أوراق بحثية

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

 

تمهيد

ما تزال مناطق سيطرة المعارضة في شمال وشمال غرب سورية تواجه العديد من المشكلات المركبة، والتي تعيق تحقيق الاستقرار، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على تحرير المنطقة من تنظيم "داعش" و"قوات سوريا الديمقراطية"، عبر عمليتي"درع الفرات" و"غصن الزيتون"، فمع استتباب الأوضاع العسكرية نسبياً بقيت الأحوال الاقتصادية تشكل هاجساً كبيراً للسلطات الحوكمية التي تشرف على إدارة المنطقة.

تهدف عملية التعافي الاقتصادي كجزء من عملية التعافي المبكر إلى مساعدة المجتمعات المحلية للعودة إلى نوع من الحياة الطبيعية، واستقرار الوضع لمنعه من العودة إلى العنف والأزمة، ويتمثل الهدف العام للتعافي المبكر في شقين، الأول: استرجاع البنية التحتية الأساسية المادية والاجتماعية، التي تساعد على استئناف السكان لأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ والثاني: توفير حلول مستدامة للمشكلات التي تعاني منها المنطقة، والتفكير بأهداف التنمية بعيدة المدى.

ويتكون برنامج التعافي الاقتصادي المبكر بحسب الأمم المتحدة من 3 مسارات، تبدأ بالتوازي بسرعات وكثافة مختلفة أثناء عملية التفاوض على اتفاق سلام أو تسوية سياسية. والمسارات الثلاث هي([1]): إحلال الاستقرار، توفير الدخل والتوظيف الطارئ، والمسار الثاني إعادة الدمج المحلي، والمسار الانتقالي، خلق وظائف مستدامة وعمل لائق في المسار الثالث. وبينما ينشغل المسار الثاني والثالث في خضم المرحلة الانتقالية، تنظر الورقة التالية في المسار الأول الذي يستهدف المقاتلين السابقين والشباب واللاجئين والعائدين إلى مناطق النزاع، وتُعطى الأولوية في هذا المسار للإجراءات قصيرة المدى، التي تخلق فرص عمل وتدعم العمل الحر، كما يوصي هذا المسار بالبرامج الضرورية لتحسين سبل العيش وتدعيم الاستقرار، مثل تقديم النقد مقابل العمل، والتوظيف الطارئ في القطاع العام والتدريب وتمويل الأعمال والمشاريع الناشئة.

تحاول هذه الورقة تلمس ملامح الاستقرار الاقتصادي في مناطق المعارضة، ضمن ظروفها السياسية والعسكرية والاقتصادية، منطلقة من أن بناء الاستقرار سيكفل وضع المنطقة في مصاف المرحلة الأولى من مراحل التعافي الاقتصادي المبكر، وينقل البلاد من النزاع إلى السلم، ويمهّد لإعادة الإعمار، دون نسيان شروط تحقيق السلام: البيئة الآمنة، والاتفاق السياسي.

واقع التعافي المبكر وفق القطاعات الاقتصادية والتنموية

بالنظر إلى ما تم جمعه من بيانات وإحصاءات، حول المشاريع والنشاطات في "درع الفرات" وعفرين وإدلب بين 2018 و 2020، فقد عملت المجالس المحلية والمنظّمات على إرساء قواعد الاستقرار، وفق منظورٍ ونطاقٍ ضيّقٍ، يتناسب وطبيعة وظروف المنطقة، فقد تركز اهتمامها على تأمين الخدمات الأساسية للسكان، على الرغم من عدم توفر أبسط المتطلبات والظروف الملائمة للعمل، جراء البيئة الهشّة المهدَدَة بعودة العنف، وعدم توافر الموارد المالية لتمويل المشاريع، وصرف جزء كبير من الأموال والجهد على العمل الإغاثي لمساعدة النازحين، والمهددات الأمنية المتمثلة بالاغتيالات والتفجيرات والخلافات بين الفصائل، واشتعال الجبهات بين الفينة والأخرى. يوضّح الجدول أدناه([2]) أرقاماً مفصّلةً حول المشاريع المنفّذة في القطاعات الأحد عشر([3])، نسوق من خلاله أبرز الملاحظات والنتائج وفقاً للقطاعات والمدن على مدار عامين ونصف بين 2018 و2020:

- بلغ إجمالي الأعمال والمشاريع التي تم تنفيذها في "درع الفرات" وعفرين وإدلب نحو 2434 مشروعاً، موزعاً على قطاعات اقتصادية عدة، لوحظ فيها ارتفاع الأعمال المنفّذة بشكل مطّرد، من 338 مشروعاً في النصف الثاني لـ 2018، إلى 812 مشروعاً في النصف الثاني لـ 2020. حاز خلالها قطاع النقل والمواصلات على الاهتمام الأوسع في تنفيذ المشاريع، إذ تم تنفيذ 451 مشروعاً، ساهمت في ترميم ما دمرته الحرب من طرقات رئيسية وفرعية، ووصل القرى والمدن بعضها ببعض، وتسهيل حركة المدنيين والتجارة البينية.

  • تنفيذ 441 مشروعاً في قطاع المياه والصرف الصحي، تتضمن إصلاح الشبكات القديمة، وتمديد شبكات جديدة، وإجراء ورشات دورية في إصلاح الأعطال، وقد وفرت هذه المشاريع في مختلف المناطق خدمة إيصال المياه النظيفة للسكان بدلاً عن شراء المياه من الآبار. كما تم إيصال الكهرباء عبر التعاقد مع ثلاث شركات تركية، هي: AK ENERGY وEST والشركة السورية التركية للكهرباء، عملت على استجرار الكهرباء من تركيا إلى مناطق عدة في المنطقة، أنارت المنازل والشوارع بعد خروج شبكة الكهرباء في المنطقة عن العمل، فتم تنفيذ 91 مشروعاً.
  • بلغ عدد المخيمات نحو 1293 مخيماً، بينها 282 مخيماً عشوائياً، وعدد سكان تلك المخيمات 1,043,869مليون نازح، من أصل أكثر من 4 ملايين شخص يسكنون المنطقة. وفي سبيل خدمة النازحين في تلك المخيمات؛ تم تنفيذ 330 مشروعاً، على شاكلة تمهيد الطرقات بين الخيم، وتمديد شبكات مياه وصرف صحي، وإيصال الكهرباء، وكانت المشاريع الأبرز في هذا القطاع بناء عشرات التجمعات السكنية، التي تضم آلاف الوحدات السكنية، ومن شأنها توفير منازل آمنة ومستدامة للنازحين، تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وتخفّض من فاتورة إغاثة المخيمات.
  • تنفيذ 295 مشروعاً في قطاع الإسكان والتعمير، مثل استخراج تراخيص وإنشاء أبنية سكنية وتجارية، و150 مشروعاً في قطاع الخدمات الاجتماعية، ممثلة ببناء المدارس، والمشافي، والمستوصفات، والملاعب، والحدائق، وترميم الأسواق التاريخية، والمرافق العامة الأخرى.
  • 198 مشروعاً تم تنفيذها في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، يتركز معظمها في دعم المزارعين بالبذار والأعلاف والسماد، وتلقيح الأبقار، والأغنام، والدجاج. وتبع الزراعة قطاع التجارة بواقع 191 مشروعاً على مدار عامين ونصف، بالاستفادة من تطور حالة الطرق، والتشبيك الحاصل بين القرى والمدن من جهة، وبين المنطقة وتركيا من جهة أخرى، فضلاً عن زيادة أعداد المناقصات والعطاءات من قبل المنظمات. وأخيراً بقي قطاعات، مثل التمويل، والصناعة، والاتصالات، الأضعف في مؤشر التعافي الاقتصادي المبكر، محققة 91 و12 و7 مشاريع لكل منها على التوالي، على الرغم من إنشاء غرف تجارة وصناعة، وإنشاء 3 مناطق صناعية في الباب والراعي وإعزاز.

واقع التعافي المبكر وفق المدن

وعلى مستوى المدن، يُلاحظ بالنظر إلى الجدول رقم (2) مدينة الباب في قمة المؤشر، بواقع 321 مشروعاً، نُفذت في مختلف القطاعات الاقتصادية، معظمها جاء من مشاريع الإسكان والتعمير، وجاء بعد الباب مدينة إدلب بـ306 مشاريع، معظمها في النزوح الداخلي وقطاع المياه والزراعة، ومن ثم مدينة إعزاز بـ259 مشروعاً، بفضل مشاريع الكهرباء والمياه والنقل. ومن بين الأسباب التي ساهمت في تنفيذ مشاريع أكثر من غيرها من المدن: الكثافة السكانية المتأتية من النازحين؛ وتواجد كثيف للمنظمات، والفصائل العسكرية، والتجار، والمستثمرين الأفراد؛ ومركزية هذه المدن وأهميتها ما قبل الثورة، ما يجعلها تحذو نحو التطور أكثر من غيرها من المدن. وقد ساهم تركز المشاريع في مدن محددة مثل إعزاز والباب وإدلب في أن تكون حواضر المنطقة، من حيث النشاط العمراني، وحركة الأسواق التجارية.

وغابت العديد من البلدات والمدن في العام 2018 و2019، لكنها شهدت نشاطاً أكثر في قطاعات عدة، كما في سرمدا والدانا ومعرة مصرين وحارم وأطمة، بفضل أعمال قطاع المياه والنقل والنزوح الداخلي. فيما اختفت مدن من المؤشر لاحقاً بعد سيطرة النظام على بلدات ومدن عدة في جنوب إدلب، مثل معرة النعمان وسراقب.

ومما يمكن لحظه أيضاً على المستوى الإداري، تشكيل غرف تجارة وصناعة، واتحاد لتلك الغرف، وتعاونيات، وجمعيات متخصصة في الحرف والمهن، مثل جمعية للصيّاغ والملابس والنسيج، تعمل على مساعدة التجار والصناعيين في إصدار إذن عبور بين سورية وتركيا، وتأسيس وترخيص الشركات، والتواصل مباشرة مع الولاة الأتراك المسؤولين عن المنطقة. كما حاولت المجالس المحلية لعب أدوار نقدية في المنطقة، عبر استبدال الليرة السورية بالليرة التركية، ومنع التعامل مع النظام، ومنع استيراد أو تصدير بعض المواد من وإلى تركيا، حفاظاً على استقرار الأسعار، فضلاً عن توقيع عقود ومذكرات تفاهم مع العديد من الشركات والمنظمات لتنفيذ مشاريع وتقديم خدمات.

التحديات والتوصيات الختامية

نجحت المجالس المحلية والمنظمات في تنفيذ المشاريع والنشاطات ما دفع ببدء عملية التعافي الاقتصادي المبكر، وتلمس ملامح استقرار نسبي على مستويات عدة، ومع تجاوز 3 أعوام على تحرر المنطقة من تنظيم "داعش" في 2017، ورصد نشاطات وأعمال عامين ونصف في المنطقة، تواجه المنطقة تحديات عدة، يمكن تقسيمها وفق الأطر التالية:

إطار أمني عسكري

ما تزال المعارك تشكل مثبطاً رئيسياً لأي نشاط اقتصادي وعملية استقرار في المنطقة، إذ أسهمت المعارك في ريف إدلب الجنوبي في سيطرة النظام على مدن كبيرة، مثل معرة النعمان وسراقب، ساهمت في زيادة أعداد النازحين، وقضم مساحات زراعية كبيرة. ومن جانب آخر، ما يزال مؤشر الاغتيالات يسجل ارتفاعاً في المنطقة، يسهم في زعزعة أمن المنطقة واستقرارها، وزيادة شعور التجار والأهالي بالتهديد، إذ شهدت مناطق "درع الفرات" وعفرين 67 عملية اغتيال وتفجير بعبوات ناسفة، أسفرت عن 39 ضحية من قبل غرفة عمليات غضب الزيتون، وخلايا تنظيم "داعش"، وأخرى مجهولة المنفّذ، استهدفت عناصر الجيش الوطني والجيش التركي. أما في إدلب فهناك 25 عملية بين اغتيال وتفجير بعبوة ناسفة وطيران مسير، أسفرت عن 51 ضحية، استهدفت عناصر وقيادات جهادية، وفصائل الجبهة الوطنية للتحرير والجيش التركي.

إطار قانوني وإداري

ما تزال البيئة القانونية تعاني من مواطن ضعف نتيجة تعدد السلطات القضائية؛ بين من يتّبع شكل الجهاز القضائي السوري في منطقة "درع الفرات" وعفرين، ومن يتبع مجلساً أعلى للقضاء، مكون من المشايخ، ويعتمد على أحكام الشريعة الإسلامية في إدلب وريفها، فضلاً عن احتكام المنطقة للقوى العسكرية والفصائلية. كما يسبب ترهّل القضاء وضعف القوانين الناظمة للأعمال والشركات والأموال والحقوق والعقود، في بطء عملية الاستقرار، ودخول الرساميل، وزيادة الاحتكار، والفساد. ومن ناحية ثانية ما تزال حالة التشظي بين المجالس المحلية والحكومة المؤقتة وحكومة الإنقاذ تظهر المنطقة بهويات عدة، ومنهجيات مختلفة، في الإدارة وصناعة القرار.

إطار سياسي

تسبب تأخير الحل السياسي وفق القرارات الدولية ذات الشأن بالملف السوري، في تشكيل هاجس كبير لدى سكان المنطقة، والمغتربين الراغبين بالعمل والاستثمار فيها، وللدول الفاعلة والصديقة للمعارضة السورية، إذ يرتبط مصير مناطق المعارضة بشكل الحل السياسي، والتوافقات الإقليمية والدولية حولها.

تشكل الأطر الآنفة الذكر دافعاً في تأخير أي عملية استقرار وتعافٍ اقتصادي مبكر في المنطقة، وهي تحديات لا يسع للأجسام الحوكمية إلا أخذها بالاعتبار، والتواءم معها، وترتيب أوراقها الداخلية، إذا أرادت جذب المزيد من الاستثمارات والأعمال والأموال، ودفع عملية الاستقرار نحو الأمام. وتبعاً لتموضع المنطقة في المسار الأول من عملية التعافي الاقتصادي المبكر، إحلال الاستقرار، وتبعاً لأرقام وبيانات ما تم رصده على مدار عامين ونصف وللتحديات أعلاه؛ توصي الورقة بما يلي:

  • بعد إقدام غرف التجارة والصناعة في المنطقة على تشكيل اتحاد لها، سيكون من المفيد جداً إتباع هذه العملية بسياسات من شأنها توحيد شكل الإجراءات والقوانين فيما بينها، وإصدار قرارات استثمارية تغطي الفجوة القانونية والقضائية، وترسم آليات حفظ الحقوق والذمم المالية، وشكل العقود والتراخيص وأنواعها وشروطها، ووضع هيئة مختصة تتبع للاتحاد، لتنفيذ هذه المهمة.
  • تأسيس جمعية مالية ذات مساهمة محدودة بين اتحاد غرف التجارة والصناعة، وتحوز على ثقة وضمان رجال الأعمال، والوجهاء، والمجالس المحلية، والمنظمات، ويعمل فيها أصحاب الاختصاص، تقدم خدمات مالية محلية، من قبيل إيداع الأموال وسحبها، وتصريف العملات الأجنبية، وتعمد إلى فتح اعتمادات مالية في بنوك، مثل تركيا، وأربيل، وقطر، لتسهيل تحويل الأموال بين المنطقة وتلك الدول لأغراض تجارية.
  • نقل نشاط المنظمات الإغاثي، ولو جزءٌ منه، إلى نشاط تنموي، عبر تأسيس أذرع حاضنات أعمال خاصة Business Incubator، تهتم بدعم الصناعات الخفيفة، والحرف، والمهن اليدوية، وإحلال ما يمكن إنتاجه محلياً، عبر تقديم قروض متناهية الصغر، والدخول في عقود تشاركية مع تلك الأعمال.

ختاماً، تشكل عملية التعافي الاقتصادي المبكر الركيزة الأساسية في إخراج المنطقة من دائرة العنف والعودة للحياة الطبيعية، ولا يتم هذا إلا بتوفر الإرادة، وتكاتف جهود المؤسسات الرسمية مع المجتمع المدني؛ لتحقيق الأهداف المرسومة، والصعود في سُلّم مستويات التعافي المبكر. بعد ثلاثة أعوام يمكن القول إن المنطقة، وبفضل مشاريع وخدمات المجالس والمنظمات المحلية العاملة في سورية، استطاعت التقدم في المستوى الأول من التعافي المبكر، إحلال الاستقرار، عبر تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وتنظيم شؤون الحياة المختلفة، ولا شكّ، يعد هذا دافعاً لاستقرار الأهالي، وتحريك عجلة الاقتصاد. من شأن استمرار عمل المجالس المحلية والمنظمّات على هذه الوتيرة، والأخذ بالتحديات بعين الاعتبار، والتشاور مع الكفاءات الوطنية؛ التطور أكثر ضمن المستوى الأول في عملية التعافي الاقتصادي المبكر، والمضي قدماً نحو المستوى الثاني، إعادة الدمج المحلي.


 

 

 

([1])  United Nations (2009), United Nations Policy for Post-Conflict Employment Creation, Income Generation and Reintegration, UN system-wide policy paper: https://bit.ly/337K7xb

([2] ) انظر مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة بين النصف الثاني 2018 والنصف الثاني 2020 على الروابط التالية: https://bit.ly/3jafNuC، https://bit.ly/2WzyRLb ، https://bit.ly/37donmN ، https://bit.ly/3ffE9BY 

 ([3]) القطاعات الأحد عشر التي تم رصدها هي: التجارة، والصناعة، والزراعة والثروة الحيوانية، والتمويل، والاتصالات، والإسكان والتعمير، والخدمات الاجتماعية، والكهرباء، والمياه والصرف الصحي، والنقل والمواصلات، وأخيراً النزوح الداخلي.

 
التصنيف أوراق بحثية

ملخص تنفيذي

  • تهدف الورقة إلى التعرف على جهود الفاعلين في برامج سبل العيش في القطاع الزراعي من هيئات دولية ومنظمات محلية ودولية ومجالس محلية، وقياس أثر هذه البرامج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان المحليين في منطقتي درع الفرات وعفرين. وإبراز أهم المعوقات التي حدت من فاعلية هذه البرامج، والإضاءة على أهم الفواعل الرئيسيين ذوي الصلة بها.
  • يواجه القطاع الزراعي في هاتين المنطقتين جملة من التحديات من أهمها عدم فاعلية الكيانات الحوكمية الناظمة للنشاط الزراعي، وارتفاع كلفة مدخلات الإنتاج الزراعي، وصعوبة تصريف المحاصيل والمنتجات الزراعية، إلى جانب غيرها من التحديات الأخرى التي أدت إلى انخفاض عوائد الإنتاج الزراعي وتأخر تعافيه.
  • لم ترق برامج سبل العيش في القطاع الزراعي إلى المستوى الاستراتيجي الذي يمكن القطاع الزراعي من التعافي بشكل أكبر لأسباب ترتبط بضعف التمويل وعدم استدامته، وغياب التنسيق الكامل بين الكيانات المسؤولة عن النشاط الزراعي في هذه المناطق.
  • يلاحظ وجود تحسن مستمر في حركة تعافي القطاع الزراعي في هاتين المنطقتين خلال الأعوام الماضية، مع تباين مستوى التدخلات التنموية لدعم حركية هذا التعافي. ويرجع ذلك بشكل أساسي للجهود المبذولة من قبل الفواعل ذوو الصلة بهذا القطاع وتوفر البيئة الأمنية شبه المستقرة.
  • إن نجاح عملية التعافي المبكر في القطاع الزراعي في هاتين المنطقتين يعتمد في جانب كبير منه على وجود جهة متخصصة تكون قادرة على تشخيص مقومات واحتياجات هذه المناطق بشكل دقيق، بحيث يتم وضع خطط تعافي تتلاءم والسياق المحلي عبر تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وتفعيل الدعم المقدم من الخارج.

 

مقدمة

مع الانحسار التدريجي للاشتباكات العسكرية داخل مناطق درع الفرات وعفرين مؤخراً، وشيوع حالة من الهدوء النسبي الذي تشهده الحدود المتاخمة لها، بدأت هذه المناطق تشهد ملامح عودة تدريجية إلى طبيعتها المدنية، ولتبدأ مرحلة التعافي المبكر من التبعات التي خلفتها هذه الاشتباكات، وإعادة بث الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخلها بالتعاون والتآزر ما بين السكان المحليين والمنظمات والمجالس المحلية التي لم تألُ جهداً في ذلك. 

نظراً لغلبة الطابع الزراعي على هاتين المنطقتين اللتان تمتازان بوجود مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأشجار المثمرة والثروة الحيوانية، كان الاهتمام منصباً على تعافي القطاع الزراعي عبر استهدافه بمجموعة من البرامج التي تسعى لتنمية سبل العيش وتحقيق الأمن الغذائي لسكان هذه المناطق من خلال حزمة من المشاريع ذات الصلة. وذلك لما لهذا القطاع من أهمية في الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، وكونه ركيزة أساسية من ركائز التعافي الاقتصادي المبكر في حال تمكنت كل من الجهات الداعمة والجهات القائمة على هذا القطاع من تحقيق النجاح المنشود من هذه البرامج وإزالة جميع المعوقات التي تحول دون ذلك. ومن هنا تأتي أهمية هذه الورقة في محاولتها تفنيد العوامل المؤثرة على نجاح هذه البرامج للتعرف على نقاط القوة وتعزيزها في البرامج القادمة ونقاط الضعف والأخطاء للعمل على تلافيها حتى تتحقق الفاعلية المتوخاة منها أثناء تنفيذها.

وعليه فإن الهدف الرئيسي لهذه الورقة يتمثل في التعرف على جهود الفاعلين في برامج سبل العيش في القطاع الزراعي من منظمات محلية ودولية ومجالس محلية، وقياس أثر هذه البرامج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان المحليين من خلال مجموعة من المؤشرات أهمها عدد فرص العمل الموفرة وتخفيف معدل الفقر، وتعافي القطاع الزراعي بشكل عام، وغيرها من المؤشرات الأخرى ذات الصلة. وختاماً قدمت الورقة بعض التوصيات التي يمكن أن تسهم في زيادة فاعلية هذه البرامج وتزيد من قيمتها المضافة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان، وفي نجاح عملية التعافي الاقتصادي المبكر.

أولاً: الواقع الزراعي وحركية التعافي المبكر

تعد المناطق في شمال غرب سورية بشكل عام، ومنها المناطق المحاذية للحدود التركية، من المناطق الزراعية التي تمتاز بوجود مقومات عدة أهمها المناخ الملائم وخصوبة تربتها وتوافر المياه الجوفية والسطحية والعمالة الزراعية المؤهلة، والتي تشير بعض التقديرات إلى أن هناك ما لا يقل عن 85% من السكان كانوا منخرطين في النشاط الزراعي قبل عام 2011([1]). وعليه فقد مثَّل هذا القطاع مصدر دخلٍ أساسي للسكان المحليين.

بعد عام 2011 تأثرت هذه المناطق بتبعات العمليات العسكرية، وكغيره من القطاعات الاقتصادية الأخرى تأثر القطاع الزراعي بشكل كبير بآثار هذه العمليات وهجرة المزارعين لأراضيهم وغيرها من العوامل الأخرى ذات الصلة التي أدت إلى تدهور الواقع الزراعي في هذه المناطق. وقد لعب عدم الاستقرار الأمني بعد عام 2011 كذلك دوراً هاماً في هذا التدهور مع تبدل السيطرة العسكرية عليها، وعدم وجود جهات حوكمية قادرة على الإشراف على هذا القطاع واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعافيه. 

مع خضوع هاتين المنطقتين للنفوذ التركي بدأتا تشهدان حالة من الاستقرار الأمني النسبي الذي أتاح إلى حداً ما الشروع بعملية تعافي اقتصادي مبكر، مثَّل القطاع الزراعي أحد محركاته الأساسية، لاسيما أن النسبة الأكبر من الأفراد المقيمين في هاتين المنطقتين سواء من السكان المحليين أو من النازحين ضمنها هم من العمالة الزراعية([2]). أضف إلى ذلك وجود المقومات المناسبة للاستثمار في المشاريع الزراعية ومشاريع الثروة الحيوانية. إذ تقدر المساحة المزروعة في منطقة درع الفرات بحوالي 224.030 هكتار، 70% منها مزروعة بالقمح والشعير وحوالي 9% أشجار زيتون، في حين أن بقية الأراضي تزرع بمحاصيل خضرية متنوعة مثل البطاطا والفول والعدس والحمص وغيرها من المحاصيل الأخرى.([3]) أما في منطقة عفرين فتقدر المساحة المزروعة بـ 92.981 هكتار تمثل أشجار الزيتون نسبة 90% مع عدد يقارب 14 مليون شجرة، في حين بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالمحاصيل الأخرى 10% تقريباً. أضف إلى ذلك أن المنطقة تمتاز بوجود ثروة حيوانية جيدة تعد مكمل أساسي للنهوض بواقع عملية التعافي المبكر. حيث يقدر عدد رؤوس الماشية في منطقتي درع الفرات وعفرين بحوالي 530,452([4]).

يواجه القطاع الزراعي جملة من التحديات في هاتين المنطقتين من أهمها عدم فاعلية الهياكل الحوكمية الناظمة للنشاط الزراعي، وارتفاع كلفة مدخلات الإنتاج الزراعي، وصعوبة تصريف المحاصيل والمنتجات الزراعية، وتسجيل حالات لتغول بعض عناصر الفصائل العسكرية المنضوية تحت الجيش الوطني على المزارعين، إلى جانب غيرها من التحديات الأخرى التي أدت إلى انخفاض عوائد الإنتاج الزراعي وتأخر تعافيه([5]). إلا أن المتتبع لواقع القطاع الزراعي في هاتين المنطقتين يلاحظ وجود تحسن مستمر في حركة تعافيه، ويرجع ذلك بشكل أساسي للجهود المبذولة من قبل الفواعل ذوو الصلة بهذا القطاع كالمجالس المحلية والمنظمات المحلية والدولية وغيرها والتي أسهمت جهودها على مدار الأعوام الماضية في المضي قدماً لتدارك الصعوبات وتذليل التحديات التي تواجه عملية التعافي المبكر في هذا القطاع. ونستعرض فيما يلي أهم هؤلاء الفواعل:

 

 

1.   المجالس والمؤسسات المحلية

بقيت المجالس المحلية ذات دورٍ ثانويٍ مع هيمنة الفصائل العسكرية على المفاصل الرئيسية في المنطقة منذ عام 2012 حتى دخولها تحت النفوذ التركي وخضوعها لإشرافه([6])، حيث كان هناك نقلة نوعية في الدور المناط بها لممارسة العمل الحوكمي بمعزل عن تدخل الفصائل العسكرية، بعد أن أصبحت هذه المجالس تابعة إدارياً إلى كل من ولايات غازي عنتاب وكلس وشانلي أورفة لتسهيل عملية الاشراف والمراقبة والمتابعة الإدارية. وقد بدا واضحاً وجود تفاوت ملحوظ من حيث حجم الدعم المقدم من كل منها لتنفيذ مشاريع التعافي المبكر، ومن حيث الإمكانات الفنية لكل من هذه الولايات لتنفيذ مشاريع التعافي الاقتصادي المبكر([7]). 

نظراً لأهمية الزراعة في الحياة الاقتصادية لهاتين المنطقتين، قامت هذه المجالس بإحداث مكاتب زراعية مهمتها القيام بتقييم الأوضاع الزراعية وإدارة الملف الزراعي، بالإضافة للتنسيق مع المنظمات التي تريد إقامة مشاريع في المنطقة والمستفيدين، وفق آلية محددة واضحة عبر تقييم احتياجات المنطقة وصوغها على شكل مشاريع ليتم تقديمها إلى الجهات المانحة للموافقة عليها. ومن ثم يتم اعلام إعلام الجانب التركي بتفاصيل المشروع لأخذ الموافقة والسماح  بالتنفيذ، ومن ثم شرح فكرة المشروع للمجالس المحلية و توضيح معايير المستفيدين منه، لتقوم المجالس بتقديم قوائم مرشحين للمستفيدين من المشروع وفق المعايير التي وضعتها الجهة المنفذة. ومن ثم تقوم الجهات المنفذة بالتأكد من استحقاق المرشحين للإشراك في المشروع، وإعلان القوائم النهائية للمرشحين المستحقين للدعم، ليتم بعدها البدء ببرنامج المشروع وفق الجدول الزمني المحدد له. وعند انتهاء المشروع تقام ورشة عمل مع المجالس المحلية والمستفيدين من المشروع للوقوف على نقاط القوة والضعف والدروس المستفادة للعمل عليها في حال تكرار المشروع([8]). 

إلى جانب ذلك، برزت بعض الكيانات المتخصصة في الجانب الزراعي ومن أهمها المؤسسة العامة لإكثار البذار التي تأسست في عام 2013 وتمثل إحدى أهم المؤسسات الإنتاجية التابعة لوزارة الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة. وتضطلع بدور هام في دعم المشاريع الزراعية وتقديمها الدعم للمزارعين، من خلال تقديم الخدمات الفنية لهم وتأمين كافة مستلزمات الإنتاج الزراعي من البذار المحسن والمغربل والمعقم والأسمدة وغيرها من مستلزمات الإنتاج، سواءً من الإنتاج المحلي أو عن طريق الاستيراد، والحفاظ على أصناف البذار المحلية للمحاصيل الزراعية عن طريق إكثارها ومنع انقراضها وفقدانها من خلال عملها على إنشاء بنك وراثي لحفظ الأصناف ومخابر للتأكد من سلامتها من الأمراض. بالإضافة لإنشاء وتفعيل مراكز الإرشاد الزراعي لنشر الوعي لدى المزارعين حول الإدارة الفنية الأمثل للحقول واستخدام التقنيات الزراعية الحديثة بغية زيادة الإنتاج([9]).

وقد برز نشاط واضح للمديرية العامة للزراعة والثروة الحيوانية في الحكومة السورية المؤقتة، والتي حاولت عبر الأعوام الماضية الاضطلاع بمهمة تعافي القطاع الزراعي وفق إمكاناتها المحدودة. وتعمل المديرية على تنفيذ مشاريع زراعية لدعم تعافي هذا القطاع، ففي مطلع عام 2021 بدأت بتنفيذ مشروع لدعم إنتاج الخضراوات في كل من إعزاز ومارع وصوران وأخترين والراعي والباب وقباسين وبزاعة والغندورة وجرابلس في منطقة درع الفرات. ويتجاوز عدد المستفيدين من المشروع 2000 مزارع، وتبلغ المساحة الكاملة للمشروع 500 هكتار، بمساحة 2.5 دونم لكل مزارع([10]).

كذلك يبرز في هذا الإطار جهود وحدة تنسيق الدعم من خلال مشاريعها الخاصة بالزراعة والأمن الغذائي، ومن أهمها مشاريع دعم زراعة القمح، وتأمين المستلزمات الزراعية ومكافحة الأمراض الزراعية وغيرها من المشاريع الزراعية الأخرى. وقد تمكنت وحدة تنسيق الدعم من خلال إحدى مشاريعها في عام 2019 والذي استهدف 30 ألف مزارع في مدن الباب وجرابلس واعزاز وعفرين بريف حلب الشمالي، من افتتاح 33 وحدة إرشادية في شمالي سورية، وتوزيع 2660 طناً من مادة السماد الزراعي لـ 13300 مزارع، إضافة لتنفيذ 1162 زيارة حقلية للكشف المبكر عن الآفات التي تصيب المحاصيل وتقديم الإرشادات اللازمة، و121 زيارة ميدانية للكشف عن أمراض الثروة الحيوانية وتقديم التشخيص المناسب من قبل أطباء بيطريين من كوادر الوحدات الإرشادية([11]).

 لكن بشكل عام يمكن القول إن الكيانات الإدارية المعنية بالإشراف على النشاط الزراعي لم تحقق تلك الفاعلية المرجوة لأسباب ترتبط بقلة عددها ومحدودية تمويلها ومزاحمة المنظمات الإغاثية العاملة في هذه المناطق على تقلد هذا الدور. مما أسهم بشكل واضح وفقاً للمعنيين بالشأن الزراعي على تشتت جهود الدعم المقدمة للفلاحين، نظراً لغياب قاعدة إحصائية موحدة للقطاع الزراعي يمكن من خلالها رسم خارطة زراعية لهذه المناطق، وبالتالي وضع خطط محددة لأدوار الفاعلين في تعافي النشاط الزراعي وتنميته. 

2.   منظمات الإغاثة المحلية

مع بداية وجودها في منطقة درع الفرات في عام2012، بدأت هذه المنظمات بتنفيذ العديد من البرامج الإغاثية، وكانت مشاريعها بمثابة دعامة رئيسية لتعزيز صمود السكان وتلبية احتياجاتهم الإنسانية المختلفة متضمنة المزارعين. لكن وخلال سنوات عملها في المنطقة بدا بشكل واضح افتقار غالبيتها إلى خطط تنموية شاملة للنهوض بواقع القطاع الزراعي داخلها. وتركيزها فقط على الجانب الإغاثي والإنساني، بسبب غياب الكفاءات البشرية المتخصصة في هذا المجال، بالإضافة لضعف الدعم اللازم لهذه البرامج وعدم استقراره خلال هذه السنوات. لكن وبحكم طول أمد وجود هذه المنظمات في هذه المناطق، فإن ذلك أكسب كوادر هذه المنظمات الخبرات اللازمة لتنفيذ مشاريع تعافي في القطاع الزراعي، بالإضافة لبناء شبكة علاقات تراكمية متينة مع الجهات المانحة المهتمة بدعم المشاريع الزراعية. كذلك أتاح إفساح الجانب التركي المجال لهذه المنظمات بترخيص أعمالها مجال أكبر لاستقبال الدعم من المؤسسات والمنظمات الدولية ذات الصلة([12]). إلا أن غياب التنسيق والتعاون بين هذه المنظمات، وغياب جهة مركزية قادرة على ضبط نشاطها ضمن هذه المناطق كان له دور كبير في انخفاض فاعلية المشاريع الزراعية المنفذة. إلى جانب فقدان هذه المناطق لحالة الاستقرار الأمني الكامل الذي يمَّكن من تنفيذ مشاريع كبرى ومستدامة لتعافي القطاع الزراعي. أضف إلى ذلك عدم تكافؤ الدعم المقدم لتنفيذ المشاريع مع الاحتياجات الفعلية المطلوبة لإحداث التعافي المبكر في هذا القطاع. 

وهناك مجموعة من المنظمات العاملة في المنطقة في الوقت الحاضر في مجال المشاريع الزراعية من أهمها مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية ومؤسسة الشام الإنسانية ومنظمة تكافل شام الخيرية ومنظمة بنيان، وجميعها تملك برامج متقاربة تعمل على إقامة مشاريع الإرشاد الزراعي والعمل على توفير المدخلات الزراعية للمزارعين مجانا بالإضافة لتوزيع المواشي على الفئات الهشة في المجتمع. واستحداث برامج سبل عيش زراعية تتلاءم ومتطلبات السكان في هذه المناطق.

3.   المنظمات الدولية

لم يكن حال المنظمات الدولية أفضل بكثير من المنظمات المحلية رغم فوارق الدعم المتاح لهما إلا أنها مازالت تفضل الحلول الإسعافية قصيرة الأجل على الانتقال إلى خطط تنموية حقيقية متذرعة بعدم تحقق الاستقرار بعد، مما أدى وفي كثير من الأحيان إلى إحجامها عن دخول هذه المناطق والاكتفاء بالتنسيق مع الشركاء المحليين، كما في بعض مشاريع سبل المعيشة والتعافي المبكر التي أقامتها منظمات  UNDP و OCHA و FAO، أو حتى امتناعها بشكل كامل عن القيام بمشاريع في مناطق درع الفرات وعفرين وتحويل المشاريع إلى مناطق سيطرة النظام السوري كونها تعتبر المنطقة التي تقع تحت سيطرته ذات استقرار أكبر([13]).

بشكل عام لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته هذه الفواعل في المنطقة خلال الأعوام الماضية، من حيث مساهمتها في تقديم الدعم لبرامج سبل العيش والتعافي المبكر التي ساهمت إلى حد ما في إعادة ترميم البنية التحتية للزراعة وإعادة إحياء هذا القطاع بعد تراجعه لسنوات، لكن لا يزال هذا الدعم دون المستوى المأمول إذا ما قورن بالاحتياجات الفعلية اللازمة لتوليد فرص العمل في القطاع الزراعي. ففي عام 2017 تم تغطية 20.5% من التمويل اللازم لتلبية احتياجات قطاع سبل المعيشة والتعافي المبكر. وفي عام 2018 تم تغطية 29.5% من التمويل اللازم، وفي عام 2019 تم تأمين حوالي 15.7%من الاحتياجات المطلوبة لهذا القطاع، بينما بلغت هذه النسبة 11.2% في عام 2020([14]).

 

 

ثانياً: العوامل المؤثرة على برامج سبل العيش الزراعية

ثمة مجموعة من العوامل التي كان لها تأثيراً هاماً في مدى نجاح برامج سبل العيش الزراعية في هاتين المنطقتين، ويمكن تصنيف هذه العوامل في ثلاث فئات تشمل البيئة المحلية الممكنة لنجاح هذه البرامج، ومدى كفاءة المنظمات المنفذة لهذه البرامج، ومدى فاعلية البرامج المنفذة بحد ذاتها.

1.   البيئة المحلية

يقدر عدد السكان في منطقتي درع الفرات وعفرين وفقاً لبعض الإحصاءات بحوالي 900.000 نسمة قبل عام 2011 وفقاً للإحصاءات الرسمية الحكومية. لكن هذا العدد تضاعف ضمن هاتين المنطقتين بعد هذا التاريخ بشكل يفوق طاقتها الاستيعابية نتيجة لحركات النزوح الداخلي، ويقدر العدد الحالي بحوالي (2.317.700) بينما يقدر عدد النازحين بحوالي (1.605.000) من إجمالي هذا العدد([15]). وكان من نتاج هذه الزيادة السكانية حدوث أزمة سكنية أدت إلى تفاقم في أسعار شراء وآجار العقارات، الأمر الذي مهد الطريق لحركة بيع كبيرة للأراضي الزراعية بهدف تلبية هذا الطلب الكبير على الإسكان. ونتيجة لغياب جهات حوكمية قادرة على ضبط انتشار هذه الظاهرة تحولت العديد من الأراضي الزراعية إلى أراضي سكنية. أضف إلى ذلك إنشاء العديد من مخيمات النزوح الداخلي على الأراضي الزراعية بسبب الحاجة لتوطين النازحين، واستغلال ملاك الأراضي لحاجة النازحين للسكن وفرضهم رسوم آجار مرتفعة على استخدام أراضيهم([16]). 

فيما يتعلق بمقومات البنية التحتية اللازمة لتنفيذ البرامج الزراعية، يمكن القول إن منسوب المياه اللازمة للزارعة يعد جيد إلى حدٍ ما خاصة أن غالبية الأراضي الزراعية مستثمرة بمحاصيل بعلية تقدر نسبتها بـحوالي 46% من نسبة الأراضي المزروعة في منطقة درع الفرات([17])، في حين أن ما يقرب من نسبة 80% من الأرضي الزراعية في منطقة عفرين مزروعة بأشجار زيت الزيتون التي لا تتطلب كميات كبيرة من المياه([18])، بينما تقدر نسبة الأراضي الزراعية المروية بـ 15%([19]). لكن الآثار السلبية التي خلفتها العمليات العسكرية في هاتين المنطقتين على البنية التحتية للمياه بما فيها قنوات الري والآبار الجوفية، ألجأت بعض المزارعين لحفر المزيد من الآبار الجوفية عبر الحفر العشوائي لتعويض حاجاتهم من المياه التي يقدر عددها بحوالي 5952 بئر([20]). الأمر الذي حمل العديد من التداعيات السلبية على منسوب المياه الجوفية في هذه المناطق وما سيسببه من الجفاف المحتمل لهذه الموارد المائية الجوفية([21]). ومما فاقم أيضاً من نقص الموارد المائية للزراعة قلة الوقود المتوافر في الأسواق وارتفاع أسعاره إلى جانب عدم توفر الكهرباء في العديد من المناطق الزراعية، والتي كان لها تأثير كبير على المحاصيل المروية التي أحجم الكثير من المزارعين عن زراعتها، إلى جانب تأثير ذلك أيضا على تربية الثروة الحيوانية كالمداجن والمباقر([22]). 

في جانب النقل، تعاني الطرقات الزراعية في هذه المناطق من تدهور بنيتها التحتية نتيجة عدم صيانتها لفترات طويلة مما أثر على نقل المحاصيل الزراعية بين مدن وبلدات هذه المناطق([23]). ومن جانب آخر تشهد بعض هذه الطرقات ظروف غير آمنة لنقل المحاصيل الزراعية نتيجة انتشار ظاهرة الإتاوات سواء من قبل بعض العناصر في الفصائل العسكرية أو من قبل بعض الأفراد الخارجين عن القانون في بعض هذه المناطق. 

أما فيما يتعلق بمدخلات الإنتاج الزراعي، فيمكن القول إن هذه المدخلات متوفرة إلى حداً ما، مع الجهود التي تبذلها كل من المجالس المحلية والمنظمات والجهات ذات الصلة. حيث تم العمل على تأمين الأسمدة والبذور بأسعار مدعومة تتناسب مع قدرات وإمكانات المزارعين، أضف إلى ذلك وجود سلاسل توريد زراعية جيدة، نظراً لقرب هذه المناطق من الحدود التركية وتوفرها في السوق المحلية. إلا أن غياب جهات رقابية فاعلة تشرف على استيراد المدخلات الزراعية خصوصاً البذار والمبيدات، سمح لبعض التجار من ضعاف النفوس بإدخال نوعيات رديئة من البذار ذات مردود إنتاجي منخفض.

تتجسد المشكلة الأبرز التي يواجهها القطاع الزراعي في هذه المناطق في عدم قدرة المزارعين على تصريف محاصيلهم. وتكمن أهم أسبابها في عدم وجود تناسب بين العرض والطلب على بعض المحاصيل الزراعية ضمن هذه المناطق، وبالتالي ضرورة إيجاد أسواق خارجية لتصريف الفائض عن الطلب المحلي([24]). كذلك يعد تصريف هذه المحاصيل من الصعوبة بمكان سواء إلى مناطق سيطرة النظام أو إلى مناطق الإدارة الذاتية لتبقى هذه المحاصيل رهن إشارة الحصول على الموافقة التركية لتوريدها إلى داخل حدودها. أضف إلى ذلك تحكم التجار المحليين بأسعار هذه المحاصيل وفرضها على المزارعين بشكل لا يتناسب مع الكلفة والجهد والمبذول لإنتاجها، مما أدى في كثير من الأحيان إلى عزوف شريحة من المزارعين عن زراعة أرضهم في ظل هذا الواقع. أما فيما يتعلق بالثورة الحيوانية فهي الأخرى تواجه العديد من التحديات في هذا السياق وعلى رأسها تفشي ظاهرة تهريب الثروة الحيوانية من هذه المناطق([25])، وارتفاع أسعار العلف والمواد اللازمة للعناية بالماشية، إلى جانب ذلك أثر استيراد اللحوم والدواجن بشكل كبير على المنتج المحلي. الأمر الذي ساهم في تدهور الثروة الحيوانية في هذه المناطق.

في هذا السياق كان لتواجد الفصائل العسكرية في هاتين المنطقتين تأثيراً واضحاً من حيث السلوكيات التي يقوم بها البعض من عناصر هذا الفصائل، والتي برزت بشكل واضح في منطقة عفرين من خلال قيامهم بالتعدي على المحاصيل الزراعية عبر فرض الإتاوات والرسوم على المزارعين وقيام البعض منهم باستلاب بعض الحقول الزراعية([26])، إلى جانب قيام البعض منهم بقطع أشجار الزيتون وبيعها كحطب في ظل ارتفاع أسعار الوقود في فصل الشتاء([27]). على الرغم من إصدار تعميمات عديدة من قادة هذه العناصر للحد من هذه التجاوزات([28])، إلا أن الكثير من هذه التعميمات لم يطبق بشكل فاعل. وبالتالي تشكل هذه الظاهرة أحد الجوانب المعيقة لتعافي القطاع الزراعي مع ضرورة قيام الجهات الحوكمية في هذه المنطقة بالتنسيق مع قيادات الجيش الوطني للحد من هذه التجاوزات. ومن جانب آخر لم يسجل بشكل عام قيام هذه الفصائل بعرقلة تنفيذ برامج سبل العيش الزراعية أو التدخل في تحديد المستفيدين منها، مع وجود بعض الحالات الفردية. أضف إلى ذلك ان هذا الدور السلبي لم يقتصر على العسكريين، حيث يقوم بعض النازحين من سكان المخيمات بالتعدي على الأراضي الزراعية ومحاولة الاستيلاء عليها وسرقة المحاصيل وغيرها من الممارسات الأخرى.

2.   المنظمات المنفذة للمشاريع

برز نشاط المنظمات السورية العاملة في هذه المناطق منذ تحررها، وكان نشاطها متمركزاً بشكل أساسي على الإغاثة نظراً للحاجة الماسة التي ألمت بسكان هذه المناطق إبان تحررها. فكان لزاماً مد يد العون لمساعدة السكان لتجاوز الآثار السلبية للنزاع عبر حملات الإغاثة بمختلف أنواعها. لكن استطالة النزاع في سورية وغياب أفق واضح لانتهاءه خلال الأعوام الماضية حملَ بعض هذه المنظمات للانتقال تدريجياً للتركيز على تنفيذ بعض البرامج التنموية بموازاة برامج الإغاثة، علها تسهم في إحداث التعافي المبكر وتمَّكن السكان المحليين والنازحين بالاعتماد على ذواتهم لكسب رزقهم. بعد أن أصبحت ثقافة الاعتماد على الإغاثة إحدى السمات البارزة في هذه المناطق. ويأتي هذا التوجه أيضاً في ظل تناقص التمويل الدولي المقدم من الجهات المانحة وضرورة إيجاد سبل عيش مستدامة للمواطنين ضمن هذه المناطق التي تمتاز بكون غالبية سكانها من المنخرطين في القطاع الزراعي.

وعليه ومع تقلد المنظمات لهذا الدور التنموي كان هناك اهتماماً ملحوظاً من قبلها في تطوير كوادرها البشرية العاملة في هذه المناطق وتأهيليها بما يتناسب ومتطلبات تنفيذ المشاريع الزراعية لضمان نجاحها واستدامتها. حيث أقامت العديد من هذه المنظمات الورش والتدريبات لتأهيل كوادرها من أبناء هذه المناطق والذي أسهم بشكل كبير في تطوير قدراتهم وإمكانياتهم التي انعكست على نجاح تنفيذ برامجها التنموية في القطاع الزراعي. أضف إلى ذلك قيام هذه المنظمات بتصميم هذه البرامج بما يتناسب والسياق المحلي لضمان قبولها مجتمعياً وتلقيها الدعم اللازم من قبل الفواعل المحليين لضمان نجاحها واستدامتها. وقد عملت هذه المنظمات كذلك على تنفيذ العديد من التدريبات للمستفيدين من مشاريعها والتي ساهمت بشكل كبير في خلق الوعي الجيد لديهم في كيفية الاستفادة منها وضمان استدامتها. وبالتالي شكلت هذه التدريبات حافزاً لدى السكان المحليين للتقدم للاستفادة من المشاريع الزراعية المقدمة في هذا الإطار وحرصهم على العمل ضمن الخطط التي تتضمنها هذه البرامج. ومن بين الأمثلة على هذه المشاريع ما قامت به مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية عبر تنفيذها لمشروع سبل العيش في القطاع الزراعي تم من خلاله توزيع عدد من رؤوس الماشية على المستفيدين مع تقديم التدريب اللازم وتأمين الأعلاف والعناية البيطرية، وقد تبين للمؤسسة بعد تنفيذ المشروع أن حوالي 80% من المستفيدين قد حافظوا على الأصول التي تم منحها لهم وقيامهم بالاعتماد عليها كمصدر دخل رئيسي([29]).

وقد حفّز هذا الأمر بعض المنظمات الدولية ذات الصلة على دعم الخطوات التي انتهجتها المنظمات المحلية في هذا المسار، عبر تدعيم إمكاناتها المادية والفنية لتسريع الانتقال من تقديم برامج الإغاثة الطارئة إلى التنفيذ التدريجي لمشاريع التعافي المبكر في القطاع الزراعي. إلا أن هذا الدعم لم يرتقِ إلى مستوى الحاجة الفعلية للعاملين في هذا القطاع، وبشكل لا يتناسب ومستوى المشاريع المطلوب تنفيذها لإحداث تعافي مبكر حقيقي ضمن هذه المناطق. حيث تتسم غالبية المشاريع الزراعية المنفذة بصغر حجمها وقلة عدد المستفيدين منها وعدم مراعتها للاحتياجات الفعلية للمزارعين. ويلاحظ أن معظم هذه المشاريع ماتزال تنفذ وتدار بذات العقلية الإغاثية، فالمستهدفون في أغلب المشاريع إما أن يحصلوا على قسائم شرائية للمدخلات الزراعية أو يتم توزيعها بشكل مباشر كسلل زراعية على شكل منح وهبات. وكان من الأجدر أن يتم العمل على حل مشكلات المزارعين بشكل شامل، ثم الانتقال إلى تأسيس كيانات زراعية داعمة تقدم المساعدة للمزارعين على شكل قروض تسترد بعد حصاد المحصول، مما يؤدي بداية إلى حصر المستفيدين بالدعم المقدم بالأكثر حاجة وتضرراً، ثم الانتقال إلى تحميل المسؤولية للمزارعين وبالتالي دفعه للعمل بجد أكبر حتى يتمكن من تسديد هذه القروض.

3.   فاعلية البرامج المنفذة

يمكن تقسيم البرامج التنموية المنفذة في القطاع الزراعي ضمن هذه المناطق إلى نوعين، يقوم النوع الأول منها على تمليك المستفيدين مفاتيح العمل وتطوير مهاراتهم من حيث رفع السوية المعرفية بطرق الزراعة والسقاية والعناية البيطرية للحفاظ على الأصول الموجودة، بالإضافة لإنمائها عن طريق تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من الأراضي المزروعة. أما النوع الثاني فيقوم على المشاريع التي تزود المستفيدين منها بالمدخلات الزراعية، وهي غالباً ما تكون ذات تأثير محدود زمنياً، حيث أنها تعمل على زيادة الإنتاج وتحسين الجودة في موسم محدد فيعود بالفائدة المادية على المستفيد، لكن مشكلة عدم ثبات قيمة العملة وارتفاع أسعار المحروقات بشكل دائم يحرم المستفيدين من توظيف الفائض المالي المحقق في المواسم القادمة، مما يحد من استدامة المشاريع التي تنفذ بهذا الشكل.

أما من ناحية الملاءمة بالنسبة للمشاريع الزراعية المنفذة في هذه المناطق، فلم تكن المشكلة في إشراك المستفيدين في هذه المشاريع عند دراسة احتياجات المنطقة بهدف إكسابها المرونة اللازمة لتكون ملائمة لاحتياجات القطاعات المنفذة ضمنها، بغض النظر عن حجمها كبيراً كان أم صغيراً. لكن تكمن المشكلة في أنه عادة ما يتم الضخ المالي للمشاريع في أوقات متقاربة فيحدث نشاط كبير في السوق المحلي على حساب أوقات أخرى يكون فيها التمويل ضعيفاً مما يسبب ركود عام في هاتين المنطقتين. إلا أنها ورغم كل الجهود المبذولة لإنجاحها فما تزال دون المأمول، كونها تدار بنفس العقلية الإغاثية، ولم تُطرح خطة تنموية شاملة قادرة على توليد مؤسسات زراعية إشرافية تعمل باستدامة ولا تتأثر بتقلبات الدعم الموجه وغير المستقر، وقد أدى عدم الاستقرار هذا إلى جعل هذه المشاريع محدودة التأثير وذات شروط صعبة التحقيق للاستفادة منها. مما وضع الجهات المنفذة أمام خيارين صعبين فإما تلبية كامل احتياجات عدد صغير من المستفيدين، أو تلبية جزئية بسيطة للاحتياجات المطلوبة مقابل تحقيق أكبر عدد من المستفيدين، فحتى عام 2020 لم تغطي هذه البرامج بأفضل الحالات أكثر من 25% من الاحتياجات([30]). ويبين الشكل (1) حجم التدخلات في قطاع سبل العيش والأمن الغذائي في الاستجابة الإنسانية لسورية بين عامي 2018 و2020. وعدد المستفيدين من هذه التدخلات خلال هذه الأعوام.

 

لقياس مدى تأثير برامج سبل العيش الزراعية وفقاً للفئات المستهدفة بها ومدى قدرتها على تلبية احتياجات كل فئة من هذه الفئات، فقد حدد منظمة الأمم المتحدة ثلاث فئات رئيسية للمستفيدين من هذه البرامج([1]). ووفقاً لهذه التصنيفات يمكن عرض ما قامت به المنظمات من خلال برامجها لدعم القطاع الزراعي في منطقتي درع الفرات وعفرين. فقد عملت بعض المنظمات على تنويع الأنشطة التي تقوم بها من خلال برامجها، بحيث تستهدف النازحين الذين لا يملكون المقدرة على زراعة الأراضي لعدم امتلاكهم لها أو لعدم وجود الخبرة الكافية عن طريق إنشاء برامج النقد مقابل العمل. كذلك تم تقديم ورشات تدريبية حول بعض الجوانب المرتبطة بالنشاط الزراعي للمساعدة على توليد الدخل مثل تربية النحل وزراعة الفطر في المنزل وصنع الألبان والأجبان منزلياً. ومن ثم تقديم الأدوات اللازمة للانطلاق بهذه المشاريع الصغيرة، بحيث يؤمن المستفيد من هذه البرامج الحد الأدنى من الدخل للاستغناء عن المساعدات الإغاثية. وقد أمنت هذه البرامج وبشكل مباشر حوالي 11600 فرصة عمل في عام 2018، وحوالي 18350 فرصة عمل في عام 2019([2]). بالإضافة لإسهامها في تخفيف نسبة البطالة بشكل غير مباشر، فطبيعة الأنشطة الزراعية تعطي إمكانية للمزارعين المستفيدين من تشغيل عمال إضافيين في أراضيهم بسبب زيادة الإنتاج في المساحات المزروعة الناتجة عن الدعم بالمدخلات الزراعية اللازمة.

إلى جانب ذلك فقد ساهمت هذه البرامج في تخفيف معدل الفقر من خلال القيام بمشاريع تستهدف ذوي الدخل المحدود من المزارعين ومالكي الثروة الحيوانية لتمكينهم اقتصادياً ومنع تدهور أصولهم الإنتاجية. ومن بين هذه المشاريع مشروع دعم أصحاب رؤوس الماشية ممن لا يملكون المقدرة على الاحتفاظ بأصولهم الإنتاجية في الأوقات التي ترتفع فيها أسعار الأعلاف واللقاحات، وقد استفاد من هذه البرامج في عام 2018 حوالي 2050 أسرة، وفي عام 2019 حوالي 16930 أسرة([3]). وكون النشاط الزراعي بشقيه النباتي والحيواني يعد النشاط الاقتصادي الأول في منطقة درع الفرات وعفرين فإن أي دعم مقدم لهذا القطاع بمختلف أشكاله يؤدي بشكل غير مباشرة إلى دعم السوق المحلية وتنشيط دورة الإنتاج.

توصيات ختامية

يعكس الواقع الزراعي الذي تعيشه مناطق الشمال السوري خلال الأعوام الماضية بشكل عام بعض الدلائل التي تؤشر لوجود حركية تعافي مبكر ضمن القطاع الزراعي. ومع تباين مستوى التدخلات التنموية لدعم حركية التعافي المبكر، يبدو من المهم تحليل واقع هذه التدخلات وقياس أثرها على المجتمعات المحلية ضمن هذه المناطق. ووفقاً لذلك حاولت هذه الورقة الإضاءة على إحدى هذه التدخلات وهي برامج سبل العيش الزراعية، عبر استعراض واقع هذه البرامج ومستوى الفاعلية المتحققة منها خلال الأعوام الماضية، وإبراز أهم المعوقات التي حدت من فاعليتها، إلى جانب الإضاءة على أهم الفواعل الرئيسيين ذوي الصلة بهذه البرامج.

تعكس المؤشرات المرتبطة ببرامج سبل العيش الزراعية في منطقتي درع الفرات وعفرين أن هناك جملة من التحديات يبرز في مقدمتها عدم وجود كيانات حوكمية متخصصة بالجانب الزراعي وهو ما أفقد فاعلية الكثير من البرامج المنفذة ضمن هذه المناطق. أضف إلى ذلك أن هذه البرامج لم ترق إلى المستوى الاستراتيجي الذي يمكن القطاع الزراعي من التعافي بشكل أكبر لأسباب ترتبط بضعف التمويل وعدم استدامته، وغياب التنسيق الكامل بين الكيانات المسؤولة عن النشاط الزراعي في هذه المناطق. أضف إلى ذلك غلبة التماثل في نوعية المشاريع الزراعية المنفذة مما يقلل من الأثر المرجوة منها. وكذلك شيوع حالة عدم الاستقرار الأمني الكامل الذي تشهده هذه المناطق والذي أضعف من قابلية الجهات الممولة من تنفيذ مشاريع استراتيجية كبيرة لتعافي القطاع الزراعي.

وبناءً على ما سبق، فإن نجاح عملية التعافي المبكر في القطاع الزراعي في هاتين المنطقتين يعتمد في جانب كبير منه على وجود جهة متخصصة تكون قادرة على تشخيص مقومات واحتياجات هذه المناطق بشكل دقيق، بحيث يتم وضع خطط تعافي تتلاءم والسياق المحلي عبر تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وتفعيل الدعم المقدم من الخارج بما يخدم تنفيذ هذه الخطط على شكل برامج زراعية مفصلة ومتناسبة مع هذا السياق بالتعاون والتنسيق مع الجهات الدولية الداعمة. أضف إلى ذلك ضرورة العمل على خلق نوع من التكامل والتوازن بين التدخلات التنموية الموجهة للقطاع الزراعي من قبل المنظمات المنفذة. بحيث يتم تعظيم الفائدة من هذه التدخلات عبر الحفاظ على مستوى الأمن الغذائي الملائم، ورفع مستوى دخل العاملين في القطاع الزراعي واستدامته، وتذليل جميع المشكلات المرتبطة بسلسة القيمة ذات الصلة بالنشاط الزراعي. 

 


 

([1])  تمثل التصنيفات التالية التصنيفات الثلاث الرئيسية ويتفرع عنها مجموعة من الفئات الفرعية:

  • المزارعين المحليين: ممن يملكون أراضيهم الزراعية ويقسمون إلى ثلاث فئات بحسب مساحة الأراضي والتي أقلها 5 دنم، وعادة يتم استهدافهم بالبرامج الخاصة بالدعم بالمدخلات الزراعية من بذار صيفية وشتوية بالإضافة للأسمدة والمبيدات الحشرية والآلات الزراعية اللازمة للحصاد بالإضافة لبع البرامج التدريبية الخاصة بالإرشاد والتوجيه الزراعي.
  • غير المزارعين ممن يمتلكون حيازات زراعية صغيرة لا تزيد مساحتها عن 1000 متر مربع، ويتم استهدافهم بالمقام الأول بالورشات التدريبية والارشاد الزراعي حول الزراعة العضوية والتسميد والاستخدام الفعال لمياه السقاية ويتبعها توزيع كميات مناسبة من المدخلات الزراعية الأولية لتصبح حيازاتهم الزراعية منتجة بالإضافة لمشاريع توزيع الدواجن بما لا يزيد عن 15 دجاجة مع أعلاف وأدوية تكفي لمدة 4 أشهر.
  • النازحين غير المزارعين ممن لا يملكون حيازات زراعية أو مواشي: ويتم استهدافهم عادة بالبرامج التدريبية حول تربية والمواشي والدواجن.

([2]) Syria Humanitarian Response Plan 2018, 2019, OCHA: https://rb.gy/rcrw3q

([3]) مرجع سابق.

 

([1]) مقابلة هاتفية أجريت مع مسؤول برامج سبل المعيشة والتعافي المبكر في مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية بتاريخ: 28/09/2020.

([2]) آلت هاتين المنطقتين للنفوذ التركي إثر عملية درع الفرات في عام 2017، والتي سميت المنطقة باسمها وشملت كل من مدن اعزاز والباب وجرابلس والراعي واخترين ومارع والتي   بلغت مساحتها 2692 كم2، إلى جانب عملية غصن الزيتون في عام 2018 للسيطرة على منطقة عفرين والتي تبلغ مساحتها 2055كم2.لكن لا تزال هذه المناطق تشهد بعض عمليات التفجير والاغتيالات، من قبل جهات ذات صلة بقوات سورية الديمقراطية ونظام الأسد وبعض الخلايا النائمة لتنظيم "داعش" في المنطقة. ويعزى عدم الاستقرار الأمني في جزء كبير منه إلى ضعف الجهات المسؤولة عن القطاع الأمني سواء من حيث التجهيزات اللوجستية أو من حيث الكوادر المؤهلة.

([3]) مجلس محافظة حلب الحرة، غرفة زراعة منطقة درع الفرات.

([4]) مجلس محافظة حلب الحرة، غرفة زراعة منطقة غصن الزيتون.

([5]) حسين الخطيب، الزراعة في الشمالي السوري تشهد تحسناً بعد سبع عجاف، موقع نون بوست، 16-04-2019: https://rb.gy/vakrcx

 

([6]) يبلغ عدد المجالس المحلية في منطقة درع الفرات 10 مجالس، في حين يبلغ عددها في منطقة عفرين 7 مجالس. ويتبع لكل منها مجالس فرعية تتلقى الدعم منها ويتصدر مجلس مدينة الباب قائمة المجالس الأكثر نشاطا من حيث الدعم المقدم، وكان بداية ظهور هذه المجالس في عام 2012.

([7])  محمد العبدالله، المقاربة التركية للتعافي الاقتصادي المبكر في سورية: دراسة حالة منطقة درع الفرات، في كتاب: التعافي الاقتصادي في سورية: خارطة الفاعلين وتقييم السياسات الراهنة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 25-09-2019: https://bit.ly/3oyi1GI

([8])  مقابلة أجريت مع مسؤول برامج سبل العيش والأمن الغذائي في مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية، مرجع سابق. 

([9]) يمكن الاطلاع على نموذج من بعض المشاريع التي نفذتها المؤسسة عبر الرابط: https://rb.gy/a5adz4

([10])  يحظى المشروع بدعم من صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا، وتبلغ مدته 18 شهراً ويتم بموجبه تسليم المزارعين المستهدفين في مناطق عمل المشروع بذور خضراوات، وسماد كيميائي عضوي، وبكرات ري بالتنقيط، ونايلون ملش، ومبيدات حشرية وفطرية، وأقفاص بلاستيكية لجني المحصول. فيما يُجري عدة مهندسين جولات على الأراضي، لتقديم الخدمات الإرشادية وتبادل الخبرات بين الفنيين والمزارعين وتقديم النصائح. المرجع: 

      ثائر المحمد، مشاريع دعم الزراعة شمالي سوريا وانعكاساتها على الفرد والمجتمع، موقع تلفزيون سوريا، 11-06-2021: https://rb.gy/rg9zir

([11])  ثائر المحمد، نفس المرجع السابق.

([12]) محمد العبدالله، المقاربة التركية للتعافي الاقتصادي المبكر في سورية: دراسة حالة منطقة درع الفرات، مرجع سابق.

([13]) محمد العبدالله، تنمية سبل العيش في المناطق السورية المحررة: دراسة تحليلية، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 17-12-2015: https://bit.ly/3hDKold

([14])  Syria Humanitarian Response Plan, 2017: https://fts.unocha.org/appeals/526/summary

([15]) Humanitarian Response, IDPs Tracking, August 2020, OCHA: https://rb.gy/9m7iwh

([16]) محمد العبدالله، واقع سبل العيش في مخيمات النزوح: دراسة حالة في مناطق الشمال السوري، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 07-11-2018: https://bit.ly/3v0QOyA  

([17]) مجلس محافظة حلب الحرة، غرفة زراعة منطقة درع الفرات، احصاءات 2020.

([18]) مقابلة أجراها الباحث مع مدير برنامج سبل العيش والأمن الغذائي في مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية، مرجع سابق. 

([19]) عفرين خمس سنوات من التنمية الاقتصادية، مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا، 14/02/2019: https://rb.gy/01dif4

([20]) مجلس محافظة حلب الحرة، غرفة زراعة منطقة درع الفرات وعفرين، احصاءات 2020.

([21]) زينب مصري وصالح ملص،  أزمة مياه في سوريا.. من يدفع الثمن، جريدة عنب بلدي، 20/09/2020: https://rb.gy/02r9q8

([22]) المداجن في ريف حلب الشمالي ودور المعابر، قناة حلب اليوم، 05/10/2019: https://rb.gy/faawto

([23]) الطرق الرئيسية في ريفي حلب الشمالي الشرقي، قناة حلب اليوم، 29/06/2019: https://rb.gy/fg2q6m

([24]) الزراعة في إعزاز.. تحديات وصعوبات، قناة حلب اليوم، 10/7/2019: https://rb.gy/lcx9yw

([25]) معتصم الطويل، مهنة رائجة… تهريب الأغنام من مدن الشمال إلى مناطق النظام، موقع الحل، 19/07/2019 https://rb.gy/ulxg7h

([26]) انتهاكات الفصائل الموالية لتركيا في عفرين بين النهب والإتاوات، مؤسسة The Levant ،10/10/2019: https://rb.gy/wevrdd

([27]) جانو شاكر، بعد أشجار الزيتون القطع الجائر يطال الغابات الحراجية في عفرين، موقع الحل، 16/03/2020: https://rb.gy/cjeasy

([28]) محلي عفرين يصدر قرارا بمنع قطع الأشجار وبيعها، موقع زيتون، 1/10/2020 https://rb.gy/wndqu1

([29])  مقابلة هاتفية أجريت مع مسؤول برامج سبل المعيشة والتعافي المبكر في مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية، مرجع سابق.    

([30])  مقابلة هاتفية أجراها الباحث مع منسق برامج سبل العيش في منظمة تكافل شام بتاريخ: 23/09/2020.

التصنيف أوراق بحثية

ملخص تنفيذي

  • تبرز عمليات إزالة مخلفات النزاع ومن بينها الألغام الأرضية في منطقتي درع الفرات وعفرين، كأحد التحديات التي توجه لها الجهود في سبيل تحقيق التعافي المبكر، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها المعطيات المرتبطة بهذه العمليات.
  • تهدف الورقة إلى محاولة تشخيص واقع عملية إزالة الألغام في هاتين المنطقتين، من خلال التعرف إلى برامج الفاعلين المحليين والدوليين، وتحليل أدوارهم وجهودهم في هذا الصدد، وتفكيك التحديات التي تواجه هذه العملية. والتعرف إلى الآثار التي تشكلها الألغام الأرضية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية.
  • إن الجهود المبذولة لإزالة هذا النوع من الذخائر عبر الأعوام الماضية، يعوزها بشكل واضح غياب التنسيق بين الجهات الفاعلة في هذا الإطار لأسباب عدة. مع غياب الدعم الدولي اللازم في هذا الجانب لأسباب سياسية. إلى جانب غياب جهة عابرة للمجالس والمنظمات، لتنسيق الجهود وحوكمتها في هذا الإطار بما يسهم في معالجة هذا الملف بشكل فاعل.
  • لم تحقق حملات التوعية لتفادي آثار الألغام الأرضية تلك الفاعلية المطلوبة، لأسباب ترتبط بقلة عدد المنظمات المهتمة بهذا الجانب، واقتصارها على عدد محدود جداً. إلى جانب غياب التنسيق بين المنظمات، ووكالات الإعلام، والجهات العاملة، وغيرها من الأسباب الأخرى.
  • إن توفير الدعم الطبي والنفسي والمادي للمتضررين من هذه الذخائر يعد متطلباً أساسياً للتعافي المبكر ضمن المجتمعات المحلية، وهو الشيء الذي ما تزال تفتقده نسبة كبيرة منهم.

 

مقدمة

مع تراجع حدة النزاع المسلح في منطقتي درع الفرات وعفرين، الواقعتين تحت النفوذ التركي، بدأت هاتان المنطقتان تشهدان مؤخراً بضعة خطوات تدريجية نحو التعافي المبكر، ومحاولة الجهات القائمة على هذه المناطق توفير متطلبات البيئة الآمنة، لضمان نجاح هذه الخطوات. وتبرز عمليات إزالة مخلفات النزاع في هذا السياق، كأحد التحديات التي توجه لها الجهود في سبيل تحقيق التعافي المبكر، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها المعطيات المرتبطة بهذه العمليات. ففي فترة خضوعها لكل من "تنظيم الدولة" و"قوات سورية الديمقراطية" قبل عام 2016، قام كل منهما بتفخيخها بالألغام الأرضية، إلى جانب الألغام الأرضية القديمة المتواجدة على طول الحدود التركية المحاذية لها. الأمر الذي شكَّل ويشّكِل مصدر تهديد كبير لحياة السكان واستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي ضمن هذه المناطق.  

تأتي أهمية الورقة من محاولة الإحاطة بالتقدم المنجز في عملية إزالة الألغام، في ضوء قلة المعلومات المتوافرة عن الإجراءات التي تتم في هذا الصدد، وأعداد الإصابات، والدعم المقدم لبرنامج إزالة الألغام، والآثار السلبية المرتبطة بها، كأحد الجوانب الهامة في توفير البيئة الآمنة للمواطنين، ونجاح عملية التعافي المبكر. ويتمثل الهدف الرئيس لهذه الورقة في محاولة تشخيص واقع عملية إزالة الألغام، من خلال التعرف إلى برامج الفاعلين المحليين والدوليين، وتحليل أدوارهم وجهودهم في هذا الصدد، وتفكيك التحديات التي تواجه هذه العملية. والتعرف إلى الآثار التي تشكلها الألغام الأرضية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية في هاتين المنطقتين.

ختاماً، تحاول الورقة وضع مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في زيادة فاعلية هذا البرنامج، بما يخدم هدف تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، اللازم لنجاح عملية التعافي المبكر. 

أولاً: واقع إزالة الألغام في منطقتي درع الفرات وعفرين

تشكل الذخائر غير المنفجرة بمختلف أنواعها أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية التعافي المبكر، في الدول الخارجة من النزاعات. وفي تقريرها الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2020، أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن سورية تعد من أسوأ دول العالم في كمية الألغام المزروعة منذ عام 2011([1])، وصنفت منظمة "الحملة الدولية لتحريم الألغام الأرضية"، في تقريرها الصادر عام 2019 سورية في المرتبة الرابعة من بين الدول المتلقية للمساعدات الدولية لإزالة الألغام. كذلك حذرت الأمم المتحدة في شهر يوليو/تموز 2019 من تعرض حياة أكثر من عشرة ملايين سوري للتهديد بسبب تواجدهم في مناطق ملوثة بالألغام، داعية جميع أطراف النزاع في سورية، للسماح بإزالة مخلفات النزاع من المتفجرات، وضمان احترام وسلامة العاملين في المجال الإنساني، المسؤولين عن إزالة الألغام([2]). مما يدل على مدى تلوث البلد بهذا النوع من الذخائر، غير المنفجرة، وكونها مصدر خطر كبير.

مع تحول النزاع في سورية إلى الطابع العسكري في عام 2012، بدأت القوى العسكرية باللجوء إلى استخدام الذخائر المنفجرة كأداة حرب، ووسيلة لفرض نفوذها العسكري في مناطقها، وعرقلة أي تقدم للقوى المتحاربة معها. ونظراً لسيولة الوضع الأمني في عموم المناطق، واستمرار النزاع في بعضها، فإن من الصعب وضع تقدير دقيق للعدد الإجمالي للألغام المزروعة، مع وجود توقعات بوصول هذا العدد إلى عشرات الآلاف. وتصدرت مناطق الشمال السوري بشكل عام المناطق السورية في مستوى انتشار الذخائر المنفجرة، في محافظات حلب وإدلب واللاذقية، للفترة الممتدة ما بين يوليو/تموز 2013 ومايو/أيار 2019. إذ سُجِلَ ما لا يقل عن 113.107 استخدام للذخائر المتفجرة، شكلت نسبة الذخائر الأرضية المنفجرة منها ما يقارب 50%. وفي محافظة حلب وحدها سُجلَ ما لا يقل عن 58.084 استخدام لهذه الذخائر([3]).

 في تناولنا لواقع الألغام الأرضية في منطقتي درع الفرات وعفرين، الواقعتين في الشمال الغربي من سورية، فإن الوقوف على الإحصاءات الفعلية المرتبطة بهذه الألغام يعد صعباً، نظراً لتعدد القوى العسكرية التي خضعت لها هاتان المنطقتان بعد عام 2011، وقيامها بزرع أنواع مختلفة من الألغام الأرضية والمفخخات. ففي منطقة درع الفرات، وإبان سيطرة تنظيم "داعش" عليها، لجأ الأخير إلى الاعتماد بشكل كبير على زراعة الألغام في غالبية مدنها، معتمداً على خبرة عناصره الأجانب في هذا المجال، لاستهداف المقاتلين على جبهاته. ووفقاً للعديد من الخبراء العسكريين؛ فإن الألغام العائدة للتنظيم تعد من بين الألغام الأشد فتكاً وخطورة، بنوعيها المضادة للأفراد، والمضادة للآليات. ومن بين أنواع هذه الألغام: المسطرة، والمسبحة، واللغم الليزري، والدوسة، والحجر([4]). ويصف بعضهم ألغام تنظيم الدولة بأنها مثلت "فناً عسكرياً" بحد ذاته، من ناحية أنواعها، وطرق وأماكن زرعها، ومدى استفادته منها في مواجهة أعدائه، قبل وبعد خروجه من المناطق التي سيطر عليها([5]). لكنها بالمقابل أودت بحياة العشرات من المدنيين، وسببت إصابات خطيرة للعديد منهم([6])، بعد أن تمكنت قوات المعارضة السورية بمساندة الجيش التركي من تحرير هذه المنطقة من تنظيم داعش في 29 مارس/آذار من عام 2017.

في منطقة عفرين، عمدت قوات "قسد" الجناح العسكري للإدارة الذاتية، على زرع وتفخيخ المنطقة بأعداد كبيرة من الألغام الأرضية، منذ استيلائها على المنطقة في أغسطس/آب لعام 2015، في محاولة منها لصد أي تقدم للجيش التركي وقوات المعارضة السورية نحو المنطقة. ومع اقتراب معركة "غصن الزيتون" في عام 2018، زادت هذه القوات من كمية الألغام المزروعة في الأحياء والمساكن والمناطق الزراعية، بهدف إحداث أكبر ضرر ممكن بالقوات المهاجمة، ومنع المدنيين من مغادرة المنطقة، للاحتماء بهم في حال نشوب المعركة، وهو ما كشفت عنه العديد من التقارير الميدانية([7]). وبعد هزيمة قسد في مارس/آذار 2018، شكلت عملية إزالة هذه الألغام تحدياً كبيراً، تطلب تدخل قوات متخصصة من الجيش التركي لتنظيف المدن والأحياء من هذه الألغام، وتجنيب المدنيين المخاطر الناتجة عن انفجارها. ووفقاً للخبراء المختصين في هذا المجال؛ فإن طبيعة الألغام التي تم زرعها في منطق عفرين هي من الأنواع التقليدية، ذات التصميم الروسي. وفي شهر يناير/كانون الثاني في عام 2018 تمكنت القوات المسلحة التركية من تفكيك 80 لغم أرضي، و650 عبوة ناسفة وفقاً لبعض المصادر([8]).

تمثلت أبرز التحديات التي واجهت الجهات القائمة على إزالة الألغام في هذه المناطق، في نوعية الألغام المزروعة، من قبل كل من تنظيم داعش وقوات قسد، وكثافتها، والتكتيكات المستخدمة في زرعها، والتي تطلبت وجود خبراء مختصين للقيام بإزالتها. إلى جانب عدم وجود خارطة يمكن الاسترشاد بها لإزالة هذه الألغام، بأقصر فترة زمنية، وانخفاض مستوى كفاءة الكوادر المحلية التي أوكلت إليها هذه المهمة، في جانبيها العسكري والمدني، سواء من ناحية عدم توفر المستلزمات الحديثة للكشف عن الألغام، أم لعدم توفر برامج التدريب اللازمة لتأهيل هذه الكوادر، وغياب الدعم الدولي اللازم لبرنامج إزالة الألغام في هاتين المنطقتين لأسباب سياسية. أضف إلى ذلك ضعف حملات التوعية للمواطنين في كيفية تجنب أخطار هذه الألغام([9]). وبالتالي ما تزال تشكل بقايا هذه الألغام خطراً يهدد المجتمعات المحلية، مع ما يفرضه ذلك من العمل على زيادة حملات التوعية، والعمل على نزعها بشكل كامل.

أضف إلى ذلك فإن بعض المصادر تشير إلى وجود كميات كبيرة من الألغام على طول الأراضي المحاذية للحدود التركية، زرعها الجيش التركي في الفترة ما بين (1957-1998)([10])، والتي تقدر كميتها ما بين (613.000-715.000) لغماً مضاداً للأفراد، لمنع العبور غير المشروع للحدود([11]). وقد نتج عنها العديد من الضحايا المدنيين، الذين اضطروا للهرب بعد تصاعد حدة النزاع في هاتين المنطقتين([12]). وما تزال هذه الألغام إلى الوقت الحاضر تمثل خطراً يهدد حياة السكان المحليين، سواء منهم العاملين بالزراعة، أم الذين يحاولون اجتياز الحدود التركية عن طريق شبكات التهريب.   

ثانياً: الفاعلون في إزالة الألغام ... الأدوار والفاعلية

مع شيوع حالة شبه الاستقرار الأمني في عدد من المناطق السورية، بدأت تظهر جهود العديد من الفواعل المدنية والعسكرية في عمليات إزالة الألغام، ومخلفات الحرب. وعلى الرغم من وجود التمايز في هذه الجهود، سواء من حيث الدعم المحلي والدولي المقدم لها، أم من حيث كفاءة الكوادر العاملة وتجهيزاتها، إلا أنها تُظهِر مدى أهمية هذه العمليات، كأحد عناصر البيئة الآمنة اللازمة لاستقرار السكان المحليين، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والتعافي من تبعات النزاع. وكغيرها من المناطق السورية؛ فقد برز عدد من الفواعل الذين أسهموا خلال الأعوام الماضية في هذه الجهود، في منطقتي درع الفرات وعفرين، ونستعرض فيما يلي أهم الإسهامات التي قدمها كل منهم:

1.   منظمة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)

كان لمنظمة الدفاع المدني منذ تأسيسها في عام 2015 دور هام في تأمين متطلبات البيئة الآمنة، فقد عملت على محاور عدة في هذا السياق. وفي إطار تناولنا لموضوع الذخائر غير المنفجرة، كان للمنظمة خطوات ملموسة في مناطق سيطرة المعارضة السورية، عبر قيامها بإزالة هذه الذخائر، وتجنيب المواطنين مخاطرها. وكان لهذه الخطوات أثر كبير في توفير العودة الآمنة للنازحين في هذه المناطق، وتوفير مقومات الحياة الأساسية، عبر إعادة تأهيل المرافق العامة، كالمدارس، والطرقات وغيرها، ووفقاً لآخر إحصاءاتها المنشورة على موقعها الإلكتروني، فقد تمكنت الفرق المتخصصة في المنظمة من إزالة 1243 جسماً قابلاً للانفجار، من مخلفات الحرب منذ 1 يناير/كانون الثاني 2019 حتى نهاية شهر مارس/ آذار لعام 2021، بينها 986 قنبلة عنقودية.

ومنذ عام 2017، كان هناك تواجد فعلي لفريق الدفاع المدني في منطقة درع الفرات، بعد تحريرها من تنظيم داعش، فقد عمل على إزالة آلاف الذخائر غير المنفجرة في المدن والبلدات الرئيسية، وقد بلغ عدد الذخائر غير المنفجرة التي تم إزالتها منذ عام 2015 في مناطق الشمال السوري عن طريق منظمة الدفاع المدني 23000([13]). ومع تحرير منطقة عفرين من قوات "قسد" في عام 2018، عمل الدفاع المدني كذلك على الإسهام في إزالة الذخائر غير المنفجرة فيها. وعلى الرغم من المتطلبات التي تحتاجها عملية إزالة هذه الذخائر، عملت المنظمة بما أوتيت من إمكانات محدودة، على تأهيل الكوادر المحلية للإسهام في هذه العملية([14])، إذ يضم كادر المنظمة العامل في إزالة الذخائر مزيجاً من العسكريين، ذوي الخبرة، إلى جانب المدنيين، الذين يتم تدريبهم للعمل على الإزالة بشكل مباشر([15]). وخلال الأعوام الماضية، كان هناك عدد من الإصابات، التي طالت هذا الكادر، وأودت بحياة عدد من طواقمه([16]). إلا أن التحدي الأبرز الذي تواجهه منظمة الدفاع المدني في هذا السياق، يتجسد في قلة الدعم المقدم، على الصعيدين اللوجستي والمادي. إلى جانب محدودية كفاءة وخبرة الكادر العامل، الذي لم يتلقَ التدريب الكافي للعمل في هذا المجال. وفي إطار سعيها لزيادة فاعلية نشاطها، تعمل المنظمة على التعاون والتنسيق مع المجالس المحلية والمجتمعات المحلية للمساعدة على إزالة الذخائر غير المنفجرة، من خلال عمليات تلقي الإبلاغ من قبل المواطنين، في حال اشتباههم بوجود ألغام في مناطقهم، والقيام بالمسح غير التقني، بهدف تقليل الإصابات التي يمكن أن تنتج عن هذه الذخائر إلى الحد الأدنى، وتأمين العودة الآمنة للسكان إلى مناطقهم([17]). لكن من جانب آخر، ووفقاً لمنظمة الدفاع المدني، لا يوجد علاقات تنسيق وتعاون مع الفصائل العسكرية في هذا الصدد، لأسباب خاصة بالمنظمة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تشرذم الجهود، وعدم تكاملها في إطار سياسة موحدة لإزالة ما تبقى من هذه الذخائر.

2.   الجيش الوطني السوري

باعتبارها أحد الفواعل الأساسيين لتوفير مقومات البيئة الآمنة، عملت الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية منذ تواجدها في منطقتي درع الفرات وعفرين، في عامي 2016 و2018 على التوالي، على إزالة مخلفات النزاع العسكري لتمهيد العودة الآمنة للنازحين، وتجنيب السكان المحليين أخطار هذه المخلفات. ومع بدء عملية هيكلة هذه الفصائل في جسم عسكري واحد "الجيش الوطني"، تم تخصيص العناصر ذوي الخبرة في هذا المجال، ضمن ما يعرف بـ"سرية الهندسة" المتخصصة بتفكيك الألغام الأرضية.

بعد تحرير منطقتي درع الفرات وعفرين عملت فرق الهندسة التابعة للجيش الوطني على تفكيك الألغام الأرضية التي خلفها تنظيم داعش وقوات قسد. ووفقاً لتقديرات الجيش الوطني، فإن العدد الإجمالي للألغام بعد انسحاب داعش يقدر بحوالي 60 ألف لغم، هناك حوالي 20 ألف لغم تمت إزالته من قبل سرية الهندسة، التي عملت بإمكانيات بسيطة، ومعدات بدائية، وأجهزة كشف معادن، في حين أن الأعداد الباقية والتي يقدر عددها بـ 40 ألفاً، تم إزالة نسبة كبيرة منها من قبل الفلاحين، والأفراد المدنيين، وجهات أخرى. ويعمل الجيش الوطني على التعاون مع المجالس المحلية والسكان المحليين، وبشكل خاص الفلاحين، لأنهم الأكثر عرضة لمواجهة الألغام، وذلك لكون مناطق الاشتباك كانت في أراضيهم الزراعية([18]).

في جانب التحديات التي تواجه الجيش الوطني في هذا الإطار، يمثل نقص التمويل لتأمين المعدات اللازمة لإزالة الذخائر غير المنفجرة، وانخفاض مستوى الكفاءات البشرية، وقلة خبرتها في هذا المجال، أحد أهم هذه التحديات، والتي كلفته العديد من الخسائر المادية والمعنوية، لذا تحاول إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني العمل على توعية المقاتلين، بشكل دوري ومستمر، بمخاطر المفخخات والألغام، سواء من خلال الندوات، أم التقارير التوعوية، أم المنشورات. والعمل بشكل متوازٍ على التدريب المستمر للعناصر في مجال إزالة الألغام([19]).

3.   الجيش التركي

منذ بدء العمليات العسكرية للجيش التركي في منطقتي درع الفرات وعفرين، عملت وحدة تفكيك المتفجرات في الدرك التركي على تفجير عدد من الألغام وإزالتها، وعملت كذلك على تعليم قوات الشرطة المحلية على تفكيك المتفجرات، والتعامل مع الأجسام المشبوهة. ففي منطقة الراعي تم إزالة حوالي 10 آلاف و438 جسم متفجر، في عام 2017([20]). كذلك فإن هناك تعاون مستمر بين عناصر الجيش الوطني السوري والجيش التركي في إزالة الألغام، التي زرعتها قوات قسد، في إطار أنشطة تعزيز الأمن في منطقة عفرين. إضافة إلى ردم الخنادق، التي تم تلغيمها، وإزالة أكوام الأتربة التي تؤثر سلبًا على الحياة اليومية للمدنيين في المنطقة، وذلك بمساهمة من المجلس المحلي لعفرين، وولاية هاتاي التركية([21]).

في السياق ذاته، تنشط القوات المسلحة التركية بتطهير مناطق عدة، بينها الحدود التركية مع سورية، من الألغام، بواسطة فريق مهام خاصة يعرف باسم "صيادي الألغام".  يتم العمل على تطهير حقول الألغام التي جرى تحديدها مسبقاً، والتي هي على طول الشريط الحدودي الذي يبلغ حوالي 150كم2، إضافة إلى الحقول التي يجري اكتشافها. ولتتماشى مع أهداف الأمم المتحدة في "عالم خال من الألغام لعام 2025"، تستمر تركيا في العمل على إزالة جميع الألغام المدفونة، وإزالة الألغام والذخيرة غير المنفجرة، وقد أحرزت تقدماً هاماً في هذا الصدد على حدودها مع سورية([22]). يضاف إلى ذلك تعاونها المستمر مع الجيش الوطني، لتدريب العديد من العناصر بموضوع إزالة الألغام([23]).

4.   المنظمات المحلية

إبان تحرر منطقة درع الفرات برزت مبادرات محلية لإزالة الألغام، كان من أبرزها مبادرة المركز السوري للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحرب (في أيد أمينة)، الذي تأسس في نهاية عام 2016، وضم أكثر من 50 متطوعاً، يملك بعضهم خبرة سابقة أثناء "الخدمة الإلزامية" في جيش النظام. وقد وضع القائمون عليه سياسات ومعايير وبرامج منظمة، بما يتوافق مع برامج الأمم المتحدة للألغام (UNMAS). وطرح المركز خمسة برامج للتعامل مع مخلفات الحرب في المناطق المحررة، وهي: الاستجابة السريعة، ومساعدة الأهالي، ونزع الألغام، والتوعية بمخاطر الألغام، ودعم ضحايا الألغام، إضافةً إلى تدمير المخزون. وكان للمركز جهود واضحة في عمليات إزالة الألغام، على الرغم من محدودية إمكانياته اللوجستية والمادية. وكان له تنسيق وتعاون واضح مع الهيئات المدنية، متضمنة المجالس المحلية، ولجنة إعادة الاستقرار، والشرطة الوطنية([24]).

إلى جانب ما سبق، فقد سُجِلَ وجود بعض المبادرات من المجتمع المحلي، ومنها قيام بعض الصناعيين في المنطقة بتصنيع جرار خاص للحراثة وإزالة الألغام بآن واحد، للمساهمة في تذليل الواقع الذي يعاني منه المزارعون([25]). إضافة إلى العديد من المبادرات الفردية التطوعية، من ذوي الخبرة بنزع الألغام، لتجنيب الأهالي الوقوع كضحايا محتملين لهذه الذخائر غير المنفجرة([26]).

ثالثاً: تداعيات الألغام على المجتمعات المحلية

خلف النزاع في سورية عشرات الآلاف من الألغام والعبوات الناسفة. وما يزال بعضها مدفوناً في أماكن مجهولة، إلى جانب بعض الذخائر غير المنفجرة، وانتشارها في مساحات واسعة من المناطق المأهولة بالسكّان، مما يشكل تهديداً للمدنيين. وما يفرضه هذا الأمر من أثر سلبي مباشر على استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.

على الرغم من عدم وجد آلية شاملة لجمع بيانات دقيقة عن ضحايا الألغام والذخائر غير المنفجرة، فقد أوردت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2020 تقديرات للخسائر البشرية بين صفوف المدنيين السوريين التي تسبَّبت بها هذه الألغام، وذلك منذ مارس/آذار 2011 حتى ديسمبر/كانون الأول/ 2020، وأوردت حصيلة الضحايا بمن فيهم الأطفال والنساء، والكوادر الطبية والإعلامية، وكوادر الدفاع المدني، وتوزعهم بحسب المحافظات التي قتلوا فيها، كما استعرضت بعضاً من أبرز الحوادث التي وقعت إثر انفجار الألغام.

وسجَّل التقرير مقتل ما لا يقل عن 2601 مدنياً، من بينهم 598 طفلاً، و267 سيدة، قتلوا عبر المئات من حوادث انفجار الألغام في مختلف المحافظات السورية، منذ عام 2011، وكان من بينهم 8 من الكوادر الطبية، و6 من كوادر الدفاع المدني، و9 من الكوادر الإعلامية. وأشار التقرير أن 703 ضحية من العدد الإجمالي للضحايا كان في محافظة حلب([27]). وقد سجل عام 2018 وفقاً لبعض المصادر، العدد الأكبر من ضحايا الألغام في منطقة عفرين، إذ قتل 55 شخصاً، بينهم 39 طفلاً، فيما تجاوزت عدد الإصابات الكلية إلى 360 شخصاً، وفي عام 2019 كان عدد الأشخاص الكلي 125 شخصاً، أغلبهم في منطقة عفرين وتل رفعت، فيما سُجل العشرات من الضحايا، كذلك في مناطق الباب وجرابلس والبلدات والقرى التابعة لها([28]).

أما على الصعيد الاجتماعي والصحي، وكغيرها من المناطق الأخرى، فإن لهذه الذخائر آثار سلبية على الأفراد القاطنين في منطقتي درع الفرات وعفرين، بزيادة حالات الخوف والقلق لدى فئات كبيرة من المجتمع، إلى جانب انتشار بعض الأمراض النفسية، والاضطرابات السلوكية الناجمة عن ذلك، ومدى القدرة على التعايش والعودة إلى الحياة الطبيعية. وذلك نتيجة للإصابات التي خلفتها هذه الذخائر، والتي أدت في كثير من الأحيان إلى الموت او التشوهات الخلقية، التي وثقتها بعض التقارير الميدانية من هاتين المنطقتين([29]). فأخطار هذه الألغام تطال جميع الفئات السكانية، مع وجود تمايز بين هذه الفئات، من حيث تعرضها لهذه المخاطر، إما بسبب العمر، أو الدور الاجتماعي، أو نمط النشاط الذي تقوم به. أضف إلى ذلك قلة الدعم المقدم من قبل المنظمات المهتمة بمصابي الحرب، بسبب الكلفة المرتفعة الواجب تقديمها لهم لإعادة المصابين إلى حياتهم بشكل طبيعي. وغياب البرامج الخاصة بذلك على الأمد الطويل الأجل، وخاصة ما يرتبط منها بالعلاج الفيزيائي، والدعم النفسي، وتركيب الأطراف الصناعية، وغيرها من المستلزمات الأخرى، التي تعد جزءاً أساسياً في التراتبية العلاجية للمصابين، وخاصة لمن بترت أطرافهم([30])، والذين تقدر أعدادهم بالآلاف في مناطق شمال سورية، بين مدنيين وعسكريين، تتنوع إصاباتهم بين الخفيفة والمتوسطة، والإعاقات الدائمة، التي تحتاج لرعاية طبية على المدى الطويل. ويبين الشكل توزع أعداد الضحايا وفقاً للأعوام في عموم مناطق سورية.                                                                               

إلى جانب ما سبق، ما تزال حملات التوعية الخاصة بمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة دون المستوى المأمول، سواء من ناحية كيفية التحوط منها، أم من ناحية التعامل مع الإصابات الناجمة عنها، والتي تتسبب في كثير من الأحيان بعاهات جسدية ونفسية دائمة للمصابين، ما لم يتم التعامل معها بالأسلوب الطبي الصحيح. ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى النقص الكبير في عمل المنظمات الإنسانية، العاملة في جميع أنحاء المناطق السورية، والمهتمة بهذا الجانب من جوانب التعافي المبكر للمجتمعات المحلية، فقد فشلت العديد منها في رفع مستوى الوعي حول مخاطر الألغام ومخلفات الحرب، ناهيك عن كيفية التعامل معها([31]).

في الجانب الاقتصادي، بدا واضحاً التأثير السلبي للألغام على الحياة الاقتصادية في هاتين المنطقتين، إذا ما علمنا بأن أكثر الأشخاص المعرضين لخطر الوقوع ضحية لحوادث الألغام هم: المزارعون، ورعاة الماشية، والبناؤون، وجامعو الخردة المعدنية، وعمال البناء، والعاملون في المجال الإنساني، والأطفال في طريقهم إلى المدرسة، والمشردون داخلياً، والعائدون إلى منازلهم.

وقد تجلى هذا بشكل واضح في هاتين المنطقتين، اللتين تعتمدان على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل لنسبة جيدة من سكانها، لعدم قدرة المزارعين على استغلال قسم من أراضيهم، بعد أن أصبحت هذه الأراضي مسرحاً للعمليات العسكرية، وقيام الأطراف المتحاربة بزرع الألغام الأرضية كأداة حرب ضد بعضهم. الأمر الذي خلق تحدياً كبيراً للمزارعين، وللجهات القائمة على القطاع الزراعي، في كيفية تنظيف الأراضي الزراعية، والطرقات المستخدمة للنقل الزراعي من الذخائر غير المنفجرة، بما فيها الألغام الأرضية. ومدى قدرتها على تأمين المتطلبات اللوجستية والمادية اللازمة لنزع هذه الذخائر، نظراً لقلة الخبرات المحلية في هذا المجال والكلفة المادية المرتفعة التي تتطلبها عمليات الإزالة([32]).

إلى جانب ذلك، فقد سُجِلَ العديد من الإصابات في صفوف المزارعين، الذين حاول بعضهم إزالة هذه الألغام بشكل شخصي، إلى جانب الإصابات التي تعرض لها بعضهم وذويهم، نتيجة جهلهم بوجود هذه الألغام، وعدم اتخاذ إجراءات الوقاية اللازمة، بسبب قلة حملات التوعية في هذا الصدد. ففي منطقة درع الفرات لوحظ أن الجهات المعنية بإزالة مخلفات الحرب كانت جهودها مركزة على المباني السكنية والطرق العامة، وعدم منحها الأهمية المطلوبة للأراضي الزراعية، بسبب كثافة الألغام المزروعة فيها، مما كان له تداعيات سلبية على الحياة الاقتصادية للسكان المحليين، الذين تعتمد نسبة كبيرة منهم على الزراعة كمصدر للدخل، وكان جراء ذلك امتناع بعض المزارعين عن زراعة حقولهم خوفاً من التهديد المحتمل لهذه الألغام([33]). ولكن ذلك لا ينفي وجود بعض التجارب الناجحة في إزالة الألغام الأرضية من الأراضي الزراعية في بعض البلدات، كما في بلدة أخترين، والتي تم الإعلان أنها آمنة ونظيفة من الألغام بشكل كامل، بتاريخ 26-01-2017([34]). أما في منطقة عفرين، والتي يتركز الإنتاج الزراعي فيها على زيت الزيتون، فقد شهدت كذلك العديد من الإصابات بعد أن تم تلغيم الحقول الزراعية، على خطوط التماس بين قوات قسد والجيش الوطني، مما كان له أثر كبير على عدم تمكن المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وجني محاصيلهم ضمن هذه المنطقة([35]).   

رابعاً: الفاعلون في الجانب الاجتماعي

إن المخاطر والآثار المرتبطة بالألغام والذخائر غير المنفجرة لا تنتهي بمجرد وجود جهات قائمة للعمل على إزالتها في هذه المناطق. بل إن الأمر يرتبط في جانب كبير منه بمدى وجود جهات قادرة على بث التوعية اللازمة بفاعلية، للحد من الأخطار المحتملة لهذه الذخائر، وقادرة أيضاً على تقديم المساعدة الطبية اللازمة للأفراد المصابين، ليتمكنوا من تجاوز آثار هذه الإصابات البدنية والنفسية.

في عام 2015، وفي ذروة انتشار الإصابات بالذخائر غير المنفجرة في منطقة درع الفرات، أدركت بعض المنظمات ضرورة العمل على نشر حملات التوعية للتنبيه على الأخطار المرتبطة بالألغام، كما قام بعضها أيضاً بتقديم الدعم للمصابين بها. ونظراً للخبرة التي يمتلكها بعض الفاعلين في إزالة الألغام الذين تم الإشارة لهم سابقاً، فقد كان لهم دور ملموس في نشر حملات التوعية بما أوتوا من إمكانات. فقد قامت منظمة الدفاع المدني بحملات توعية ممنهجة، لزيادة فاعلية إزالة الألغام في هاتين المنطقتين، وكان لهذه الحملات آثار إيجابية ملموسة، بتقليلها لعدد الإصابات بين المدنيين. وتم تسجيل استجابة جيدة من قبل المدنيين لهذه الحملات على أرض الواقع، الذين أدركوا المخاطر المرتبطة بهذا النوع من الذخائر غير المنفجرة. كذلك لعبت الفصائل العسكرية التابعة للجيش الوطني دوراً في الأنشطة المرتبطة بحملات التوعية، والندوات الثقافية، بالتعاون مع اتحاد جمعيات الفلاحين والمدارس. وكان لهذه الحملات أثر جيد في زيادة توعية المواطنين، خاصةً أنها تنفذ من قبل بعض العسكريين المختصين بالذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية. وهي ما تعتبر ميزة لهذه الحملات، مقارنة بحملات التوعية التي يقوم عليها بعض المدنيين، ذوي الخبرة القليلة في هذا المجال. إلا أن هذه الحملات لم تتلق الدعم اللازم، إذا ما قورنت بحملات التوعية المنفذة من قبل المنظمات الأخرى، وذلك لأسباب ترتبط بإحجام الداعمين عن التعامل مع فصائل الجيش الوطني، كجهة عسكرية داخل هذه المناطق([36]).

كذلك لوحظ نشاط واضح للمركز السوري للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحرب (SMAC)، في منطقة درع الفرات منذ عام 2015، فيما يتعلق بالتوعية من أخطار الألغام، إذ استهدفت حملاتها: المدارس، ومخيمات النازحين، واللاجئين في دول الجوار، والتي هدفت للمساهمة في رفع الوعي حول الألغام ومخلفات الحرب، ومخاطرها وآليات الوقاية منها([37]). فقد قام المركز بتصميم كتيبات صغيرة لتنشر في إطار هذه الحملات. كذلك قام المركز بتنظيم عدد من الندوات والمحاضرات التوعوية([38]).

في السياق ذاته، شهدت منطقتي درع الفرات وعفرين وجود عدد من منظمات المجتمع المدني، الفاعلة في عمليات التوعية، تجاه أخطار الألغام، ومن بينها منظمة "بهار"، التي تنشط في منطقة عفرين منذ ثمان سنوات. إذ قامت بتنفيذ العديد من حملات التوعية للمدنيين، من مخلفات الحرب، عن طريق قيامها بجولات في القرى، والشوارع، والمنازل، مع توزيع منشورات عن آلية الإبلاغ في حال الاشتباه بوجود جسم غريب في المنطقة([39]). إلى جانب ذلك، يقوم فريق التوعية التابع للمنظمة بالمساهمة في عملية إزالة الألغام، من خلال تأشير المناطق الملوثة بالألغام وإغلاقها، والتنسيق مع فرق الهندسة التابعة للجيش الوطني، عبر إبلاغهم للقيام بمسح المنطقة وإزالتها لاحقاً([40]). كما كان لمؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية، العاملة في هاتين المنطقتين، مساهمة جيدة في هذا الصدد، من خلال برنامج الحماية التي تعمل عليه المؤسسة، والذي تقوم من خلاله بتدريب أعضاء الفرق الجوالة ضمن هذه المناطق، على نشر التوعية من مخلفات الحرب، باستخدام البروشورات والكتيبات التوضيحية في القرى والبلدات ومخيمات النزوح الداخلي. 

كذلك لوحظ تواجد للمنظمة الإنسانية لمكافحة الألغام التركية (IMFAD) في منطقة درع الفرات، منذ يناير/كانون الثاني 2019، بمشروع توعوي يستهدف 6000 شخص، 95% منهم أطفال، تتراوح أعمارهم ما بين (6-17) سنة، إلى جانب 5% من البالغين، بما في ذلك قادة المجتمع، والإداريون، وموظفو المؤسسات والمنظمات غير الحكومية، من أجل زيادة الوعي بالمخاطر التي تسببها الألغام والذخائر غير المنفجرة، لمنع تعرضهم للأذى بسبب هذه المخاطر([41]).

في جانب الدعم الصحي المقدم لمصابي مخلفات الحرب، فإن الملاحظ غياب البرامج والمناهج المختصة لرعاية مصابي الحرب في هاتين المنطقتين، ويقتصر تقديم الدعم الطبي لهم على مراكز ومؤسسات طبية غير معنية بهم بشكل أساسي، بالإضافة إلى منظمات خصصت جزءاً من عملها للعلاج الفيزيائي ورعاية المتضررين، بشكل لا يتناسب والحاجة الفعلية لهذه الخدمات الطبية. إذ تعد مشكلة قلة مراكز العلاج الفيزيائي من أبرز المشكلات التي يعاني منها المصابون بمخلفات الحرب، الذين تتفاوت إصابتهم بين الخفيفة والمتوسطة، والإعاقات الدائمة التي تحتاج لرعاية طبية طويلة الأمد. 

وفيما يرتبط بالدعم المقدم لهذه الشريحة من الأفراد، فقد كان لمركز الخطوات السعيدة في مخيّم باب السلامة على الحدود السورية التركية دور هام في مساعدة مبتوري الأطراف في الشمال السوري، كونه كان المركز الوحيد في منطقة أعزاز لتقديم الأطراف الصناعية المجانية للمصابين، وما يزال المركز يقدم خدماته، بما يتوفر لهم من الدعم والتدريب، لخدمة سكان المنطقة([42]). ونشط أيضاً مركز "في أيد أمينة" في تقديم الدعم، عن طريق رفع أسماء المصابين والمتضررين للمنظمات الدولية والحكومة التركية، وقد تمكن من إجراء بعض العمليات الجراحية للمتضررين في أعينهم.

كذلك كان للمجالس المحلية لمناطق درع الفرات إسهام في هذا الصدد، فقد قدم المجلس المحلي لبلدة جرابلس بالتعاون مع الحكومة التركية بالإعلان عن مشروع خيري وإنساني للمتضررين من مخلفات الحرب. تم التركيز من خلاله على تركيب الأعضاء المبتورة كالأرجل والأيدي، يضاف إلى ذلك قيامه بجمع أسماء المتضررين وتسجيلها، عبر مكتبه الإغاثي، لتقديم العلاج لهم في تركيا([43]). وبتاريخ 13-12-2019 افتتحت الرابطة الطبية للمغتربين السوريين "سيما" بالتعاون مع شركاء عدة، مركزاً للأطراف الصناعية في مدينة الباب([44])، لإحياء هذا الجانب الخدمي، ومساعدة فاقدي الأطراف، لإعادة تأهيلهم جسدياً ونفسياً، بشكل مجاني، وتلبية لحاجة السكان والنازحين لخدمات إعادة التأهيل، وتركيب الأطراف الصناعية، التي تخفف عن فاقدي الأطراف صعوبات التنقل لمراكز بعيدة لتلقي العلاج([45]).

توصيات ختامية

مثلت الذخائر غير المنفجرة بما فيها الألغام الأرضية عبر الأعوام الماضية أحد العوامل التي حدّت نسبياً من أنشطة التعافي الاقتصادي المبكر، في مناطق درع الفرات وعفرين. وأفرزت كذلك العديد من التداعيات السلبية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان، سواء من تعرض منهم للإصابة بهذه المخلفات بشكل مباشر، أم حتى أولئك الذين شكلت هذه الذخائر تهديداً أمنياً على حياتهم وعلى سبل عيشهم.

إن المتتبع للجهود المبذولة لإزالة هذا النوع من الذخائر عبر الأعوام الماضية، يلحظ بشكل واضح غياب التنسيق بين الجهات الفاعلة في هذا الإطار. سواء من ناحية تكوين جهة واحدة، يعهد إليها استلام هذه المهمة، تكون قادرة على تصدير أرقام فعلية لما تم إزالته وما هو متبقٍ من الذخائر غير المنفجرة، أم من ناحية تنسيق جميع الجهود والإمكانات والخبرات المحلية واستثمارها بشكل فاعل، لتنظيف هاتين المنطقتين بشكل كامل، من هذه الذخائر، مع غياب الدعم الدولي اللازم في هذا الجانب لأسباب سياسية. وبالتالي لا بد من العمل على تشكيل لجنة عابرة للمجالس والمنظمات، لتنسيق الجهود وحوكمتها في هذا الإطار بما يسهم في معالجة هذا الملف بشكل فاعل.

 أضف إلى ذلك أن حملات التوعية التي تتم في هذا الصدد لم تحقق تلك الفاعلية المطلوبة، لأسباب ترتبط بقلة عدد المنظمات المهتمة بهذا الجانب، واقتصارها على عدد محدود جداً. إلى جانب غياب التنسيق بين المنظمات، ووكالات الإعلام، والجهات العاملة، والمجالس المحلية، لتنظيم حملات إعلامية كبيرة، تستهدف جميع السكان المحليين، والقاطنين في مخيمات النزوح الداخلي، أو القادمين إلى هذه المناطق من خارجها. وبالتالي لا بد من العمل على تكاتف جهود كلّ الجهات المعنية بمختلف إمكاناتها وخبراتها، في ظل غياب الخرائط التي تحدد مواقع هذه الألغام، وهو ما يمثل تحدٍ بحد ذاته لهذه الجهات، وما يتطلبه من جهد ووقت طويل لإزالتها، ومدى القدرة على توفير الدعم الكافي لإنجاز هذه المهمة.    

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن توفير الدعم الطبي والنفسي والمادي للمتضررين من هذه الذخائر يعد متطلباً أساسياً للتعافي المبكر ضمن المجتمعات المحلية، وهو الشيء الذي ما تزال تفتقده نسبة كبيرة منهم. لتكون هذه الشريحة من الأفراد قادرة على تجاوز آثار هذه الإصابات، التي لا يستطيع الغالبية منهم تغطية تكاليفها المرتفعة. وبالتالي لا بد من تضافر جميع الجهود لاستجرار الدعم الدولي اللازم لتنفيذ برامج رعاية طبية طويلة الأمد، وتوفير جميع مستلزماتها. بما يمّكِن المتضررين من ممارسة حياتهم الطبيعية، والتعافي من هذه الآثار. 

 


 

([1]) الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 10-12-2020: https://bit.ly/2SF2Ek9

([2]) محمد طارق، الأمم المتحدة: الألغام ومخلفات الحرب تهدد حياة 10 ملايين سوري: متحدث أممي دعا أطراف النزاع في سورية للسماح بإزالة مخلفات الحرب من المتفجرات، وكالة الأناضول للأنباء، 22-07-2019: https://rb.gy/qrnnqt

([3])  Explosive Munitions in Syria -Report 3, Aleppo, Idleb, and Latakia governorates between July 2013 and May 2019, Syria Conflict Mapping Project, Support for Peace in Syria program, The Carter Center, USA.

([4]) المسطرة والليزري والحجر.. "فن الألغام" لدى "تنظيم الدولة"، جريدة عنب بلدي، 09-03-2017: https://bit.ly/3dTd5YZ

([5]) أين يزرع "داعش" ألغامه، جريدة عنب بلدي، 09-03-2017: https://bit.ly/2QreVYv

([6]) لا توجد أرقام موثقة لحصيلة القتلى بسبب هذه الألغام، إلا أنها تقدر بالعشرات، إضافة إلى وجود الكثير من حالات الإعاقة التي تسببت بها لسكان هذه المنطقة، وفقاً لبعض التقارير الميدانية من هذه المناطق خلال الأعوام الماضية.

([7])  الجيشان التركي و"السوري الحر" يواصلان إزالة الألغام في عفرين، موقع شام، 09-05-2018: https://rb.gy/mjxmzp

([8])  تفكيك مئات العبوات الناسفة وعشرات الألغام في عفرين، موقع بلدي نيوز، 01-05-2018: https://rb.gy/ykaxyf

([9])  مداخلة مجدولة لـلسيد هشام اسكيف من إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني، تم إجراؤها في جلسة مناقشة نتائج الورقة البحثية في مدينة غازي عنتاب بتاريخ: 09-12-2020.

([10])  سورية/تركيا – ألغام أرضية تودي بحياة المدنيين الفارين من كوباني، هيومن رايتس ووتش، -04-12-2020: https://rb.gy/noqqzm

([11]) Thousands of landmines planted along Turkish-Syrian border, Middle East Monitor, 10-01-2014: https://rb.gy/rsdov5

([12]) انضمت تركيا إلى اتفاقية حظر الألغام في 2003، وهي ملزمة كدولة طرف، بضرب نطاق حول جميع المناطق الملغومة، ورصدها، وتسويرها في أقرب موعد ممكن، "لضمان استبعاد المدنيين على نحو فعال. كما أنها كانت ملزمة بموعد نهائي مبدئي في مارس/آذار 2014، لرفع جميع الألغام، إلا أنها حصلت على تمديد حتى مارس/آذار 2022. وصرحت وزارة الدفاع التركية أنها أوقفت في عام 1998 زرع الألغام الأرضية، وبدأت أنشطتها في العام نفسه لإزالة الألغام الأرضية، التي تم زرعها على حدودها مع سورية. 

([13]) من مقابلة تم إجراؤها مع منسق ملف الذخائر المنفجرة لدى منظمة الدفاع المدني محمد سامي المحمد، بتاريخ: 18-09-2020.

([14]) قامت المنظمة بتدريب 6 فرق، مكونة من 72 عنصر مؤهل، للتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، موزعةً بين ريف حماة وإدلب ومنطقة درع الفرات وعفرين منذ 2016 حتى الوقت الحاضر. 

([15]) من مقابلة تم إجراؤها مع منسق ملف الذخائر المنفجرة في الدفاع المدني السوري، مرجع سابق.

16 لغم أرضي يودي بحياة 3 من متطوعي "الخوذ البيضاء"، زمان الوصل، 14 كانون الأول 2019: https://www.zamanalwsl.net/news/article/118887/

([17]) من مقابلة تم إجراؤها مع منسق ملف الذخائر المنفجرة في الدفاع المدني السوري، مرجع سابق.

([18]) الجيش الحر يواصل نزع ألغام "داعش" من ريف حلب الشمالي، وحدة تفكيك الألغام فككت أكثر من 5 آلاف لغم وعبوة ناسفة، منذ تحرير مدينة جرابلس، وكالة الأناضول للأنباء، 27-12-2016: https://cutt.ly/YbigJnc

([19]) من مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع أحد عناصر الجيش الوطني السوري، بتاريخ: 25-09-2020.

([20]) الدرك التركي يدمر 10 آلاف جسم متفجر في بلدة "جوبان باي" السورية، موقع Yeni Şafak، 26 ديسمبر2017: https://bit.ly/3aH2C15

([21]) عمر قوباران، الجيشان "التركي" و"السوري الحر" يواصلان إزالة الألغام في "عفرين"، وكالة الأناضول للأنباء، 09.-05-2018: https://bit.ly/3edJzxA

([22]) كرم قوجه لر، عزت ماضي، "عين الأناضول" ترصد أنشطة "صيادي الألغام" على الحدود السورية، وكالة الأناضول، 22.06.2020 : https://bit.ly/37o1y0R

([23]) من مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع أحد عناصر الجيش الوطني، مرجع سابق.

([24]) حسن مطلق، مركز ناشئ يزيل الألغام ومخلفات الحرب شمال سورية، جريدة عنب بلدي، 12-03-2017: https://cutt.ly/2biuF0u

([25])مزارعو ريف حلب يحجمون عن الموسم.. الألغام لا ترحم، جريدة عنب بلدي، 2017-10-29 : https://rb.gy/v0ncj3 ,

([26]) مصطفى أبو شمس، تنظيم الدولة ينسحب مخلفاً الألغام، مجلة عين المدينة، 05-03-2017: https://cutt.ly/xbilt2P

([27]) سورية من أسوأ دول العالم في كمية الألغام المزروعة منذ عام 2011 على الرغم من حظر القانون الدولي استخدامها، تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان،  10-12-2020: https://bit.ly/3nmW6AV

([28]) الألغام غير المنفجرة ما تزال تدمّر حياة الأطفال في شمال وشرق سورية، موقع مركز توثيق الانتهاكات في شمال سورية، 10-04-2019: https://bit.ly/2RmEREo

([29]) عمر قوباران، إصابة طفلين شمالي سورية إثر انفجار لغم من مخلفات "داعش، الانفجار وقع في مدينة الباب بحسب مصادر محلية، وكالة الأناضول للأنباء، 29-06-2020: https://bit.ly/3aGseei

([30]) نور عبد النور وآخرون، مصابو الحرب في سورية .... ضحايا على قيد الحياة، جريدة عنب بلدي، 12-08-2018: https://bit.ly/3eDwcp8

([31]) ""monitorينشر تقريراً عن ضحايا الألغام في سورية، موقع السوري اليوم، 12-04-2021: https://bit.ly/3e7Vr46

([32]) تتراوح كلفة إنتاج لغم مضاد للأفراد بين (3 -30) $، بينما كلفة تعطيله او نزعه بين (300 -1000) $، وهذا بدوره يستنزف الاقتصاد المحلي، ما لم يتم الاتفاق على خطة دولية للعمل عليه.

([33]) مزارعو ريف حلب يحجمون عن الموسم.. الألغام لا ترحم، مرجع سابق.

([34]) ريف حلب.. إزالة 400 لغم من مخلفات التنظيم في "أخترين"، جريدة زمان الوصل، 30-01-2017: https://cutt.ly/cbuKC11

([35])  حسين الخطيب وحفصة جودة، موسم الزيتون في سورية.. تراث قديم ومصدر رزق ولكن، موقع نون بوست، 08-11-2018: https://rb.gy/3kgeha

([36]) في مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع أحد العناصر في الجيش الوطني، مرجع سابق.

([37]) للاطلاع أكثر يمكنك زيارة موقع المنظمة على شبكة الانترنت، http://www.syrmac.org/

([38]) “المركز السوري للألغام” يبدأ حملة لتوعية أطفال مدارس حلب، جريدة عنب بلدي، 09-05-2017: https://bit.ly/2RgdVpZ

([39]) للاطلاع أكثر يمكنك زيارة موقع المنظمة على شبكة الانترنت: https://bahar.ngo/home

([40]) من مقابلة تم إجراؤها عبر الهاتف مع مدير المكتب الإعلامي في منظمة بهار أمير خربوطلي بتاريخ:  20-09-2020.

([41])  للاطلاع أكثر يمكنك زيارة موقع المنظمة على شبكة الانترنت، https://www.imfad.org/

([42]) لبنى سالم، أطراف صناعية محلية... سوريون يأملون بأيدٍ وأرجل بديلة، موقع العربي الجديد، 21-03-2017: https://bit.ly/3gVXQ3G

([43]) مشروع لتركيب أعضاء لمبتوري الأطراف شمالي حلب، جريدة عنب بلدي، 25-09-2017:  https://enabbaladi.net/archives/174867

([44]) يعد هذا المركز أحد فروع المشروع الوطني السوري للأطراف الصناعية، المنشأ في عام 2013، في مدينة الريحانية جنوب تركيا، وذلك بدعم من الرابطة الطبية للمغتربين السوريين سيما ومجموعة من الشركاء.

([45]) "سيما " تفتتح مركزاً للأطراف الصناعية في ريف حلب الشمالي، موقع سيما العالمية، 14-12-2019: https://bit.ly/339yAyS

 

التصنيف أوراق بحثية

أظهرت تقارير التعافي الاقتصادي المبكر المنجزة في مناطق "درع الفرات" وعفرين ومحافظة إدلب([1])، منذ النصف الثاني من 2018 وحتى النصف الأول من 2020 تطوراً ملحوظاً في حركية المشاريع الاقتصادية بالشكل الذي ساهم في تنشيط القطاعات وتخديم السكان في الكثير من الخدمات الرئيسية وتوفير فرص عمل على الرغم من التحديات الكثيرة. ولكن اعترتها عدة إشكاليات تمركزت في قطاعات الصناعة والتمويل والزراعة والثروة الحيوانية والنزوح الداخلي، تسببت بهشاشة مستمرة في تلك القطاعات وفي آلية اتخاذ القرارات وحالة التنظيم، وهو ما أدى لاختلال التوازن في عملية التعافي المبكر واعتماد رافعة مالية قاصرة في تمويل المشاريع قد تنتكس في أي لحظة.

لذا لابد من التنبه لتلك الإشكاليات وإلّا قد تستمر حالة العجز في الوفاء بالاستحقاقات المعيشية وتثبط من تنمية المنطقة والانتقال بها من مرحلة التعافي المبكر لمرحلة اقتصادية تنضج فيها الأسواق والقطاعات الاقتصادية كافة.

من أبرز تلك الإشكالات عدم اتخاذ الأجسام الإدارية المسؤولة، الحكومة السورية المؤقتة والمجالس المحلية وحكومة الإنقاذ، آلية موحّدة في صياغة القوانين وصناعة القرارات لإدارة دفة الاقتصاد وفق استراتيجية واضحة المعالم تحقق رؤية المعارضة، وتوازن بين القطاعات الاقتصادية، وتدير نفسها بعيداً عن النظام وأزماته الاقتصادية، وتتجنب التبعية المفرطة للمنظمات والمانحين، وحالة التشرذم في الإدارة وتشظي الموارد جراء تعدد الأجسام الإدارية. فالأجدى بها لمعالجة هذا الإشكال تهيئة مناخ قانوني ذو نظم وقوانين موحدة في المنطقة تقرها، الحكومة السورية المؤقتة بالتعاون والتنسيق مع المجالس المحلية، كسبيل لمواجهة اللاتنظيم واتجاهات الفوضى المتزايدة، من شأنها أن تحفظ الحقوق وتنعش مناخ الأعمال، وتنشئ الحكومة مؤسسة إحصائية تُعنى بضبط كافة الإحصاءات المتعلقة بالموارد والأعمال والسكان، وتصدر مؤشرات اقتصادية مثل التضخم والإنتاج والإنفاق والسكان والشفافية ونوعية الخدمات وغيرها.

على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لقطاع الزراعة والثروة الحيوانية، ومن هوية المنطقة الزراعة بامتياز، مع ذلك لم ينجز سوى 142 مشروعاً على مدار العامين الماضيين. فلم يتم تصميم برنامج يحقق الاكتفاء الذاتي في العديد من المحاصيل الزراعية التي تتمتع بها المنطقة وعلى رأسها القمح، ما حرمها من تثبيت سعر ربطة الخبز كمسؤولية اجتماعية واجبة في ظل ما تعانيه المنطقة من صعوبات معيشية وفقر مدقع. وتم استيراد مادة الطحين بالعملة الصعبة ليرتبط ثمن الخبز، الغذاء الرئيسي للعوائل، بتقلبات أسعار صرف الدولار والليرة التركية والليرة السورية، ويعرّضه لارتفاع مطّرد، وهو ما زاد من حنق المواطن ضد الأجسام المسؤولة عن إدارة المنطقة ومن تزايد الصعوبات المعيشية. فبلغ سعر الربطة في منطقة "درع الفرات" ليرة تركية واحدة وليرتين للخبز غير المدعوم، وفي إدلب بلغ سعر الربطة 600 ليرة سورية. كما لم يتم استغلال الفائض في إنتاج المحاصيل الأخرى من زيتون وبطاطا وغيرها عبر إيجاد أسواق تصريف خارجية. وفي إطار الثروة الحيوانية عانت الأعمال من ضعف الإنتاج وانخفاض تنافسيته أمام المنتج الأجنبي، كما هو الحال في مادة البيض التي ارتفع سعرها بواقع 50% إبان قرار منع استيرادها من تركيا. والأفضل في هذا الإطار إيجاد هيئة استشارية عابرة للمجالس المحلية بعضوية ممثلين عنها تُعنى بتقديم النصح في مواضيع الخطط والتكامل التنموية في هذا القطاع ترفع من أولوية الاكتفاء الذاتي وبالذات من مادة القمح، ومن حجم الصادرات بالشكل الذي يدر عملة صعبة ويعيد الثقة للمزارعين ويزيد من حجم المشاريع الزراعية المنفّذة.

وعطفاً على قطاع الصناعة وما تم تنفيذه من مشاريع بلغ عددها 11 مشروعاً فقط من بينها تصنيع أعمدة للضوء وحاويات ومعامل للأعلاف والاسمنت والملابس والأحذية. ويعزى جفاف هذا القطاع لغلاء مدخلات الإنتاج من المواد الأولية وضحالة رؤوس المال، وانخفاض القوة الشرائية للمواطن، وضعف البنية التنظيمية من قوانين وتنظيمات في المنطقة التي تسهم في حفظ الحقوق وضمان حركية وأمان رأسمال، فضلا عن العمليات العسكرية والحالة الأمنية المضطربة. ولتحريك هذا القطاع بالمشاريع، على المؤسسات الرسمية في هذا القطاع إنضاج مقاربة مختلفة في علاج هذا الخلل عبر توحيد غرف الصناعة المنشأة في المنطقة في غرفة واحدة تعمل على توحيد القوانين والأنظمة الصناعية والإدارية والمالية وتنظيم شؤون المدن الصناعية والارتباط بمذكرات تفاهم مع غرف الصناعة التركية في إطار التوأمة وتذليل التحديات، والبدء بتسويق استثمار مشاريع صناعية عبر الأدوات الاستثمارية المتنوعة، وسيكون جذب أحد الأفرع البنكية التركية للداخل بمثابة منح ثقة للأسواق المحلية للاستثمار فيها.

وبلغ عدد المشاريع المنفّذة في قطاع التمويل على مدار رصد عملية التعافي المبكر، 60 مشروعاً، تركزت في دعم سبل العيش وتقديم قروض حسنة ودعم المشاريع الصغيرة ومشاريع العمل مقابل النقد ودعم مشاريع نسائية ومزادات علنية. على الرغم من أهمية قطاع التمويل في إدارة الموارد وتسهيل حركة المال والأعمال والسيطرة على الأسعار، إلا أنه لم يشغل حيزاً كبيراً في هامش المشاريع واهتمامات المجالس المحلية. وليصبح هذا القطاع مرتكزاً تعتمد عليه المنطقة في تطوير المشاريع الصناعية والزراعية والتجارية وتمويل المشاريع. على الحكومة السورية المؤقتة بوزارتها المعنية إيجاد مؤسسة أشبه بحاضنة الأعمال Business Incubator  تُعنى بتمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم، ذو أهداف ربحية، ووفق منهجية رصينة، تساهم في تنويع دائرة المشاريع المنفّذة في كافة القطاعات.

أخيراً، في إطار توفير حياة كريمة للنازحين سواءً في المخيمات أو خارجها تم تنفيذ 218 مشروع في قطاع النزوح الداخلي إلا أن هذا الأمر قد يشكل وبالاً على المنطقة إذا استمر الحال بهذه المنهجية التي تقوم على التبعية المفرطة للمنظمات والمانحين في توفير احتياجات النازحين المتنوعة. فالأفضل عوض اعتماد المخيم على المساعدات الإغاثية مساعدته على إنتاج احتياجاته بكافة السبل الممكنة، فبدل إعطاء كرتونة مساعدات تحتوي على مواد متنوعة يمكن إيجاد دورة إنتاج متكاملة بالحد الأدنى، مثل منح قطعة أرض لزراعة المحاصيل الرئيسية لتأمين احتياجات المخيم من الغذاء تضمن توفير عمل لشباب المخيمات ومنح تمويل لإنشاء ورشات عمل بسيطة تعنى بوضع خطة لتحويل المخيم من خيمة إلى منزل يضمن حياة كريمة للنازحين. ولتحقيق ذلك ينبغي أن تتكاتف منظمات الإغاثة والتنمية الفاعلة في الشمال السوري لتشكيل وحدة تنسيق مشتركة لهذا الخصوص (انتاج الاحتياجات).

عموماً، أظهرت عملية التعافي المبكر حتى الآن، بما لها وما عليها، تقدماً نسبياً في بعض القطاعات لعلّ أبرزها الكهرباء والمياه والنقل والمواصلات وتأخرت في قطاعات أخرى، وستكون الشهور المقبلة فرصة سانحة لتلافي الأخطاء وعلاج الإشكالات الواردة أعلاه بما يضمن استقراراً أكثر وتنفيذ مشاريع متنوعة وتوفير فرص عمل. ومن جملة التوصيات التي يمكن عرضها للفترة القادمة ما يلي:

  • تأطير أواصر التنسيق والتعاون بين المجالس المحلية والحكومة السورية المؤقتة لتوحيد آليات تدارس المشاكل وتنفيذ القرارات وسن التشريعات والقوانين، والإسراع في تنفيذ مشاريع الإحصاء بالشكل الذي يصدر عنها مؤشرات اقتصادية شهرية عن المنطقة فضلا عن قوننة كافة جوانب بيئة العمل بهدف حماية الأسواق ورأس المال والعمال؛
  • دراسة أوجه العجز الحاصل في توليفة القطاعات وبالأخص التمويل والزراعة والصناعة، لإعادة التوازن وصرف الانتباه نحو الاكتفاء الذاتي وإيجاد قنوات لتصريف المنتجات المحلية في الخارج، والعمل على ترويج هذه المشاريع وفق دراسات جدوى اقتصادية وتراخيص قانونية مناسبة، لرجال أعمال سوريين في المغترب، وإن تعذر فيمكن العمل وفق آلية "بناء، تشغيل، نقل" مع مؤسسات ودول مانحة وإن تعذر فالعمل على اقتراض أموال من دول صديقة للمعارضة السورية بهدف تأسيس تلك المشاريع الإنتاجية التي تضمن سداد القروض وتطوير السوق والنهوض بالمنطقة وساكنيها.

 

التصنيف أوراق بحثية

مقدمة

أفرز النزاع الدائر في سورية منذ عام 2011 جملة من التحديات التي بدأت ترتسم ملامحها مع اقتراب النزاع من نهايته، ولعل من أبرزها التحديات المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي المبكر التي بدأت تظهر بوادرها في عدد من مناطق هذا البلد المتباينة من حيث النفوذ والاحتياجات والموارد والإمكانيات التي تحوزها. وفي ضوء مخرجات المشهد الراهن الذي امتاز بتعزيز مناطق النفوذ وتعثر العملية السياسية، بدأت سياسات الفواعل المحلية والإقليمية والدولية تتكيف مع هذا الواقع وتطلق مشاريع تعافي اقتصادي مبكر في مناطق النفوذ تلك، ولأن البيئة العامة ما تزال قلقة سياسياً وعسكرياً، ولأن هذه المشاريع تتطلب العديد من الإجابات عن أسئلة قدرات هؤلاء الفواعل والواقع الذي تعيشه هذه المناطق والسياق السياسي المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي داخلها، توجه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية إلى تنفيذ سلسلة من المخرجات البحثية بهدف فهم ديناميات هذه المشاريع، وبوصلتها السياسية ومتطلباتها وتحدياتها، حتى تكون تلك المشاريع دافعة باتجاه تكوين بيئة مستقرة.

تعد مرحلة التعافي المبكر على غاية في الأهمية، لأنها المرحلة التي يفترض بها أن تنقل البلاد من النزاع إلى السلم والاستقرار، والمرحلة التي تهيئ الأرضية اللازمة لعملية إعادة الإعمار اللاحقة. ولهذه المرحلة بعد سياسي وشق اجتماعي يماثل من حيث الأهمية الشق الاقتصادي. ويشمل الشق السياسي: العمل على وقف العنف في كافة أنحاء البلاد، وإقامة مؤسسات الحكم الجديد، والتركيز على إنجاز حل سياسي مولِّد للاستقرار. ويشمل الشق الاجتماعي: أعمال الإغاثة، واستيعاب اللاجئين وإسكانهم، وإجراء المصالحات الوطنية، بعد تهيئة البيئة الأمنية المناسبة. ويشمل الشق الاقتصادي: ترميم المرافق العامة الأساسية، وتحريك عجلة الاقتصاد، وإعادة التوازن للإطار الاقتصادي الكلي، وتفكيك مؤسسات اقتصاد النزاع في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة كما ضمن سيطرتها. وتتداخل المكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية أعلاه بشكل كبير، وتعتمد النجاحات في أي منها على النجاح في النشاطات الأخرى.

ينطلق التوجه البحثي لمركز عمران من افتراض مفاده أن المرحلة القادمة في الملف السوري ستكون تحت إطار (ما بعد النزاع العسكري)، وأن السيناريوهات المتوقعة هي أسيرة اتجاهين، الأول: ترسيخ مناطق نفوذ: "سورية المفيدة" ذات نفوذ إيراني روسي، "سورية الشرقية" ذات نفوذ غربي عربي، "سورية الشمالية" ذات النفوذ التركي، والثاني: استمرار استثمار الفاعلين الإقليمين والدوليين بتثبيت وقف إطلاق النار، مع تغليب أولوية التفاوض المعلن أو غير المعلن بغية الوصول إلى صيغة سلطة جديدة، يكون فيها للنظام القائم الحصة الأكبر بحكم مجهودات حلفائه من جهة، وتمكنه من امتلاك "آليات التحكم" من جهة ثانية.

وتتمحور الأهداف العامة لهذا التوجه في تحديد المعايير الضامنة لتعافي اقتصادي مبكر، وتكوين إطار سياساتي عام لتنفيذ جهود التعافي تلك، وتحديد متطلباته وشروطه المرتبطة بثلاثية الأمن والحوكمة والتنمية، بالإضافة إلى تصدير موقف حيال كفاءة النظام اتجاه تحديات مرحلة ما بعد النزاع وسياسات التعافي وإعادة البناء. وضمن هذا السياق تم إنجاز خمسة مخرجات بحثية، الأولى: ورقة تحليل سياسي بعنوان السياق السياسي للتعافي المبكر في سورية، والثانية: ورقة تحليلية حول التعافي الاقتصادي المبكر في سورية: التحديات والأولويات. والثالثة: ورقة حول الاقتصاد السياسي للتعافي المبكر في سورية، والرابعة دراسة بعنوان: التعافي المبكر في سورية: دراسة تقييمية لدور وقدرة النظام السوري، في حين تضمنت الخامسة دراسة بعنوان: المقاربة التركية للتعافي الاقتصادي المبكر في سورية: دراسة حالة منطقة "درع الفرات".

لقراءة الكتاب كاملاً انقر الرابط التالي: http://bit.ly/2l73N3h


رسالة شكر وتقدير

يتوجه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بالشكر الجزيل لمؤسسة Konrad-Adenauer-Stiftung على شراكتها ودعمها للمشروع البحثي وطباعة الكتاب

التصنيف الكتب

شرق الفرات أحد حجارة الشطرنج الأخيرين على الرقعة السورية الممتلئة بقوى إقليمية ودولية تحاول كسب الجولات الاخيرة من النزال، لربما لا تكون مغالاة إذا ما قلنا إن سياسة القوة الثانية في حلف الناتو « تركيا» في الملف السوري ارتبطت بمصير المناطق المسيطر عليها من قبل الإدارة الذاتية، ولأجل إنهاء هذا المشروع وضعت تركيا نصب عينيها أن تقع في مواجهة حليفها التاريخي المتمثل بالولايات المتحدة، بينما الأخيرة حاولت مسك العصا من الوسط دوماً منذ أواخر العام 2015 تاريخ تشكيل قوات سوريا الديمقراطية التي تمثل وحدات حماية الشعب عمودها الرئيسي، الوحدات التي أعلنت التزامها فكرياً بمبادئ زعيم حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أبقى الكفة التركية فيما يخص مصيرها دوماً الكفة العليا في أي مساومة دخلتها تركيا سواءً مع واشنطن أو مع روسيا.

القوة الناعمة

من جهتها لم تنجح القوة الناعمة لأمريكا متمثلة بالدبلوماسية والتطمينات العسكرية والأمنية لتركيا في إعطاء توازنٍ كافٍ لرغبتها في تمكين مشروع « الإدارة الذاتية» عسكرياً على المدى القصير، ولربما سياسياً في المستقبل، في خضم هذا الواقع المتشابك، ارتفعت دوماً التصريحات التركية منذ سيطرة وحدات حماية الشعب على مدينة منبج أواخر العام 2016، تهديداً بأنها لن تقبل بوجود ممر يحكمه حزبٌ وقوى عسكرية ترتبط بحزبٍ له 40 عاما من الصراع العسكري داخل وخارج تركيا، وهكذا اتجهت تركيا لتنفذ عملية درع الفرات، التي حققت أهدافها المرحلية آنذاك بمنع أي تواصل بين مناطق شرق النهر وعفرين، إلا أن ما تبقى تحت سيطرة « ي ب ك، وقسد» وامتداده لاحقاً باتجاه تحرير الرقة من تنظيم الدولة، وإتمام العملية بالسيطرة على غرب دير الزور، آخر معاقل التنظيم في سوريا، ليدفع بتركيا لتخطو خطوة أكثر قساوة، وتمثل بعملية « غصن الزيتون» التي انتهت بالسيطرة على مدينة عفرين ونواحيها، لنصل إلى تاريخ إعلان ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، وما تبعه من تعديلات وتصريحاتٍ متضاربة انتهت بضرورة إنشاء منطقة آمنة تهدف لتحقيق ثلاثة أهدافٍ رئيسية: 1_ منع عودة ظهور تنظيم الدولة، ومحاربة خلاياه المتبقية، 2_ جعل شرق الفرات أحد الأعمدة الامريكية في مشروع حصار نظام طهران، 3_ حماية حلفاء واشنطن المحليين.

مع إعلان جملة الاهداف الأمريكية المنشودة من المنطقة الآمنة عادت حدة التصريحات التركية للواجهة، كون جملة الأهداف تلك تخالف أولويات تركيا، فتنظيم الدولة لم يعد بالقوة التي بإمكانه أن يمثل تهديداً إقليمياً، بينما لم ترغب تركيا دوماً أن تكون أحد أطراف تطبيق منظومة العقوبات على إيران، والهدف الثالث والمتمثل بحماية الشركاء المحليين لواشنطن يصب في خانة أولى الاولويات التركية من ناحية ضرورة مواجهته، خلال هذه الفترة منعت واشنطن « قسد» ومظلتها السياسية « مسد « من عقد أي اتفاقٍ مع نظام دمشق، الأمر الذي يعني سيطرة إيران على المنطقة وعودة 40% من موارد سوريا لخدمة نظام الأسد، الأمر الذي يعني ايقاف المسار السياسي بشكلٍ شبه كامل، أو على الأقل إنهائه من مسار جنيف أو ما تبقى منه.

الأولويات المختلفة

للحليفين « واشنطن، وأنقرة» مجموعة من الأولويات المختلفة التي أدت لظهور حالة متداخلة من خرائط لحل الازمة بما يرضي الاطراف الثلاثة : تركيا، وامريكا، وقسد، لدرجة أن وصلت واشنطن لترسل أرفع مسؤول أمريكي يصل إلى شرق سوريا، متمثلاً بقائد المنطقة الوسطى في القيادة المركزية للتحالف الدولي، الجنرال كينيث ماكينزي، والذي عقد اجتماعاً مع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي بالتزامن مع لقاء جمع مبعوث واشنطن إلى سوريا، جيمس جيفري، بوزير الخارجية التركي ومسؤولين في أنقرة لبحث المنطقة الآمنة، تبعتها اجتماعات أخرى أظهرت الخلاف بين الطرفين على بنودٍ عدة أهمها العمق الذي ستشمله المنطقة الآمنة، وستدخله قوات تركيا، وطبيعة هذه القوات مع ماهية دورها العسكري، وبدت تطفو على السطح مجموعة أرقام هي مطالب كل طرف: 30كم تركية، 10كم أمريكية، و5 كم قسد، وفي حين تُظهر واشنطن قبولاً لسيطرة تركية على 10 كم وهو الأمر الذي من شأنه أن يبقي المناطق خارج هذا النطاق كوحدة جغرافية تشمل منبج، والرقة ودير الزور، وهو الأمر الذي يمكن أن يجعل منها وحدة إدارية تسيطر عليها «قسد» أو ما تبقى منها، وتمنع ظهور داعش، وتعيق مواجهة بين حليفٍ محلي يمكن الاعتماد عليه، وآخر دولة ذي تاريخ طويل من العمل المشترك مع واشنطن، بينما تركيا بمطالبتها بعمقٍ يصل لمسافة 30كم فهي تحقق معظم أهدافها، وهو إنهاء سيطرة الوحدات على معظم مناطق الغالبية الكُردية، باستثناء مدينة الحسكة التي تتحول لفرعٍ مقطوع، كما إنها ستتمكن من السيطرة على الطريق الدولي الثاني M4 والممتد من القامشلي إلى تل تمر وصولاً لعين عيسى، وهو ما يعني إنهاء الاتصال اللوجستي حتى بين المناطق التي يمكن أن تبقى تحت سيطرة « قسد»، وهي هكذا تقول لواشنطن « إن كان همك، تنظيم الدولة، واستمرار حصار إيران والنظام، فما تبقى لك جنوباً يكفي لتحقيق هذه الأهداف، أما الشريك المحلي فمن المستحيل القبول به بطبيعته هذه.

صيغة توافق

هذا المشهد يسير في ظل إعادة روسيا والنظام لقرع طبول الحرب على إدلب وإعلان إنهاء الهدنة المعلنة « ببركة أستانة» والتي لم تر النور، وهو أمرٌ لو سارت فيه روسيا والنظام يعني بالدرجة الأولى إخراج تركيا من إدلب نهائياً أو بشكلٍ كبير على أدنى تقدير، وهو ما من شأنه أن يؤثر بالشروط التركية شرقي النهر أيضاً، ففي حال تعرض إدلب لهجومٍ بريٍ يفتقر لأدنى مستويات العدالة والرحمة التي عهدناها من قبل آلة الحرب الروسية والأسدية، فهو أمرٌ سيؤدي إلى ظهور حاجة تركية متزايدة للاعتماد على الأحلاف القديمة، والعودة للسير ضمن المسار الغربي، وهو ما سيفقدها إمكانية ممارسة الضغوط على التحالف فيما يخص إنهاء « التهديد الأمني « من شمال شرق سوريا، ولذا نرى أن التصريحات التركية تجاوزت مرحلة التهديدات التي تكررت منذ عملية درع الفرات ولاحقاً غصن الزيتون، وانتقلت لمرحلة أكثر جدية، وتدرك تركيا أن روسيا ستستغل عدم تفاهمها مع أمريكا، في إحداث ضغطٍ أكبر في إدلب، لذا وإن لم نشهد معارك مباشرة الآن فإننا سنشهد رفع حدة الضغوط على شريكتها في الناتو لمحاولة تحسين ظروفها غرب النهر، أو على الأقل تقليل الخسائر، وتحقيق أجزاء من هدفها المتمثل في انهاء الإدارة الذاتية، وإلى الآن يبدو أن الولايات المتحدة قامت بتقديم خيارين لأنقرة، الأول مشروع المنطقة الآمنة المشتركة والتي ستكون شاملة لكل الامتداد الحدودي، والثاني: منح أنقرة الضوء الأخضر للقيام بعملياتٍ محدودة النطاق الجغرافي، والمدة المفترض إنهاء المهمة فيها.

تطمينات أمريكية

ويمكن أن تسير الأمور في عدة اتجاهات وفق النجاح والفشل في الوصول لصيغة توافق بين أنقرة وواشنطن، ففي حال الوصول لصيغة اتفاق، فسنمتلك بنوداً يمكن أن تشابه بنود اتفاق منبج، لكن مع جوانب تنفيذية أقوى وأسرع، كجولات تركية داخل الحدود السورية الشمالية، ولاحقاً التطور لحضور عسكري سواءً منفرداً او مع فصائل من المعارضة الموالية لتركيا في بعض النقاط، مع إمكانية تطويره ليشمل كافة المنطقة المقترحة على اختلاف عمقها بين 10 إلى 20 كم، أما في حال غياب تفاهم أمريكي تركي، فمن المتوقع استهداف مكثف لوحدات حماية الشعب على طول الحدود السورية التركية، والقيام لاحقاً بعمليات عسكرية تستهدف نقاطاً محددة أكثرها ترجيحاً في الوقت الحالي هو مقاطع من الطريق الواصل بين مدينتي الدرباسية، ورأس العين، وأخرى بين بلدة تل أبيض إلى كوباني/ عين العرب غرباً، ونقاط أخرى غرب مدينة عين العرب، مع احتمال قيام تركيا في حال نجاحها بعملية اتجاه هذه المناطق أن تبدأ ضغطاً على واشنطن للحصول إلى نفوذ عسكري في النقطة الواصلة بين حدود سوريا مع كردستان العراق، والتي تبقى بعيدة في المنظور القريب، إلا اذا اتجهت تركيا لاستخدام كافة حظوظها في التحالف الدولي.

ضمن هذا الواقع الذي يزداد تأزماً كلما ظهرت بوادر الوصول لاتفاق، تظهر « قسد ومسد « بأضعف الحالات منذ بداية تشكيل هذه القوات، فحتى الآن لم تتلق أي تطمينات أمريكية جدية، كما أنها تدرك انتهازية النظام المستعد بالتضحية بمسافة تصل لأكثر من 15كم في مقابل تمكنه من السيطرة على غرب النهر في الرقة ودير الزور ومنبج، وتمكنه من الحصول على الموارد النفطية والمائية، كما يظهر أن محاولات واشنطن في العمل وفق ثلاثة مسارات وهي «الإقليمية، والمحلية والدولية» ورغم نجاحها بشكلٍ جزئي «في الدولي عبر تأمين جنودٍ إضافيين من بريطانيا وفرنسا ودول أخرى. والمحلي عبر قبول قسد بخطة المنطقة الآمنة، وهذا ما أشار إليه قادة من قسد عبر استعدادهم لسحب وحدات حماية الشعب لأكثر من 20 كم جنوباً، بالإضافة إلى تسليم المناطق الحدودية لمجالس عسكرية محلية، واحترامٍ أكبر لحساسيات تركيا وفق ما أراد زعيم حزب العمال الكُردستاني في رسالته لمناصريه في حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا إنه يظهر أن المسار الاقليمي الذي أنجز جزء منه مع الوصول لتوافق مع دول خليجية أهمها السعودية لتقديم الدعم المادي، لم يحقق الحدود المطلوبة منه، فالسعودية لاتزال تعاني من مأزق اليمن، كما أن مصر ليست في وارد لعب دورٍ إقليمي خصوصاً في مواجهة نظام دمشق وما يعنيه الأمر من دخولٍ فعلي في محور محاصرة إيران، ويستمر المانع الإقليمي الأهم متمثلاً في تركيا، التي ترفض اعلان الرضاء والقبول بشروطها هي، لذا لتجنيب المنطقة مآلات أي معركة لا يمكن إدراك مآلاتها ونهاياتها، تحتاج الولايات المتحدة لكسب المزيد من الوقت لتتمكن على الأقل من السير في مشروع تغيير طبيعة قوات سوريا الديمقراطية وتقليل السيطرة الفعلية لعناصر مرتبطة بحزب العمال عبر تشكيل مجالس عسكرية محلية يمكن أن تتقبل تركيا فكرة التعامل معها في المستقبل كجزءٍ من المنظومة الخارجة عن سيطرة النظام، وروسيا، الأمر الذي يمكن أن يحقق للسوريين فرصة فرض شروطهم أثناء المفاوضات الدولية بصوتٍ أقوى.

 

المصدر صحيفة القدس العربي: http://bit.ly/30gJsHV

 

التصنيف مقالات الرأي

أجرت صحيفة القدس العربي بتاريخ 11 كانون الثاني 2019، لقاء مع الخبير العسكري في مركز عمران نوار أوليفر حول أبرز التغيرات والتطورات في مناطق سيطرة المعارضة بمحافظة إدلب وريف حلب الغربي، وعن الخيارات الروسية في المنطقة والتي قال عنها : "إن التصريحات الروسية، تناقض الواقع وهي محاولة تهيئة الوضع العام لعمل عسكري محتمل، مستبعداً إن تشن معركة ضد محافظة إدلب لما في ذلك من تداعيات خطيرة على الجانب التركي إذ تضم المنطقة نحو 4 ملايين شخص، واي عمل عسكري سيؤدي إلى نزوح المدنيين إلى المناطق الآمنة وهي إما مناطق عفرين أو درع الفرات أو الأراضي التركية ما يؤثر على محاذير أنقرة. وأضاف «أوليفر» لـ«القدس العربي» إن أي عمل بري للنظام والمليشيات الإيرانية شمالي سورية هدفه «استنزافي» صرف، فيما تندرج الأهداف الروسي الحالية ضمن اطار ضبط المنطقة ومحاولة العمل مع الأتراك من اجل تحسين الوضع الأمني، على أن تكون الخطوة الثانية هي تطبيق اتفاق المنطقة العازلة وتفعيل الخطوط الدولية ام 4 وام 5، مشيرًا إلى «إن روسيا حالياً على الخط نفسه مع تركيا ولا ترغب بإقامة خلاف مع حليفها التركي الوحيد تقريباً في المنطقة، لذا تعمل روسيا على نشر قواعد عسكرية جديدة في محيط المنطقة العازلة لضبط الميليشيات الإيرانية ومنعها من محاولة التقدم البري».

المصدر صحيفة القدس العربي: https://goo.gl/ubpWiP

أجرت الجزيرة نت حواراً صحفياً مع الدكتور عمار قحف المدير التنفيذي لمركز عمران، بعنوان: "هل يفلح اتفاق إدلب بإنهاء حالة الحرب؟

 حيث أشار القحف: إلى إن تركيا تملك وبشكل عام القدرة على تنفيذ بنود الاتفاق من طرفها أكثر من الروس الذين تقف أمامهم تحديات أكبر تتعلق بالقدرة على ضبط عناصر النظام السوري أو المليشيات الداعمة له التي ترتبط بجهات مختلفة.

وتوقع خلال حديثه للجزيرة نت أن تحاول إيران تعطيل تنفيذه رغم التصريحات السياسية المغايرة لذلك، لأن الاتفاق سيؤخر إضفاء الشرعية على النظام السوري الذي سيحاول الالتفاف على بنود الاتفاق دائماً، وأضاف القحف أن نجاح الاتفاق يعتمد على مراحل تنفيذه التي ستكون صعبة جداً بالنظر إلى مدى قدرة أطرافه على التعامل مع الجهات المختلفة الرافضة له، وعلى تأسيس منظومة حكم محلي في إدلب تتوافق مع التفاهمات الدولية أو على الأقل لا تتناقض معها.

وحول مستقبل المنطقة في المدى البعيد رأى القحف أن الجانب التركي تلقى تفويضاً بإدارة المنطقة من الجانبين الأمني والعسكري لكنه تساءل عن الجانب الإداري والحوكمي.

وقال إنه ثمة نماذج كثيرة يمكن أن تطبق في إدلب منها نموذج درع الفرات أو نموذج آخر يعطي إدلب استقلالاً إدارياً بحيث ترتبط المحافظة مع النظام بمعزل عن الأمور الأمنية والعسكرية، ولم يستبعد تطبيق نموذج قبرص الشمالية في إدلب أيضاً.

 

المصدر الجزيرة نت: https://bit.ly/2DheRDi

 

شارك الباحث معن طلاع من مركز عمران بتقرير أعده موقع سوريا 24، بعنوان: "إدلب معادلة معقدة بين أطراف الصراع على الأرض السورية"، والذي استطلع فيه أراء عدد من الشخصيات الغربية والسياسية العربية فيما يخص تطورات الوضع في إدلب.


حيث رأى طلاع بقراءته للتطورات الأخيرة (بدء القصف الروسي على مناطق في جسر الشغور؛ وزيادة التمترس التركي في قواعده، وكثرة الحديث عن ضغوطات تمارسها أنقرة تجاه هيئة تحرير الشام، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية؛ والتصريحات الغربية والأمريكية المحذرة من استخدام الكيماوي) دلالات على أن هناك توافقاً غير مكتمل الأركان حول إدلب، فالمؤشرات العسكرية توضح أن خطوط التفاهم الأمني قد أنجزت، وهي تحديد خارطة الأهداف المتعلقة “بتحرير الشام” و”حراس الدين” بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون،؛ ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي أن لا يخضع لسلطة الأسد.

المصدرموقع سوريا 24 : https://bit.ly/2xg5wFj

 

تتسارع الأحداث والترتيبات باتجاه اقتراب بدء النظام وحلفائه فتح معركة إدلب. كما تتباين فيها السيناريوهات المتوقعة بحكم اختلاف المقاربات الأمنية لفواعل الأستانة من جهة؛ واحتمالات المشهد العسكري وانزلاقاته المتوقعة من جهة ثانية. لذا يستعرض تقدير الموقف هذا السياق السياسي والعسكري المفضي لهذه المعركة؛ ويتلمس ويختبر ملامح التفاهم ما بين دول الأستانة وحدوده وأثره على تغليب إحدى السيناريوهات. كما يوضح هذا التقدير في هذا السياق المتسارع ملمح الخيار الأنجع للقوى والفواعل المحلية والمتمثل في تمتين الجبهة المحلية عبر الانتقال من صيغ الإدارة المحلية إلى صيغ الحكم المحلي المنضبط.

سياق المعركة المحتملة: هدفٌ روسي دقيق الأدوات

شكّل اجتماع سوتشي بمخرجاته في مطلع هذا العام انعطافة محورية في حركية العملية السياسية المتعثرة بالأساس؛ إذ حدد أولوياتها واختصرها بعملية دستورية وانتخابات كما أرادها الروس. إلا أن هذه الانعطافة سبقتها مُحددات سياسية فرضتها الدول الخمسة (أمريكا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن) في مخرج اللاورقة في باريس. ورغم أن مضمون اللاورقة لا يختلف مع الطرح الروسي إلا أنها أكّدت على مركزية الأمم المتحدة في هذه العملية واعتبرتها المرجعية الرئيسية بشكل يُعيق الطموح الروسي في استحواذه التام على المرجعية السياسية. وشكَّل ذلك التأكيد دافعاً إضافياً لروسيا للانتقال من مقاربة "حرف جنيف" إلى "أستنة جنيف" وذلك عبر استراتيجية "إنهاء فاعلية المعارضة المسلحة".

فمنذ معارك الغوطتين وجنوب دمشق وريفَي حمص وحماه وانتهاء معارك الجنوب؛ والروس ماضون في تطبيق حلولهم الصفرية على كافة الأراضي السورية؛ مُزينة بمصالحات شكلية مليئة بالارتكاسات؛ وتجعل الكُل "متهم وتحت الطلب". إن كثرة التصريحات حول إدلب ليست إلا استمراراً حثيثاً لما يُريده بالدرجة الأولى المخيال الروسي الذي يرتجي إنهاء الكُلفة السياسية للتدخل العسكري عبر إنجاز الحل السياسي وفق تعريف موسكو، على الرغم مما يُطرح من خطط ومراحل "السيطرة عليها" سواء في الأستانة أو حتى عبر منصاتهم الإعلامية أو البحثية؛ وفي اللقاءات الدبلوماسية والسياسية المعلنة منها وغير المعلنة.

رافق هذا السياق تثبيطاً روسياً لأهم الاستحقاقات السياسية التي ينتظرها السوريون (كملف المعتقلين وعودة اللاجئين)؛ وذلك عبر تحويل تلك الاستحقاقات إلى "تحديات حكومية خالية من الشرط السياسي" لتخفيف حدة الانخراط الروسي الذي يتزايد عمقه في البنية السورية. حيثُ تهدف موسكو فيما تدَّعيه من ضمانات تحقيق أمرين: المساندة المالية التي تتطلب مبالغَ يصعب على موسكو وحلفائها تأمينها بمفردهم؛ وتأسيس مناخات سياسية تؤمن انخراط "أعداء" النظام في عملية شرعنة نظام الأسد بشكل تدريجي وفق منطوق البراغماتية والواقع العسكري الجديد.

وفي هذا السياق؛ وضمن الحركية الروسية أعلاه؛ تتعامل موسكو مع ملف إدلب بدقة وترتيب حذر. فهي من جهة أولى ووفقاً لمنظور موسكو ستُشكل إعلاناً روسياً لانتهاء ثنائية الصراع العسكري بين النظام والمعارضة، وبالتالي تغيراً كاملاً في مُوجِّهات العملية السياسية إن لم يكن نسفاً كلياً لها والتكيُّف مع النظام وبدء التطبيع معه. كما تسعى الإدارة الروسية لفرض "مقاربات المصالحة" المحلية مع الفصائل كإطار قابل للتسويق وبديل "ناجع" عن جنيف. ومن جهة ثانية، تسعى موسكو لأن تكون "عودة السيطرة على إدلب" امتلاكاً لمداخل التنمية والتبادل التجاري المحلي والخارجي الذي من شأنه البدء في تذليل "عقبات ما بعد الصراع". ومن جهة ثالثة، سيكون لعودة السيطرة المتخيلة تلك إنهاء لـ"كوابيس الدرون" وما حملته من استنزافات روسية وتهديداً مستمراً لقواعدها وضباطها وجنودها.

ومن جهة رابعة ورئيسية، فهي بالمقابل تحمل في تداعياتها تعطيلاً محتملاً لمسار الأستانة بحكم تضارب المصالح مع أنقرة التي يفرض عليها أمنُها القومي عدم جعل تلك المنطقة منصّة تهديد لها يستخدمها الأسد وحلفاؤه كورقة ابتزاز دائمة. وتتعقد هذه التداعيات الأمنية خاصة أن مفاوضات النظام مع "الإدارة الذاتية" قد تُفرز "زواج مصلحة" بينهما لا سيما في ظل تأرجح الموقف الأمريكي. كما أن التقرُّب الروسي والإيراني مع تركيا نتيجة سياسات العقاب الأمريكية التي تمارسها واشنطن اتجاههم قد تخسرهم الطرف التركي كمساهم في ترتيبات المشهد الأمني في سورية، وهو أمرٌ سيكون له تبعات تعود بالسلبية على سياسة “جذب" تركيا لصالح "محور الصد".

قمة طهران: تفاهم قلق وسيناريوهات مفتوحة

تأتي قمة طهران بعد سلسلة من المؤشرات المُدللة على أولوية ملف إدلب في سياسة موسكو وحلفائها. ومن هذه المؤشرات بدء القصف الروسي على عدة مناطق (انظر الجدول رقم (1) في الملحق)، وزيادة التمترس التركي في قواعده وما قابله من نشر لنقاط روسية تفصل بين قواعد أنقرة العسكرية وخطوط تمركز النظام وحلفائه (انظر الخريطة رقم (1) في الملحق)، وتصنيف أنقرة هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية، والتصريحات الغربية والأمريكية المُحذرة من استخدام الكيماوي، واستعدادات المعارضة العسكرية. ودفعت هذه المؤشرات قمة طهران لتكون إطاراً دقيقاً لتحديد مستقبل هذه المحافظة. ومن ملامح هذا الإطار يمكن ذكر العنصرين الآتيين:

  1. خطوط تفاهم أمنية حذرة

تأتي التفاهمات الحذرة تحت عنوان استمرار هدنة أو تمديد اتفاقية خفض التصعيد أو إعطاء أنقرة فرصة إضافية لترتيب المشهد في المحافظة أمنياً. وعليه فإن هذا التفاهم يتمحور حول تحديد خارطة الأهداف المتعلقة "بهيئة تحرير الشام" و"حراس الدين" بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي ألا يخضع لسلطة الأسد. كما ترشح عن هذه القمة أيضاً عدة أمور منها تعهُّد تركيا بضمان عدم جعل هذه المنطقة منصة تهديد للقواعد الروسية؛ وإرساء تعاون استخباري تركي مع روسيا وإيران ضد "القوى الإرهابية"؛ وإنشاء نقاط عسكرية روسية في المناطق التي تتواجد فيها النقاط التركية ودخول النظام لها إدارياً وليس عسكرياً.

  1. أجندةٌ في طريق التفاهم العام

لا تزال ملامح التفاهمات التي تُديرها موسكو وأنقرة والمتعلقة بالأمور الإدارية والاقتصادية وبما يتصل بإجراءات تحييد الطرق والمعابر غير مكتملة نظراً لارتباطها بالعنصر الأول من جهة؛ ولتبعيتها بالترتيبات اللازمة لتنفيذ أي اتفاق. فمن جهة تركية يُراد لهذا التفاهم المحتمل أن يكون عناوين استقرار ودافع باتجاه حل سياسي شامل. ومن جهة روسية فهي لا تزال تُعلي من شروط الاختبار للتموضع التركي، إذ تُريده بحجم متفق عليه لا يُشكل "خطراً على النظام".

وفقاً للمتابعات الميدانية والسياسية؛ فإنه يُعتقد أن الترتيبات الناشئة حول إدلب هي ترتيبات شديدة القلق ومفتوحة الاحتمالات. فمعادلة إدلب (كمعركة فاصلة) يتم صياغة تفاهماتها الأمنية والعامة مع إغفال لأي أدوار مقاومة وصادة متوقعة حيالها. حيث تَعزز هذا الإغفال بحكم سرعة تدحرج مناطق معارضة ذات ثقل عسكري نوعي كالغوطة الشرقية ودرعا؛ ناهيك عن اعتقاد موسكو أن جبهة إدلب هي استمرارٌ لعملياتها العسكرية. وهنا نُؤكد على أن هذا الإغفال لا يتسم بالدقة والموضوعية؛ فمن جهة أولى؛ تتجهز المعارضة المسلحة لـ "معركة وجود" فلا ترحيل أو تهجير بعد إدلب؛ وخياراتها تبدأ وتنتهي بالمقاومة. وعزز هذا الأمر تلك الإجراءات المتبعة من الفواعل المحلية في إدلب للتصدي لحالات الاختراق التي كانت إحدى سمات المشهد في الغوطة ودرعا وريفَي حمص وحماه، ناهيك عن وجود المظلة الجامعة للعمل العسكري (الجبهة الوطنية للتحرير) وعمليات التحصين والهندسة العسكرية والتجهيز لاحتمالية الضغط العسكري في جبهات أخرى.

ومن جهة ثانية؛ لن تكون بهذا المعنى إدلب استمراراً لما يتخيله الروس للعمليات العسكرية ومسارها؛ حيث أن اعتماد النظام الواضح على الميليشيات الإيرانية سواء بشكل مباشر أو المجموعات التي باتت جزءاً من بُنية جيشه سيكون عنصر اختبار للسياسة الأمريكية "المهتمة" وفق ادعاءاتها بتحجيم إيران. وتدلل إشارات الموافقة الحذرة التي أبدتها واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تجاه العمليات الروسية على صعوبة المهمة أمام هذه الحاضنة الاجتماعية والقوة النوعية في إدلب خاصة في ظل لجوء النظام وحلفائه للسلاح الكيماوي كسلاح فيصل.

ووفقاً لما تقدم؛ لا تخرج السيناريوهات المتوقعة تجاه إدلب عن ثلاثة؛ أولها عمليات دقيقة ومحدودة (وهي المرجحة) إلا أنها غير مضمونة النتائج؛ وثانيها تدهور التفاهمات الأولية والانزلاق لعمليات شاملة (الأقل ترجيحاً) وهو ذو كلف سياسية وعسكرية بالغة التعقيد تبدأ بانهيار محتمل لإطار الأستانة الذي استثمرت به موسكو ولا تزال وقد تصل تلك الكلف إلى مأساة إنسانية وتدحرجات عسكرية قد تفضي لتدخلات دولية؛ وثالثها إخراج إدلب من معادلات الصراع العسكري (وهو الأضعف نسبياً) لأنه ينتظر مؤشرات أمنية وسياسية لم تظهر بعد.

وفي هذا السياق تؤكد التصريحات الأمريكية والغربية المحذرة من "معركة إدلب" على ثلاثة أمور؛ أولها: الموافقة المبطنة فيما يخص أجندة عمليات الروس المعلنة والتي تدعي توجيه ضربات عسكرية تجاه هيئة تحرير الشام دون أن تُقدم لها أي تنازل يصب في صالح سوتشي على حساب جنيف؛ وثانيها والأهم هو الاستمرار في منح الروس "وكالة التسيُّد" في سورية الذي له عدة غايات منها ما هو "دعوة لاستمرار الانزلاق الروسي" ومنها ما له علاقة بتحقيق غايات مشتركة متمثلة "بمحاربة الإرهاب"؛ وثالثها مرتبط بترقُّب أمريكي لتحركات طهران الطامحة لملء الفراغ، وتخوف أوروبي من موجات لجوء ونزوح كبيرة.

المطلوب محلياً: "لا مفر من مواجهة أسئلة 2015"

على الرغم من المسارات القلقة المتوقعة للمعركة إلا أن هذا لا ينفي نجاعة مقاربة "تحويل الأزمة لفرصة". لقد دلَّل الزخم الثوري الذي رافق التطورات الأخيرة بشكل واضح تمسك الحاضنة بخيار الصمود؛ وهذا من شأنه تعزيز الدوافع النفسية للقوى العسكرية للمُضي باتجاه تبني سياسات دفاعية مُحكَمة وتحويلها لقدرة مستمرة وتدعيم شروط الفاعلية وتحسين الشروط المحلية وما تستلزمه من استجابات تنموية وحوكمية.

بناء عليه؛ ينبغي تدارُس خيار تحويل نمط الإدارة المحلية في إدلب إلى "حكم محلي منضبط"، وبصيغة أخرى استحضار أسئلة التحرير أواخر عام 2015 والبدء بتنفيذ سياسات ضبط تهدف بإطارها العام تثبيت الأمن والاستقرار المجتمعي، والبدء بتأسيس نظام حكم فعّال له معاييره وأدواته التنفيذية وأجندته الخدمية والاقتصادية. ولا يمكن أن تبدأ هذه العملية من دون إرادة سياسية محلية دافعة لتأطير التفاعلات المحلية في المحافظة المثخنة بالتحديات، مع مراعاة كسب الشرعية والقبول المجتمعي. وعليه يُقترح حزمة التوصيات التالية:

  1. تشكيل مرجعية سياسية محلية موحدة، تتكون وفق آليات التوافق المحلي الذي يضمن حسن التمثيل والشرعية؛ وتهدف إلى أن تكون الإطار العام لرسم السياسات العامة الخدمية منها والأمنية والعسكرية والمدنية والسياسية.
  2. التحول إلى نمط حكم محلي منضبط عبر تظافر كافة الجهود للفواعل المعنية وإنجاز صيغ عمل المؤسسات الحاكمة وقوننة علاقتها مع المجتمع والمؤسسات التنفيذية. وقد يكون هذا العمل بالتنسيق مع الحكومة المؤقتة وهيئات سياسية محلية أخرى تعمل في هذه الأثناء على مراجعة وتقييم أدائها.
  3. بلورة طرح محلي قائم على احتواء بعض السوريين من هيئة تحرير الشام وتفكيك أُطرها التنظيمية وفق ما يراعي الشرط المحلي الخاص والالتزامات التركية؛ وذلك بهدف سحب ذرائع من جهة، وتأمين اتساق عضوي بين الفواعل المحلية من جهة ثانية.
  4. تأسيس اللجنة المركزية للتنمية والاستجابات الإنسانية، وتنحصر مهمتها بمتابعة الشؤون المتعلقة بالموارد البشرية وسبل العيش وتحسين ظروفها، وتأمين تواصل فعّال مع كافة منظمات المجتمع المدني لتسهيل مهامها وحمايتها وفق أطر ناظمة صادرة عن المرجعية السياسية.
  5. تطوير آليات عمل الجبهة الوطنية للتحرير وتعزيز أُطرها التنظيمية لتغدو جسماً عسكرياً واضح العقيدة والبُنية والهرمية الإدارية؛ وربط استراتيجياتها وتكتيكاتها بمحددات تنظمها المرجعية السياسية؛ وتنحصر مهامها بالوظيفة الدفاعية.

قد يبدو الانتقال إلى صيغ "نظام الحكم المحلي" فعلٌ يعتريه ضيق الوقت وحساسية الظرف التي تمر به المحافظة؛ إلا أن العمل بالتوازي على التأسيس لهذا الانتقال هو حاجة مستعجلة واستراتيجية في آن معاً؛ من شأنها تحسين خيارات المحافظة وتوسيع هوامش حركتها. إن التحدي الأبرز أمام هذا الانتقال هو أن يكون وفق فلسفة تلاقي المصالح مع الحليف التركي وتعزيز مساحات العمل الوطني؛ ناهيك عن عوائق تتمثل بالقدرة على تجاوز حالة الفصائلية، وتعزيز دينامية بناء الدولة الأقدر على تحقيق الأمن المجتمعي وتوفير الخدمات المنظمة للمجتمعات المحلية؛ ومدى استطاعة ونجاعة المكونات المحلية في إدارة المرافق العامة وتنمية الموارد الاقتصادية لتحسين مستوى المعيشة والدخل وعدم تدهور العجلة الاقتصادية، وصولاً إلى تشكيل نموذج تنموي نوعي.

 

ختاماً يمكن القول بأن كل الاحتمالات مفتوحة؛ إلا أن ملمح استمرار الاختبار والتوافق الأمني الحذر بين فواعل الأستانة سيكون له أثر ما خلال المرحلة المقبلة؛ دون أن يعني ذلك انتفاء احتمالية الانزلاق لمعركة شاملة في حال تعثر التوصل لاتفاق عام (سياسي وإداري). وأمام كل هذه التحديات لا مفر للقوى المعارضة من تعزيز شروط صمودها وقوتها وتدارس كل الخيارات وعلى رأسها ضبط مشهد التفاعلات الأمنية والعسكرية والإدارية والسياسية في إدلب وما تستلزمه من أطروحات نوعية.

الملحق؛

جدول رقم (1) يوضح ضربات طيران الروسي والقصف المدفعي على مناطق إدلب وما حولها من 10 /آب حتى 10/أيلول

خريطة رقم (1) توضح نسب السيطرة والنفوذ في محافظة إدلب وتموضع القواعد والنقط الروسية والتركية

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

التصنيف تقدير الموقف
الخميس نيسان/أبريل 29
الملخص التنفيذي مع تراجع سُلطة الدولة المركزية لصالح صعود تشكيلات دون دولتية، منها ذات طابع قومي وديني؛ برزت نماذج مختلفة من أنماط الحكم المحلي في الجغرافية السورية، والتي تأثرت بالخارطة…
نُشرت في  الكتب 
الخميس كانون1/ديسمبر 17
مقدمة تتفق جل الأدبيات المتعلقة بحقل العلاقات المدنية العسكرية بأنها خضوع القوات المسلحة لقيادة مدنية ديمقراطية، وهي عملية معقدة تتطلب إصلاحاً تشريعياً شاملاً، وإصلاحاً للقطاع الأمني بأكمله، وإجراء العدالة الانتقالية،…
نُشرت في  الكتب 
الخميس كانون1/ديسمبر 17
الملخص التنفيذي في ظل المعادلة المعقدة التي تحكم الملف السوري في الوقت الحاضر، تبرز أسئلة الاستقرار الأمني في سورية كأحد المرتكزات الهامة والممَّكِنة لكل من التعافي المبكر والعودة الآمنة للاجئين…
نُشرت في  الكتب 
في تصريحه لموقع نون بوست حول الخطوة التالية الواجبة على المعارضة؛ وضح معن طلاع، مدير…
الإثنين آذار/مارس 22
أكد مدير البحوث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلاع، في مقابلة مع صحيفة عنب…
الإثنين آذار/مارس 15
استضاف التلفزيون العربي المدير التنفيذي لمركز عمران، الدكتور عمار قحف، ضمن برنامجه شبابيك، للحديث عن…
الإثنين آذار/مارس 15
شارك الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، محمد العبد الله في تقرير صحفي لجريدة الاستقلال…
الإثنين آذار/مارس 08