54]) محضر اجتماع الجمعية التأسيسية، ملحق الجلسة الحادية والعشرين، 15 نيسان 1950.

([55]) عبد الله حنا، "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية"، مرجع سابق، ص175.

([56]) المرجع السابق، ص 156.

([57])  المرجع السابق، ص 158.

([58]) خلود الزغير، سورية الدولة والهوية قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري، مرجع سابق، ص 25.

([59]) عبد الله حنا، "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية"، مرجع سابق، ص 171-172.

([60]) المرجع نفسه، ص 158.

([61]) محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، مرجع سابق، ص 244.

([62])  عبد الله حنا، صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية، مرجع سابق، ص 173-174.

([63])  محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، مرجع سابق، ص 271.

([64])  أنطون سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة السابعة، بيروت، 7-3-1948، https://bit.ly/2HSNPF0

([65])   محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، مرجع سابق، ص 272.

([66])  محضر اجتماع الجمعية التأسيسية لدستور 1950، تاريخ 29 كانون الأول 1949، ص 80.

([67]) محضر اجتماع الجمعية التأسيسية، تاريخ 15 نيسان 1950، الجلسة الحادية والعشرون، ص352-355.

([68]) المرجع السابق، ص352-355.

([69]) مذاكرات الجمعية التأسيسية، الجلسة الثامنة والثلاثون، تاريخ 25 تموز 1950، ص 629-644.

(70) مذاكرات الجمعية التأسيسية، الجلسة الثامنة والثلاثون، تاريخ 25 تموز 1950، ص 629 -644.

([71]) محضر اجتماع الجمعية التأسيسية، تاريخ 28 تموز1950، الجلسة الأربعون، ص 657-690.

([72])  محضر اجتماع الجمعية التأسيسية، المرجع نفسه، ص 657-690.

([73])  محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سوريا: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، مرجع سابق، ص 283.

([74]) محضر اجتماع الجمعية التأسيسية، تاريخ 28 تموز، الجلسة الأربعون، ص 657-690.

([75]) سعاد جروس، سورية زمان نجيب الريس: 1898-1952: من الانتداب إلى الانقلاب،" مرجع سابق، ص 447.

([76])  المرجع نفسه، ص 450.

([77])  المرجع نفسه، ص 449.

([78]) خلود الزغير، سورية الدولة والهوية قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري 1946-1963، مرجع سابق، ص 164.

([79])  المرجع نفسه، ص 30.

([80])  المرجع نفسه، ص31.

([81])  سعاد جروس،" سورية زمان نجيب الريس: 1898-1952: من الانتداب إلى الانقلاب،" مرجع سابق، ص: 451-455.

([82])  محمد سرور زين العابدين، مذكراتي، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص: 279.

([83]) المرجع نفسه، ص: 309

([84]) سعاد جروس، سورية زمان نجيب الريس: 1898-1952: من الانتداب إلى الانقلاب،" المرجع السابق، ص:455.

([85]) Thomas Pierret, Religion and State in Syria, The Sunni Ulama from Coup to Revolution اpp. 189-190

([86]) محمد سرور زين العابدين، مذكراتي، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص: 313.

([87]) المرسوم التشريعي رقم 466 الخاص بتشكيل مجلس الشعب وتعيين أعضائه،16-2-1971، الرابط: https://bit.ly/3eaduoq /

([88])  حنا بطاطو، " فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم،" المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسيات، بيروت 2014، ص: 84.

([89]) سعيد حوى، "هذه تجربتي وهذه شهادتي"، القاهرة، مكتبة وهبة، 1987، ص: 104-115.

([90])  حنا بطاطو، فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم،" مرجع سابق، ص: 479.

([91])  المرجع نفسه، ص: 335.

([92]) مازن يوسف الصباغ، سجل الدستور السوري، دمشق، دار الشرق للطباعة والنشر، 2010، ص: 647.

([93])  المرجع نفسه، ص: 599.

([94])  مذاكرات مجلس الشعب، 8 كانون الثاني 1973، ص: 32.

([95])  مذاكرات مجلس الشعب، الجلسة الثالثة، تاريخ 9 كانون الثاني 1973، ص 79-81.

([96])  عرف عقيل بمعارضته للسلطة مما أدى لاعتقاله في الثمانينيات على خلفية إضراب المحامين ليمضي تسع سنوات في السجن.

([97])  سعيد حوى، هذه تجربتي وهذه شهادتي، مرجع سابق، ص 105-106.

([98])  المرجع نفسه، ص 110.

([99]) حنا بطاطو، فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم، مرجع سابق، ص 480.

([100]) سعيد حوى، هذه تجربتي وهذه شهادتي، مرجع سابق، ص 111.

([101])  المرجع نفسه، ص 109-110.

([102]) حنا بطاطو، فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم،" مرجع سابق، ص 480.

([103]) عبد الرحمن حبنكة الميداني، الوالد الداعية المربي الشيخ حسن حبنكة الميداني قصة عالم مجاهد حكيم شجاع، جدة 2004، ص101.

([104])  دستور تونس 2014.

([105]) دستور مصر2014.

([106]) An Introduction to Carl Schmitt’s Constitutional Theory: Issues and Context, translated and edited by Jeffrey Seitzer and Christopher Thornhill, Duke University Press, 2008,

([107])  مناف الحمد، الدولة المدنية في الفكر الإسلامي المعاصر، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الدوحة، 2016، ص11-18.

([108])  المرجع نفسه، ص 25.

([109]) حسن طارق، دستورانية ما بعد انفجارات 2011 قراءات في تجارب المغرب وتونس ومصر، مرجع سابق، ص25-56.


المراجع باللغة العربية:

  1. أمين إسبر، تطور النظم السياسية والدستورية في سورية بين العامين 1946 و1973، دار النهار للنشر، بيروت 197.
  2. أنطون سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة السابعة، بيروت 1948.
  3. حسن طارق، دستورانية ما بعد انفجارات 2011 قراءات في تجارب المغرب وتونس ومصر، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الدوحة 2016.
  4. حنا بطاطو، فلاحو سورية، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسيات، بيروت، 2014.
  5. خلود الزغير، سورية الدولة والهوية، قراءة حول مفاهيم الأمة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري (1946-1963)، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، بيروت، 2020.
  6. دستور تونس 2014.
  7. دستور مصر 2014.
  8. رغداء زيدان، "فلسفة الدستور والمسألة الدينية"، مركز حبر للدراسات، 2020.
  9. ريم تركماني وإبراهيم دراجي، " المسألة الدينية في الدساتير السورية مسح تاريخي مقارن"، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، 2019.
  10. زيدون الزعبي، "مصادر التشريع في الدستور السوري بين التيارات المحافظة والتيارات الليبرالية"، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2019.
  11. سعاد جروس، سورية زمان نجيب الريس: 1898-1952: من الانتداب إلى الانقلاب، دار رياض الريس، بيروت، 2015.
  12. سعيد حوى، هذه تجربتي وهذه شهادتي، مكتبة وهبة، القاهرة، 1987.
  13. عبد الرحمن حبنكة الميداني، الوالد الداعية المربي الشيخ حسن حبنكة الميدانية قصة عالم مجاهد حكيم شجاع، جدة 2002.
  14. عبد القدوس أبو صالح، "مذكرات الدكتور معروف الدواليبي"، مكتبة العبيكان، السعودية، الطبعة الأولى، 2005.
  15. عبد الله حنا، صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2018.
  16. ماري شهرستان، "المؤتمر السوري العام 1919-1920”، دار أمواج، سورية، 2000.
  17. مازن يوسف الصباغ، سجل الدستور السوري، دار الشرق للطباعة والنشر، ص 647.
  18. محاضر جلسات الجمعية التأسيسية لدستور 1950.
  19. محمد جمال باروت، المؤتمر السوري العام (1919-1920) الدستور السوري الأول: السياق، الطبيعة والوظائف، المراحل والقضايا، مجلة تبين، العدد 3، شتاء 2013.
  20. محمد جمال باروت، محاضرة 2 أيلول 2020 في المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات.
  21. محمد جمال باروت، يثرب الجديدة -الحركات الإسلامية الراهنة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 1994.
  22. محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سورية: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها بين العامين 1908 و1955، المركز العربي للدراسات والنشر، بيروت، 2019.
  23. محمد سرور زين العابدين، مذكراتي، الجزء الثاني، دار الأصول العلمية، 2020.
  24. مذاكرات مجلس الشعب، 8 كانون الثاني 1973.
  25. مذكرات محمد عزة سعيد دروزة، المجلد الأول، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1993.
  26. المرسوم التشريعي رقم 466 تاريخ 16 شباط 1971.
  27. مناف الحمد، الدولة المدنية في الفكر الإسلامي المعاصر، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الدوحة، 2016.
  28. نشوان الأتاسي، تطور المجتمع السوري بين العامين 1831-2011، دار أطلس للنشر والترجمة والإنتاج الثقافي، سورية، 2015.
  29. وجيه الحفار، الدستور والحكم، مطبعة الإنشاء، دمشق 1948، ص 113-118.
  30. يوسف الحكيم، سورية والعهد الفيصلي، دار النهار، ط3، بيروت 1986.

المراجع باللغة الإنجليزية:

  1. Seitzer Jeffrey and Thornhill Christopher An Introduction to Carl Schmitt’s Constitutional Theory: Issues and Context, translated and edited by Jeffrey Seitzer and Christopher Thornhill, Duke University Press, 2008.
  2. Thomas Pierret, Religion and State in Syria, the Sunni Ulama from Coup to Revolution, Cambridge University Press, 2013.
  3. Thompson Elisabeth, How the west stole democracy from the Arabs: The Syrian Arab Congress of 1920 and the destruction of its historic Liberal-Alliance, Atlantic Monthly Press, New York, 2020.

 

التصنيف الدراسات

مُلخّصٌ تنفيذيّ

تتناول هذه الدراسة المسألة الدستورية في سورية من عدة زوايا، أولها: التركيز على أهمية عملية الصياغة الدستورية بحد ذاتها، وذلك بالتأكيد على العناصر الضرورية لشرعنة المنتج النهائي (الدستور). أما القسم الثاني: فيناقش القضايا الخلافية التي ستواجه القائمين على عملية الصياغة، ومن أهمها قضية الهوية، ومساحة الحقوق والحريات، واللامركزية، وشكل النظام السياسي، ويقدم القسم الثالث: خلاصات وتوصيات للمختصين وصانعي القرار.

أولاً: يستعرض القسم الأول أهمية عملية الصياغة الدستورية كمصدر أساسي لشرعية الوثيقة الدستورية، ويوصي بضرورة الاستفادة من التجربة الإنسانية. يتناول هذا القسم بعض التجارب الفاشلة في عملية الصياغة (حالتي العراق ومصر)، وتجربتين ناجحتين (جنوب أفريقيا وتونس)، ويستخلص العناصر المطلوبة لعملية صياغة سليمة.

ثانياً: يستعرض هذا القسم أهم الإشكاليات التي تعاني منها سورية اليوم، وهي: قضية الهوية، وعلاقة الدين بالدولة، وموضوع الحقوق والحريات الأساسية، بما فيها مشاركة المرأة بشكل حقيقي وفعال، وكيفية طمأنة المكونات العرقية والدينية والطائفية، وموضوع اللامركزية، وأخيراً التوافق على تركيبة النظام السياسي. يتم مناقشة هذه القضايا ضمن سياق التجارب الدستورية السورية السابقة، وتجارب بعض الدول العربية المشابهة لها.

ثالثاً: يقدم القسم الثالث مجموعة من الخلاصات والتوصيات بناء على التحليل في القسمين السابقين، أهمها:

  1. فيما يتعلق بعملية الصياغة الدستورية، تخلص الورقة إلى أهمية أن تستند هذه العملية إلى مجموعة من المبادئ الجوهرية، ومنها: الشفافية، والتشاركية، وتغليب روح التوافق والإجماع، والعهدة الوطنية (أن تكون عملية بأيدٍ سورية ومن أجل سورية).
  2. أما الخلاصة والتوصيات بالنسبة للقضايا الخلافية، فتشير التجربة التاريخية والتجارب المماثلة أن التوصل إلى حلول وسطية لقضية الهوية ودور الدين، تقوم على احترام رأي الأغلبية، من دون القفز على حقوق الأقليات، وذلك بتغليب روح التوافق القائم على طمأنة الأغلبية للأقليات. وتوصي الورقة بإعطاء أكبر هامش للحقوق والحريات، مع اعتماد المرجعيات الحقوقية الدولية، وتوسيع تجربة الحكم المحلي التي شهدتها البلاد، بعيد فقْدِ النظام السيطرة على مساحات هامة من البلاد. وأخيراً، توصي الورقة باعتماد النظام السياسي شبه الرئاسي (أو المختلط كما يُسمى أحياناً)، الذي يحتفظ بأهم مزايا النظام البرلماني، ويقسم السلطة التنفيذية بين رئيس منتخب لفترة محددة، ورئيس وزراء تختاره الأغلبية الحزبية في البرلمان، ويكون مسؤولاً أمامها.

وختاماً، فإن السياق المنطقي لصياغة دستور جديد لسورية يجب أن يبدأ بتشكيل هيئة حكم انتقالي، تشرف على عملية انتخاب جمعية تأسيسية، تقوم بعملية صياغة الدستور، وتدير حواراً مجتمعياً حولها، وذلك في إطار حل سياسي على أساس وثيقة جنيف لعام 2012 وقرار مجلس الأمن رقم 2254، وتترافق مع مصالحة وطنية، وعدالة انتقالية، وإعادة تشكيل للقطاع الأمني.

مقدمة

تشكل مسألة صياغة دستور جديد لسورية المستقبل أحد أهم عناصر الحل السياسي للقضية السورية. ومع أن هذه القضية مدرجة على كافة المستويات، إلا أنها لم تحظ بنقاش واف يتناسب مع أهميتها. ستناقش هذه الورقة أهم أبعاد المسألة الدستورية، وهي: أهمية عملية الصياغة الدستورية وجديتها، ثم تناقش القضايا الخلافية المتوقعة، ومنها مسألة الهوية وشكل النظام السياسي، وأخيراً تخلص إلى بعض التوصيات التي يُؤمل أن تكون مفيدة للمختصين وصانعي القرار حول عملية صياغة الدستور المطلوب.

بداية، فإن الدستور هو القانون الأساسي الذي يحدد شكل النظام السياسي ويحكم سلوك الدولة، على أساس المبادئ المترسخة التي توافق عليها المجتمع من خلال عقد اجتماعي بين مختلف المكونات المجتمعية، وآخر سياسي بين الدولة والمجتمع. وعلى الرغم من اختلاف الدساتير، فإن أغلبها يشتمل على وصفٍ لهيكلة النظام السياسي، وتنظيم علاقة السلطات ببعضها، والقيود المفروضة على وظائف الإدارات الحكومية المختلفة، وذلك من خلال تحديد مدى وطريقة ممارسة سلطاتها السيادية. وتعكس الدساتير الحديثة حدود وممارسات السلطة السياسية من خلال شمولها على آليات مؤسساتية لحماية مصالح وحريات وحقوق المواطنين، بما في ذلك الأقليات.

أهمية العملية الدستورية

تعتبر التجربة الإنسانية في الصياغة الدستورية غنية في تقديم نماذج ناجحة في تحقيق أهدافها، بينما تشير تجارب أخرى إلى فشل كبير أدى إلى تكرار التجربة مراراً قبل الوصول إلى صيغ مقبولة من قِبل القوى السياسية والمجتمعية المشكِّلة لهذه الدول. ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى بعض الحالات الاستثنائية التي دفعت القادة المسؤولين عن بناء الدولة إلى تأجيل الخوض في القضايا الخلافية للعملية الدستورية حتى أجل غير مسمى، هذا هو حال التجربة الإسرائيلية التي قرر سياسيوها، بعيد الإعلان عن قيام “كيانهم/دولتهم”، عن تأجيل كتابة دستور لمعرفتهم أن الخوض في مسائل مثل تعريف من هو اليهودي، ومناقشة الخلاف الموجود بين اليهود المتدينين والعلمانيين قد يفجر صراعاً، شعر القادة في ذلك الوقت أن الدولة الناشئة بغنى عنه، وانتهى الأمر بعدم اعتماد دستور مكتوب. وبالطبع، فإن المملكة المتحدة التي تعدُّ أعرق دولة مترسخة في تقاليدها البرلمانية ليس فيها دستور مكتوب، بل مجموعة من الوثائق والأعراف والتقاليد والقوانين والسوابق التي تقوم مقام الدستور بشكله الرسمي.

الدرس الآخر الهام في عملية الصياغة الدستورية هو مدى جدية القوى السياسية الفاعلة في التوصل إلى حالة دستورية حقيقية، تلخص المبادئ والأسس المتفق عليها بين المكونات المجتمعية، وترسي دعائم دولة القانون، وتفصّل دور المؤسسات، وتحدد حقوق وواجبات المواطنة. للتدليل على هذه النقطة من المهم الإشارة إلى أن أغلب الدول الاستبدادية فيها دساتير تحتوي على كافة المتطلبات الأساسية لوثيقة يمكن أن تشكّل نواة لحالة دستورية حقيقية، بيد أن الممارسة العملية بعيدة كل البعد عن ذلك. يلخص ناثان براون في كتابه، الدساتير في عالم غير دستوري، الدوافع الحقيقة لتبني دساتير في المنطقة العربية قبل الربيع العربي، بقوله: "إن الهدف الحقيقي هو دعم مكانة السلطة السياسية في الدولة العربية، وليس إيجاد حالة دستورية أساسها دولة القانون". ويفصّل براون في الأهداف الثلاثة للعملية الدستورية في المنطقة العربية، وهي: 1) استخدام الصياغة الدستورية كرمز لسيادة الدول الناشئة، خاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال، 2) الهدف الثاني للعملية الدستورية هو تحديد التوجه الأيديولوجي للنظام السياسي، ولعل دساتير المرحلة البعثية في سورية مثال على ذلك، 3) أما الهدف الثالث فهو توضيح شكل النظام السياسي وكيفية انتقال السلطة.([1]) ومع ذلك، فقد ساهمت عملية صياغة دساتير في المنطقة العربية في التذكير بأهمية الحالة الدستورية، أي قيام الحكم على أساس من الشرعية قوامها حكم القانون، خاصة فيما يتعلق بتضمين الدساتير العربية على حقوق أساسية للمواطنين، في مقابل السلطة التنفيذية المتغوِّلة. لكن النخب السياسية في الدول العربية، بشكليها الجمهوري والملكي، استطاعت إفراغ هذه النصوص من محتواها باللجوء إلى عدة استراتيجيات، ومنها:

  1. تعليق العمل بالدستور: لقد لجأت بعض الأنظمة السياسية في المنطقة العربية إلى هذا الأسلوب، وذلك من خلال فرض حالة الطوارئ، باسم مجابهة عدو خارجي، أو بذريعة نشر الأمن والاستقرار، أو محاربة الإرهاب، ولعل مثال النظام السوري الذي أبقى على حالة الطوارئ منذ عام 1963 وحتى عام 2012، هو خير مثال على ذلك.
  2. العمل الجزئي بالدستور: غالباً ما لجأت الأنظمة العربية إلى تطبيق بعض المواد التي تخدم مصالحها، خاصة الفقرات التي تعطي رأس السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة. فعندما يكون الرئيس في دستور سورية لعام 1973 هو رئيس الدولة، وهو من يعيّن رئيس الوزراء والحكومة ويعزلهما، إضافة إلى صلاحياته التشريعية والقضائية، وهو القائد العام للقوات المسلحة، والأمين العام للحزب الحاكم، ورئيس الجبهة الوطنية التقدمية، في مثل هذه الحالة يغدو الرئيس "دكتاتوراً دستورياً".
  3. التفسير الدستوري: مع أن أغلب الدساتير في الدول الاستبدادية تنشأ عن سلطة قضائية "مستقلة"، وفي بعض الأحيان تنص على إيجاد محاكم دستورية مهمتها الفصل في دستورية القوانين، فإن الممارسة الحقيقية قد أرست تبعية السلطة القضائية للسلطة التنفيذية، الأمر الذي أجهض إمكانية قيام السلطة القضائية بمهامها، وأرجع الأمر إلى السلطة التنفيذية من خلال عملية قضائية مشوهة، أو قضاة "تابعين" لرأس السلطة التنفيذية أو أجهزته الأمنية.

الخلاصة، إن العبرة ليست في وجود دستور مكتوب يحتوي على نصوص قد ترسي قواعد حياة سياسية على أساس قانوني، بل في الممارسة الحقيقة وجدية النخب السياسية، وخاصة الفئة الحاكمة منها، في أن تعكس ممارساتها النصوص الدستورية التي أقرَّتها. ومن هنا فإن عملية الصياغة الدستورية في مراحل التحول من الحكم الدكتاتوري إلى دولة القانون هي بداية الطريق إلى الحكم القانوني الشرعي.

يقدم القسم التالي ملخصاً عن بعض التجارب القاصرة والناجحة لعملية الصياغة الدستورية.

أولاً: التجارب القاصرة

  1. تجربة العراق لعام 2005: يعتبر دستور العراق الذي أُقرَّ عام 2005 من الدساتير المتطورة، لاحتوائه على عدة عناصر مهمة لإعادة تنظيم الحياة السياسية في العراق، ومنها الفيدرالية، وإيجاد صيغة يمكن أن تكون مقبولة حول هوية الدولة، وإعطاء حقوقٍ أكبر للمواطن، وأخيراً تبنِّيه للنظام البرلماني في مرحلة ما بعد حكم الحزب الواحد الذي استمر من عام 1968 وحتى عام 2003. تتمثَّل نقطة الضعف الرئيسية في الدستور العراقي في عملية الصياغة التي افتقدت إلى الشرعية، فقد تمت الصياغة في ظل الاحتلال الأمريكي الذي كانت معاقبة العرب السنَّة جزءاً أساسياً من سياسته، بذريعة أن صدام حسين كان عربياً سنيّاً، وأنه أقصى الشيعة العرب والأكراد السنّة من العملية السياسية. وسبق عملية الصياغة خطوات عملية لإقصاء العرب السنّة وإعادة الاعتبار إلى "الأغلبية" الشيعية، منها: إقصاء المنتسبين لحزب البعث من المشاركة في النظام السياسي الجديد، وحلُّ القوات المسلحة، وهو ما انعكس بشكل أساسي في عملية ممنهجة لتهميش العرب السنّة، خاصة الفئة البيروقراطية/التكنوقراطية منها، مع أن فئات من العرب السنّة قد عانوا من حكم صدام كما عانت الطوائف الأخيرة، إذ لم يكن صدام حسين طائفياً عندما يتعلق الأمر بتهديد حكمه، ولعل مقتل ابن خاله عدنان خير الله، وزير الدفاع وقتها، وصهريه حسين وصدام كامل، أمثلة شاهدة على ذلك.

ولعل الرؤية التي حملها أول حاكم أمريكي للعراق -بعيد الاحتلال الأمريكي عام 2003 - بول بريمر بأن نظام صدام حسين أقرب للنظام النازي، وهو فهم مشوه للطبيعة الاستبدادية لذلك النظام، قد ساهمت بعملية إقصاء الطائفة السنيّة من العملية السياسية. هذه الخلفية السياسية لعملية صياغة الدستور ما كان لها أن تكوّن البيئة الصحيحة لعملية لم تستمر أكثر من ثلاثة أشهر، وتمت بمقاطعة شبه كاملة للعرب السنّة (كان 17 عضواً عربياً سنياً من أصل 275 في الجمعية التأسيسية)، ومشاركة عالية من المكونين الآخرين (العرب الشيعة والأكراد)، الأمر الذي دفع بعض العرب السنّة، خاصة من أنصار النظام السابق، إلى اللجوء لاستخدام العنف بعد إقرار الدستور، حيث شهد عاما 2006-2007 أعلى مستويات العنف ضد المحتل الأمريكي وبداية للصراع الطائفي بين السنّة والشيعة.([2])

الدرس العراقي يتلخص بأن إقصاء أي مكون مهما كان حجمه من المشاركة في الصياغة الدستورية، سيسحب جزءاً من شرعية المنتج النهائي، مهما كانت جودة محتوياته. ومع أن الإدارة الأمريكية حاولت تصحيح المسار، من منطلق محاصرة التنظيمات الإرهابية المتنامية، وذلك في عام 2008، عندما قام الجنرال ديفيد بيترايوس بتجنيد أبناء القبائل العرب السنّة لمحاربة تنظيم القاعدة في العراق، وسميّت تلك القوات بقوات "الصحوات"، إلا أن النجاح كان جزئياً. لأن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي جاء من خلال العملية السياسية التي أسّس لها دستور عام 2005، رفض الإيفاء - بحكم خلفيته وتخوفه الطائفي - بوعد كان قد قطعه للأمريكان بإدماج قوات الصحوة ضمن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وكان الهدف من إدماج قوات الصحوة إعادة نوع من التوازن لهذه المؤسسات بعد أن سيطرت عليها الأحزاب الشيعية المؤيّدة لإيران. وكان من نتائج هذا الرفض قيام حركة سلمية شعبية داخل المناطق السنية، تم تجاهل مطالبها، واعتقال قادتها وتصفيتهم، ومن ثم قمع هذا الحراك، كل هذا أدى إلى ظهور النسخة الثانية مما سمي بتنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي تسبب في المزيد من العنف والمآسي لكافة مكونات الشعب العراقي، وتطلب تحالفاً دولياً لهزيمته، وكان من نتائجه غير المحسوبة ترسيخ هيمنة إيران على المشهد السياسي العراقي.([3])

  1. التجربة المصرية لعامي 2012 و2014: تم إقرار الدستور الأول بعد ثورة يناير 2011، في ظل رئاسة محمد مرسي، حيث تم التصويت عليه باستفتاء شارك به 33 بالمائة ممن يحق لهم التصويت، وحصل على نسبة 64 بالمائة من أصوات الذين شاركوا في التصويت. ورغم بعض الانتقادات التي وجهت للدستور، خاصة ممن عارضوا حركة الإخوان المسلمين وحكم الرئيس مرسي، فإن كثيراً من المحللين قد اعتبروه الأكثر تطوراً وتقدمية في تاريخ الدساتير المصرية. فمن الأمثلة على ذلك، التوسع في باب الحقوق والواجبات، وفرض قيود واضحة على صلاحيات الرئيس وطريقة اختياره. لا شك أن منتقدي الدستور ركزوا على بعض الغموض الذي كان متضمناً في بعض المواد، كالمادة 219 الشارحة لمبادئ الشريعة الإسلامية، الأمر الذي قد يعطي المفسرين لهذه المواد أدوات لسحب بعض الحقوق التي تم إقرارها، باسم مخالفتها لفهمهم لما هو شرعي.

الإشكال الأساسي كان في عملية الصياغة التي لم تستوفِ شرط المشاركة المناسبة من كافة مكونات المجتمع المصري، الأمر الذي أضعف من شرعية الوثيقة الجديدة. وبتفصيل أكثر، فقد كان هناك اتفاق على أن تتضمن الجمعية الدستورية تمثيلاً متساوياً للقوى الإسلامية والليبرالية، لكن مقاطعة أغلبية القوى غير الإسلامية لعملية الصياغة، دفع بالفريق الآخر للإصرار على الاستمرار بعملية الصياغة، وإتمام كتابة الوثيقة، وإقرارها، وطرحها للاستفتاء العام، وتوقيع الرئيس عليها. هذا الإصرار على إتمام العملية على عجالة أدى إلى معارضة الوثيقة من قبل كافة القوى التي شعرت أنه تم استبعادها - رفضت بعض هذه القوى المشاركة في عملية الصياغة - وأصرت على عدم الاعتراف بشرعية "الدستور" الجديد، رغم إيجابياته الكثيرة. ويمكن الإشارة إلى أن واحداً من مطالب المعارضة التي طالبت برحيل مرسي قبل أقل من عام على حكمه، كانت تعديل بعض المواد التي أثارت حفيظة القوى الليبرالية التي قاطعت عملية الصياغة.([4]) ومع أن كثيراً من التقارير تؤكد قبول الرئيس مرسي بمطلب تعديل المواد المثيرة للجدل في الدستور - بعيد تصاعد المعارضة والتظاهرات ضده - كما قبل مطلب تشكيل حكومة وفاق وطني، إلا أن رفضه التنحي باسم التمسك بالشرعية لم يكن كافياً للمعارضة والمؤسسة العسكرية.([5])

أما بالنسبة لدستور عام 2014، فقد عالج بعض القصور الموجود في دستور عام 2012، خاصة بعض المواد الإشكالية التي تمت الإشارة إليها، إلا أن إقصاء القوة الإسلامية الأساسية المتمثلة في الإخوان المسلمين في أعقاب الانقلاب العسكري على الرئيس مرسي، قد كرر الخطأ نفسه في عملية الصياغة. ليس هذا وحسب، بل إن الدستور جاء ليكون على قياس المؤسسة العسكرية، برمزها اللواء عبد الفتاح السيسي، ويقنن مرة ثانية لإقصاء الإسلام السياسي بتبني مادة تنص صراحة على عدم السماح بتشكيل أحزاب سياسية على أساس العرق والجنس والدين.([6]) وتكفي الإشارة إلى أن إقرار الدستور الجديد في استفتاء شعبي جاء في أعقاب قرار النظام العسكري الجديد حلّ جماعة الإخوان وتصنيفها كجماعة إرهابية،([7]) وهي الجماعة عينها التي فازت بأكثر من 37 بالمائة من الأصوات في أول انتخابات حرة ونزيهة لمجلسي الشعب والشورى، كما فاز مرشحها محمد مرسي في أول انتخابات رئاسية تنافسية حرة ونزيهة في تاريخ مصر الحديث. المفارقة الثانية، أنه وعلى الرغم من وجود نصٍّ يمنع قيام الأحزاب السياسية على أساس ديني، فقد تم استثناء حزب النور السلفي من هذا الأمر، لأنه ممن أيدوا الانقلاب على مرسي، وتمت مكافأة الحزب بأن "فاز" بعض أعضائه في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ظل رئاسة السيسي عام 2015.

ثانياً: التجارب الناجحة

  1. تجربة جنوب أفريقيا: من التجارب الناجحة في الصياغة الدستورية تجربة جنوب أفريقيا التي أعقبت نهاية نظام الفصل العنصري عام 1991. ويمكن تلخيص عناصر النجاح في تلك التجربة في عدة أمور: أولها: أن الطرفين الرئيسيين اللذين قادا تجربة التحول الديمقراطي، وهما: المؤتمر الوطني الإفريقي برئاسة نيلسون مانديلا، ونظام الأقلية البيضاء الحاكم (الحزب الوطني) الذي ترأسه دبليو دي كليرك، توافقا على وثيقة، كانت بمثابة دستور مؤقت، حكمت فترة الانتقال الديمقراطي التي استمرت لمدة عامين، وشملت ملحقاً من 34 مادة لا يجب تجاوزها أو انتهاكها. لقد مثلت هذه المواد مبادئ وضمانات تحقق حكم الأغلبية التي يمثلها المؤتمر الوطني الإفريقي، لكن من دون سحب بعض امتيازات وصلاحيات الأقلية البيضاء، خاصة فيما تعلق بحقوق الملكية الفردية.

العنصر الثاني للنجاح: تمثّل في تصاحب هذا الاتفاق مع آليات قابلة للتطبيق، ومنها تشكيل محكمة دستورية، كان لها صلاحية مراجعة الدستور الجديد، بعد إقراره من قبل الجمعية التأسيسية التي سيطر على تركيبتها الحزب الوطني الإفريقي، وقبلَ طرحه على الاستفتاء العام. وبالفعل فقد تمت مراجعة مشروع الدستور الدائم من المحكمة الدستورية، وتم إرجاعه إلى الجمعية التأسيسية، لوجود مادتين قد خالفتا المبادئ ما فوق الدستورية التي تم التوافق عليها كأساس لعملية الانتقال الديمقراطي. وباختصار، فقد كانت هناك إرادة حقيقية لإرساء قواعد جديدة للعبة السياسية، تضع حداً لنظام الفصل العنصري، وتعطي الأغلبية السوداء الحقوق الأساسية التي حُرمت منها لفترة طويلة، ومنها الحق في تشكيل حكومة أغلبية، لكن من دون أن تهمّش الأقلية البيضاء، وهي المعادلة الدقيقة التي كانت وراء سر نجاح عملية صياغة الدستور في ذلك البلد.([8])

  1. التجربة التونسية 2011-2014: تعتبر التجربة التونسية في عملية صياغة الدستور التي أعقبت الثورة التونسية من التجارب الناجحة التي استفادت من بعض الثغرات التي مرت بها تجارب دول الربيع العربي الأخرى، وعكست بشكل جلي الإرادة السياسية الجادة لأغلب القوى التونسية في إرساء نظام سياسي جديد، على أساس القطيعة مع نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وهما النظامان اللذان قاما على أساس إقصائي للإسلام السياسي، والتستر وراء العلمانية والتقدمية لترسيخ حكم الفرد. وتمثلت خلفية عوامل النجاح في عملية الصياغة الدستورية في الخطوات الصحيحة التي واكبت عملية التحول الديمقراطي، ومنها: انسحاب الجيش وسماحه للقوى السياسية بتشكيل توافقاتها، والترخيص بالعمل السياسي لكافة القوى السياسية، وعلى رأسها حركة النهضة التي كانت تمثّل القوة المعارضة الحقيقة، والدور الذي لعبته الشخصيات التكنوقراطية وقادة المجتمع المدني في لحظات محورية. وعلى غير التجربة الليبية، فلم يمثّل رحيل الرئيس بن علي فراغاً مؤسساتياً، إذ قام بعض التكنوقراط من النظام السابق، وعلى رأسهم رئيس البرلمان السابق، فؤاد المبزع (كرئيس انتقالي)، والوزير السابق والرئيس الحالي الباجي قائد السبسي (رئيس وزراء انتقالي)، بلعب دور في إدارة المرحلة الانتقالية، وتسليم السلطة للحكومة التي أفرزتها انتخابات الجمعية التأسيسية في أكتوبر 2011. أما عناصر النجاح في عملية الصياغة الدستورية،([9]) بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، فقد تمثّلت فيما يلي:
  • الروح التشاركية التي أبدتها حركة النهضة الفائز الأكبر في انتخابات المجلس التأسيسي، فقد حصدت 89 مقعداً من 217. وعلى الرغم من عدم حصول حركة النهضة على أغلبية في المجلس التأسيسي، فقد كان عدد المقاعد التي حصلت عليها أكبر من مجموع ما حصلت عليه الأحزاب الثلاثة التي تلتها. مع ذلك، قررت الحركة، وبإيجابية كبيرة تجاه الأحزاب الأخرى، بإدارة المرحلة الانتقالية - بما فيها عملية صياغة الدستور - بالمشاركة وليس التفرد. وهكذا شكلت حركة النهضة "ترويكا" (أي تحالف ثلاثي)، مع الحزبين الثاني والرابع في المجلس التأسيسي، فاستلم رئاسة الوزارة حزب النهضة، بينما تم التوافق على الناشط الحقوقي وزعيم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، المنصف المرزوقي لرئاسة الجمهورية، ورئيس تجمع التكتل (الحزب الرابع في الانتخابات) مصطفى بن جعفر لرئاسة المجلس الوطني التأسيسي.
  • لعل عنصر النجاح الثاني هو روح التفاهم والتوافق والتسويات التي سادت عملية الصياغة. فقد تم تشكيل عدد من اللجان من كافة القوى، أوكل إلى كل منها أحد المواضيع الحساسة والخلافية، وتم تشكيل لجنة وفاقية تألفت من رئيس المجلس ورؤساء الكتل في المجلس للتوصل إلى تسويات مرضية.
  • أما العنصر الثالث فتمثل في قبول الأغلبية (حركة النهضة) التنازل لتطمين الأقلية (القوى العلمانية واليسارية تحديداً) بأنها لا تسعى لاستغلال لحظة أنها تمثل الحزب الأكبر في المجلس لكي تفرض تصورها ورؤيتها على الآخرين، وقد تبدى هذا في قبولها صيغة "باهتة" فيما يتعلق بدور الدين في الدولة، إذ قبلت بعد نقاش داخلي مسؤول أن تتنازل عن المطلب التقليدي للحركات الإسلامية بالإشارة إلى  كون الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع، فلقد قبلت حركة النهضة بما نصت عليه الدساتير التونسية السابقة بأن دين الدولة الإسلام، كما نصت على حيادية الدولة الإيجابية تجاه الدين، مع ضمان حرية الاعتقاد ورفض التكفير والحض على الكراهية.([10])
  • العنصر الرابع في نجاح التجربة تمثّل في دور المجتمع المدني، والنقابات المهنية في تسهيل الحوار، في وقت تعالت فيه روح الاستقطاب بعيد اغتيال الناشطين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهيمي، ومحاولة بعض القوى المعارضة التي شكلت جبهة الإنقاذ، للانقلاب على العملية الدستورية، مستغلة التراجعات التي شهدتها دول الربيع العربي، وخاصة مصر بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي. لقد لعبت قوى المجتمع المدني، خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، دور الوسيط في الحوار بين مجموعة "الترويكا" التي كانت تسيطر على الجمعية العمومية، وبين جبهة الإنقاذ التي جمعت كافة القوى المناهضة لأحزاب الترويكا، إضافة إلى ممثلي الدولة العميقة الذين أعادوا تشكيل صفوفهم، وبعض القوى الشبابية التي تم تجنيدها من قوى الثورة المضادة داخلياً وإقليمياً. ولعل التسوية التي قادت إليها وساطة قوى المجتمع المدني قد أنقذت العملية الديمقراطية في تونس، الأمر الذي أهَّل منظمات المجتمع المدني الأربع لنيل جائزة نوبل للسلام.([11]) وعلى الرغم من أن عميلة الصياغة الدستورية في تونس قد استغرقت وقتاً أطول مما كان متفقاً عليه، فإن الدرس المستقى منها أن التأني هو أفضل من التسرع إذا كان على حساب الروح التوافقية والتشاركية، وهما من متطلبات عملية الصياغة.

وباختصار، إن الهدف من عرض بعض التجارب الفاشلة والناجحة للعملية الدستورية التأكيد على أهمية عملية الصياغة، بحد ذاتها، لأنها أحد أهم مصادر الشرعية للوثيقة التي تنبثق عنها، فكلما كانت العملية شاملة لكافة القوى السياسية، وغلبت عليها روح التوافق والتشاركية، وضمنت مطالب الأغلبية من دون أن تكون على حساب أي أقلية - مهما كان حجمها المجتمعي أو السياسي -  كانت الوثيقة أكثر شرعية ومدعاة لاحتكام الجميع إليها. ولو أردنا تطبيق العناصر اللازمة في عملية الصياغة على الدساتير السورية لوجدنا أن أكثر الدساتير اقتراباً من التجارب الناجحة - في الحالة السورية - هو دستور عام 1950، فقد شاركت أغلب القوى السياسية في صياغته، وغلبت عليه الروح التوافقية بين القوى المجتمعية والسياسية، في لحظة نُضجٍ في الممارسة السياسية لم يكتب لها الاستمرار، وأدى التنافس السياسي والإيديولوجي إلى استقطاب دفع بأغلبية القوى السياسية، خاصة القومية الثورية منها، إلى تبرير إقصاء الآخرين بكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة، الأمر الذي أعطى العقيد أديب الشيشكلي مبرراً للالتفاف على الدستور - الإنجاز، ومحاولة صياغة نظام سياسي "رئاسي" ضمنه الدستور الذي أعقبه وتم تفصيله على مقاسه. أما الدساتير الفاشلة بامتياز، استناداً إلى متطلبات الصياغة الشرعية، فهما دستورا عامي 1973 و2012. وتكفي الإشارة هنا إلى أن الوثيقتين تمت كتابتهما في ظل سيطرة الأب الشاملة على العملية السياسية، ووحشية الابن في قمع أكبر حركة معارضة في تاريخ حكم الأسدين.

القضايا الخلافية في العملية الدستورية

لعل من عناصر النجاح لأي وثيقة دستورية أن تحاول تقديم حلول للإشكاليات السياسية الآنية التي تعاني منها البلاد، وفي الوقت نفسه تعكس توافقات تتجاوز تلك اللحظة، ليُكتب لها نصيب من الاستمرارية والدوام، وتُبقي باب التعديل مفتوحاً لتعالج القضايا المستجدة. وبالنظر إلى أهم الإشكاليات التي تعاني منها سورية اليوم فيمكن تلخيص أهم القضايا السياسية الإشكالية، وهي قضايا مترابطة بـقضية الهوية، وعلاقة الدين بالدولة، وموضوع الحقوق والحريات الأساسية، بما فيها مشاركة المرأة بشكل حقيقي وفعال، وكيفية طمأنة المكونات العرقية والدينية والطائفية، وأخيراً التوافق على تركيبة النظام السياسي. سيتم مناقشة هذه القضايا على ضوء كيفية تعاطي التجارب الدستورية السورية السابقة، وتلك القريبة منها في الدول العربية التي مرت بتجارب متشابهة.

وقبل الخوض في النقاش التفصيلي، لعل من المفيد الإشارة إلى أن الدولة السورية، ورغم حداثتها، قد مرت بعدة تجارب في الصياغة والحياة الدستورية، أهمها:([12])

  1. القانون الأساسي (دستور 1920): كان هذا القانون الأساسي للمملكة السورية التي تنادى أعيان سورية وممثلوها في المؤتمر السوري الأول لعام 1919، بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سورية، وأقر المؤتمرُ ذلك الدستور في جلساته المنعقدة في الفترة من 3 آذار/مارس 1919 إلى 19 تموز/يوليو 1920.
  2. دستور دولة سورية الصادر في 14 أيار/مايو 1930: وكان هذا الدستور خلاصة المشروع الذي أقرته الجمعية التأسيسية عام 1928 في ظل الاحتلال الفرنسي، وقام المندوب السامي الفرنسي بالاعتراض عليه بحجة تعارض بعض مواده مع وثيقة الانتداب، لكنه لم يلبث أن أعاد إصداره مع إضافة مادة تعطي المندوب حق تعطيله. وقد تم العمل بهذا الدستور بعد الجلاء الفرنسي مباشرة، في 17 نيسان/إبريل 1947، بعد شطب المادة (116)، وهي المادة التي أضافها المندوب السامي الفرنسي.
  3. دستور عام 1950: جاء هذا الدستور نتيجة انتخابات الجمعية التأسيسية التي أعقبت الإطاحة بحكم حسني الزعيم، وتمت بعدها إعادة الحياة الدستورية. وتم العمل بهذا الدستور حتى الانقلاب الثاني للعقيد أديب الشيشكلي، حيث عُطل العمل به في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951.
  4. دستور عام 1953: تمت صياغة هذا الدستور على عجل ليحل بديلاً لدستور عام 1950، وتم تفصيله على مقاس الزعيم الشيشكلي. وأُقرَّ في 11 تموز/يوليو 1953، وتم إلغاء العمل به بعيد استقالة الشيشكلي في 24 شباط/فبراير 1954.
  5. العودة إلى دستور عام 1950، في الفترة ما بين سقوط حكم الرئيس الشيشكلي إلى قيام دولة الوحدة في 23 شباط/فبراير 1958: وفي هذه الفترة أُعيد البرلمان (الجمعية التأسيسية) المنتخبة عام 1949، لإكمال مدتها على أساس دستور 1950، مع بعض التعديلات.
  6. دستور الجمهورية العربية المتحدة 1958: وهو دستور دولة الوحدة بين مصر وسورية، وتم العمل به بدءاً من 22 شباط/فبراير 1958 وحتى قيام حركة الانفصال في 28 أيلول/سبتمبر 1961.
  7. دستور الجمهورية العربية السورية 1962: وهو دستور عام 1950 مع بعض التعديلات. استمر العمل بهذا الدستور حتى انقلاب 8 آذار/مارس 1963.
  8. دستورا عامي 1964 و1969 (المؤقتان) الصادران بعيد استلام حزب البعث السلطة.
  9. الدستور المؤقت للجمهورية العربية السورية 1971: وقد صدر في أعقاب ما سمي "بالحركة التصحيحية"، في 16 شباط/فبراير 1971.
  10. مشروع دستور (اتحاد الجمهوريات العربية) بين مصر وسورية وليبيا: صدر في 1 أيلول/سبتمبر 1971، وبقي هذا الدستور حبراً على ورق.
  11. دستور عام 1973: ويمكن تسميته بدستور حافظ الأسد، وتم العمل به من وقت صدوره في 13 آذار/مارس 1973، وحتى عام 2012.
  12. دستور عام 2012: دستور بشار الأسد، وجاء كمحاولة لامتصاص بعض مطالب الثورة السورية، مع إبقاء كثير من الفقرات على مقاس بشار الأسد، وقد تم اعتماده في نهاية شهر شباط/فبراير 2012.

إن أهمية استعراض التجارب الدستورية المتنوعة للدولة السورية يكمن في أن هذه التجارب حاولت التعاطي مع القضايا/الإشكاليات السياسية الملحة في وقتها، وقدمت اجتهادات في التعاطي مع القضايا التي ستتم مناقشتها هنا. وعموماً، يمكن تقسيم التجارب الدستورية في سورية إلى ثلاثة نماذج: أولها: لم يُكتب له حظ التطبيق الفعلي كدستور 1920، ودستور اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، ثانيها: الدساتير المؤقتة، ومنها دستور الجمهورية العربية المتحدة، والدساتير المؤقتة التي أصدرها حزب البعث بعد استلامه السلطة، وهي دساتير 1964، و1969 و1971، وهي متشابهة جداً، وأخيراً: الدساتير التي تم العمل بها، وهي دساتير عام 1930، ودستور عام 1950، ودستور عام 1973، وأخيراً دستور عام 2012. وسيتم التركيز على الفئة الثالثة من الدساتير عند معالجة القضايا الخلافية.

أولاً: قضية الهوية ودور الدين في الدولة

تشير أغلب الدساتير إلى هوية الأمة التي تعدُّ المكون الأساسي للدولة. وباستعراض أغلب الدساتير العربية، نرى أنها تشير إلى الهوية العربية/الإسلامية لهذه الدول. من الناحية العملية، تعاني الدولة العربية المعاصرة - ومنها سورية - من أزمة هوية نتيجة أن أغلبية الدول العربية تم تشكليها من قبل قوى استعمارية غربية لم تأخذ بعين الاعتبار رغبات ومطالب السكان المحليين. ويمكن تلخيص أزمة الهوية في الدولة العربية المعاصرة بما اصطلح عليه بعض علماء السياسة بالتناقض والتعارض بين الدولة والأمة (المجتمع السياسي) المكون لها. بمعنى آخر، هناك عدم توافق بين الإقليم المشكِّل للدولة وبين المجتمع السياسي المكون لها.([13]) فمثلاً، عند الحديث عن الدولة الفرنسية، فلا يوجد تناقض بين الأمة الفرنسية والدولة الفرنسية. هذا الواقع مختلف تماماً في أغلب الدول العربية، وعلى رأسها سورية. فلم يكن هناك "أمة سورية"، قبل حصول سورية على استقلالها، بل مجتمعات متنوعة، ذات أغلبية عربية ومسلمة (من الطائفة السنية)، مع وجود أكراد (أغلبهم مسلمون سنة)، وأقليات من الأرمن والشركس، وأقليات دينية من المسيحيين العرب (بأغلبية أرثوذوكسية)، ومن العلويين، والدروز، واليهود (وهذه الأقليات الدينية باستثناء الأرمن عربية بامتياز). وبعد فشل تجربة الحكم الفيصلي المقتضبة - بسبب الاحتلال الفرنسي - تم تقسيم "سورية الكبرى" إلى أربع دول، وهي: سورية، ولبنان، والأردن، وفلسطين. محاولة تشكيل أمة "سورية" واجهتها تحديات من الولاءات الضيقة للشعب السوري، ومنها الولاء للطائفة والإثنية والقبيلة، وولاءات "ما فوق الوطنية"، وهي العروبة والإسلام.

لقد كان تحدي بناء هوية وطنية للشعب السوري بتنوعه، من أكبر التحديات التي واجهت النخب الحاكمة منذ الاستقلال. مع ذلك أدركت النخب الحاكمة أنها بحاجة للإشارة إلى الهوية العربية/الإسلامية لسورية كنوع من الاعتراف بأن الدول "القُطرية" التي أوجدها الاستعمار البريطاني - الفرنسي، هي كيانات مصطنعة، لم يكن لشعوبها دور في إنشائها. ولذا فإن الإشارة إلى الهوية العربية/الإسلامية لسورية لم يكن مجرد انعكاس للواقع الديمغرافي (حوالي 90 بالمائة من العرب، و74 بالمائة من المسلمين السنة)، بل كان محاولة لتعميق استقلال الدولة الناشئة، والسعي إلى تغيير واقع التقسيم الذي أوجده الاستعمار، من خلال إعادة تشكيل الدولة القطرية في إطار "قومي/عروبي" أوسع. ولم يكن غريباً أن تحاول الوثائق الدستورية المتتالية إقرار أن الشعب السوري جزء من "الأمة العربية"، وإلى وجود إشارة إلى الهوية الإسلامية، لتعكس بذلك هوية الأغلبية لكن بشكل غير مرض، حيث اعتبرت بعض الأقليات أنها مُقصاة من هذا التعريف. ولعل أكبر تحد واجه التعريف العربي/الإسلامي لسورية كان من الأقليات التي لم تشعر أنها مشمولة بأحد هذين المكونين للهوية. فمثلاً، لم يستسغ الأكراد، وهم القومية الثانية في سورية، يوماً إطلاق تسمية "الشعب العربي السوري" على السوريين. ولم يكن الحال أفضل بالنسبة لغير المسلمين عندما اشترطت الدساتير المتعاقبة منذ دستور عام 1950 أن يكون رئيس الدولة مسلماً.

لقد حاولت الدساتير المتتالية تقديم صيغ مختلفة لموضوع هوية الدولة السورية ودور الدين في الدولة، لتعكس النقاش الدائر في وقتها حول هذه القضية. فباستعراض سريع للوثائق الدستورية السابقة نرى أن الإشارة إلى الهوية العربية من الثوابت في كافة الوثائق الدستورية، لكنه يحتل مكانة كبيرة في الفترة الممتدة من 1950- 1970، وهي مرحلة المد القومي، إذ لم يكن الحديث عن الهوية العربية أمراً نظرياً، بل شهدت هذه الفترة تجربة الوحدة مع مصر (1958-1961)، وعدة محاولات لإيجاد "اتحادات" عربية، كان آخرها "اتحاد الجمهوريات العربية" في عام 1971 مع مصر وليبيا، وكان من المفروض أن تنضم إليها السودان، لكن هذا الاتحاد لم ير النور إلا في الوثائق التي تم الاتفاق عليها، ولم يدخل أبداً حيز التنفيذ. وفيما يلي عرضٌ موجزٌ لكيفية تعاطي الوثائق الدستورية المختلفة مع قضية الهوية العربية وعلاقة الدين بالدولة:

في أولى محاولات الصياغة الدستورية نص القانون الأساسي (الدستور) الذي وضعه المؤتمر السوري في مواده العامة على أن "حكومة المملكة السورية العربية حكومة مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين ملكها الإسلام".([14]) وحددت المادة الثالثة أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في جميع المملكة السورية. أما بالنسبة لدور الدين في المملكة الوليدة فقد نصت المادة السادسة من الفصل الثاني: "على الملك حين جلوسه أن يقسم أمام المؤتمر يميناً باحترام الشرائع الإلهية وبالأمانة للأمة وبمراعاة القانون الأساسي". وتتكرر الإشارة إلى الصفة العربية، باشتراط أن يكون الحاكم العام للمقاطعة (وهذه إشارة إلى المقاطعات الثلاث المشكِّلة للمملكة هي سورية العثمانية، أي الداخل والساحل والجنوب)، اشترطت أن يكون الحاكم "سورياً عربياً" متصفاً بالصفات المشروطة في عضوية مجلس الشيوخ".([15]) وأخيراً، هناك عدة إشارات إلى "الأمة العربية" في بيان المؤتمر السوري الذي تمت بناء عليه مبايعة فيصل الأول بن الحسين ملكاً على سورية. وتحديداً هناك تصريح من المؤتمرين بأننا "اجتمعنا بصفتنا ممثلي الأمة السورية في جميع أنحاء القطر العربي السوري تمثيلاً تاماً، وقررنا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية، التي منها فلسطين بحدودها الطبيعية...".([16]) لقد جاء ذكر الهوية العربية لسورية منسجماً مع المرحلة التي كانت تمر بها البلاد، وهي مرحلة خروج القوات التركية من سورية، بدفع وقيادة من الحلفاء الغربيين. ولذا حاولت الوثيقة الإشارة إلى الهوية الجديدة للبلاد لتمييزها عن الدولة العثمانية، حيث كانت الرابطة الإسلامية هي مصدر شرعية الحكم العثماني. كما أن المشاركين في المؤتمر السوري أرادوا من خلال صياغة القانون الأساسي التأكيد على أن الأمة السورية قادرة على نيل استقلالها وحكم ذاتها أمام مطامع الدول الغربية التي لم تمهل الدولة الوليدة أكثر من ثلاثة أشهر، ليحل الاستعمار الفرنسي مكان الحكم العثماني. أما عن دور الدين في المملكة الوليدة، فلقد اقتصر على اشتراط أن يكون الملك "مسلماً"، وعلى أن يحترم مليك البلاد "كافة الشرائع الإلهية"، دون الإشارة إلى دور محدد للشريعة أو الفقه الإسلامي في التشريع. ومع أن القانون الأساسي غير واضح في تبنيه نظام "الملكية الدستورية" بشكله المعاصر، فقد حاول محاكاة هذا النموذج لكن دون تبنّيه بشكل صريح، إذ أُعطي الملك فيصل صلاحيات تنفيذية وتشريعية أكثر من تلك التي استقر عليها ملوك الديمقراطيات الغربية. ومع أن هذا يعني أن منصب "رئيس الوزراء"، وهو المنصب التنفيذي الأول في الملكيات الدستورية، يمكن أن يؤول لغير المسلم لكن حقيقة أن الملك له صلاحيات أكبر من كونه رئيس الدولة الرمزي عنى استبعاد غير المسلمين من هذا الموقع.

وتتراجع الإشارة إلى الهوية العربية لسورية في دستور عام 1930، وهو الدستور الذي صاغته الجمعية التأسيسية التي تم انتخابها في ظل الانتداب الفرنسي في عام 1928. وعلى الرغم من أنه من بين مسؤوليات سلطة الانتداب إيجاد قانون أساسي للبلاد فقد ماطل المندوبون الفرنسيون لسنوات في السماح للسوريين في صياغة دستور لهم، وعندما أقرت الجمعية التأسيسية مشروع الدستور اعترض المفوض السامي الفرنسي على ست مواد نصت على استقلال سورية الكامل ووحدتها، وهو ما اعتبره المفوض السامي يتناقض مع "الانتداب". وأخيراً، وبعد عدة محاولات من تعطيل انعقاد الجمعية التأسيسية التي رفضت تدخلات الحاكم الفرنسي، وجد المفوض الفرنسي نفسه مجبراً على إصدار الدستور كما أقرته الجمعية التأسيسية التي سيطر على تركيبتها نواب "الكتلة الوطنية"، بشرط إضافة مادة أخيرة، تنص على ألا يتعارض أي حكم من أحكام الدستور مع التعهدات التي قطعتها فرنسا - لأنها الدولة المنتدبة المسؤولة أمام عصبة الأمم - على نفسها فيما يختص بسورية.([17])

وبالعودة إلى موضوع الهوية، نص الدستور على المواد التالية:([18])

  1. سورية دولة مستقلة ذات سيادة، لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها.
  2. سورية وحدة سياسية لا تتجزأ.
  3. سورية جمهورية نيابية دين رئيسها الإسلام، وعاصمتها مدينة دمشق.

لقد عكست هذه المواد حرص القادة الوطنيين في ذلك الوقت، على تأكيد حق سورية في الحصول على استقلالها، وعلى المحافظة على وحدتها، بعد أن اُستقطع منها لبنان وفلسطين وإمارة شرق الأردن، وأُعطي لواء اسكندرون نوعاً من الحكم الذاتي، وقسمت سورية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي إلى أربع دويلات هي: دويلة دمشق، دويلة حلب، دويلة العلويين، دويلة الدروز. ولعل اللغة التي صاغتها الجمعية التأسيسية للمادة الثانية نصت على أن: "البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية ذات وحدة سياسية لا تتجزأ، ولا عبرة لكل تجزئة طرأت عليها منذ الحرب العالمية حتى اليوم".([19]) ويمكن النظر إلى دور الدين في الوثيقة بحصره في ديانة رئيس الجمهورية، إضافة إلى المادة ما قبل الأخيرة، وهي المادة التي تعطي "الطائفة الإسلامية" حق إدارة الأوقاف الإسلامية، من خلال ممثلين منتخبين يحدد القانون كيفية انتخاب هذه المجالس وصلاحياتها.([20]) ومع أن النظام السياسي الذي قرره هذا الدستور هو أقرب للنظام البرلماني - من غير المستبعد أن يكون متأثراً بالجمهورية الفرنسية الرابعة - فهذا يعني أن منصب رئيس الوزراء مفتوح لكافة أطياف الشعب. لكن وبقراءة متأنية لنصوص الدستور وصلاحيات الرئاسة يبدو أنه يرسخ نموذج النظام شبه الرئاسي، حيث يقتسم الرئيس صلاحيات السلطة التنفيذية مع رئيس الوزراء، الأمر الذي يعني إقصاء غير المسلمين عن هذا المنصب. وعلى غير غرار دستور المملكة السورية، فقد تم العمل بهذا الدستور، ضمن حدود ما سمح به الانتداب الفرنسي، خاصة في الفترة التي أعقبت توقيع معاهدة 1936 بين فرنسا وسورية، حيث جرت انتخابات على أساس هذا الدستور، وتألفت حكومة وطنية برئاسة هاشم الأتاسي، وترأس الوزارة جميل مردم بك، وكان الملفت فيها تشكيل وزارتين للخارجية والدفاع لأول مرة منذ العهد الفيصلي. واستمرت هذه الحكومة حتى قام المفوض السامي الفرنسي بتعليق الدستور وحل مجلس النواب في تموز/يوليو 1939. وعندما حصلت سورية على استقلالها عام 1946، تم العمل بهذا الدستور، بعد إلغاء المادة 116 التي أعطت المندوب السامي حق تعطيل أي حكم يتناقض مع الانتداب.

الوثيقة الدستورية الثالثة التي اعتبرت الأكثر "ديمقراطية" في تاريخ سورية المعاصر هي دستور عام 1950. يتضمن الفصل الأول بمواده الأربع الأولى تحديد الهوية للجمهورية الجديدة على النحو التالي: فعلى الرغم من عدم تضمين صفة "العربية" في اسم الجمهورية، إذ تم الاكتفاء بتسمية الجمهورية بـ"الجمهورية السورية"، إلا أن المواد التالية قد نصت صراحة على الهوية العربية - الإسلامية لسورية. فقد نصت المادة الأولى على ما يلي: 1) سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة، 2) وهي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها، 3) والشعب السوري جزء من الأمة العربية. أما المادة الثانية فقد نصت على أن: "السيادة للشعب لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها". وفيما يتعلق بدور الدين، فقد نصت المادة الثالثة على ما يلي: 1) دين رئيس الجمهورية الإسلام، 2) الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، 3) حرية الاعتقاد مصونة والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام، 4) الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية. وأخيراً، نصت المادة الرابعة على أن: اللغة العربية هي اللغة الرسمية.([21]) وبتحليل سريع لكيفية تعاطي هذا الدستور مع قضية الهوية يمكن الإشارة إلى الأمور التالية: أولاً: يعتبر هذا الدستور هو الأول الذي تمت صياغته بعيداً عن التهديدات والتأثيرات الاستعمارية، وجاء نتيجة مداولات الجمعية التأسيسية، وفي لحظة تشاركية وتوافقية فريدة، جعلت كثيراً من السوريين ينظرون إليها بنوع من الحنين إلى الماضي (النستالجيا)، إذ تقدم تلك المرحلة بديلاً واقعياً لممارسات النظام السياسي في مرحلة احتكار حزب البعث، وعائلة الأسد للسلطة. ثانياً: رغم عدم تضمين وصف "العربية" في اسم الجمهورية، فإن الهوية العربية لسورية كانت واضحة لتعكس صعوداً للقومية العربية. ولعل تدليلاً إضافياً على تأثير المد القومي العربي يتجلى في القَسَم المطلوب تأديته من قبل أعضاء مجلس النواب، وهم أصحاب السلطة التشريعية في البلاد، وهذا نصه: "أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لدستور البلاد مدافعاً عنه وعن استقلال الوطن وحريات الشعب ومصالحه وأمواله وكرامته، وأن أحترم قوانين البلاد وأقوم بمهمة النيابة بشرف وصدق وإخلاص وأن أعمل لتحقيق وحدة الأقطار العربية".([22]) ويتشابه معه قَسَم رئيس الجمهورية في تعهده باحترام الدستور وحريات الشعب والإخلاص للنظام الجمهوري والمحافظة على استقلال الوطن "والدفاع عن سلامة أرضه وأن أعمل على تحقيق وحدة الأقطار العربية".([23]) ثالثاً: وكما هو الحال في دستور عام 1930، استمر تقليد اشتراط أن يكون دين رئيس الجمهورية الإسلام، لكن وفي حال التزام النظام السياسي بقواعد النظام البرلماني الصرف، بإعطاء الصلاحيات التنفيذية لرئيس الوزراء الذي يتم اختياره لأنه باعتباره زعيم أكبر الكتل البرلمانية، فهذا يعني أن منصب رئيس الوزراء هو أعلى منصب تنفيذي متاح لغير المسلمين. ذلك مع بقاء منصب الرئاسة رمزياً، كما هو الأمر في النظام البرلماني الصرف. الجدة فيما يتعلق بهذا الدستور تكمن في نصه على أن الفقه الإسلامي هو "المصدر الرئيسي للتشريع"، يوازيه التأكيد على حرية الاعتقاد، واحترام الدولة لجميع الأديان السماوية، وكفالة حرية القيام بجميع الشعائر. ولعل هذه الإضافة عائدة إلى تأثير الإسلام السياسي الذي كان حاضراً في الجمعية التأسيسية، من خلال جماعة الإخوان المسلمين، وبعض الشخصيات الإسلامية المستقلة.

ولم يختلف دستور عام 1953 الذي قدمه الزعيم أديب الشيشكلي، عن سلفه، فيما يتعلق بالهوية العربية والإسلامية للجمهورية السورية، ما خلا إضافة إلى المادة الأولى في بندها الثالث لتشير إلى ما يلي: "والشعب السوري جزء من الأمة العربية. وعلى الدولة أن تسعى، في ظل السيادة والنظام الجمهوري لتحقيق وحدة هذه الأمة".([24]) ويمكن تفسير هذه الإضافة إلى شعور الزعيم الشيشكلي بتنامي الشعور القومي في البلاد، فأراد بذلك مجاراة الأحزاب القومية، من بعث وغيره. الأمر الأهم، أنه في الإبقاء على أن "دين رئيس الجمهورية هو الإسلام" في نظام هو الأقرب للنظام الرئاسي، حرمان لغير المسلمين من فرصة الارتقاء إلى هذا الموقع، وهذا أمر مختلف عندما كان النظام أقرب للنظام البرلماني في ظل الأنظمة السابقة.

وبعد استقالة الرئيس الشيشكلي، نتيجة لمطالبات شعبية ومن بعض الوحدات العسكرية، في 25 شباط/فبراير 1954، عاد الرئيس هاشم الأتاسي لسدة الرئاسة لإكمال ولايته الدستورية وتشكيل حكومة تشرف على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، حيث انتخب الرئيس شكري القوتلي رئيساً للجمهورية في 6 أيلول/سبتمبر 1955، واستمر العمل بدستور عام 1950 حتى قيام دولة الوحدة بين مصر وسورية في شباط/فبراير 1958، بينما اعتُبر الدستور الذي وضع في عهد الرئيس الشيشكلي باطلاً.

عكَسَ دستور الجمهورية العربية المتحدة الذي جاء مقتضباً من 73 مادة اللحظة القومية العاطفية، وتم الإسراع في تشكيل مؤسسات لم تحظ بكثير من التفكير والتدبير بشكل يحفظ مصالح القطرين المشكِّلين للاتحاد. ولم يشمل الجزء المتعلق بالهوية حيزاً كبيراً في الوثيقة الدستورية التي جاءت بها دولة الوحدة، فقد اقتصرت المادة الأولى على أن "الدولة العربية المتحدة جمهورية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة وشعبها جزء من الأمة العربية".([25]) أما الأمر الملفت للنظر فهو غياب أي إشارة إلى دور الدين في الدولة، سواء بالنسبة لهوية الدولة، أو شرط الرئاسة، أو دور الشريعة أو الفقه الإسلامي في التشريع. وانعكست المشاعر القومية العربية بشكل أوضح في بيان إعلان الجمهورية العربية المتحدة، وفي كلمات الرئيسين شكري القوتلي وجمال عبد الناصر الموجهة إلى مجلسي النواب السوري ومجلس الأمة المصري.

لقد كان فشل أول تجربة اتحادية للدول العربية نكسة للقوى القومية، خاصة الناصرية والبعثية والقوميين العرب. ومع أن فشل دولة الوحدة كان مدعاة لبعض النخب السياسية لتفكّر بشكل عقلاني بالتركيز على تقوية الهوية الوطنية قبل الخوض في تجارب وحدوية غير مدروسة، دفع هذا الفشل بعض الأحزاب القومية، خاصة حزب البعث الذي شعرت قياداته بأنها استُغلت من قبل النظام المصري، إلى تبني التفكير الإنقلابي للوصول إلى الحكم بأي وسيلة، وذلك لتقديم نموذج قومي مختلف عن التجربة الناصرية. ومن هنا كانت تجربة الانفصال وقتية، إذ تعالت لغة المزايدات لدى كافة القوى السياسية العروبية في سورية، مدعية أنها ستعيد تجربة الوحدة، لكن بشكل أفضل وأنضج. ومن هنا لم يتسنَّ لفترة الحكم الانفصالي صياغة دستور جديد بقدر ما اعتمدت دستور عام 1950 بتعديلات جزئية. النقطة المضيئة الوحيدة في فترة الانفصال كانت الانتخابات البرلمانية الحرة النزيهة التي شهدتها البلاد لآخر مرة، ، بمشاركة أغلبية القوى السياسية.

وبعد انقلاب 8 آذار/مارس 1963 وحتى اعتماد دستور 1973، صدر دستوران مؤقتان يمكن تسميتهما بدساتير حزب البعث، أولهما: في 25 نيسان/إبريل 1964، وثانيهما: في 1 أيار/مايو 1969، وتم تعديله بعد انقلاب الأسد في 16 شباط/فبراير 1971. وتتشابه هذه الدساتير المؤقتة في معالجتها لموضوع الهوية بتركيز أكبر على الالتزام بالوحدة العربية، وتحديد النظام السياسي والاقتصادي بأنه نظام "الديمقراطية الشعبية" وتبني النظام "الاشتراكي". فمثلاً تنص المادة الأولى في دستور عام 1964، على ما يلي: 1) القطر السوري جمهورية ديمقراطية شعبية اشتراكية ذات سيادة وهو جزء من الوطن العربي، 2) الشعب العربي في سورية جزء من الأمة العربية يؤمن بالوحدة ويناضل في سبيل تحقيقها، 3) السيادة في القطر السوري للشعب.([26]) أما عن دور الدين في الدولة، فتنص المادة الثالثة على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام (تختفي هذه المادة في الدساتير المؤقتة لعامي 1969 و1971)، والفقه الإسلامي مصدر "رئيسي" للتشريع، وليس المصدر "الرئيسي"، كما نص على ذلك دستور عام 1950. وهكذا يتضح أن الهوية في هذه الدساتير المؤقتة معرَّفة من خلال عدسة حزب البعث العربي الاشتراكي. ولأول مرة تتم إضافة مادة إلى دستور عام 1969 لتتكرر في الدستور المؤقت لعام 1971، ودستور حافظ الأسد لعام 1973، وهي: "الحزب القائد في المجتمع والدولة، هو حزب البعث العربي الاشتراكي".([27]) هناك أيضاً بعض التفاصيل ذات العلاقة بالهوية في التغييرات التي أحدثتها دساتير حزب البعث، ومنها الإشارات المتكررة إلى التزام النظام بتحقيق أهداف الحزب في الوحدة العربية والعمل على تحقيقها. فمثلاً، تنص المادة 37 من دستور 1964 على نوعية القَسَم لأعضاء المجلس الوطني كما يلي: "أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لدستور البلاد مدافعاً عنه وعن استقلال الوطن ومصالح الشعب وأن أحترم قوانين البلاد وأقوم بمهمتي بشرف وأن أعمل لتحقيق أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية". تراجع دور الدين في الدولة، وهذا متوقع من حزب "علماني تقدمي"، لكن هذا التراجع لم يلغِ دور الدين تماماً، بل تم التقليل منه ليكون الفقه الإسلامي مصدراً "رئيسياً" للتشريع، وليس المصدر "الرئيسي"، كما نصت على ذلك الدساتير السابقة. أمر آخر مثير للنظر، أنه في القَسَم المذكور لأعضاء مجلس الشعب في دستوري 1969 و1971، تم حذف الذات الإلهية من القسم، ليكون على النحو التالي: "أقسم بشرفي ومعتقدي أن أحافظ مخلصاً على النظام الديمقراطي الشعبي وأن أحترم الدستور والقوانين، وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن، وأن أعمل وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية".([28])

وأخيراً، هناك تشابه بين دستوري عام 1973 و2012 (دستورا حافظ وبشار الأسد)، في موضوع الهوية ودور الدين في الحياة العامة، مع بعض التغييرات ذات المغزى. ففي دستور 1973، يحدد الفصل الأول في مبادئه السياسية هوية البلاد على النحو التالي: 1) الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها، وهي عضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية، 2) القطر العربي السوري جزء من الوطن العربي، 3) الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة.([29]) أما دستور عام 2012 فينص في مادته الأولى على: 1) الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية ذات سيادة تامة، ولا يجوز التنازل عن أيٍّ من أراضيها، وهي جزء من الوطن العربي، 2) الشعب في سورية جزء من الأمة العربية.([30]) الفارق الواضح بين الصيغتين، غياب وصف "الشعبية الاشتراكية" في الدستور الثاني، وتراجع التزام الشعب السوري في العمل والنضال لتحقيق الوحدة الشاملة. وكلا الأمرين يعكسان أيديولوجية حزب البعث، الأمر الذي يعني التخلي عن هذا الجانب من الأيديولوجية البعثية في دستور الابن. وهناك تباين في القَسَم الدستوري المتضمن تحت المادة السابعة في كلا الدستورين، فهو في دستور 1973 كما يلي: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي، وأن أحترم الدستور والقوانين، وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن، وأن أعمل وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية". أما في دستور الابن، فهو: "أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها ونظامها الجمهوري، وأن أرعى مصالح الشعب وحرياته، وأحافظ على سيادة الوطن واستقلاله وحريته والدفاع عن سلامة أرضه، وأن أعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية ووحدة الأمة العربية". ومرة ثانية، هناك تخلٍ عن الأهداف الثلاثة لحزب البعث - حُملت على أنها أهداف الأمة العربية - ألا وهي: الوحدة والحرية والاشتراكية. مع ذلك، يُبقي القَسَم في دستور الابن على تعهد بتحقيق "العدالة الاجتماعية ووحدة الأمة العربية"، وهي أهداف أكثر غموضاً، لكنها بالتأكيد تخلٍ واضح عن أهداف حزب البعث "الحاكم".

أما عن دور الدين، فهناك تشابه في الصياغة، مع إضافة منطقية في دستور 2012. فقد نص دستور عام 1973 على ما يلي: 1) دين رئيس الجمهورية الإسلام، 2) الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع.([31]) ويتبنى دستور 2012 اللغة نفسها في مادته الثالثة، مضيفاً البندين التاليين: 1) تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن لا يخل ذلك بالنظام العام، 2) الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.([32])

ثانياً: الحقوق والحريات

لم تغب الحقوق والحريات العامة عن الوثائق الدستورية السابقة بقدر ما هي مقيدة أحياناً، خاصة في حالة الحقوق السياسية، وأنها الجزء الأكبر الذي لا يطبَّق في هذه الدساتير. والحقيقة فإن تفحصاً دقيقاً لقسم الحقوق والحريات والمواطنة يشير إلى اقتراب أكثر الدساتير من المعايير الدولية لحقوق الإنسان وحرياته. وفيما يلي بعض الملاحظات المقارنة:

  1. من الأمور الملفتة للنظر أن أول التجارب الدستورية (دستور المملكة السورية لعام 1920) كان متطوراً جداً في القسم المتعلق بالحقوق والحريات. فقد جاء الفصل الثالث تحت عنوان "في حقوق الأفراد والجماعات"، ليشمل سبع عشرة مادة متضمنة للحقوق التالية: حق الجنسية، المساواة أمام القانون، احترام الحرية الشخصية، حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، حرمة التعذيب، حق تأليف الجمعيات، حرمة المساكن، احترام الملكية الخاصة، حرية المطبوعات، مجانية التعليم في مراحله الأولى، حق المحاكمة أمام المحاكم المختصة، وحرمة النفي الإداري.([33])
  2. حافظ دستور عام 1930 على الحقوق والحريات عينها المنصوص عليها في الدستور السابق، وفصل في بعضها. ففي مجال حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، على سبيل المثال هناك تفصيل أكبر مما ورد في الدستور السابق. إذ تنص المادة 15 على ما يلي: "حرية الاعتقاد مطلقة. تحترم الدولة جميع المذاهب والأديان الموجودة في البلاد وتكفل وتحمي حرية القيام بجميع شعائر الأديان على ألا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب. وتضمن أيضاً لجميع الأهالي على اختلاف طوائفهم احترام مصالحهم الدينية وأحوالهم الشخصية". وتضيف المادة 28 كفالة حقوق الطوائف الدينية، وحقها بإنشاء مدارس خاصة بها.([34])
  3. يُعتبر دستور عام 1950 الأكثر شمولاً وتفصيلاً في باب الحقوق والحريات. والحقيقة أن الدساتير التي أعقبته بدأت تقليد "التقييد" لبعض هذه الحقوق والحريات، كما سيتضح لاحقاً. يأتي قسم الحقوق والحريات في هذا الدستور في الفصل الثاني، تحت عنوان "المبادئ الأساسية". وما يميز هذا الدستور عن سابقيه أنه يزيد من هذه الحقوق ويغنيها تفصيلاً. فمثلاً، في باب حق التجمع والتظاهر السلمي، يضيف المادة التالية: "للسوريين حق تأليف أحزاب سياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم ديمقراطية".([35]) ومثال آخر هو التفصيل المتضمن تحت المادة العاشرة فيما يتعلق بحق المواطن بالمحاكمة العادلة، إذ تشمل المادة على أحد عشر بنداً تفصيلاً، تبدأ بافتراض البراءة، وأسلوب التوقيف، وتجريم التعذيب، وحق الدفاع، ورفض المحاكم الاستثنائية والعسكرية، وأخيراً حق النقض. هذا الحيز الذي احتلته الحقوق والحريات في هذا الدستور، هو أحد أسباب اعتباره الأكثر "ديمقراطية" بين التجارب الدستورية. إذ لم يكتف هذا الدستور بالتأكيد على الحريات العامة، بل أكد على الحقوق الاجتماعية - الاقتصادية، كحق العمل والتعليم والضمان الاجتماعي.
  4. على الرغم من قيام الرئيس الشيشكلي بإلغاء دستور عام 1950، وتقديم دستور بديل عنه، فمن المفارقة أن دستور عام 1953 الذي قدمه كبديل للدستور الملغى قد أخذ الكثير منه. ليس هذا فحسب، بل حاول الرئيس الشيشكلي تحسين بعض الفقرات عن الدستور الملغى. فمثلاً، يعتمد دستور الشيشكلي أكثر المواد الواردة في باب المبادئ الأساسية المستقاة من دستور عام 1953، ويعنونه بـ"الضمانات الديمقراطية"، ويزيد أحياناً في بعض التفاصيل الشارحة للحقوق والحريات. ففي باب حق العمل، وتحت المادة التاسعة والثلاثين، هناك تفصيل لكيفية حماية الدولة لحق العمل، ومن ذلك تحديد ساعات العمل، وتعويض العمال في بعض الحالات الخاصة كالمرض والعجز، وإيجاد الشروط الخاصة بعمل المرأة والأحداث بما يكفل حمايتهم. ويفصل في الفقرة التالية: "جعل أجور النساء في حالة تماثل الظروف مساوية لأجور الرجال".([36]) لكن المفارقة أن هذا الدستور هو الوحيد الذي أشار بشكل صريح على: "لا يُقبل ترشيح المرأة لرئاسة الجمهورية".([37])

يظهر التراجع في الحقوق والحريات في الدساتير اللاحقة، وذلك إما من خلال تقليص مساحتها أو تقييدها، والأهم من ذلك الالتفاف على تطبيقها. ففي دستور الجمهورية العربية المتحدة، مثلاً، يتم اختزال الحقوق والحريات تحت الباب الثالث، بعنوان "الحقوق والواجبات العامة". فإذا تم استثناء المادة 11 التي تتحدث عن واجب الدفاع عن الوطن والجندية الإجبارية، لا يبقى في الدستور إلا أربع مواد، وهي: 1) المساواة أمام القانون، 2) لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، 3) حظر تسليم اللاجئين السياسيين، 4) الحريات العامة مكفولة في حدود القانون.([38]) وتعكس لغة المادة الرابعة الروح التقييدية للحريات، بربطها بحدود القانون الصادر في أغلب الأحيان عن السلطة التنفيذية. وتستمر الدساتير الثلاثة المؤقتة التي صدرت في عهد حزب البعث بتقييدها للحقوق والحريات، لتنسجم مع رؤية حزب البعث الريادية للمجتمع والدولة، ومع إعادة تعريفها لمفاهيم كالحرية لتعني حرية الوطن أولاً ثم حرية الفرد. فلو أخذنا الدستور المؤقت لعام 1969، وهو مشابه لدستوري عام 1964 ودستور 1971، يتم اختزال الحقوق والحريات لتقتصر على المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، وحق المحاكمة (لكن يختفي هنا تجريم التعذيب، وعدم اللجوء إلى المحاكم الاستثنائية)، وسرية المراسلات، وعدم جواز إبعاد المواطن، وحق التعليم والعمل، والمساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب، لكن حسب القانون.([39]) فمثلاً، لو أخذنا حق المساهمة في الحياة السياسية لوجدنا أن هذا الحق قد تم تقييده بتبني المادة السابعة التي تنص على أن: "الحزب القائد في المجتمع والدولة، هو حزب البعث العربي الاشتراكي". وبمعنى آخر، وبتبني هذه المادة، وهي المادة المستنسخة من تجارب الدول الشيوعية، فإن الإطار الوحيد للحياة السياسية والعمل النقابي هو من خلال هذا الحزب. فحتى عندما يقدم الدستور المؤقت لعام 1969 إضافة جديدة في الإشارة إلى دعم حق المرأة في المشاركة في الحياة العامة فإنه يأتي ضمن تعريف النظام البعثي للحياة العامة على النحو التالي: "على الدولة أن توفر للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة في الحياة العامة وأن تعمل على إزالة القيود التي تمنع تطويرها، بما يمكنها من المشاركة في بناء المجتمع العربي الاشتراكي".([40])

وينهج دستورا عامي 1973 و 2012 طريقة الدساتير المؤقتة السالفة نفسها في تقييد الحريات والحقوق، مقارنة بدستور عام 1950. ويتضح هذا التقييد في الممارسات التالية: 1) ربط الحقوق والحريات بتوجهات الحزب الحاكم، 2) تعليق العمل بهذه الحقوق والحريات المنصوصة بالاستناد إلى الأحكام العرفية المفروضة منذ عام 1963-2012، 3) تجاهل هذه البنود بشكل كلي أو كامل. من الأمثلة على تراجع بعض الحريات غياب بعض المواد التي تمنع محاكمة المواطنين أمام محاكم استثنائية أو عسكرية. أما من الأمثلة على تحديد الحريات من خلال وضعها بصيغة شرطية المادة التي تتحدث عن حرية التعبير في دستور عام 1973 المتضمنة: "لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى، وأن يسهم في الرقابة والنقد والبناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي، وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون".([41]) لكن وللحقيقة، فإن دستوري عامي 1973 و2012 يتضمنان أغلب الحقوق والحريات الموجودة في دساتير الدول المتطورة، لكن الإشكال هو في عدم احترام هذه الحقوق والحريات. فمثلاً، أعاد دستور 1973 المادة المتعلقة بتحريم التعذيب، وكذا دستور 2012، لكن تكفي الإشارة إلى أن سورية، خاصة بعد الثورة السورية عام 2011، قد تكون هي الأسوأ في العالم في نسبة المعتقلين السياسيين الذين تمت تصفيتهم بشكل منهجي تحت التعذيب.([42]) كما أزال دستور عام 2012 شرطية الحقوق والحريات، كما وردت في الدستور السابق، لكنها بقيت مواداً نظرية ليس لها علاقة بالواقع، فمن الحقوق المنصوص عليها: "للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً والإضراب عن العمل في إطار مبادئ الدستور وينظم القانون ممارسة هذه الحقوق".([43])

ثالثاً: اللامركزية

ترتبط اللامركزية في الحكم بتركيبة النظام السياسي. فكلما كان النظام ديمقراطياً اتجه إلى إعطاء صلاحيات أكبر للوحدات المشكلة للنظام السياسي. وبالتعريف فإن من سمات الأنظمة السلطوية تفضيل المركزية ليسهل لها السيطرة والتحكم. من الملفت للنظر في قراءة التجارب الدستورية المتنوعة للدولة السورية ميلها إلى الاقتضاب والعمومية عند الحديث عن اللامركزية، وفي أغلب الأحيان إحالة الموضوع إلى قوانين تفصل هذه القضية.

في أول تجربة دستورية قدم ممثلو المؤتمر السوري نوعاً من اللامركزية التي كانت أقرب ما تكون إلى النظام الفيدرالي، إذ شمل الدستور باباً كاملاً حول "المقاطعات"، وهي الوحدات المكونة للمملكة السورية (الداخل والساحل والجنوب: سورية ولبنان وفلسطين والأردن). ففي الفصل الحادي عشر يحدد دستور عام 1919 مبدأ إدارة المقاطعات عن طريق "اللامركزية في إدارتها الداخلية ما عدا الأمور العامة التي تدخل في خصائص الحكومة العامة (المركزية)"، كما تحدد المواد اللاحقة طريقة إدارة المقاطعات عن طريق مجالس نيابية منتخبة وحاكم عام يعينه الملك، وإيجاد آلية لحل الخلافات بين مجالس المقاطعات والحكومة المركزية عن طريق مجلس الشيوخ (المركزي).([44]) وعلى الرغم من أن هذا الدستور لم يطبق فعلياً بسبب الاحتلال الفرنسي لسورية ولبنان، إلا أنه قدم منظوراً متطوراً لفكرة اللامركزية والحوكمة المحلية.

أما دستور عام 1930، فلم يفصل في اللامركزية واكتفى في بابه الأخير تحت عنوان أحكام مختلفة بالنص على: "يوضع قانون خاص بشأن حدود المناطق الإدارية وتنظيمها وصلاحياتها تراعى فيه الحالة الخاصة ببعض هذه المناطق".([45]) وهنا نرى تميزاً في دستور عام 1950 الذي اشتمل على فصل كامل بعنوان "التقسيمات الإدارية"، ولعل أهم عناصره تقسيم أراضي الجمهورية إلى محافظات، تُدار من قبل مجالس يُنتخب ثلاثة أرباعها ويعين الربع الباقي، وتقوم المجالس بانتخاب رئيسها ومكتبها التنفيذي. كما حدد هذا القسم إحدى عشرة صلاحية، ومنها: الصحة ومكافحة الأمية، وتوفير المياه الصالحة، وتنشيط السياحة، ورعاية الأعمال الخيرية، وتنظيم واستثمار الصيد البحري والنهري والبري. وأخيراً، حدد موارد المحافظات، وكيفية الصرف على مشاريعها.([46])

ولعل أكبر فشل في تجاهل أهمية اللامركزية في الحكم قد تجلى في تجربة دولة الوحدة حيث أصر الطرف المصري، وبعض مؤيديه من السوريين، على إقامة دولة وحدة اندماجية بدلاً من نظام فيدرالي يراعي خصوصية القطرين. يرسخ الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة فكرة الدولة الموحدة المركزية، وكذا الممارسة الفعلية التي حرص الطرف المصري على ترسيخها. ولعل من المفيد التذكير بأن أغلبية المتحمسين لفكرة الوحدة مع مصر لم يتخلوا عن الفكرة كمبدأ، وإنما طرحوا فكرة الاتحاد الفيدرالي بين البلدين بدلاً من نموذج الوحدة الاندماجية. وبالطبع، فإن أجواء الانقسامات والمزايدات، إضافة إلى التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، قد دفعت السياسيين والعسكريين السوريين إلى القبول بكافة شروط عبد الناصر للوحدة، ومنها: إجراء استفتاء شعبي على الوحدة، وحل الأحزاب السياسية، وانسحاب الجيش من السياسة. ومع أن بعض هذه الشروط قد تبدو منطقية للوهلة الأولى، إلا أن المقصود منها إضعاف وتحييد الزعماء السياسيين السوريين لتأمين تبعية الإقليم السوري لمصر. وتلخص إحدى الدراسات التقييم الذي قدمه كثيرون ممن كتبوا عن تجربة الوحدة بما يلي: "وكان الخطأ الفادح في محاولة المصريين تطبيق النظام المركزي القائم في مصر على سورية، والهدف من ذلك إقامة دولة اندماجية، متجاهلين أو جاهلين خصائص المجتمع السوري، والفروق السياسية والاجتماعية والجغرافية القائمة بين القطرين".([47])

وبعد انقلاب البعث، يدخل مصطلح "الديمقراطية الشعبية" الدساتير المؤقتة الثلاثة للأعوام 1964، و1969، و1971، ليربط الحكم - بما في ذلك الحكم المحلي - بحزب البعث. ويخلو دستور عام 1964 من أي إشارة إلى اللامركزية، بينما يشتمل الدستوران الباقيان على فصل حول "مجالس الشعب المحلية". ويعتمد الدستوران اللغة ذاتها، وذلك بالإشارة إلى أن مجالس الشعب المحلية هي أجهزة الدولة في الوحدات الإدارية، مع تحديد الوحدات الإدارية بقانون، ثم تُفصل ذلك المادة التالية بنصها: "يحدد قانون الإدارة المحلية اختصاصات مجالس الشعب وطريقة انتخابها وتكوينها وحقوق وواجبات أعضائها، وجميع الأحكام المتصلة بها".([48])

ويلحق دستور حافظ الأسد لعام 1973 موضوع اللامركزية بالسلطة التنفيذية، ويعتمد اللغة نفسها المشار إليها في الدستورين السالفين. وبما أن الدستور أحال هذا الموضوع إلى القانون، فقد تم إصدار القانون (15) لعام 1971، الذي وضح التقسيمات الإدارية، وتم فيما بعد تطوير القانون، مع إنشاء وزارة الإدارة المحلية. الملاحظ من خلال القانون وكذا الممارسة العملية في فترة الأسد الأب ما يلي: 1) رغم طرح مبدأ "الديمقراطية الشعبية"، فقد بقيت السمة الغالبة على العلاقة بين الحكومة والمجالس المحلية تميل لصالح المركزية الشديدة؛ 2) هيمنة حزب البعث على الإدارة المحلية بكونه الحزب القائد للمجتمع والدولة،([49]) 3) خضوع الإدارة المحلية، كباقي مفاصل الدولة، للمراقبة الأمنية الصارمة.

ومع أن دستور الأسد الابن أبقى على إحالة موضوع الإدارة المحلية للقانون، فقد كانت الجدة في تبنيه لمبدأ اللامركزية بشكل واضح: "يرتكز تنظيم وحدات الإدارة المحلية على تطبيق مبدأ لا مركزية السلطات والمسؤوليات..."، وأضاف في المادة التالية: "يكون لوحدات الإدارة المحلية مجالس مُنتخبة انتخاباً عاماً وسرياً ومباشراً ومتساوياً".([50]) ومع أن قانون الإدارة المحلية الجديد صدر في أجواء ما بعد الثورة المنادية بمزيد من الحقوق والحريات على حساب المركز، فإنه اعتمد رغم أسبقيته على دستور عام 2012، فقد جاء قانون رقم (107) ليعيد النظر في التقسيمات الإدارية إلى: محافظات، مدن، بلدان، بلديات، وأكد على لا مركزية السلطات والمحليات، إلا أن إحدى الدراسات التي رصدت القانون في النظرية والتطبيق قد توصلت إلى خلاصتين: أولاهما: الاستمرار في اعتماد المركزية كنهج في تنظيم الإدارة المحلية، وثانيهما: استمرار تبعية نظام الإدارة المحلية لحزب البعث، على الرغم من إلغاء الدور الاستثنائي لحزب البعث في دستور عام 2012.([51])

رابعاً: النظام السياسي

شهدت سورية عدة نماذج للأنظمة السياسية من خلال دساتيرها المختلفة. ففي الفترة الانتقالية البسيطة بين خروج الأتراك من سورية وبداية الاستعمار الفرنسي، تبنى أعضاء المؤتمر السوري نظام الحكم الملكي النيابي، وتمت المناداة بفيصل بن الحسين ملكاً على البلاد. وكان المنطق السياسي لتبني هذا النظام السياسي يستند إلى حجتين: أولاهما: أن الحكم الملكي النيابي تدرج من الملكية المطلقة المستبدة (متجسدة في الحكم العثماني) إلى النظام الجمهوري الذي قد لا يكون الشعب السوري مستعداً له. أما الحجة الثانية: فتتمثل في مكافأة الدور الذي لعبه الأمير فيصل في تحرير البلاد العربية من الحكم التركي، والخبرة التي كسبها في التعاطي مع الدول الغربية.([52]) وعلى الرغم من أن هذا النظام لم يُكتب له البقاء إلا لأشهر معدودة، إذ وضع إنذار "غورو" الشهير نهاية مبكرة لأول تجربة في الحكم النيابي (الملكي الدستوري)، فإن معالم هذا النظام قد تم تحديدها في حكومة مسؤولة أمام مجلس نواب منتخب بوجود الملك فيصل الذي أُعطي صلاحيات أكبر مما هو معتاد في الملكيات الدستورية، وهو أمر متوقع في مرحلة انتقالية افتقدت فيها القوى السياسية التجربة والخبرة. الأمر المثير الثاني في هذا النظام السياسي: هو تبني نوع من "اللامركزية الإدارية" التي تقترب من الحكم الفيدرالي بين المقاطعات الثلاث المشكِّلة للمملكة السورية، مع إعطاء المقاطعات صلاحيات واسعة، بما في ذلك تشكيل مجالس نيابية خاصة بها، وتعيين "حكام" من قبل الملك، يكونون مسؤولين أمام هذه المجالس. الأمر الأخير: تبنى المؤتمر السوري في هذا الدستور نظام المجلسين للسلطة التشريعية، النواب والشيوخ، مع إعطاء صلاحيات هامة لمجلس الشيوخ، وذلك لإحداث توازن بين المركز والمقاطعات. وبالطبع، فإن عدم تطبيق هذا النظام السياسي قد حرم السوريين من تجربة فريدة، كان من الممكن أن ترسخ حكماً ملكياً دستورياً، أو نموذجاً آخر، بين الحكم المطلق والدستوري، مماثل لتجربة حكم الأسرة الهاشمية في الأردن.

ثم شهدت سورية أولى تجاربها مع الحكم الجمهوري النيابي، والذي تجسد من خلال دستوري عام 1930 و1950. وفي كلا النموذجين تتوضح معالم نظام أقرب للبرلماني، لكن فيه بعض خصائص النظام المختلط (شبه الرئاسي)، إذ يعطي في كلا الحالتين صلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية (المنتخب من خلال مجلس النواب) من تلك المعروفة في النظام البرلماني الصرف. فمثلاً: من صلاحيات رئيس الجمهورية عقد المعاهدات والتوقيع عليها، كما نص ذلك دستور عام 1930، وهو يختار رئيس الوزراء والوزراء بناء على اقتراح رئيسهم، وله حق حل مجلس النواب بموافقة مجلس الوزراء.([53]) ويضاف إلى ذلك صلاحيات أخرى لرئيس الجمهورية في دستور عام 1950، وهي إعلان الحرب وعقد الصلح، بقرار من مجلس الوزراء بعد استشارة مجلس الدفاع الوطني، إضافة إلى أن الرئيس هو القائد الأعلى للجيش وهو رئيس مجلس الدفاع الوطني.([54]) كما أن غياب إشارة واضحة إلى أن الرئيس ملزم باختيار رئيس وزراء - يكون رئيس الأغلبية البرلمانية أو ائتلاف حاكم يتمتع بدعم الأغلبية - تعطي الرئيس في كلا الحالتين دوراً أكبر في النظام السياسي على حساب رئيس الوزراء. مع ذلك، فإن النظام السياسي الجمهوري النيابي كما تم تحديد مبادئه العامة في كلا الدستورين قد شكل خطوة متقدمة جداً في تبني نظام ديمقراطي، لم يتسنَّ له الاستمرار بسبب تدخل العسكر في السياسية، وذلك مع الانقلابات الثلاثة التي شهدتها سورية في عام 1949، والانقلاب الرابع (الثاني للعقيد الشيشكلي في عام 1951)، ثم صعود الأحزاب القومية "العقائدية"، ومزايداتها التي دفعت بأغلبية القادة السياسيين لتسليم حكم البلاد إلى الرئيس جمال عبد الناصر تحت مسمى دولة الوحدة. وأخيراً، كان للتدخلات الخارجية لكل من محوري العراق من ناحية، والسعودية ومصر من ناحية ثانية دور كبير في تعميق الخلافات والانقسامات الداخلية للأحزاب والقوى السياسية السورية التي شعرت أنها بحاجة لدعم الدول العربية في وجه تنامي المطامع الإسرائيلية.([55]) لكن وقبل المضي قدماً في الحكم على التجارب اللاحقة، من المهم التركيز على مزايا النظام الجمهوري النيابي، على الرغم من عدم مجاراته للنظام البرلماني الصرف. في كلتا الحالتين، صاغ مشروعي الدستورين جمعيةٌ تأسيسيةٌ منتخبة، سيطر عليها الوطنيون - حتى في ظل الانتداب الفرنسي - الأمر الذي دفع سلطات الانتداب للضغط من أجل تعديل بعض الفقرات التي تركز على استقلال ووحدة البلاد، أو تعطيل العمل بالدستور تماماً، كما فعل المندوب السامي عدة مرات. الأمر الثاني: أن ممثلي الشعب السوري في الجمعيتين كانوا على وعي بالقضية الأساسية التي واجهتهم (الاستقلال ووحدة الأراضي السورية في دستور 1930)، والتركيز على سيادة الأمة والأهداف الأساسية التي تم تحديدها في مقدمة دستور 1950، وهي: إقامة العدل، ضمان الحريات الأساسية للمواطنين، نشر روح الإخاء وتنمية الوعي الاجتماعي بين المواطنين، دعم واجب الدفاع عن الوطن والجمهورية والدستور، تحرر المواطنين من الفقر والمرض والجهل، كفالة المساواة في الواجبات والحقوق، تقوية الشخصية الفردية. الخاصية الثانية للنظام الجمهوري البرلماني، كما جاء في دستور عام 1950، هو نصه الواضح على أن "السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها".([56]) ومع إضافة بند في المبادئ الأساسية المتضمنة في الحقوق والحريات على حق السوريين في حق تأليف الأحزاب، بشرط أن تكون غاياتها ووسائلها سلمية وذات نظم ديمقراطية، يكون الدستور قد رسخ أكثر المعايير ديمقراطية للممارسة السياسية. ملاحظة أخرى حول النظام الجمهوري النيابي: إن إعطاء رئيس الجمهورية بعض الصلاحيات التنفيذية له مزايا وسلبيات، من المزايا الواضحة أن دور رئيس الجمهورية المنتخب من قبل مجلس النواب قد يكون هاماً في المراحل الانتقالية، وعندما تكون الحياة الحزبية ضعيفة يمارس الرئيس دوراً "وطنياً" جامعاً، فوق الأحزاب والمناكفات السياسية. لكن الخطورة في حالة عدم وجود قيود واضحة على صلاحيات الرئيس أو فترة حكمه يمكن أن يتحول الرئيس بسهولة إلى "ديكتاتور". لقد كان المشرعون على وعي بهذا الاحتمال في كلا الدستورين، فمن الضمانات لعدم تحول الرئيس إلى حاكم مستبد في دستوري 1930 و1950 النص الواضح على تحديد مدة الرئاسة بخمس سنوات، لا يجوز تمديدها إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على انتهاء فترة الرئاسة.([57]) لكن الغموض في دستور عام 1950 يتمثل في عدم نصه على أن رئيس الجمهورية محكوم باختيار رئيس الوزراء بالأغلبية البرلمانية أو ائتلاف الأغلبية، كما هو متعارف عليه في الأنظمة البرلمانية. وباختصار، فإن تركيبة النظام السياسي، بشكله الجمهوري النيابي، والتوسع في الحقوق والحريات، وإيجاد صيغ توافقية لقضايا الهوية، وعدم السماح لأي فرد أو جماعة باحتكار تمثيل الشعب، ورفع القيود عن تشكيل الأحزاب السياسية، كل ذلك جعل من دستور عام 1950 الدستور الأكثر "ديمقراطية" في تاريخ سورية.

وعلى الرغم من إبقاء العقيد الشيشكلي على كثير من مواد دستور 1950، إلا أنه حوَّر تركيبة النظام السياسي باتجاه النظام الرئاسي. فلكي يقوي من منصب الرئاسة جعل دستور الشيشكلي انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة، وألغى منصب رئيس الوزراء، وحصر السلطة التنفيذية كلها في رئيس الجمهورية، يمارسها نيابة عن الشعب، ووسع من صلاحيات الرئيس بشكل كبير.([58]) وبالطبع فقد افتقد هذا الدستور إلى الشرعية، وذلك للطريقة التي تم بها تمريره، إذ قام العميد الشيشكلي، بكونه اعتباره رئيساً للأركان، بإرسال الدستور إلى رئيس الوزراء، اللواء فوزي سلو، ليتم العمل به بدلاً من دستور 1950. وعلى الرغم من إجراء انتخابات رئاسية جرت في أجواء مقاطعة عامة من القوى السياسية، نجح فيها الشيشكلي، فقد كان الإجماع في العودة إلى دستور عام 1950، بعيد استقالة الشيشكلي ومغادرته البلاد. وتم اعتبار الدستور الذي تبناه الشيشكلي ونظامه السياسي الرئاسي لاغياً.

وأما النظام السياسي للجمهورية العربية المتحدة، فقد كان نظاماً رئاسياً، لم يكن مجلس الأمة المعين ليشكل نوعاً من الرقابة والتوازن مع الصلاحيات الرئاسية (checks and balances)، الأمر الذي عنى، خاصة مع وجود شخصية كاريزامتية كعبد الناصر، تحول النظام السياسي إلى نظام "استبدادي". ولم تساعد المركزية العالية: (حيث تحكمت القاهرة بأغلب القرارات، وغابت الحياة الحزبية) على تقبل السوريين للنظام السياسي الوحدوي.([59])

ومع انقلاب 8 آذار/مارس عام 1963 دخلت سورية نفق النظام السياسي القائم على الحزب الواحد، والمتأثر بتجارب الدول الشيوعية. وتُعتبر الفترة بين الانقلاب الأول (1963) وانقلاب حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1970 مرحلة انتقالية، شهدت بداية تخلص حزب البعث من شركاء انقلاب آذار/مارس من الناصريين والمستقلين، ثم تخلص أعضاء القيادة القطرية من القيادة "اليمينية" التقليدية (ومنها المؤسسون للحزب)، بعد عام 1966. وأخيراً حُسم الصراع بين صلاح جديد وحافظ الأسد لصالح الأخير، الذي تمكن أخيراً من تأسيس نظام سياسي فريد، سيتم التوسع في عناصره وتركيبته، على أساس من دستور عام 1973.

يحدد دستور 1973، (دستور حافظ الأسد)، خمسة منطلقات رئيسية للنظام السياسي، وهي: 1) إن الثورة العربية ضرورة لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية، 2) لا يمكن تحقيق إنجازات حقيقية لأي قطر عربي في ظل واقع التجزئة، 3) يُعتبر النظام الاشتراكي الضرورة الأساسية لتأطير نضال الجماهير في معركتها ضد الصهيونية والإمبريالية، 4) الحرية حق مقدس، و"الديمقراطية الشعبية هي الصيغة المثالية التي تكفل للمواطن ممارسة حريته التي تجعل منه إنساناً كريماً". وترتبط حرية المواطن بحرية الوطن التي لا يصونها إلا المواطنون الأحرار و"لا تكتمل حرية المواطن إلا بتحرره الاقتصادي والاجتماعي"، 5) إن حركة الثورة العربية جزء أساسي من حركة التحرر العالمي.([60])

باستثناء النقطة الرابعة التي تؤطر قضية "الحرية" بنظام "الديمقراطية الشعبية"، تبقى النقاط الأربعة الأخرى أقرب للشعارات التي كانت رائجة ضمن الأدبيات الحزبية للأحزاب القومية في تلك الفترة. الديمقراطية الشعبية كما ترجمتها أغلب الممارسات للأنظمة السياسية التي تبنت هذا الشكل من الحكم، ما هي إلا كناية عن رفض النظام الديمقراطي التمثيلي (بشكله الغربي)، وتبني نظام استبدادي باسم الحزب الواحد، أو الحاكم الملهم، أو مجلس قيادة الثورة. في حالة دستور الأسد فإن هذه الممارسة مؤطرة من خلال احتكار حزب البعث للعملية السياسية، أضاف إليها الأسد بعض الشخصيات التي قبلت هذا الأمر الواقع من بقايا الأحزاب القومية الأخرى، والتي تم تضمينها في "الجبهة الوطنية التقدمية".([61])

السمة الثانية للنظام السياسي، كما صاغه الأسد، يتمثل في: المركزية الشديدة للنظام "الرئاسي"، لكن من دون وجود المراقبة والتوازن بين السلطتين التشريعية والقضائية مع السلطة التنفيذية أو في تقييد فترة حكم الرئيس. لقد أطر دستور 1973 الصيغة "القانونية" لاستمرار الأسد في الحكم مدى الحياة، وكذلك تمركز كافة السلطات في يديه. ومن هنا تأتي أهمية "الحزب الحاكم" ومجلس الشعب في إيجاد أداة "شرعية" للاستفتاءات الرئاسية التي كانت تتم كل سبع سنوات، وفاز فيها الأسد الأب بنسبة لم تقل أبداً عن نسبة (99.9%) المعهودة. الأمر الثاني الذي حاول الدستور التفصيل فيه هو: تعدد الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية والحزبية الواسعة لرئيس الجمهورية. وعلى الرغم من أوجه التشابه بين النظام السياسي للأسد وتلك الأنظمة السلطوية التي اعتمدت تجربة الحزب الواحد، فقد تميز النظام السوري بالخصائص التالية: 1) تحكم فرد واحد، وهو الرئيس الأسد، بالنظام السياسي، ونجاحه في استئصال أو ترويض كافة أشكال المعارضة السياسية، منهياً بذلك عقوداً من الاضطرابات والفوضى السياسية، 2) الدور المحوري للمؤسسة الأمنية والعسكرية في ضمان استمرار واستقرار النظام، 3) التوازن الدقيق بين عمل الأجهزة الأمنية التي تسيطر عليها شخصيات من الطائفة العلوية وبين المؤسسات الحزبية والبيروقراطية (المذكورة في الدستور)، والتي تعكس تمثيلاً يكاد يقترب من التركيبة السكانية، مع تفضيل أبناء الريف على حساب أهل المدينة في كلتا الحالتين.([62])

لقد رسخ حافظ الأسد "الازدواجية" في تركيبة النظام السياسي بين المؤسسات الرسمية التي نص عليها الدستور (مجلس الشعب للسلطة التشريعية، ومجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية العليا للسلطة القضائية، وحزب البعث كحزب حاكم) وبين الأجهزة الأمنية المتشعبة، ومسؤولي الأمن في المؤسسة العسكرية الذين تربطهم "عصبية" الانتماء الطائفي والعائلي مع الرئيس الأسد. وهكذا أوجد الأسد نوعاً من "التقسيم الوظيفي" بين المؤسسات الرسمية وبين دائرة صنع القرار الحقيقية (الرئيس ومساعديه من قادة الأجهزة الأمنية)، وبين باقي مؤسسات الدولة والحزب التي اقتصرت على تنفيذ وتبرير توجهات وسياسات النظام. ملاحظة أخيرة: في ظل نظام الأسد الأب، لم يكن من السهولة فهم تركيبة وآلية عمل النظام السياسي من خلال قراءة الدستور، وذلك بسبب "الباطنية السياسية" التي اعتمدها النظام في الممارسة. من الأمور المعروفة أن النسخة الأولى من مشروع دستور عام 1973 حذفت كل ما تعلق بالدين، كاشتراط أن يكون الرئيس مسلماً أو أن يكون للفقه الإسلامي دور في التشريع كما نصت الدساتير السابقة، لكن عندما قامت معارضة شعبية واسعة من المجتمع السوري، قبِل الأسد الرضوخ إلى المطالب الشعبية. ولحل إشكالية الخلفية الطائفية للأسد - منحدر من الطائفة العلوية - أوعز الأسد لمفتي الجمهورية حينها، الشيخ أحمد كفتارو، ولرئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، موسى الصدر، بإصدار فتاوى تؤكد أن الطائفة العلوية هي طائفة مسلمة تنتمي إلى المذهب الشيعي الجعفري (الإثنا عشري)، وبذا تم حل الإشكال الدستوري.([63]) المثال الثاني حول انفصال الدستور عن الواقع يتمثل في: تعطيل القسم المتعلق بالحريات والحقوق عن التنفيذ، إما استناداً إلى حالة الطوارئ السائدة منذ عام 1963، أو إلى تجاهل كامل لهذه النصوص باسم أولويات أخرى كمقاومة العدو الصيهيوني والإمبريالي أو التصدي للمؤامرات الخارجية.

لقد ورث بشار الأسد نظاماً سياسياً، كان يدرك أن أي محاولة لإصلاحه قد تؤدي إلى تقويضه. وشهد العالم لحظة غير مسبوقة في "المرونة الدستورية"، تمثلت في تعديل المادة 83 من الدستور السوري، في أقل من عشرين دقيقة، فقد تم تغيير المادة المتعلقة بعمر الرئيس من أربعين سنة إلى أربع وثلاثين سنة. وعلى الرغم من المطالب الشعبية بضرورة الإصلاح السياسي المتدرج للانتقال إلى نظام تعددي يضع حداً لتجربة حكم الحزب الواحد وذلك بإلغاء المادة الثامنة، كأضعف الإيمان، ورفع حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات، لم يستجب الأسد لأي من هذه المطالبات إلا بعد قيام الثورة السورية بأكثر من عام.

وبدراسة متأنية للتغييرات في النظام السياسي لدستور عام 2012، يتضح أن بشار الأسد أراد البرهنة على أنه أجرى تعديلات أساسية تتجاوب مع كثير من المطالب الشعبية، فقدم بعض التنازلات النظرية، كإنهاء حكم الحزب الواحد، إلا أنه تم تفصيل الدستور الجديد على مقاس الأسد لضمان استمراره في الحكم حتى عام 2028 على أقل تقدير. فمن بين التنازلات المتعلقة بالنظام السياسي، كما أشار إليها الدستور الجديد، ما يلي: 1) تشمل مقدمة الدستور إشارات إلى حكم القانون، ومجموعة من المبادئ الأساسية، منها حكم الشعب القائم على "الانتخاب والتعددية السياسية والحزبية وحماية الوحدة الوطنية والتنوع الثقافي والحريات العامة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة وسيادة القانون"،([64]) 2) إلغاء المادة الثامنة التي كانت متضمنة في الدساتير البعثية السابقة، واستبدالها بمادة تنص على أن النظام السياسي يقوم على مبدأ التعددية السياسية وتتم ممارسة السلطة الديمقراطية عبر الاقتراع،([65]) 3) كفالة الدستور الجديد للتنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته، وتعدد روافده باعتباره تراثاً وطنياً يعزز الوحدة الوطنية،([66]) 4) التخلي عن النظام الاقتصادي الاشتراكي،([67]) 5) التوسع في باب الحقوق والحريات، وإضافة فصل حول سيادة القانون، 6) اعتماد مبدأ الانتخابات الرئاسية التنافسية، بدلاً من طريقة الاستفتاء على المرشح الأوحد التي اعتمدها النظام منذ عام 1973.

لكن كثيراً من هذه الإيجابيات - من الناحية النظرية - تتلاشى بتقييد الحياة الحزبية من خلال اشتراط البند الرابع من المادة الثامنة على ما يلي: "لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب أو تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون".([68]) ومع أن بعض هذه التقييدات قد تكون منطقية بالنسبة لنظام سياسي جاد في عملية الانتقال الديمقراطي، إلا أن الهدف العام منها في حالة دستور بشار هو إقصاء تيارات سياسية كاملة عن العمل السياسي، كتيارات الإسلام السياسي، أو الأحزاب الكردية أو أي حزب لا يتفق مع أجندة الجهات المختصة المناط بها تقرير كيفية تطبيق هذه المادة. أما تفصيل هذا الدستور على مقاس بشار الأسد فهو في كيفية اختيار الرئيس، فبالإضافة إلى اشتراط أن يكون الرئيس "مسلماً"، ومتماً الأربعين من عمره، تضيف المادة الرابعة والثمانون ما يلي: أن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، وغير محكوم بجرم شائن ولو رد إليه اعتباره، ألا يكون متزوجاً من غير سورية، وأن يكون مقيماً في الجمهورية العربية السورية لمدة لا تقل عن عشر سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح. إضافة إلى ذلك، فإن الطريقة الوحيدة للترشيح للرئاسة تتم عن طريق حصول المرشح على تأييد 35 عضواً من مجلس الشعب.([69]) إن أي متابع للكارثة السورية يعلم علم اليقين أن هذه المواد والاشتراطات ما هي إلا لحرمان السوريين الذين عارضوا بشار الأسد واضطروا إلى مغادرة البلاد من حق المنافسة على المنصب الأهم في النظام السياسي، وبالتالي إقصاء أغلبية المعارضين من حق الترشح. وكما أظهرت التجربة السورية وغيرها من التجارب العربية، فإن من يُسمح لهم بالترشح من الداخل عادة من عملاء النظام، وذلك بهدف إعطاء عملية الاقتراع مسحة التنافس. وهكذا، فلو تجاوزنا افتقاد الدستور إلى الشرعية بسبب غياب العملية الدستورية، فإن الفشل الكبير في هذا الدستور في المواد المشار إليها، والهادفة إلى إلغاء مبدأ التناوب السلمي على السلطة، وهو التقليد الذي قامت ثورات الربيع العربي لوضع حد له. ما يقدمه دستور الابن تنازلات في قضايا لا تؤثر على تركيبة النظام السياسي، وتحاكي تلك التنازلات التي قدمها النظام المصري في عام 2005، وهي التي سمحت بتعدد المرشحين الرئاسيين، لكنها لم تُصغ بهدف إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي.

خلاصة واستنتاجات

إن نقطة البداية في أي عملية صياغة دستورية تكمن في التسليم بأن الوثيقة النهائية تستمد جزءاً كبيراً من شرعيتها من العملية نفسها. النقطة الثانية: تتمثل في قناعة المصممين بأنه يمكن التوصل إلى حلول توفيقية لكافة القضايا العالقة والجدلية إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى المكونات المجتمعية الرئيسية ممثلة بقوى سياسية مسؤولة ولديها قيادات تتجاوز اهتماماتها المسائل الآنية. ثالثاً: فإن أي عملية دستورية لا تضع غايتها تغيير قواعد النظام السياسي للانتقال من دولة الاستبداد والفساد وحكم العائلة والمافيا إلى سعة الديمقراطية ودولة القانون، وترسخ مبدأ التبادل السلمي للسلطة، محكوم عليها بالفشل. وفيما يلي بعض التفصيل لهذه النقاط الثلاث:

أولاً: أهمية العملية الدستورية

يمكن لأي فرد أو مجموعة بحثية كتابة مجموعة من المبادئ والأحكام المنظمة لعمل منظومة سياسية، قد تجاري بمحتواها عنان القيم المثالية والأهداف المنشودة، وتكون أساساً لوثيقة دستورية، لكن مثل هذه الجهود لا يمكن أن ترقى إلى ما يُصطلح عليه بالعملية الدستورية السليمة، لأن الاحتكام لهذه المبادئ والقيم يستند إلى التسليم والقبول بعملية الصياغة. هذه الفكرة البسيطة كانت فتحاً في عام 1918، عندما طرحها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة "السياسة كمهنة"، وحدد فيها أنواع الشرعية الثلاثة، أولها: الشرعية المستمدة من القيم التقليدية، وثانيها: القائمة على الإمكانيات الاستثنائية للشخصية الكاريزماتية، وأخيراً: الشرعية القائمة على أساس "القواعد القانونية المقبولة".([70]) لقد كان فيبر محقاً بأن التطور البشري يسير باتجاه الشرعية العقلانية القانونية المستندة إلى القبول بـ "قواعد اللعبة"، وهو ما يتم مأسسته من خلال العملية الدستورية. إن ما أعطى شرعية لدساتير عام 1919 و1930، وخاصة دستور عام 1950، أنها تمت من خلال عملية ساهمت فيها أغلب مكونات المجتمع السياسي السوري في وقتها، ومرت بمراحل الصياغة القانونية والنقاش السياسي من خلال مجالس تأسيسية، تم انتخابها لهذا الغرض (في 1928 و1950)، وأخيراً أخذت حظها من الحوار والنقاش، حتى تم إقرارها في الجمعيات التأسيسية ومن خلال استفتاءات شعبية لاحقاً.

واستناداً إلى دراسة التجربة السورية، وبعض التجارب المعاصرة، فقد قام فريق اليوم التالي الذي اجتمع على مدار أكثر من ستة أشهر في بدايات الثورة السورية في النصف الأول من عام 2012، بهدف تقديم خارطة طريق للانتقال الديمقراطي في سورية، قدم الفريق المعني بالتصميم الدستوري بعض التوصيات للعناصر المطلوبة في عملية صياغة دستورية شرعية، ومن أهمها:

  1. يجب أن تتجاوز عملية صياغة الدستور مجرد كتابة دستور جديد، إلى المساهمة في تقوية هوية وطنية سورية، وترعى مبدأ الوحدة الوطنية، وتعمق الثقة بين كافة مكونات المجتمع السياسي السوري.
  2. يجب أن تستند عملية الصياغة الدستورية إلى مجموعة من المبادئ الجوهرية، ومنها: الشفافية، والتشاركية، وتغليب روح التوافق والإجماع، والعهدة الوطنية (أن تكون عملية بأيدٍ سورية ومن أجل سورية).
  3. إيجاد إطار قانوني انتقالي يضمن حقوقاً وحريات جوهرية، ويقدم خارطة طريق لعملية التفاوض على صياغة الدستور الدائم، وضمانات دستورية (مبادئ فوق دستورية) يتم التوافق عليها.
  4. يجب صياغة ومناقشة الدستور في جمعية تأسيسية منتخبة، تُمثل فيها كافة مكونات المجتمع السوري، إلى أقصى حد ممكن، ويمكن أن يُطرح الدستور بعد ذلك على استفتاء شعبي (حقيقي وليس صوري كما كانت تفعل الأنظمة السلطوية).
  5. هناك ضرورة لوجود برنامج للتوعية والتواصل مع المكونات المجتمعية خلال كافة مراحل الصياغة الدستورية.([71])

وبالانتقال إلى الواقع السياسي، لا بد من التعليق على النقاش والجهود الدولية الجارية حول الدستور بأنها لم تصل إلى أي نتيجة ملموسة، وذلك إما لأنها حاولت سحب الأمر من يد السوريين، عندما قدم الطرف الروسي "دستوراً" جاهزاً للمفاوضين السوريين في الآستانة يضمن بقاء الأسد في السلطة،([72]) أو عندما حاول بعضهم اختزال العملية السياسية في "السلة الدستورية"، وأخيراً محاولات اختزال السلة الدستورية في اقتراح تعديلات على دستور عام 2012، لتقليص صلاحيات الرئيس لحساب رئيس الوزراء، ونقل بعض الصلاحيات إلى المجالس المحلية، وتأسيس غرفة برلمانية ثانية، والتأكيد على حياد المؤسسة العسكرية والأمنية.([73]) إن أغلب الجهود المذكورة تقف وراءها القيادة الروسية، لتحويل "النصر العسكري" التي أحرزته مع حليفتها إيران ووكيلها النظام السوري إلى نصر سياسي. من الواضح أن كافة هذه الجهود قد باءت بالفشل، إما لأنها حاولت الالتفاف على السوريين، أو أنها خالفت متطلبات عملية الصياغة الدستورية، ومنها التسلسل المنطقي للأشياء. فمثلاً، قبلت الأطراف السورية المعارضة، ومنها الائتلاف الوطني وهيئة المفاوضات الأولى والثانية بمرجعية وثيقة جنيف لعام 2012، والقرارات الأممية المتعلقة بقضية الانتقال السياسي في سورية، وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 2254، لأنها قدمت سياقاً منطقياً قائماً على أساس تشكيل هيئة حكم انتقالي، بصلاحيات تنفيذية كاملة، تقوم بقيادة مرحلة انتقالية، يكون من عناصرها إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية، تقوم بصياغة دستور جديد للبلاد، يرافقه مصالحة وطنية، وعدالة انتقالية، وإصلاح للقطاع الأمني، ومن ثم تجري انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس الدستور الجديد.

إن المحاولات القائمة على تحوير هذا السياق من شأنه إطالة عمر الأزمة لأنها تتعاطى مع أعراضها، لكنها لا تقدم حلولاً جذرية لها. هذه القضية كانت حاضرة في وعي السوريين الذين تم استطلاع آراءهم على أولوية صياغة دستور جديد، فقد رأت أغلبية ساحقة ممن تم استطلاع آراءهم في مناطق النظام والمعارضة ومناطق سيطرة الأكراد والسوريين في الخارج، بأن الأوضاع الحالية (تم الاستطلاع في عام 2017)، غير مناسبة لصياغة دستور كامل للبلاد، وأن الأولويات تتمثل في وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، وفك الحصار، وهزيمة داعش، وإخراج المقاتلين الأجانب، بينما كان موضوع صياغة دستور دائم لسورية في ذيل الأولويات، وأيدها (18%) فقط من المُستطلع رأيهم.([74]) وكبديل، فقد كان تفضيل أغلبية المستجيبين لتبني دستور مؤقت، أو إعلان دستوري يحكم المرحلة الانتقالية. وبالنسبة لطريقة صياغة الدستور، فقد كان التفضيل لطريقة التوافق بين القوى السياسية، بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (40.6%)، بينما كان الخيار الثاني صياغة دستور عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة (30.3%)، وجاء خيار لجنة خبراء متخصصة في الدرجة الثالثة (25.3%).([75]) أخيراً، لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية، لها علاقة بالانتقال السياسي، بما في ذلك الصياغة الدستورية، من دون إيجاد الآليات المناسبة لإشراك ما يقرب من 6 ملايين لاجئ سوري في هذه العملية، وعدد أكبر من النازحين داخل البلاد. وبالطبع، فهذا يتطلب جهوداً دولية كبيرة، وتعاوناً من الدول المستضيفة للاجئين.

ثانياً: القضايا الخلافية

أما الخلاصة والتوصيات بالنسبة للقضايا الخلافية، فتشير التجربة التاريخية والتجارب المماثلة أن التوصل إلى حلول وسطية يتطلب إشراك كافة القوى السياسية، وتغليب روح التوافق القائم على تطمين الأغلبية للأقليات. وفيما يلي اقتراحات مستخلصة من التجربة الدستورية السورية حول أهم القضايا الخلافية:

  1. هوية سورية: كما هو واضح فإن الإجماع الذي رأيناه في ذكر الهوية العربية في كافة الوثائق الدستورية المتعاقبة، كان انعكاساً للواقع الديمغرافي للبلاد (حيث لم تقل نسبة العرب في أي مرحلة عن 90 بالمائة من السكان)، ومحاولة للتعاطي مع أزمة الهوية الناشئة من تشكيل الدولة القطرية من قبل الدول الاستعمارية. أما في فترة الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن المنصرم فلقد كانت هناك مبالغة كبيرة في تحديد أهداف سورية من خلال أيديولوجية حزب البعث والحديث عن "الوحدة العربية"، بينما كانت الممارسة الواقعية ترسيخاً للتجزئة، وحكم الأقلية/العائلة منذ السبعينيات. لقد أنتجت الإشارات/المزايدات المتكررة عن الهوية العربية، وخاصة وصف السوريين بالشعب العربي، نوعاً من رد الفعل عند القومية الثانية في سورية، وهي القومية الكردية. وترافق ذلك مع الممارسات القمعية المزدوجة التي تعرض لها المواطنون الكرد، باعتبارهم "رعايا" لدى نظام لا يعترف بالمواطنة، وهذا هو الظلم العام الذي وقع على أغلبية السوريين، وظلم خاص لأنهم "أكرادٌ". فلقد تم حرمان الأكراد من حقوقهم الأساسية، ومنها الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وفوق كل ذلك حرمان جزء من المكون الكردي من حق الجنسية في قضية الإحصاء الشهيرة عام 1962.

لقد دفعت الممارسات التمييزية ضد الأكراد السوريين إلى رد فعل معاكس، يصل إلى مداه الأقصى في مطالبة بعض السياسيين الأكراد بتشكيل كيان كردي منفصل عن سورية. ومع أنه من حيث المبدأ لا يجوز حرمان أي شعب من حق تقرير المصير، فإن الواقع الإقليمي قد عقَّد من هذا الأمر، خاصة لانقسام الشعب الكردي بين دول أربع: إيران والعراق وتركيا وسورية. وعلى مدى عقود طويلة اختلفت معاناة الأكراد من قطر لآخر، إلا أن المطالبة بالحقوق المتساوية بقيت هي القاسم الأعظم. في الحالة السورية، تعالت الأصوات الكردية بالمطالبة بالحقوق العادلة، بدءاً بحقوق المواطنة وانتهاء بالمطالبة بدولة كردية مستقلة. ومع انطلاق الثورة السورية، كانت أغلبية المكون الكردي ضمن الحالة المعارضة، وناضلت في كافة المفاصل للحصول على تعهدات من الفصائل العربية المعارضة بحقوق حُرمت منها لعقود طويلة. وعلى الرغم من الحدة في النقاشات والعناد والمكابرة من الطرفين فقد تم التوصل إلى بعض التفاهمات التي تصلح أن تكون أساساً للحديث عن موضوع الهوية في سورية المستقبل.

وللحقيقة فإن أحد الدروس المستفادة من تجربة المعارضة أن الحدة في النقاش والتطرف في المطالب لم تخلق أجواءً صحيةً دائماً للتوصل إلى توافقات مقبولة من الجميع، فعلى سبيل المثال دفعت الفصائل الكردية المعارضة إلى المطالبة بحذف صفة "العربية" من اسم سورية ليكون "الجمهورية السورية"، كما عليه الأمر مع دستور عام 1950. ومع أن عدم وجود هذه الصفة لن يغير هوية الأغلبية العربية ولن يؤثر على "عروبتهم"، كما أن وجودها في باقي المراحل لم يعط القوى السياسية العربية مزايا إضافية أمام نظام الأسدين. مع ذلك تبقى الحقائق الديمغرافية والشفافية والحوار الهادئ أساساً للتوصل إلى تفاهمات حول هذه القضية. ومن هنا، فإن الإبقاء على عروبة سورية، في عنوان الجمهورية، أو في المبادئ الأساسية، قد يكون مقبولاً من المكون الكردي وباقي المكونات غير العربية مهما كانت صغيرة، إذا قابلها اعتراف بالتنوع وشمول لباقي هذه المكونات. فمن الأمثلة التوافقية لحل هذه القضية، الاقتراحات التي قدمها فريق عمل الورشة الدستورية في مشروع "اليوم التالي"، في الحديث عن مبادئ أساسية للدستور القادم. فمقابل الاعتراف بوحدة سورية واستقلالها، وأنها جزء من العالم العربي - يرفض بعضهم مصطلح الوطن العربي - يمكن النص على شمول سورية لكافة المكونات، وعلى رأسها المكون الكردي. فقد جاءت الصيغة المقترحة كما يلي: "الاعتراف بالأكراد والتركمان والسريان والآشوريين والشركس والأرمن كجزء من النسيج الوطني السوري".([76]) وباختصار، فإن التشاركية المؤدية إلى توافق هو الطريقة الوحيدة للتوصل إلى حل لهذه القضية. فمثلاً، إن مطالبة المكون الكردي قد تلقى قبولاً من بعض القوى السياسية العربية (خاصة الليبرالية منها) بحذف أو "تخفيف" الإشارة إلى الهوية العربية، لكن الإصرار والحدة في طرح هذه القضية قد يولد تطرفاً مقابلاً، والحسم في هذه الحالة في الاحتكام إلى الاستفتاء الذي لن يكون في صالح الأقلية.

هذا ما يقد يُفسر دعم أغلبية المستجيبين لاستطلاع فريق اليوم التالي الأخير حول الهوية العربية، إذ طالبت نسبة (77.8%) بضرورة حضور الهوية العربية في الدستور القادم، بينما عارضت نسبة (67%) حذف كلمة "العربية" من الاسم الرسمي للجمهورية السورية.([77])

  1. دور الدين في الدولة: كما ورد في عرض التجربة الدستورية التاريخية فإن الدين كان حاضراً دائماً بشكل أو بآخر في الدساتير السابقة. وهنا لابد من الإشارة إلى عدة أمور، أولها: ضرورة التفريق بين الإشارة إلى الدين، وخاصة الدين الإسلامي، وعلاقته مع الدولة كنوع من الهوية، وبين دور الدين كمصدر للتشريع. ففي الحقيقة عندما تؤكد أغلبية دساتير الدول العربية على أن دين الدولة "الإسلام" فهذا مؤشر على أن الإسلام هو دين الأغلبية في هذه البلدان، وهو إشارة إلى الهوية أكثر منه مؤشر على دوره في إدارة الدولة. مع ذلك، لم تشر الدساتير السورية السابقة، بما فيها دستور عام 1950، إلى أن دين الدولة الإسلام، مع أن المكون المسلم في سورية يشكل الغالبية العظمى. تشير أغلب الإحصائيات الغربية إلى أن المسلمين السنّة يقتربون من 80 بالمائة من السكان، وإذا تم إدماج المكون العلوي تحت الدين الإسلامي (كما كان الحال مع الأسدين الأب والابن) لوصلت النسبة إلى أكثر من 90 بالمائة، وفي هذا انعكاس لتراجع نسبة المكون المسيحي منذ الاستقلال، من هنا فقد استبدلت الدساتير السورية الإشارة إلى أن دين الدولة الإسلام، بمقولة إن دين رئيس الدولة - باعتباره من الأغلبية الساحقة - هو الإسلام.

وعندما حاول حافظ الأسد الالتفاف على هذا النص، قامت مظاهرات واسعة، اضطر بعدها إلى إعادة النص كما هو في الدساتير السابقة، وحرص دائماً على الإقرار بالشهادتين، خاصة في أوائل الثمانينيات أثناء الحملة على الأخوان والمكون الإسلامي، وأداء الصلوات في المناسبات الدينية مع "أرباب الشعائر الدينية". وكما ذكرنا سابقاً، فإن النص على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام في ظل نظام برلماني صرف، لا يحمل تمييزاً كبيراً، خاصة وأن المنصب التنفيذي الأهم، رئاسة الوزراء، متاح للجميع. الإشكالية في تبني النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي، حيث يتمتع الرئيس بصلاحيات تنفيذية، في هذه الحالة هناك حرمان لغير المسلمين (مهما كانت نسبتهم) من شرف التنافس على هذا المنصب. ولا يحتاج المرء إلى خيال خصب ليتصور أن أغلبية السوريين، بمن فيهم المسلمون الملتزمون، سيفضلون رئيساً ديمقراطياً، ولو كان غير مسلم، على رئيس مسلم ديكتاتوري.

من هنا، فإن التوصية بأنه لا مانع من الإبقاء على شرط الإسلام لرئيس الدولة، في حالة النظام البرلماني الصرف، ففي هذه الحالة لن تكون سورية أكثر ديمقراطية أو أقل تديناً من المملكة المتحدة. أما إذا كان تفضيل السوريين للنظام الرئاسي أو شبه الرئاسي الذي يعطي صلاحيات تنفيذية لمنصب الرئاسة، فالأولى بسورية أن تلغي هذا الشرط، وتصر على المحددات الدستورية التي تمنع الرئيس، مهما كان دينه من إساءة استخدام سلطاته. الأمر الثاني: وتماشياً مع الاتجاه نحو العلمانية التي يتغنى بها النظام السوري، عندما تكون مناسبة، فقد تم التخفيف من دور الدين في دساتير ما قبل حكم البعث إلى ما بعده ليصبح "الفقه الإسلامي مصدراً رئيسياً للتشريع"، بدل أن كان "المصدر الرئيسي" للتشريع، كما هو حال دستور عام 1950.

وفي كلتا الحالتين لم تتحول سورية في ظل البعث إلى دولة مدنية علمانية بالمعنى الحقيقي، فلقد شهدت سورية تنامي ظاهرة المد الإسلامي، كما كان هو الحال في باقي دول المنطقة، إضافة إلى تحكم النظام واستغلاله للمؤسسة الدينية الرسمية. وعلى الرغم من أن نظامي الأسد الأب والابن حاولا تحييد الدين، كما يفهمه تيار الإسلام السياسي، عن الحياة العامة، فلم يستطيعا وضع حد لانتشار ظاهرة التدين في المجتمع السوري على مدى العقود الماضية. وكما هو الحال مع القسم المتعلق بالحقوق والحريات، فإن القسم المتعلق بدور الفقه الإسلامي "كمصدر للتشريع"، لم ينل حظاً كبيراً من التطبيق، في نظام حافظ وولده. وأخيراً، لم يكن "إسلام" حافظ الأسد وولده، والنص على دور الفقه الإسلامي كمصدر للتشريع ليقف في وجه الرئيسين "المسلِمَين" لمنعه من انتهاك حقوق المسلمين، والإسلاميين تحديداً، وهم الذين مثلوا الأعداء التاريخيين للنظام، وعانوا على يديه ما لم يعانه أي مكون آخر.

تواجه سورية اليوم نوعين من الضغوط في هذه القضية، أحدهما خارجي، تقوده روسيا وبعض الدول الغربية التي حرصت على تحييد دور الدين في الوثائق التي صاغتها، وأصرت على التأكيد على "علمانية" الدولة السورية، باسم المحافظة على الأقليات، وخاصة الأقلية العلوية، وتؤيد هذا التوجه الأقليات الدينية والعرقية، بما فيها بعض المكونات المسلمة كالعلويين والدروز، وغير المسلمين (المسيحيون تحديداً)، وحتى بعض السنة كقسم كبير من المكون الكردي، وأخيراً العلمانيون العرب السنة. مقابل ذلك، هناك المكون السني من المتدينين والملتزمين، أو المنتمون إلى الإسلام السياسي، إضافة إلى التيارات السلفية التي نمت في ظل قمع نظام الأسد للثورة السورية، ترى هذه الفئات – وهي ليست صغيرة من حيث العدد والوزن - ضرورة نص الدستور القادم على دور للإسلام في الحياة العامة، فلم يكن غريباً أن تكون نسبة المؤيدين من المستجيبين لاستطلاع اليوم التالي، على مدار عام 2017 قد بلغت (77.9%) من الراغبين بنص الدستور على أن تكون الشريعة مصدراً "رئيسياً" للتشريع،([78]) وفي ذلك استمرارية لكافة الدساتير السابقة، بما فيها دستور بشار الأسد لعام 2012.

أمام هذا الخلاف، فإن بعض التوصيات التي توصل لها فريق اليوم التالي في عام 2012، قد تكون مفيدة. العنصران اللذان تم التوافق عليهما من الفريق الذي ضم ممثلين لتيارات فكرية ودينية وسياسية متنوعة، هما: 1) الشريعة الإسلامية والديانة المسيحية والرسالات الدينية والإنسانية الأخرى مصادر ملهمة للتشريع، 2) الدولة محايدة فيما يتعلق بمسألة الدين، تحترم قيمه ولا تجبر الناس عليه أو تمنعهم عنه.([79]) وبالنسبة للإسلاميين فإن هذه الصيغة هي أضعف مما جاء في دستور بشار الأسد لعام 2012، الذي نص في مادته الثالثة على: 1) دين رئيس الجمهورية الإسلام، 2) الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، 3) تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن لا يخل ذلك بالنظام العام، 4) الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.([80]) التوافق العام الذي قبلت به أغلبية من الإسلاميين هو في القبول بسورية دولة "مدنية ديمقراطية". ومع أن بعضهم يفهم من الدولة المدنية أنها المقابل لحكم العسكر (فحكم العسكر بالتعريف غير ديمقراطي)، فإن مصطلح المدنية كان أقرب إلى أنها الدولة غير الدينية (الثيوقراطية)، وهذا المصطلح كان أكثر قبولاً عند الإسلاميين من مصطلح العلمانية سيء السمعة، خاصة وأنه يرتبط بأذهانهم بالتجربة التركية في ظل أتاتورك، وتجربة إيران/الشاه.

لعل من شروط التوصل إلى توافق في هذه القضية القيام بحملة توعية في صفوف الإسلاميين للتفريق بين العلمانية التي تعادي الدين (العلمانية اللايكية) التي جاءت من التجربة الفرنسية، وبين النموذج (الأنكلوسكسوني) للعلمانية، وهو النموذج الذي لا يعادي الدين، بل يتعامل معه بحيادية إيجابية. ولعل هذا ما نص عليه النموذج الأمريكي الذي لا يتبنى ديناً (أو تفسيراً مسيحياً معيناً)، وإنما يحترم جميع الأديان. ولعل من المفيد هنا تذكير الإسلاميين بأن الإنجاز الذي حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا تمثل في إعادة تعريف "العلمانية" من العلمانية المعادية للدين إلى العلمانية المحايدة تجاه الدين. ولعل هذا هو السبب الرئيس في نجاح الحزب، (ذو المرجعية الإسلامية) من حكم هذا البلد العلماني العريق.

  1. الحقوق والحريات: لعل من الآثار الجانبية للحكم الاستبدادي أنه يقوي الإحساس لدى ضحاياه بضرورة احترام حقوق وحريات الإنسان الأساسية. في هذه النقطة، لن يكون من الصعوبة التوسع في تبني حقوق الإنسان وحرياته، والاستفادة من آخر تجارب الشعوب التي ناضلت في سبيل حريتها وكرامتها. في هذا الإطار، هناك ثلاث نقاط تستوجب الإشارة، وقد تكون بحاجة لمزيد من النقاش المستفيض، الأولى: ما المرجعية المقبولة لحقوق الإنسان في الدستور المقبل؟ والثانية: ما الضمانات الدستورية اللازمة لحماية حقوق الأفراد والأقليات الدينية والعرقية؟ والثالثة: ما درجة التمثيل السياسي النسائي التي تعكس التوجه إلى المساواة الجندرية في الدستور بين الرجل والمرأة؟ في الموضوع الأول، وبالنسبة لشعب عانى الأمرين في ظل حكم الأسدين، فلا عجب أن تحتل هذه القضية أولوية مطلقة، فمن أجل حريته وكرامته قدم الشعب السوري التضحيات الغالية من القتلى والجرحى والمعتقلين والمشردين، ما لم يقدمه شعب آخر. ولذا فمن المنطقي التوقع بأنه إذا أُعطي السوريون الحرية في هذه القضية، فإنهم سيدفعون إلى أن يتضمن الدستور كافة الحقوق والحريات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي وردت في الدساتير السابقة، وأن تكون الشرعية الدولية لحقوق الإنسان هي المرجعية، بحيث لا يتمكن حاكم قادم من الالتفاف حول الحريات السياسية والحقوق المدنية، باسم الخصوصية الثقافية، أو المقاومة والصمود، أو تحت أي شعار آخر. ولعل مؤشراً واضحاً في الاستطلاع الذي أجراه فريق اليوم التالي قد رسخ هذه النتيجة، إذ أيدت أغلبية ساحقة (91.6%) من المستطلع رأيهم، الذين تم سؤالهم عن نص الدستور حول ضرورة التزام الدولة السورية بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان.([81]) الأمر الثاني: كلما نص الدستور على ضمانات أكبر للمكونات ذات الأقلية العددية كانت التجربة الدستورية أدعى للنجاح. إن التجربة العملية للدولة السورية منذ الاستقلال لم تأخذ طابع تمييز الأغلبية ضد الأقليات، ما خلا تمييز النظام البعثي (الأقلوي) ضد المكون الكردي.

لقد استأثر المكون العلوي منذ انقلاب البعث عام 1963 بامتيازات استثنائية، تمثلت في احتكار هذا المكون للمؤسسة الأمنية، والسيطرة التدريجية على المؤسسة العسكرية، ومن خلالها تمت السيطرة على كثير من المفاصل السياسية والبيروقراطية في الدولة، وأخيراً على الأنشطة الاقتصادية الكبرى في البلاد، من خلال رمرمة الاقتصاد (نسبة إلى احتكار رامي مخلوف لأهم الأنشطة الاقتصادية في ظل بشار الأسد). الضمانات المطلوبة للأقليات في أي دستور مقبل هامة لطمأنتها، وبشكل خاص طمأنة المكون العلوي تحديداً بأنه لن يكون هناك عمليات انتقامية من ضحايا العنف الذي مارسه نظام الأسد ضد أغلبية الشعب السوري. ولعل أفضل ضمان أن تترافق الضمانات الدستورية مع عدالة انتقالية ومصالحة وطنية.

أما بالنسبة لباقي الأقليات، فمن المهم معالجة الظلم الذي وقع على المكون الكردي، وطمأنة المكون المسيحي للتمسك ببلاده، وعدم إشعاره بالغربة في وطنه. وبالنسبة لأغلبية الشعب السوري، وعلى رأسه الأقليات العددية، فإن تبني اللامركزية الإدارية سيكون مكملاً عملياً للحقوق والحريات. أما بالنسبة للقضية الثالثة وهي موضوع المساواة بين المرأة والرجل: فهناك تطورات إيجابية يمكن الإفادة منها. أولى هذه الإيجابيات أن المرأة قد ساهمت في الثورة السورية وضحت كالرجل أو أكثر. لقد فتحت الثورة السورية آفاقاً جديدة للمرأة السورية، وأخرجتها من دائرة استغلال النظام الأسدي لقضية المرأة باسم العلمانية والتقدمية، لتصل إلى قناعة أن المساواة الجندرية يجب ألا تبقى حكراً ً على الأنظمة "التقدمية"، كما أنها ليست مضمونة بشعارات من قبل قوى معارضة تنادي بالحرية والديمقراطية. لقد بلورت بعض الناشطات السوريات مطالبهن بضرورة تحقيق التمثيل النسوي الفعلي في كافة مفاصل العملية السياسية، بما في ذلك عملية البحث عن حل سياسي، وصياغة الدستور، والتمثيل في المؤسسات السياسية لسورية المستقبل.

ومن الجهود المبذولة في عملية التحضير لعملية دستورية متوافقة مع النوع الاجتماعي (الجندر) اقترحت بعض الناشطات الممثلات لجمعيات نسوية سورية بعض المبادئ الدستورية الحساسة لموضوع مشاركة المرأة، ومنها: 1) يكفل الدستور تحقيق المساواة التامة بين النساء والرجال في حقوق المواطنة بما يضمن تمتعهن بكافة الحقوق والحريات، 2) يكفل الدستور وتلتزم الدولة بتمكين النساء من المشاركة في الحياة العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضمان حق متساوٍ للنساء والرجال في شغل جميع المناصب في الدولة وجميع مراكز صنع القرار.([82]) كما نجحت نساء سوريات في فرض نسبة تمثيل للمرأة لا تقل عن ثلاثين في المئة في بعض مؤسسات المعارضة، وهذا ما التزمت به هيئة المفاوضات في رؤيتها التي طرحتها للحل السياسي. وأخيراً، لا بد من وضع إطار قانوني لحماية حقوق المرأة، بعد إقرار الدستور، ومنها إيجاد الآليات المساعدة للمرأة لخوض المعترك السياسي، وذلك من خلال توفير فرص التعليم والتدريب والدعم الأسري. ولعله من المفيد في المراحل الأولى، إيجاد نوع من التمييز الإيجابي من خلال إلزام الأحزاب السياسية بتخصيص مواقع متقدمة للنساء على قوائمها الانتخابية، كما تفعل كثير من دول شمال أوروبا.

  1. النظام السياسي: بالانطلاق من التجربة التاريخية لسورية، يتضح أن البلاد قد تبنت، ولو لفترات بسيطة، أشكالاً عديدة للأنظمة السياسية، ومنها البرلماني، وشبه الرئاسي، والرئاسي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النظام السياسي الذي هندسه حافظ الأسد على أساس من دستور عام 1973، واستمر في عهد ولده لم يكن نظاماً رئاسياً حقيقياً.

فالنظام الرئاسي الذي يمثل نظام الولايات المتحدة نموذجه، يقوم على أساس (checks and balance) المراقبة والتوازن بين السلطات المستقلة: التشريعية والتنفيذية والقضائية. في النظام الأسدي، كان هناك سلطة واحدة متغولة لشخص الرئيس على كافة السلطات، وتلعب المؤسسات التشريعية (مجلس الشعب)، والقضائية (المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء) أدواراً تزينية لهيكل نظام يشبه ما تعارفت عليه الدول بالأنظمة السياسية. ويكاد توصيف تقرير الأمم المتحدة عن حالة الحرية في العالم العربي يقترب من إدراك طبيعة النظام السوري عندما يصف تغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات بحالة "الثقب الأسود" في الفضاء تدور باقي المؤسسات في فلكه، إضافة إلى اعتماد المؤسسة الرئاسية على أجهزة القمع بكافة أشكالها، لتجسد حالة الاستبداد المطلق.([83])

ومن هنا، فإن التحدي الأكبر في بناء حياة دستورية حقيقية لسورية المستقبل تكمن في تبني نظام سياسي تتوفر فيه شروط أساسية أهمها تخفيض صلاحيات السلطة التنفيذية المتمثلة في مؤسسة الرئاسة. ولذا لم يكن غريباً أن تتجه المعارضة السورية، منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، إلى الإشارة إلى تفضيلها للنظام البرلماني، باعتباره النموذج المقابل للنظام الرئاسي، إضافة إلى الحنين إلى النظام السياسي الذي جسده دستور عام 1950 الذي اعتبر الأكثر ديمقراطية في تاريخ البلاد. وللحقيقة، فإن النقاش حول النظام السياسي الأفضل للدول التي تمر بانتقال ديمقراطي لم يكن حاسماً في أفضلية النظام البرلماني على الرئاسي. ومن الأمثلة على الأدبيات المتوفرة حول توصية تبني النظام البرلماني على الرئاسي في الفترات الانتقالية، ما كتبه آرند ليبهارت بعنوان: "خيارات دستورية للديمقراطيات الجديدة". يؤكد ليبهارت أن الأنظمة الرئاسية، مع نظام انتخاب الدوائر الفردية، تميل إلى تقوية نموذج ديمقراطية حكم الأغلبية التي غالباً ما تكون الفائز الوحيد في حال تبني هذا النظام في المراحل الانتقالية.

أما الأنظمة البرلمانية، وهي التي يوصي بها ليبهارت، إذا ما ترافقت مع نظام الانتخاب النسبي، فإنها تشجع روح التوافق في الحياة السياسية، وتحفز التشاركية بين القوى السياسية. ويخلص ليبهارت إلى تفوق النظم البرلمانية في المجالات التالية: حقوق الأقليات، وتزايد نسبة المشاركة السياسية، وتقليل نسبة التفاوت الاقتصادي بين المكونات المجتمعية.([84]) ومع أن توصيات ليبهارت كانت بشكل أساسي لدول أمريكا اللاتينية، فقد تبنت أغلب هذه الدول في مراحل تحولها النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي. النقطة الأساسية في النقاش - بغض النظر عن تبني أي من الأنظمة السياسية - أن تكون السلطة التشريعية منوطة ببرلمان منتخب، يمارس صلاحيته التشريعية بشكل كامل، كما يمارس دوراً رقابياً على السلطة التنفيذية. لكن نقطة الضعف الكبيرة في تبني نظام برلماني في لحظة التحول، فيما لو طُبقت على الحالة السورية، تكمن في عدم وجود أحزاب سياسية قوية، وهي عماد نجاح النظام البرلماني. لذا، فإن التوصية في تبني النموذج شبه الرئاسي (أو المختلط كما يُسمى أحياناً)، الذي يحتفظ بأهم مزايا النظام البرلماني، ويقسم السلطة التنفيذية بين رئيس منتخب لفترة محددة، ورئيس وزراء تختاره الأغلبية الحزبية في البرلمان، ويكون مسؤولاً أمامها.

ويمكن تلخيص مزايا هذا النظام بما يلي: 1) يقدم هذا النظام حلاً وسطاً بين النظامين الرئاسي والبرلماني، ويحاول تجاوز سلبيات كل منهما، 2) يُضعف هذا النظام الصلاحيات الرئاسية، مما يخفف من احتمال استبداد الرئيس، 3) يقلل من احتمالات عدم الاستقرار في مرحلة الانتقال، بوجود رئيس فوق الأحزاب يكون بمثابة الضابط لتنافسها، 4) يحقق توازناً للسلطات بين الجهات السياسية الثلاث: الرئيس، والبرلمان، والحكومة برئاسة رئيس الوزراء الذي تختاره الأغلبية البرلمانية. وبالطبع فلهذا النظام سلبياته، خاصة في حالة وصول رئيس ذي توجهات شعبوية (بوتين)، أو في حالة تحكم جهة كالمؤسسة العسكرية بالرئيس (بوتفليقة)، ومع ضعف البرلمان والحياة الحزبية يمكن أن ينحرف هذا النظام إلى نظام استبدادي. ومما يعزز من فرص نجاح النظام شبه الرئاسي، استقلالية السلطة القضائية، وتبني اللامركزية الإدارية، التي يمكن أن يعززها وجود برلمان بغرفتين (نواب وشيوخ)، يكون فيه مجلس الشيوخ ممثلاً للمحافظات، ووجود رئيس توافقي.

والخلاصة، فإن صياغة دستور جديد لسورية يتطلب من الناحية النظرية عملية تتحقق فيها التشاركية والتوافق والملكية الوطنية، تبدأ بهيئة حكم انتقالي محايدة وشاملة لكافة مكونات المجتمع السوري - مهما كان حجمها - وتشرف على عملية انتخاب جمعية تأسيسية، مهمتها صياغة دستور جديد قائم على التجربة التاريخية للبلاد وعلى تجارب الدول الناجحة، تقدم مسودتها إلى استفتاء حقيقي، تسبقه عملية حوار جاد وتوعية حول العملية الدستورية ونشر ثقافة التوافق. ومن الطبيعي أن تكون هذه العملية في سياق حل سياسي على الأسس التي تبنتها الأمم المتحدة، تترافق مع مصالحة وطنية، وعدالة انتقالية، وإعادة تشكيل للقطاع الأمني. وأخيراً، فإن عملية الصياغة الدستورية السليمة هي بداية لحياة دستورية ترسي دعائم دولة القانون، وتحفظ حقوق وحريات مواطنيها، وتطلق طاقات أبنائها في التنمية والإبداع. وبما أن الأنظمة الديمقراطية - نتاج الحياة الدستورية -  عرضة للتراجع فهي بحاجة للرعاية المستدامة. 


([1]) Nathan J. Brown, Constitutions in a Nonconstitutional World: Arab Basic Laws and the Prospects for Accountable Government (Albany, NY: State University of New York Press, 2002), p. 195-6

([2]) حول العملية الدستورية في العراق، انظر:

Jonathan Morrow, “Iraqi Constitutional Process II: An Opportunity Lost,” USIP Special Report 155, November 2005; and Julia Choucair-Vizoso, “Iraq” in Ellen Lust, ed. The Middle East, 14th ed. (Thousand Oaks, CA: SAGE, 2017), pp. 498-9.

([3]) حول علاقة ظهور داعش وعلاقتها بتهميش المكون السني، انظر:

“The Rise of ISIS,” Frontline, 28 October, 2004. https://www.pbs.org/wgbh/frontline/film/rise-of-isis/

([4]) انظر ملخص الأزمة الدستورية في عهد مرسي:

“Q & A Egypt Constitutional Crisis,” BBC News, 24 December 2012. https://www.bbc.com/news/world-middle-east-20554079

([5]) انظر على سبيل المثال: "الساعات الأخيرة قبل الانقلاب.. كيف أدار السيسي لعبة "الخداع الاستراتيجي" ضد مرسي؟"، الجزيرة نت، 24 فبراير 2019، https://www.aljazeera.net/programs/al-jazeeraspecialprograms/2019/2/24/

([6]) المادة الرابعة والسبعون، دستور مصر الصادر عام 2014https://www.constituteproject.org/constitution/Egypt_2014.pdf?lang=ar

([7]) تم تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية في ديسمبر 2013، بينما تم إقرار الدستور الذي يمنع تشكيل أحزاب على أساس الدين في 18 يناير 2014.

([8]) حول ملخص لعملية الصياغة الدستورية في جنوب أفريقيا، انظر:

“The Drafting and Acceptance of the Constitution,” South African History Online, no date

https://www.sahistory.org.za/article/drafting-and-acceptance-constitution

([9]) انظر على سبيل المثال،

Laryssa Chomiak & Robert Parks, “Tunisia,” in Ellen Lust, ed. The Middle East, 14th ed. (Thousand Oaks, CA: SAGE, 2017), pp. 808-854.

Mohamed-Salah Omri, “The Tunisian Constitution: The Process and the Outcome,” Academia, February 12, 2014.

https://www.academia.edu/6166557/The_Tunisian_Constitution_The_process_and_the_outcomes

([10]) المادة الأولى والسادسة، دستور تونس، https://majles.marsad.tn/uploads/documents/TnConstit_final_1.pdf

([11]) لقد استحقت اللجنة الرباعية الفوز في جائزة نوبل للسلام لعام 2015 لدورها المحوري في إنقاذ عملية التحول الديمقراطي، انظر على سبيل المثال، "الرباعي الراعي للحوار الوطني بتونس...نوبل للسلام"، الجزيرة نت، 11/10/2015، http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2015/10/11

([12]) تم جمع الدساتير السورية، حتى دستور عام 1973، في: مازن يوسف صباغ، سجل (الدستور) السوري. دمشق: دار الشرق للطباعة والنشر، 2010.

([13]) من الكتب التي عالجت خصوصية التناقض بين الأمة والدولة:

Raymond Hinnebusch, The International Politics of the Middle East. 2nd edition. Manchester: Manchester University Press, 2015.

([14]) المادة الأولى من الفصل الأول للقانون الأساسي- الدستور- للمملكة السورية، متضمن في كتاب مازن يوسف صباغ، سجل (الدستور) السوري، مرجع سابق، ص. 81.

([15]) المادة 134.

([16]) نص البيان متضمن في كتاب مازن يوسف الصباغ، ص. 69-75.

([17]) المادة 116، من دستور عام 1930.

([18]) المواد الثلاث الأولى، وبالإضافة إلى المادة الرابعة التي تتحدث عن العلم السوري، هي الأحكام الأساسية للفصل الأول، في الدولة وأراضيها، دستور عام 1930.

([19]) المادة الثانية كما جاءت في مشروع الدستور لعام 1928، لكن المفوض السامي الفرنسي عدلها عندما أصدر الدستور عام 1930.

([20]) المادة 114.

([21]) نص الدستور متضمن في سجل (الدستور) السوري، مرجع سابق، ص. 245-298.

([22]) المادة السادسة والأربعون.

([23]) المادة الخامسة والسبعون.

([24]) المادة الأولى من دستور 1953.

([25]) الباب الأول الدولة العربية المتحدة، من دستور الجمهورية العربية المتحدة، متضمن في سجل (الدستور) السوري، مرجع سابق، ص. 429-446.

([26]) نص دستور 1969 متضمن في المرجع السابق، ص. 518-533.

([27]) تأتي هذه المادة تحت رقم المادة السابعة في دستوري 1969 و1971، لكنها تتعدل في دستور الأسد لعام 1973، لتنص على ما يلي: "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية". المادة الثامنة.

([28]) المادة 51 في كلا الدستورين.

([29]) البنود من واحد إلى ثلاثة من المادة الأولى، دستور 1973.

([30]) المادة الأولى من دستور 2012.

([31]) المادة الثالثة من دستور 1973.

([32]) البندان الثالث والرابع من المادة الثالثة، دستور 2012.

([33]) الفصل الثالث: في حقوق الأفراد والجماعات، من المادة التاسعة وحتى السادسة عشر.

([34]) الحقوق والحريات متضمنة في الفصل الثاني من الدرس، بعنوان "في حقوق الأفراد"، دستور عام 1930.

([35]) البند الأول للمادة الثامنة عشر، دستور عام 1950.

([36]) الفقرة هاء من البند الثالث، المادة التاسعة والثلاثون، دستور عام 1950.

([37]) المادة الثانية والثمانون من دستور عام 1953.

([38]) المادة السابعة إلى العاشرة، في الباب الثالث، دستور الجمهورية العربية المتحدة، عام 1958.

([39]) المواد 21 إلى 41 تحت باب حقوق وواجبات المواطنين والتنظيمات الجماهيرية والجمعيات التعاونية، الدستور المؤقت للجمهورية العربية السورية، 1969.

([40]) المادة 24 من الباب الثاني، دستور عام 1969.

([41]) المادة 34، من الفصل الرابع، دستور عام 1973.

([42]) انظر على سبيل المثال

“If the Dead Could Speak: Mass Deaths and Torture in Syria’s Detention Facilities,” Human Rights Watch, December 16, 2015.

https://www.hrw.org/report/2015/12/16/if-dead-could-speak/mass-deaths-and-torture-syrias-detention-facilities#

([43]) المادة الرابعة والأربعون، من الباب الثاني: الحقوق والحريات وسيادة القانون، دستور عام 2012.

([44]) المواد 122-144، دستور عام 1919.

([45]) المادة 109، دستور عام 1930.

([46]) الفصل السادس، التقسيمات الإدارية، دستور عام 1950.

([47]) أمل مخائيل بشور، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر. بيروت: توزيع جروس برس، بلا تاريخ، ص. 455.

([48]) الفصل الثالث، مادة 67 و68، الدستور المؤقت لعام 1969، وعام 1971.

([49]) وحدة المعلومات بمركز عمران، "في واقع الإدارة المحلية في مناطق سيطرة النظام المركزية"، مجموعة من الباحثين، حول المركزية واللامركزية في سورية: بين النظرية والتطبيق. الكتاب السنوي الرابع، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2018، ص. 162.

([50]) المادة الحادية والثلاثون بعد المئة، دستور عام 2012.

([51]) "في واقع الإدارة المحلية في مناطق سيطرة النظام المركزية"، مرجع سابق، ص. 166-168.

([52]) انظر، "مضبطة الأسباب الموجبة للدستور (القانون الأساسي) التي أقرت من قبل المؤتمر السوري، متضمنة في سجل (الدستور) السوري، مرجع سابق، ص. 109-132.

([53]) المواد 74-77 من دستور عام 1930.

([54]) المادة 82 و83 من دستور عام 1950.

([55]) حول الدور الذي لعبته الدول الإقليمية في هذه الفترة، وعلاقة القوى السورية معها، انظر:

Patrick Seale, The Struggle for Syria: A Study of Post-War Arab Politics 1945-1958, 2nd ed., (London: I B Tauris, 1986)

([56]) البند الثاني من المادة الثانية، دستور عام 1950.

([57]) المادة 68 في دستور 1930، و73 في دستور 1950.

([58]) انظر، الفصل الثاني (السلطة التنفيذية)، رئيس الجمهورية، دستور 1953.

([59]) كان هذا أحد شروط عبد الناصر للوحدة، وهو حل الأحزاب السياسية، بما فيها حزب البعث، وتأطير الحياة الحزبية من خلال حزب واحد حاكم.

([60]) المقدمة، دستور 1973.

([61]) المادة الثامنة، دستور 1973.

([62]) للتفصيل حول تركيبة النظام السوري، نجيب الغضبان، "الاستمرارية والتغيير في النظام السوري"، ملف الأهرام الاستراتيجي، السنة السادسة، العدد 67، تموز/يوليو 2000.

([63]) الرواية موثقة في أكثر من دراسة، ومنها:

Patrick Seale, Asad of Syria: The Struggle for the Middle East (Berkeley: University of California Press, 1988), p. 173.

([64]) المقدمة، دستور 2012.

([65]) المادة الثامنة، دستور 2012.

([66]) المادة التاسعة، دستور 2012.

([67]) الفصل الثاني، "المبادئ الاقتصادية"، دستور 2012.

([68]) البند الرابع في المادة الثامنة، دستور 2012.

([69]) المادتان: الرابعة والثمانون والخامسة والثمانون، دستور 2012.

([70]) Max Weber, “Politics as a Vocation,” from H. H. Gerth and C. Wright Mills, eds. Trans. From Max Weber: Essays in Sociology (New York: Galaxy, 1958), pp. 77-87

([71]) مشروع اليوم التالي، "الفصل الخامس: التصميم الدستوري"، دعم الانتقال الديمقراطي للسلطة في سورية، منظمة اليوم التالي، 2012، ص. 79-93.

([72]) تعقيباً على ذلك قامت أربعون منظمة وهيئة سورية بالتوقيع على بيان يؤكد أن السوريين هم المعنيون بكتابة دستور بلادهم، ورفضوا أن يتم الحديث عن دستور دائم في هذه الظروف. انظر، اليوم التالي، أي دستور تحتاج سورية؟ استنبول: اليوم التالي، تموز/يوليو 2018، ص. 1.

([73]) تم نسب ورقة تفاوضية، تقدمت بها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية إلى المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا، بعنوان "الإصلاح الدستوري"، قبيل لقاء فيينا في بداية غام 2018.

([74]) اليوم التالي: أي دستور تحتاج سورية؟ مرجع سابق، ص. 7-8.

([75]) المرجع السابق، ص. 9-10.

([76]) مشروع اليوم التالي، مرجع سابق، ص. 89.

([77]) أي دستور تحتاج سورية؟ مرجع سابق، ص. 20.

([78]) المرجع السابق، ص. 19.

([79]) مشروع اليوم التالي، مرجع سابق، ص. 89.

([80]) المادة الثالثة، دستور عام 2010.

([81]) أي دستور تحتاج سوريا؟ ص. 19.

([82]) تجمع سوريات من أجل الديمقراطية، المبادئ الدستورية المتوافقة مع النوع الاجتماعي (الجندر)، بروكسل 2016، ص. 3 .

([83]) UNDP. Arab Human Development Report 2004. (New York, NY: UNDP, 2005).

([84]) Arend Lijphart, “Constitutional Choices For New Democracies,” in Larry Diamond and Marc F. Plattner, eds. The Global Resurgence of Democracy (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1996), pp. 162-74.

التصنيف أوراق بحثية
الإثنين كانون1/ديسمبر 30
الملخص التنفيذي لم يُستثنَ اللاجئون الفلسطينيون من تداعيات الصراع في سورية، حيث طرأ تغيير كبير على وضعيتهم القانونية، لجهة حجم الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها على نطاقٍ واسع، والتي تعود…
نُشرت في  الكتب 
الأربعاء أيلول/سبتمبر 25
مقدمة أفرز النزاع الدائر في سورية منذ عام 2011 جملة من التحديات التي بدأت ترتسم ملامحها مع اقتراب النزاع من نهايته، ولعل من أبرزها التحديات المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي المبكر…
نُشرت في  الكتب 
الإثنين تموز/يوليو 01
المقدمة لا تزال الأسئلة المتعلقة بقطاعي الأمن والدفاع في سورية من أكثر الأسئلة أهمية، وازدادت أهميتها بعد الحراك الثوري، لأن غايات الإصلاح كانت مطلباً رئيسياً في هذا الحراك، كما أنها…
نُشرت في  الكتب 
بتاريخ 27/11/2020؛ قدم الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية محمد العبد الله تصريحاً لقناة TRT…
الإثنين تشرين2/نوفمبر 30
بتاريخ 22 تشرين الثاني 2020 شارك معن طلاع الباحث لدى مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في…
الثلاثاء تشرين2/نوفمبر 24
بتاريخ 12 تشرين الثاني 2020 وفي حديث لموقع السورية نت قدم الباحثان في مركز عمران…
الجمعة تشرين2/نوفمبر 13
بتاريخ 11 تشرين الثاني 2020 وفي معرض حديثه لراديو روزنة حول مؤتمر اللاجئين أكد الباحث…
الجمعة تشرين2/نوفمبر 13