أوراق بحثية

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

أظهرت تقارير التعافي الاقتصادي المبكر المنجزة في مناطق "درع الفرات" وعفرين ومحافظة إدلب([1])، منذ النصف الثاني من 2018 وحتى النصف الأول من 2020 تطوراً ملحوظاً في حركية المشاريع الاقتصادية بالشكل الذي ساهم في تنشيط القطاعات وتخديم السكان في الكثير من الخدمات الرئيسية وتوفير فرص عمل على الرغم من التحديات الكثيرة. ولكن اعترتها عدة إشكاليات تمركزت في قطاعات الصناعة والتمويل والزراعة والثروة الحيوانية والنزوح الداخلي، تسببت بهشاشة مستمرة في تلك القطاعات وفي آلية اتخاذ القرارات وحالة التنظيم، وهو ما أدى لاختلال التوازن في عملية التعافي المبكر واعتماد رافعة مالية قاصرة في تمويل المشاريع قد تنتكس في أي لحظة.

لذا لابد من التنبه لتلك الإشكاليات وإلّا قد تستمر حالة العجز في الوفاء بالاستحقاقات المعيشية وتثبط من تنمية المنطقة والانتقال بها من مرحلة التعافي المبكر لمرحلة اقتصادية تنضج فيها الأسواق والقطاعات الاقتصادية كافة.

من أبرز تلك الإشكالات عدم اتخاذ الأجسام الإدارية المسؤولة، الحكومة السورية المؤقتة والمجالس المحلية وحكومة الإنقاذ، آلية موحّدة في صياغة القوانين وصناعة القرارات لإدارة دفة الاقتصاد وفق استراتيجية واضحة المعالم تحقق رؤية المعارضة، وتوازن بين القطاعات الاقتصادية، وتدير نفسها بعيداً عن النظام وأزماته الاقتصادية، وتتجنب التبعية المفرطة للمنظمات والمانحين، وحالة التشرذم في الإدارة وتشظي الموارد جراء تعدد الأجسام الإدارية. فالأجدى بها لمعالجة هذا الإشكال تهيئة مناخ قانوني ذو نظم وقوانين موحدة في المنطقة تقرها، الحكومة السورية المؤقتة بالتعاون والتنسيق مع المجالس المحلية، كسبيل لمواجهة اللاتنظيم واتجاهات الفوضى المتزايدة، من شأنها أن تحفظ الحقوق وتنعش مناخ الأعمال، وتنشئ الحكومة مؤسسة إحصائية تُعنى بضبط كافة الإحصاءات المتعلقة بالموارد والأعمال والسكان، وتصدر مؤشرات اقتصادية مثل التضخم والإنتاج والإنفاق والسكان والشفافية ونوعية الخدمات وغيرها.

على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لقطاع الزراعة والثروة الحيوانية، ومن هوية المنطقة الزراعة بامتياز، مع ذلك لم ينجز سوى 142 مشروعاً على مدار العامين الماضيين. فلم يتم تصميم برنامج يحقق الاكتفاء الذاتي في العديد من المحاصيل الزراعية التي تتمتع بها المنطقة وعلى رأسها القمح، ما حرمها من تثبيت سعر ربطة الخبز كمسؤولية اجتماعية واجبة في ظل ما تعانيه المنطقة من صعوبات معيشية وفقر مدقع. وتم استيراد مادة الطحين بالعملة الصعبة ليرتبط ثمن الخبز، الغذاء الرئيسي للعوائل، بتقلبات أسعار صرف الدولار والليرة التركية والليرة السورية، ويعرّضه لارتفاع مطّرد، وهو ما زاد من حنق المواطن ضد الأجسام المسؤولة عن إدارة المنطقة ومن تزايد الصعوبات المعيشية. فبلغ سعر الربطة في منطقة "درع الفرات" ليرة تركية واحدة وليرتين للخبز غير المدعوم، وفي إدلب بلغ سعر الربطة 600 ليرة سورية. كما لم يتم استغلال الفائض في إنتاج المحاصيل الأخرى من زيتون وبطاطا وغيرها عبر إيجاد أسواق تصريف خارجية. وفي إطار الثروة الحيوانية عانت الأعمال من ضعف الإنتاج وانخفاض تنافسيته أمام المنتج الأجنبي، كما هو الحال في مادة البيض التي ارتفع سعرها بواقع 50% إبان قرار منع استيرادها من تركيا. والأفضل في هذا الإطار إيجاد هيئة استشارية عابرة للمجالس المحلية بعضوية ممثلين عنها تُعنى بتقديم النصح في مواضيع الخطط والتكامل التنموية في هذا القطاع ترفع من أولوية الاكتفاء الذاتي وبالذات من مادة القمح، ومن حجم الصادرات بالشكل الذي يدر عملة صعبة ويعيد الثقة للمزارعين ويزيد من حجم المشاريع الزراعية المنفّذة.

وعطفاً على قطاع الصناعة وما تم تنفيذه من مشاريع بلغ عددها 11 مشروعاً فقط من بينها تصنيع أعمدة للضوء وحاويات ومعامل للأعلاف والاسمنت والملابس والأحذية. ويعزى جفاف هذا القطاع لغلاء مدخلات الإنتاج من المواد الأولية وضحالة رؤوس المال، وانخفاض القوة الشرائية للمواطن، وضعف البنية التنظيمية من قوانين وتنظيمات في المنطقة التي تسهم في حفظ الحقوق وضمان حركية وأمان رأسمال، فضلا عن العمليات العسكرية والحالة الأمنية المضطربة. ولتحريك هذا القطاع بالمشاريع، على المؤسسات الرسمية في هذا القطاع إنضاج مقاربة مختلفة في علاج هذا الخلل عبر توحيد غرف الصناعة المنشأة في المنطقة في غرفة واحدة تعمل على توحيد القوانين والأنظمة الصناعية والإدارية والمالية وتنظيم شؤون المدن الصناعية والارتباط بمذكرات تفاهم مع غرف الصناعة التركية في إطار التوأمة وتذليل التحديات، والبدء بتسويق استثمار مشاريع صناعية عبر الأدوات الاستثمارية المتنوعة، وسيكون جذب أحد الأفرع البنكية التركية للداخل بمثابة منح ثقة للأسواق المحلية للاستثمار فيها.

وبلغ عدد المشاريع المنفّذة في قطاع التمويل على مدار رصد عملية التعافي المبكر، 60 مشروعاً، تركزت في دعم سبل العيش وتقديم قروض حسنة ودعم المشاريع الصغيرة ومشاريع العمل مقابل النقد ودعم مشاريع نسائية ومزادات علنية. على الرغم من أهمية قطاع التمويل في إدارة الموارد وتسهيل حركة المال والأعمال والسيطرة على الأسعار، إلا أنه لم يشغل حيزاً كبيراً في هامش المشاريع واهتمامات المجالس المحلية. وليصبح هذا القطاع مرتكزاً تعتمد عليه المنطقة في تطوير المشاريع الصناعية والزراعية والتجارية وتمويل المشاريع. على الحكومة السورية المؤقتة بوزارتها المعنية إيجاد مؤسسة أشبه بحاضنة الأعمال Business Incubator  تُعنى بتمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم، ذو أهداف ربحية، ووفق منهجية رصينة، تساهم في تنويع دائرة المشاريع المنفّذة في كافة القطاعات.

أخيراً، في إطار توفير حياة كريمة للنازحين سواءً في المخيمات أو خارجها تم تنفيذ 218 مشروع في قطاع النزوح الداخلي إلا أن هذا الأمر قد يشكل وبالاً على المنطقة إذا استمر الحال بهذه المنهجية التي تقوم على التبعية المفرطة للمنظمات والمانحين في توفير احتياجات النازحين المتنوعة. فالأفضل عوض اعتماد المخيم على المساعدات الإغاثية مساعدته على إنتاج احتياجاته بكافة السبل الممكنة، فبدل إعطاء كرتونة مساعدات تحتوي على مواد متنوعة يمكن إيجاد دورة إنتاج متكاملة بالحد الأدنى، مثل منح قطعة أرض لزراعة المحاصيل الرئيسية لتأمين احتياجات المخيم من الغذاء تضمن توفير عمل لشباب المخيمات ومنح تمويل لإنشاء ورشات عمل بسيطة تعنى بوضع خطة لتحويل المخيم من خيمة إلى منزل يضمن حياة كريمة للنازحين. ولتحقيق ذلك ينبغي أن تتكاتف منظمات الإغاثة والتنمية الفاعلة في الشمال السوري لتشكيل وحدة تنسيق مشتركة لهذا الخصوص (انتاج الاحتياجات).

عموماً، أظهرت عملية التعافي المبكر حتى الآن، بما لها وما عليها، تقدماً نسبياً في بعض القطاعات لعلّ أبرزها الكهرباء والمياه والنقل والمواصلات وتأخرت في قطاعات أخرى، وستكون الشهور المقبلة فرصة سانحة لتلافي الأخطاء وعلاج الإشكالات الواردة أعلاه بما يضمن استقراراً أكثر وتنفيذ مشاريع متنوعة وتوفير فرص عمل. ومن جملة التوصيات التي يمكن عرضها للفترة القادمة ما يلي:

  • تأطير أواصر التنسيق والتعاون بين المجالس المحلية والحكومة السورية المؤقتة لتوحيد آليات تدارس المشاكل وتنفيذ القرارات وسن التشريعات والقوانين، والإسراع في تنفيذ مشاريع الإحصاء بالشكل الذي يصدر عنها مؤشرات اقتصادية شهرية عن المنطقة فضلا عن قوننة كافة جوانب بيئة العمل بهدف حماية الأسواق ورأس المال والعمال؛
  • دراسة أوجه العجز الحاصل في توليفة القطاعات وبالأخص التمويل والزراعة والصناعة، لإعادة التوازن وصرف الانتباه نحو الاكتفاء الذاتي وإيجاد قنوات لتصريف المنتجات المحلية في الخارج، والعمل على ترويج هذه المشاريع وفق دراسات جدوى اقتصادية وتراخيص قانونية مناسبة، لرجال أعمال سوريين في المغترب، وإن تعذر فيمكن العمل وفق آلية "بناء، تشغيل، نقل" مع مؤسسات ودول مانحة وإن تعذر فالعمل على اقتراض أموال من دول صديقة للمعارضة السورية بهدف تأسيس تلك المشاريع الإنتاجية التي تضمن سداد القروض وتطوير السوق والنهوض بالمنطقة وساكنيها.

 

التصنيف أوراق بحثية

مقدمة

أفرز النزاع الدائر في سورية منذ عام 2011 جملة من التحديات التي بدأت ترتسم ملامحها مع اقتراب النزاع من نهايته، ولعل من أبرزها التحديات المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي المبكر التي بدأت تظهر بوادرها في عدد من مناطق هذا البلد المتباينة من حيث النفوذ والاحتياجات والموارد والإمكانيات التي تحوزها. وفي ضوء مخرجات المشهد الراهن الذي امتاز بتعزيز مناطق النفوذ وتعثر العملية السياسية، بدأت سياسات الفواعل المحلية والإقليمية والدولية تتكيف مع هذا الواقع وتطلق مشاريع تعافي اقتصادي مبكر في مناطق النفوذ تلك، ولأن البيئة العامة ما تزال قلقة سياسياً وعسكرياً، ولأن هذه المشاريع تتطلب العديد من الإجابات عن أسئلة قدرات هؤلاء الفواعل والواقع الذي تعيشه هذه المناطق والسياق السياسي المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي داخلها، توجه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية إلى تنفيذ سلسلة من المخرجات البحثية بهدف فهم ديناميات هذه المشاريع، وبوصلتها السياسية ومتطلباتها وتحدياتها، حتى تكون تلك المشاريع دافعة باتجاه تكوين بيئة مستقرة.

تعد مرحلة التعافي المبكر على غاية في الأهمية، لأنها المرحلة التي يفترض بها أن تنقل البلاد من النزاع إلى السلم والاستقرار، والمرحلة التي تهيئ الأرضية اللازمة لعملية إعادة الإعمار اللاحقة. ولهذه المرحلة بعد سياسي وشق اجتماعي يماثل من حيث الأهمية الشق الاقتصادي. ويشمل الشق السياسي: العمل على وقف العنف في كافة أنحاء البلاد، وإقامة مؤسسات الحكم الجديد، والتركيز على إنجاز حل سياسي مولِّد للاستقرار. ويشمل الشق الاجتماعي: أعمال الإغاثة، واستيعاب اللاجئين وإسكانهم، وإجراء المصالحات الوطنية، بعد تهيئة البيئة الأمنية المناسبة. ويشمل الشق الاقتصادي: ترميم المرافق العامة الأساسية، وتحريك عجلة الاقتصاد، وإعادة التوازن للإطار الاقتصادي الكلي، وتفكيك مؤسسات اقتصاد النزاع في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة كما ضمن سيطرتها. وتتداخل المكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية أعلاه بشكل كبير، وتعتمد النجاحات في أي منها على النجاح في النشاطات الأخرى.

ينطلق التوجه البحثي لمركز عمران من افتراض مفاده أن المرحلة القادمة في الملف السوري ستكون تحت إطار (ما بعد النزاع العسكري)، وأن السيناريوهات المتوقعة هي أسيرة اتجاهين، الأول: ترسيخ مناطق نفوذ: "سورية المفيدة" ذات نفوذ إيراني روسي، "سورية الشرقية" ذات نفوذ غربي عربي، "سورية الشمالية" ذات النفوذ التركي، والثاني: استمرار استثمار الفاعلين الإقليمين والدوليين بتثبيت وقف إطلاق النار، مع تغليب أولوية التفاوض المعلن أو غير المعلن بغية الوصول إلى صيغة سلطة جديدة، يكون فيها للنظام القائم الحصة الأكبر بحكم مجهودات حلفائه من جهة، وتمكنه من امتلاك "آليات التحكم" من جهة ثانية.

وتتمحور الأهداف العامة لهذا التوجه في تحديد المعايير الضامنة لتعافي اقتصادي مبكر، وتكوين إطار سياساتي عام لتنفيذ جهود التعافي تلك، وتحديد متطلباته وشروطه المرتبطة بثلاثية الأمن والحوكمة والتنمية، بالإضافة إلى تصدير موقف حيال كفاءة النظام اتجاه تحديات مرحلة ما بعد النزاع وسياسات التعافي وإعادة البناء. وضمن هذا السياق تم إنجاز خمسة مخرجات بحثية، الأولى: ورقة تحليل سياسي بعنوان السياق السياسي للتعافي المبكر في سورية، والثانية: ورقة تحليلية حول التعافي الاقتصادي المبكر في سورية: التحديات والأولويات. والثالثة: ورقة حول الاقتصاد السياسي للتعافي المبكر في سورية، والرابعة دراسة بعنوان: التعافي المبكر في سورية: دراسة تقييمية لدور وقدرة النظام السوري، في حين تضمنت الخامسة دراسة بعنوان: المقاربة التركية للتعافي الاقتصادي المبكر في سورية: دراسة حالة منطقة "درع الفرات".

لقراءة الكتاب كاملاً انقر الرابط التالي: http://bit.ly/2l73N3h


رسالة شكر وتقدير

يتوجه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بالشكر الجزيل لمؤسسة Konrad-Adenauer-Stiftung على شراكتها ودعمها للمشروع البحثي وطباعة الكتاب

التصنيف الكتب

شرق الفرات أحد حجارة الشطرنج الأخيرين على الرقعة السورية الممتلئة بقوى إقليمية ودولية تحاول كسب الجولات الاخيرة من النزال، لربما لا تكون مغالاة إذا ما قلنا إن سياسة القوة الثانية في حلف الناتو « تركيا» في الملف السوري ارتبطت بمصير المناطق المسيطر عليها من قبل الإدارة الذاتية، ولأجل إنهاء هذا المشروع وضعت تركيا نصب عينيها أن تقع في مواجهة حليفها التاريخي المتمثل بالولايات المتحدة، بينما الأخيرة حاولت مسك العصا من الوسط دوماً منذ أواخر العام 2015 تاريخ تشكيل قوات سوريا الديمقراطية التي تمثل وحدات حماية الشعب عمودها الرئيسي، الوحدات التي أعلنت التزامها فكرياً بمبادئ زعيم حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أبقى الكفة التركية فيما يخص مصيرها دوماً الكفة العليا في أي مساومة دخلتها تركيا سواءً مع واشنطن أو مع روسيا.

القوة الناعمة

من جهتها لم تنجح القوة الناعمة لأمريكا متمثلة بالدبلوماسية والتطمينات العسكرية والأمنية لتركيا في إعطاء توازنٍ كافٍ لرغبتها في تمكين مشروع « الإدارة الذاتية» عسكرياً على المدى القصير، ولربما سياسياً في المستقبل، في خضم هذا الواقع المتشابك، ارتفعت دوماً التصريحات التركية منذ سيطرة وحدات حماية الشعب على مدينة منبج أواخر العام 2016، تهديداً بأنها لن تقبل بوجود ممر يحكمه حزبٌ وقوى عسكرية ترتبط بحزبٍ له 40 عاما من الصراع العسكري داخل وخارج تركيا، وهكذا اتجهت تركيا لتنفذ عملية درع الفرات، التي حققت أهدافها المرحلية آنذاك بمنع أي تواصل بين مناطق شرق النهر وعفرين، إلا أن ما تبقى تحت سيطرة « ي ب ك، وقسد» وامتداده لاحقاً باتجاه تحرير الرقة من تنظيم الدولة، وإتمام العملية بالسيطرة على غرب دير الزور، آخر معاقل التنظيم في سوريا، ليدفع بتركيا لتخطو خطوة أكثر قساوة، وتمثل بعملية « غصن الزيتون» التي انتهت بالسيطرة على مدينة عفرين ونواحيها، لنصل إلى تاريخ إعلان ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، وما تبعه من تعديلات وتصريحاتٍ متضاربة انتهت بضرورة إنشاء منطقة آمنة تهدف لتحقيق ثلاثة أهدافٍ رئيسية: 1_ منع عودة ظهور تنظيم الدولة، ومحاربة خلاياه المتبقية، 2_ جعل شرق الفرات أحد الأعمدة الامريكية في مشروع حصار نظام طهران، 3_ حماية حلفاء واشنطن المحليين.

مع إعلان جملة الاهداف الأمريكية المنشودة من المنطقة الآمنة عادت حدة التصريحات التركية للواجهة، كون جملة الأهداف تلك تخالف أولويات تركيا، فتنظيم الدولة لم يعد بالقوة التي بإمكانه أن يمثل تهديداً إقليمياً، بينما لم ترغب تركيا دوماً أن تكون أحد أطراف تطبيق منظومة العقوبات على إيران، والهدف الثالث والمتمثل بحماية الشركاء المحليين لواشنطن يصب في خانة أولى الاولويات التركية من ناحية ضرورة مواجهته، خلال هذه الفترة منعت واشنطن « قسد» ومظلتها السياسية « مسد « من عقد أي اتفاقٍ مع نظام دمشق، الأمر الذي يعني سيطرة إيران على المنطقة وعودة 40% من موارد سوريا لخدمة نظام الأسد، الأمر الذي يعني ايقاف المسار السياسي بشكلٍ شبه كامل، أو على الأقل إنهائه من مسار جنيف أو ما تبقى منه.

الأولويات المختلفة

للحليفين « واشنطن، وأنقرة» مجموعة من الأولويات المختلفة التي أدت لظهور حالة متداخلة من خرائط لحل الازمة بما يرضي الاطراف الثلاثة : تركيا، وامريكا، وقسد، لدرجة أن وصلت واشنطن لترسل أرفع مسؤول أمريكي يصل إلى شرق سوريا، متمثلاً بقائد المنطقة الوسطى في القيادة المركزية للتحالف الدولي، الجنرال كينيث ماكينزي، والذي عقد اجتماعاً مع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي بالتزامن مع لقاء جمع مبعوث واشنطن إلى سوريا، جيمس جيفري، بوزير الخارجية التركي ومسؤولين في أنقرة لبحث المنطقة الآمنة، تبعتها اجتماعات أخرى أظهرت الخلاف بين الطرفين على بنودٍ عدة أهمها العمق الذي ستشمله المنطقة الآمنة، وستدخله قوات تركيا، وطبيعة هذه القوات مع ماهية دورها العسكري، وبدت تطفو على السطح مجموعة أرقام هي مطالب كل طرف: 30كم تركية، 10كم أمريكية، و5 كم قسد، وفي حين تُظهر واشنطن قبولاً لسيطرة تركية على 10 كم وهو الأمر الذي من شأنه أن يبقي المناطق خارج هذا النطاق كوحدة جغرافية تشمل منبج، والرقة ودير الزور، وهو الأمر الذي يمكن أن يجعل منها وحدة إدارية تسيطر عليها «قسد» أو ما تبقى منها، وتمنع ظهور داعش، وتعيق مواجهة بين حليفٍ محلي يمكن الاعتماد عليه، وآخر دولة ذي تاريخ طويل من العمل المشترك مع واشنطن، بينما تركيا بمطالبتها بعمقٍ يصل لمسافة 30كم فهي تحقق معظم أهدافها، وهو إنهاء سيطرة الوحدات على معظم مناطق الغالبية الكُردية، باستثناء مدينة الحسكة التي تتحول لفرعٍ مقطوع، كما إنها ستتمكن من السيطرة على الطريق الدولي الثاني M4 والممتد من القامشلي إلى تل تمر وصولاً لعين عيسى، وهو ما يعني إنهاء الاتصال اللوجستي حتى بين المناطق التي يمكن أن تبقى تحت سيطرة « قسد»، وهي هكذا تقول لواشنطن « إن كان همك، تنظيم الدولة، واستمرار حصار إيران والنظام، فما تبقى لك جنوباً يكفي لتحقيق هذه الأهداف، أما الشريك المحلي فمن المستحيل القبول به بطبيعته هذه.

صيغة توافق

هذا المشهد يسير في ظل إعادة روسيا والنظام لقرع طبول الحرب على إدلب وإعلان إنهاء الهدنة المعلنة « ببركة أستانة» والتي لم تر النور، وهو أمرٌ لو سارت فيه روسيا والنظام يعني بالدرجة الأولى إخراج تركيا من إدلب نهائياً أو بشكلٍ كبير على أدنى تقدير، وهو ما من شأنه أن يؤثر بالشروط التركية شرقي النهر أيضاً، ففي حال تعرض إدلب لهجومٍ بريٍ يفتقر لأدنى مستويات العدالة والرحمة التي عهدناها من قبل آلة الحرب الروسية والأسدية، فهو أمرٌ سيؤدي إلى ظهور حاجة تركية متزايدة للاعتماد على الأحلاف القديمة، والعودة للسير ضمن المسار الغربي، وهو ما سيفقدها إمكانية ممارسة الضغوط على التحالف فيما يخص إنهاء « التهديد الأمني « من شمال شرق سوريا، ولذا نرى أن التصريحات التركية تجاوزت مرحلة التهديدات التي تكررت منذ عملية درع الفرات ولاحقاً غصن الزيتون، وانتقلت لمرحلة أكثر جدية، وتدرك تركيا أن روسيا ستستغل عدم تفاهمها مع أمريكا، في إحداث ضغطٍ أكبر في إدلب، لذا وإن لم نشهد معارك مباشرة الآن فإننا سنشهد رفع حدة الضغوط على شريكتها في الناتو لمحاولة تحسين ظروفها غرب النهر، أو على الأقل تقليل الخسائر، وتحقيق أجزاء من هدفها المتمثل في انهاء الإدارة الذاتية، وإلى الآن يبدو أن الولايات المتحدة قامت بتقديم خيارين لأنقرة، الأول مشروع المنطقة الآمنة المشتركة والتي ستكون شاملة لكل الامتداد الحدودي، والثاني: منح أنقرة الضوء الأخضر للقيام بعملياتٍ محدودة النطاق الجغرافي، والمدة المفترض إنهاء المهمة فيها.

تطمينات أمريكية

ويمكن أن تسير الأمور في عدة اتجاهات وفق النجاح والفشل في الوصول لصيغة توافق بين أنقرة وواشنطن، ففي حال الوصول لصيغة اتفاق، فسنمتلك بنوداً يمكن أن تشابه بنود اتفاق منبج، لكن مع جوانب تنفيذية أقوى وأسرع، كجولات تركية داخل الحدود السورية الشمالية، ولاحقاً التطور لحضور عسكري سواءً منفرداً او مع فصائل من المعارضة الموالية لتركيا في بعض النقاط، مع إمكانية تطويره ليشمل كافة المنطقة المقترحة على اختلاف عمقها بين 10 إلى 20 كم، أما في حال غياب تفاهم أمريكي تركي، فمن المتوقع استهداف مكثف لوحدات حماية الشعب على طول الحدود السورية التركية، والقيام لاحقاً بعمليات عسكرية تستهدف نقاطاً محددة أكثرها ترجيحاً في الوقت الحالي هو مقاطع من الطريق الواصل بين مدينتي الدرباسية، ورأس العين، وأخرى بين بلدة تل أبيض إلى كوباني/ عين العرب غرباً، ونقاط أخرى غرب مدينة عين العرب، مع احتمال قيام تركيا في حال نجاحها بعملية اتجاه هذه المناطق أن تبدأ ضغطاً على واشنطن للحصول إلى نفوذ عسكري في النقطة الواصلة بين حدود سوريا مع كردستان العراق، والتي تبقى بعيدة في المنظور القريب، إلا اذا اتجهت تركيا لاستخدام كافة حظوظها في التحالف الدولي.

ضمن هذا الواقع الذي يزداد تأزماً كلما ظهرت بوادر الوصول لاتفاق، تظهر « قسد ومسد « بأضعف الحالات منذ بداية تشكيل هذه القوات، فحتى الآن لم تتلق أي تطمينات أمريكية جدية، كما أنها تدرك انتهازية النظام المستعد بالتضحية بمسافة تصل لأكثر من 15كم في مقابل تمكنه من السيطرة على غرب النهر في الرقة ودير الزور ومنبج، وتمكنه من الحصول على الموارد النفطية والمائية، كما يظهر أن محاولات واشنطن في العمل وفق ثلاثة مسارات وهي «الإقليمية، والمحلية والدولية» ورغم نجاحها بشكلٍ جزئي «في الدولي عبر تأمين جنودٍ إضافيين من بريطانيا وفرنسا ودول أخرى. والمحلي عبر قبول قسد بخطة المنطقة الآمنة، وهذا ما أشار إليه قادة من قسد عبر استعدادهم لسحب وحدات حماية الشعب لأكثر من 20 كم جنوباً، بالإضافة إلى تسليم المناطق الحدودية لمجالس عسكرية محلية، واحترامٍ أكبر لحساسيات تركيا وفق ما أراد زعيم حزب العمال الكُردستاني في رسالته لمناصريه في حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا إنه يظهر أن المسار الاقليمي الذي أنجز جزء منه مع الوصول لتوافق مع دول خليجية أهمها السعودية لتقديم الدعم المادي، لم يحقق الحدود المطلوبة منه، فالسعودية لاتزال تعاني من مأزق اليمن، كما أن مصر ليست في وارد لعب دورٍ إقليمي خصوصاً في مواجهة نظام دمشق وما يعنيه الأمر من دخولٍ فعلي في محور محاصرة إيران، ويستمر المانع الإقليمي الأهم متمثلاً في تركيا، التي ترفض اعلان الرضاء والقبول بشروطها هي، لذا لتجنيب المنطقة مآلات أي معركة لا يمكن إدراك مآلاتها ونهاياتها، تحتاج الولايات المتحدة لكسب المزيد من الوقت لتتمكن على الأقل من السير في مشروع تغيير طبيعة قوات سوريا الديمقراطية وتقليل السيطرة الفعلية لعناصر مرتبطة بحزب العمال عبر تشكيل مجالس عسكرية محلية يمكن أن تتقبل تركيا فكرة التعامل معها في المستقبل كجزءٍ من المنظومة الخارجة عن سيطرة النظام، وروسيا، الأمر الذي يمكن أن يحقق للسوريين فرصة فرض شروطهم أثناء المفاوضات الدولية بصوتٍ أقوى.

 

المصدر صحيفة القدس العربي: http://bit.ly/30gJsHV

 

التصنيف مقالات الرأي

أجرت صحيفة القدس العربي بتاريخ 11 كانون الثاني 2019، لقاء مع الخبير العسكري في مركز عمران نوار أوليفر حول أبرز التغيرات والتطورات في مناطق سيطرة المعارضة بمحافظة إدلب وريف حلب الغربي، وعن الخيارات الروسية في المنطقة والتي قال عنها : "إن التصريحات الروسية، تناقض الواقع وهي محاولة تهيئة الوضع العام لعمل عسكري محتمل، مستبعداً إن تشن معركة ضد محافظة إدلب لما في ذلك من تداعيات خطيرة على الجانب التركي إذ تضم المنطقة نحو 4 ملايين شخص، واي عمل عسكري سيؤدي إلى نزوح المدنيين إلى المناطق الآمنة وهي إما مناطق عفرين أو درع الفرات أو الأراضي التركية ما يؤثر على محاذير أنقرة. وأضاف «أوليفر» لـ«القدس العربي» إن أي عمل بري للنظام والمليشيات الإيرانية شمالي سورية هدفه «استنزافي» صرف، فيما تندرج الأهداف الروسي الحالية ضمن اطار ضبط المنطقة ومحاولة العمل مع الأتراك من اجل تحسين الوضع الأمني، على أن تكون الخطوة الثانية هي تطبيق اتفاق المنطقة العازلة وتفعيل الخطوط الدولية ام 4 وام 5، مشيرًا إلى «إن روسيا حالياً على الخط نفسه مع تركيا ولا ترغب بإقامة خلاف مع حليفها التركي الوحيد تقريباً في المنطقة، لذا تعمل روسيا على نشر قواعد عسكرية جديدة في محيط المنطقة العازلة لضبط الميليشيات الإيرانية ومنعها من محاولة التقدم البري».

المصدر صحيفة القدس العربي: https://goo.gl/ubpWiP

أجرت الجزيرة نت حواراً صحفياً مع الدكتور عمار قحف المدير التنفيذي لمركز عمران، بعنوان: "هل يفلح اتفاق إدلب بإنهاء حالة الحرب؟

 حيث أشار القحف: إلى إن تركيا تملك وبشكل عام القدرة على تنفيذ بنود الاتفاق من طرفها أكثر من الروس الذين تقف أمامهم تحديات أكبر تتعلق بالقدرة على ضبط عناصر النظام السوري أو المليشيات الداعمة له التي ترتبط بجهات مختلفة.

وتوقع خلال حديثه للجزيرة نت أن تحاول إيران تعطيل تنفيذه رغم التصريحات السياسية المغايرة لذلك، لأن الاتفاق سيؤخر إضفاء الشرعية على النظام السوري الذي سيحاول الالتفاف على بنود الاتفاق دائماً، وأضاف القحف أن نجاح الاتفاق يعتمد على مراحل تنفيذه التي ستكون صعبة جداً بالنظر إلى مدى قدرة أطرافه على التعامل مع الجهات المختلفة الرافضة له، وعلى تأسيس منظومة حكم محلي في إدلب تتوافق مع التفاهمات الدولية أو على الأقل لا تتناقض معها.

وحول مستقبل المنطقة في المدى البعيد رأى القحف أن الجانب التركي تلقى تفويضاً بإدارة المنطقة من الجانبين الأمني والعسكري لكنه تساءل عن الجانب الإداري والحوكمي.

وقال إنه ثمة نماذج كثيرة يمكن أن تطبق في إدلب منها نموذج درع الفرات أو نموذج آخر يعطي إدلب استقلالاً إدارياً بحيث ترتبط المحافظة مع النظام بمعزل عن الأمور الأمنية والعسكرية، ولم يستبعد تطبيق نموذج قبرص الشمالية في إدلب أيضاً.

 

المصدر الجزيرة نت: https://bit.ly/2DheRDi

 

شارك الباحث معن طلاع من مركز عمران بتقرير أعده موقع سوريا 24، بعنوان: "إدلب معادلة معقدة بين أطراف الصراع على الأرض السورية"، والذي استطلع فيه أراء عدد من الشخصيات الغربية والسياسية العربية فيما يخص تطورات الوضع في إدلب.


حيث رأى طلاع بقراءته للتطورات الأخيرة (بدء القصف الروسي على مناطق في جسر الشغور؛ وزيادة التمترس التركي في قواعده، وكثرة الحديث عن ضغوطات تمارسها أنقرة تجاه هيئة تحرير الشام، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية؛ والتصريحات الغربية والأمريكية المحذرة من استخدام الكيماوي) دلالات على أن هناك توافقاً غير مكتمل الأركان حول إدلب، فالمؤشرات العسكرية توضح أن خطوط التفاهم الأمني قد أنجزت، وهي تحديد خارطة الأهداف المتعلقة “بتحرير الشام” و”حراس الدين” بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون،؛ ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي أن لا يخضع لسلطة الأسد.

المصدرموقع سوريا 24 : https://bit.ly/2xg5wFj

 

تتسارع الأحداث والترتيبات باتجاه اقتراب بدء النظام وحلفائه فتح معركة إدلب. كما تتباين فيها السيناريوهات المتوقعة بحكم اختلاف المقاربات الأمنية لفواعل الأستانة من جهة؛ واحتمالات المشهد العسكري وانزلاقاته المتوقعة من جهة ثانية. لذا يستعرض تقدير الموقف هذا السياق السياسي والعسكري المفضي لهذه المعركة؛ ويتلمس ويختبر ملامح التفاهم ما بين دول الأستانة وحدوده وأثره على تغليب إحدى السيناريوهات. كما يوضح هذا التقدير في هذا السياق المتسارع ملمح الخيار الأنجع للقوى والفواعل المحلية والمتمثل في تمتين الجبهة المحلية عبر الانتقال من صيغ الإدارة المحلية إلى صيغ الحكم المحلي المنضبط.

سياق المعركة المحتملة: هدفٌ روسي دقيق الأدوات

شكّل اجتماع سوتشي بمخرجاته في مطلع هذا العام انعطافة محورية في حركية العملية السياسية المتعثرة بالأساس؛ إذ حدد أولوياتها واختصرها بعملية دستورية وانتخابات كما أرادها الروس. إلا أن هذه الانعطافة سبقتها مُحددات سياسية فرضتها الدول الخمسة (أمريكا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن) في مخرج اللاورقة في باريس. ورغم أن مضمون اللاورقة لا يختلف مع الطرح الروسي إلا أنها أكّدت على مركزية الأمم المتحدة في هذه العملية واعتبرتها المرجعية الرئيسية بشكل يُعيق الطموح الروسي في استحواذه التام على المرجعية السياسية. وشكَّل ذلك التأكيد دافعاً إضافياً لروسيا للانتقال من مقاربة "حرف جنيف" إلى "أستنة جنيف" وذلك عبر استراتيجية "إنهاء فاعلية المعارضة المسلحة".

فمنذ معارك الغوطتين وجنوب دمشق وريفَي حمص وحماه وانتهاء معارك الجنوب؛ والروس ماضون في تطبيق حلولهم الصفرية على كافة الأراضي السورية؛ مُزينة بمصالحات شكلية مليئة بالارتكاسات؛ وتجعل الكُل "متهم وتحت الطلب". إن كثرة التصريحات حول إدلب ليست إلا استمراراً حثيثاً لما يُريده بالدرجة الأولى المخيال الروسي الذي يرتجي إنهاء الكُلفة السياسية للتدخل العسكري عبر إنجاز الحل السياسي وفق تعريف موسكو، على الرغم مما يُطرح من خطط ومراحل "السيطرة عليها" سواء في الأستانة أو حتى عبر منصاتهم الإعلامية أو البحثية؛ وفي اللقاءات الدبلوماسية والسياسية المعلنة منها وغير المعلنة.

رافق هذا السياق تثبيطاً روسياً لأهم الاستحقاقات السياسية التي ينتظرها السوريون (كملف المعتقلين وعودة اللاجئين)؛ وذلك عبر تحويل تلك الاستحقاقات إلى "تحديات حكومية خالية من الشرط السياسي" لتخفيف حدة الانخراط الروسي الذي يتزايد عمقه في البنية السورية. حيثُ تهدف موسكو فيما تدَّعيه من ضمانات تحقيق أمرين: المساندة المالية التي تتطلب مبالغَ يصعب على موسكو وحلفائها تأمينها بمفردهم؛ وتأسيس مناخات سياسية تؤمن انخراط "أعداء" النظام في عملية شرعنة نظام الأسد بشكل تدريجي وفق منطوق البراغماتية والواقع العسكري الجديد.

وفي هذا السياق؛ وضمن الحركية الروسية أعلاه؛ تتعامل موسكو مع ملف إدلب بدقة وترتيب حذر. فهي من جهة أولى ووفقاً لمنظور موسكو ستُشكل إعلاناً روسياً لانتهاء ثنائية الصراع العسكري بين النظام والمعارضة، وبالتالي تغيراً كاملاً في مُوجِّهات العملية السياسية إن لم يكن نسفاً كلياً لها والتكيُّف مع النظام وبدء التطبيع معه. كما تسعى الإدارة الروسية لفرض "مقاربات المصالحة" المحلية مع الفصائل كإطار قابل للتسويق وبديل "ناجع" عن جنيف. ومن جهة ثانية، تسعى موسكو لأن تكون "عودة السيطرة على إدلب" امتلاكاً لمداخل التنمية والتبادل التجاري المحلي والخارجي الذي من شأنه البدء في تذليل "عقبات ما بعد الصراع". ومن جهة ثالثة، سيكون لعودة السيطرة المتخيلة تلك إنهاء لـ"كوابيس الدرون" وما حملته من استنزافات روسية وتهديداً مستمراً لقواعدها وضباطها وجنودها.

ومن جهة رابعة ورئيسية، فهي بالمقابل تحمل في تداعياتها تعطيلاً محتملاً لمسار الأستانة بحكم تضارب المصالح مع أنقرة التي يفرض عليها أمنُها القومي عدم جعل تلك المنطقة منصّة تهديد لها يستخدمها الأسد وحلفاؤه كورقة ابتزاز دائمة. وتتعقد هذه التداعيات الأمنية خاصة أن مفاوضات النظام مع "الإدارة الذاتية" قد تُفرز "زواج مصلحة" بينهما لا سيما في ظل تأرجح الموقف الأمريكي. كما أن التقرُّب الروسي والإيراني مع تركيا نتيجة سياسات العقاب الأمريكية التي تمارسها واشنطن اتجاههم قد تخسرهم الطرف التركي كمساهم في ترتيبات المشهد الأمني في سورية، وهو أمرٌ سيكون له تبعات تعود بالسلبية على سياسة “جذب" تركيا لصالح "محور الصد".

قمة طهران: تفاهم قلق وسيناريوهات مفتوحة

تأتي قمة طهران بعد سلسلة من المؤشرات المُدللة على أولوية ملف إدلب في سياسة موسكو وحلفائها. ومن هذه المؤشرات بدء القصف الروسي على عدة مناطق (انظر الجدول رقم (1) في الملحق)، وزيادة التمترس التركي في قواعده وما قابله من نشر لنقاط روسية تفصل بين قواعد أنقرة العسكرية وخطوط تمركز النظام وحلفائه (انظر الخريطة رقم (1) في الملحق)، وتصنيف أنقرة هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية، والتصريحات الغربية والأمريكية المُحذرة من استخدام الكيماوي، واستعدادات المعارضة العسكرية. ودفعت هذه المؤشرات قمة طهران لتكون إطاراً دقيقاً لتحديد مستقبل هذه المحافظة. ومن ملامح هذا الإطار يمكن ذكر العنصرين الآتيين:

  1. خطوط تفاهم أمنية حذرة

تأتي التفاهمات الحذرة تحت عنوان استمرار هدنة أو تمديد اتفاقية خفض التصعيد أو إعطاء أنقرة فرصة إضافية لترتيب المشهد في المحافظة أمنياً. وعليه فإن هذا التفاهم يتمحور حول تحديد خارطة الأهداف المتعلقة "بهيئة تحرير الشام" و"حراس الدين" بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي ألا يخضع لسلطة الأسد. كما ترشح عن هذه القمة أيضاً عدة أمور منها تعهُّد تركيا بضمان عدم جعل هذه المنطقة منصة تهديد للقواعد الروسية؛ وإرساء تعاون استخباري تركي مع روسيا وإيران ضد "القوى الإرهابية"؛ وإنشاء نقاط عسكرية روسية في المناطق التي تتواجد فيها النقاط التركية ودخول النظام لها إدارياً وليس عسكرياً.

  1. أجندةٌ في طريق التفاهم العام

لا تزال ملامح التفاهمات التي تُديرها موسكو وأنقرة والمتعلقة بالأمور الإدارية والاقتصادية وبما يتصل بإجراءات تحييد الطرق والمعابر غير مكتملة نظراً لارتباطها بالعنصر الأول من جهة؛ ولتبعيتها بالترتيبات اللازمة لتنفيذ أي اتفاق. فمن جهة تركية يُراد لهذا التفاهم المحتمل أن يكون عناوين استقرار ودافع باتجاه حل سياسي شامل. ومن جهة روسية فهي لا تزال تُعلي من شروط الاختبار للتموضع التركي، إذ تُريده بحجم متفق عليه لا يُشكل "خطراً على النظام".

وفقاً للمتابعات الميدانية والسياسية؛ فإنه يُعتقد أن الترتيبات الناشئة حول إدلب هي ترتيبات شديدة القلق ومفتوحة الاحتمالات. فمعادلة إدلب (كمعركة فاصلة) يتم صياغة تفاهماتها الأمنية والعامة مع إغفال لأي أدوار مقاومة وصادة متوقعة حيالها. حيث تَعزز هذا الإغفال بحكم سرعة تدحرج مناطق معارضة ذات ثقل عسكري نوعي كالغوطة الشرقية ودرعا؛ ناهيك عن اعتقاد موسكو أن جبهة إدلب هي استمرارٌ لعملياتها العسكرية. وهنا نُؤكد على أن هذا الإغفال لا يتسم بالدقة والموضوعية؛ فمن جهة أولى؛ تتجهز المعارضة المسلحة لـ "معركة وجود" فلا ترحيل أو تهجير بعد إدلب؛ وخياراتها تبدأ وتنتهي بالمقاومة. وعزز هذا الأمر تلك الإجراءات المتبعة من الفواعل المحلية في إدلب للتصدي لحالات الاختراق التي كانت إحدى سمات المشهد في الغوطة ودرعا وريفَي حمص وحماه، ناهيك عن وجود المظلة الجامعة للعمل العسكري (الجبهة الوطنية للتحرير) وعمليات التحصين والهندسة العسكرية والتجهيز لاحتمالية الضغط العسكري في جبهات أخرى.

ومن جهة ثانية؛ لن تكون بهذا المعنى إدلب استمراراً لما يتخيله الروس للعمليات العسكرية ومسارها؛ حيث أن اعتماد النظام الواضح على الميليشيات الإيرانية سواء بشكل مباشر أو المجموعات التي باتت جزءاً من بُنية جيشه سيكون عنصر اختبار للسياسة الأمريكية "المهتمة" وفق ادعاءاتها بتحجيم إيران. وتدلل إشارات الموافقة الحذرة التي أبدتها واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تجاه العمليات الروسية على صعوبة المهمة أمام هذه الحاضنة الاجتماعية والقوة النوعية في إدلب خاصة في ظل لجوء النظام وحلفائه للسلاح الكيماوي كسلاح فيصل.

ووفقاً لما تقدم؛ لا تخرج السيناريوهات المتوقعة تجاه إدلب عن ثلاثة؛ أولها عمليات دقيقة ومحدودة (وهي المرجحة) إلا أنها غير مضمونة النتائج؛ وثانيها تدهور التفاهمات الأولية والانزلاق لعمليات شاملة (الأقل ترجيحاً) وهو ذو كلف سياسية وعسكرية بالغة التعقيد تبدأ بانهيار محتمل لإطار الأستانة الذي استثمرت به موسكو ولا تزال وقد تصل تلك الكلف إلى مأساة إنسانية وتدحرجات عسكرية قد تفضي لتدخلات دولية؛ وثالثها إخراج إدلب من معادلات الصراع العسكري (وهو الأضعف نسبياً) لأنه ينتظر مؤشرات أمنية وسياسية لم تظهر بعد.

وفي هذا السياق تؤكد التصريحات الأمريكية والغربية المحذرة من "معركة إدلب" على ثلاثة أمور؛ أولها: الموافقة المبطنة فيما يخص أجندة عمليات الروس المعلنة والتي تدعي توجيه ضربات عسكرية تجاه هيئة تحرير الشام دون أن تُقدم لها أي تنازل يصب في صالح سوتشي على حساب جنيف؛ وثانيها والأهم هو الاستمرار في منح الروس "وكالة التسيُّد" في سورية الذي له عدة غايات منها ما هو "دعوة لاستمرار الانزلاق الروسي" ومنها ما له علاقة بتحقيق غايات مشتركة متمثلة "بمحاربة الإرهاب"؛ وثالثها مرتبط بترقُّب أمريكي لتحركات طهران الطامحة لملء الفراغ، وتخوف أوروبي من موجات لجوء ونزوح كبيرة.

المطلوب محلياً: "لا مفر من مواجهة أسئلة 2015"

على الرغم من المسارات القلقة المتوقعة للمعركة إلا أن هذا لا ينفي نجاعة مقاربة "تحويل الأزمة لفرصة". لقد دلَّل الزخم الثوري الذي رافق التطورات الأخيرة بشكل واضح تمسك الحاضنة بخيار الصمود؛ وهذا من شأنه تعزيز الدوافع النفسية للقوى العسكرية للمُضي باتجاه تبني سياسات دفاعية مُحكَمة وتحويلها لقدرة مستمرة وتدعيم شروط الفاعلية وتحسين الشروط المحلية وما تستلزمه من استجابات تنموية وحوكمية.

بناء عليه؛ ينبغي تدارُس خيار تحويل نمط الإدارة المحلية في إدلب إلى "حكم محلي منضبط"، وبصيغة أخرى استحضار أسئلة التحرير أواخر عام 2015 والبدء بتنفيذ سياسات ضبط تهدف بإطارها العام تثبيت الأمن والاستقرار المجتمعي، والبدء بتأسيس نظام حكم فعّال له معاييره وأدواته التنفيذية وأجندته الخدمية والاقتصادية. ولا يمكن أن تبدأ هذه العملية من دون إرادة سياسية محلية دافعة لتأطير التفاعلات المحلية في المحافظة المثخنة بالتحديات، مع مراعاة كسب الشرعية والقبول المجتمعي. وعليه يُقترح حزمة التوصيات التالية:

  1. تشكيل مرجعية سياسية محلية موحدة، تتكون وفق آليات التوافق المحلي الذي يضمن حسن التمثيل والشرعية؛ وتهدف إلى أن تكون الإطار العام لرسم السياسات العامة الخدمية منها والأمنية والعسكرية والمدنية والسياسية.
  2. التحول إلى نمط حكم محلي منضبط عبر تظافر كافة الجهود للفواعل المعنية وإنجاز صيغ عمل المؤسسات الحاكمة وقوننة علاقتها مع المجتمع والمؤسسات التنفيذية. وقد يكون هذا العمل بالتنسيق مع الحكومة المؤقتة وهيئات سياسية محلية أخرى تعمل في هذه الأثناء على مراجعة وتقييم أدائها.
  3. بلورة طرح محلي قائم على احتواء بعض السوريين من هيئة تحرير الشام وتفكيك أُطرها التنظيمية وفق ما يراعي الشرط المحلي الخاص والالتزامات التركية؛ وذلك بهدف سحب ذرائع من جهة، وتأمين اتساق عضوي بين الفواعل المحلية من جهة ثانية.
  4. تأسيس اللجنة المركزية للتنمية والاستجابات الإنسانية، وتنحصر مهمتها بمتابعة الشؤون المتعلقة بالموارد البشرية وسبل العيش وتحسين ظروفها، وتأمين تواصل فعّال مع كافة منظمات المجتمع المدني لتسهيل مهامها وحمايتها وفق أطر ناظمة صادرة عن المرجعية السياسية.
  5. تطوير آليات عمل الجبهة الوطنية للتحرير وتعزيز أُطرها التنظيمية لتغدو جسماً عسكرياً واضح العقيدة والبُنية والهرمية الإدارية؛ وربط استراتيجياتها وتكتيكاتها بمحددات تنظمها المرجعية السياسية؛ وتنحصر مهامها بالوظيفة الدفاعية.

قد يبدو الانتقال إلى صيغ "نظام الحكم المحلي" فعلٌ يعتريه ضيق الوقت وحساسية الظرف التي تمر به المحافظة؛ إلا أن العمل بالتوازي على التأسيس لهذا الانتقال هو حاجة مستعجلة واستراتيجية في آن معاً؛ من شأنها تحسين خيارات المحافظة وتوسيع هوامش حركتها. إن التحدي الأبرز أمام هذا الانتقال هو أن يكون وفق فلسفة تلاقي المصالح مع الحليف التركي وتعزيز مساحات العمل الوطني؛ ناهيك عن عوائق تتمثل بالقدرة على تجاوز حالة الفصائلية، وتعزيز دينامية بناء الدولة الأقدر على تحقيق الأمن المجتمعي وتوفير الخدمات المنظمة للمجتمعات المحلية؛ ومدى استطاعة ونجاعة المكونات المحلية في إدارة المرافق العامة وتنمية الموارد الاقتصادية لتحسين مستوى المعيشة والدخل وعدم تدهور العجلة الاقتصادية، وصولاً إلى تشكيل نموذج تنموي نوعي.

 

ختاماً يمكن القول بأن كل الاحتمالات مفتوحة؛ إلا أن ملمح استمرار الاختبار والتوافق الأمني الحذر بين فواعل الأستانة سيكون له أثر ما خلال المرحلة المقبلة؛ دون أن يعني ذلك انتفاء احتمالية الانزلاق لمعركة شاملة في حال تعثر التوصل لاتفاق عام (سياسي وإداري). وأمام كل هذه التحديات لا مفر للقوى المعارضة من تعزيز شروط صمودها وقوتها وتدارس كل الخيارات وعلى رأسها ضبط مشهد التفاعلات الأمنية والعسكرية والإدارية والسياسية في إدلب وما تستلزمه من أطروحات نوعية.

الملحق؛

جدول رقم (1) يوضح ضربات طيران الروسي والقصف المدفعي على مناطق إدلب وما حولها من 10 /آب حتى 10/أيلول

خريطة رقم (1) توضح نسب السيطرة والنفوذ في محافظة إدلب وتموضع القواعد والنقط الروسية والتركية

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

التصنيف تقدير الموقف

الملخص التنفيذي

  • لا يمكن فصل التصعيد التركي في الشمال السوري عما يجري من تفاهمات دولية وإقليمية حول تجزئة المسار العسكري في سورية إلى مناطق خفض توتر؛ تفضي إلى مناطق نفوذ معترف بها من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
  • تبدو العملية التركية هذه المرة هجومية تعكس تسميتها "سيف الفرات" ثقة تركية بأنها ستكون أكثر نجاعة من سابقتها، وذلك لتحقيق عدة أهداف على رأسها: تنظيف ريفي حلب الشمالي والغربي من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وإنهاء أي إمكانية لربط شرق الفرات بغربه.
  • بعد أن حققت موسكو هدفها باستمالة أنقرة إلى جانبها وإنشاء مسار مشترك بينهما " الأستانة"، يبدو أنها باتت على استعداد للتخلي جزئياً عن الورقة الكردية لأنقرة في إطار تفاهمات أوسع تصب باتجاه تهيئة الظروف الميدانية لإرساء حل سياسي تلعب فيه الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري دور الضامن على الأرض للفصائل؛ مقابل اعتراف القوى الدولية (روسيا-أمريكا) بحقها في حماية أمنها القومي من أي مهددات ناجمة عن الأزمة السورية.
  • رسمت الورقة ملامح سيناريوهات محتملة لانطلاق عملية سيف الفرات وحدودها وفقاً لثلاثة سيناريوهات تتراوح بين: المواجهة أو العرقلة الأمريكية أو التأجيل مقابل الضمانات.
  • خلصت الورقة إلى أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية في حالة سباق مع الزمن لإعادة ترتيب أوراقها في سورية قبل نهاية الحرب على الإرهاب، ومن بينها تركيا، والتي وإن أخرجتها موسكو والولايات المتحدة من دائرة المكاسب في الملف السوري، إلا أن باب تخفيف الخسائر لازال مفتوحاً، وعليه فإن إمكانية تراجع أنقرة عن حماية عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري وقطع الطريق على أي احتمال لإقامة كيان كردي في سورية تكاد تكون معدومة، سواء أتم ذلك بعمل عسكري أو عبر تفاهمات دولية.

مدخل

بعد مرور أربعة أشهر على إعلان تركيا الرسمي عن توقف عملية درع الفرات التي تمكنت خلالها القوات التركية بالتعاون مع مجموعات المعارضة السورية المسلحة من تحرير 2300كم2 في الشمال السوري وطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" منها؛ تعود أنقرة من جديد للتلويح باحتمالية عمل عسكري جديد في شمال حلب، يستهدف "وحدات حماية الشعب الكردية" YPG الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD في عدة مناطق ممتدة من قرية مريمين حتى سد الشهباء، بحسب الإعلان التركي، وهي منطقة تضم ما يزيد عن 11 قرية وبلدة أبرزها تل رفعت ومنغ، مع احتمالية التهديد المباشر لمدينة عفرين التي تمثل المعقل الرئيسي لوحدات الحماية الكردية في المنطقة.

وعلى الرغم من أن الحكومة التركية لم تصدر أي بيان رسمي يحدد طبيعة العملية وملامحها؛ إلا أن مؤشرات هذا العمل العسكري تتزايد بشكل شبه رسمي وعلى عدة مستويات، بدءاً من تصريحات بعض المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى، مروراً باستقدام تعزيزات عسكرية تركية إلى الشريط الحدودي مع سورية، وتمركز 7 آلاف عنصر من الوحدات الخاصة التركية على الحدود، بالإضافة إلى تأهب مقاتلي المعارضة السورية في غرفة عمليات درع الفرات للمشاركة في العملية المرتقبة، انتهاءً بالحملة التي يقودها الإعلام التركي في الحديث عن العملية وأبعادها العسكرية([1]).

تأتي التحضيرات للعملية التركية المرتقبة وسط مناخات إقليمية ودولية معقدة بالنسبة لأنقرة، سواء لجهة الفتور الذي يسود علاقات الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية أو لجهة التصعيد مع الاتحاد الأوربي، إضافة إلى الأزمة الخليجية التي تكاد تكون تركيا طرفاً فيها لصالح قطر. يقابل تلك المناخات واقع ميداني سوري لا يقل تعقيداً؛ لناحية احتدام معارك مكافحة الإرهاب التي تقودها أمريكا في الرقة اعتماداً على وحدات حماية الشعب YPG، والنفوذ الروسي في شمال حلب والذي يمثل مسرح العملية التركية المرتقبة، إضافة إلى السباق المحموم للفاعلين في البادية السورية، بالتوازي مع التفاهمات الإقليمية والدولية على تقاسم مناطق نفوذ بصيغة "خفض توتر"، وما أفرزته من مسار روسي أميركي جديد في الجنوب.

وعليه تحاول هذه الورقة تحليل المناخات السياسية والظروف العسكرية المرافقة للعملية المرتقبة "سيف الفرات"، وذلك كمدخل لفهم التحرك التركي في هذا الوقت بالذات وسط صراع النفوذ وتضارب المصالح في الشمال السوري، والذي سيكون له الأثر الأكبر على مسار العملية العسكري، مقابل استشراف السيناريوهات المتوقعة للعملية وتداعياتها المحتملة على صياغة شكل التفاهمات الإقليمية والدولية في سورية وشمالها بالتحديد.

أولاً: تركيا (التحرك والدوافع)

حققت عملية "درع الفرات" التي خاضتها تركيا بالتعاون مع فصائل الجيش الحر هدفها ذو الطابع الدفاعي، وهو المعنى الذي حمله اسم العملية، حيث تم قطع التواصل بين الكانتونات الكردية في الشمال والشمال الشرقي السوري وتأمين الحدود مع سورية والسيطرة على مساحة جغرافية واسعة؛ إلا أن الهواجس التركية من تمدد وحدات الحماية الكردية في سورية وتأثيرها على النفوذ التركي وتهديدها لأمنها القومي لاتزال قائمة، حيث حالت الظروف الدولية والإقليمية وتوتر العلاقات الأمريكية التركية من ناحية والروسية التركية من ناحية أخرى دون تحقيق أنقرة لكامل أهدافها من عملية درع الفرات، والتي يبدو أن ذات الظروف اليوم قد أصبحت مواتية لتحقيقها عبر عملية هجومية هذه المرة تعكس تسميتها "سيف الفرات" ثقة تركية بأنها ستكون أكثر نجاعة من سابقتها، وذلك لتحقيق عدة أهداف، أبرزها:

  1. تأمين محيط (منغ، تل رفعت، دير جمال، حربل، الشيخ عيسى، وكل القرى المحيطة بتل الشهباء) والتي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وذلك لإنهاء أي إمكانية لربط شرق الفرات بغربه.
  2. تنظيف ريفَي حلب الشمالي والغربي من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، الأمر الذي قد يتيح لتركيا مستقبلاً ووفق تفاهمات معينة إعادة ربط ريف حلب بريف إدلب، مما سيوسع مساحة النفوذ التركي في شمال سورية، ويتيح لها المجال للسيطرة على جبهة إدلب مع جبهة "فتح الشام" النصرة سابقاً، وهي على ما يبدو من تصريحات قادة الفصائل المشاركة في عملية سيف الفرات قد تكون العملية اللاحقة في الشمال السوري([2])، وبالتالي استعادة أنقرة لدورها السياسي الفاعل في الملف السوري والضامن لأي عملية سياسية لاحقة.
  3. تُشكل العملية بالنسبة لأنقرة ضربة استباقية للمطامع الكردية بالوصول إلى البحر المتوسط انطلاقاً من عفرين باتجاه إدلب بحجة حرب جبهة "فتح الشام"، وذلك بعد معركة الرقة([3]).
  4. إعادة النازحين العرب من أهالي المنطقة، والذين تم تهجيرهم على يد قوات سوريا الديمقراطية، حيث أصبحوا ورقة للضغط الإنساني على أنقرة بأعدادهم التي تجاوزت الـ 300 ألف([4]) بالإضافة إلى النازحين العراقيين، ويشكلون عبئاً على الحكومة التركية التي تتولى رعاية مخيماتهم على حدودها.

إضافة إلى تلك الأهداف؛ يبدو أن عدة متغيرات محلية ودولية وإقليمية ساهمت في تعزيز دوافع أنقرة نحو ضرورة العمل العسكري في الشمال السوري ضمن هذه المرحلة بالذات، ولعل أبرز تلك المتغيرات:

  1. إقصاء تركيا عن المشاركة في معارك مكافحة الإرهاب المتمثلة في قتال تنظيم الدولة في سورية والعراق، واعتماد الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية وعلى رأسها وحدات حماية الشعب الكردية YPG كرأس حرب في معارك الرقة، ما أدى إلى تقويض الدور التركي في معارك شمال شرق سورية، وبالتالي تقويض فاعليتها في المسارات السياسية التي قد تترتب على معارك مكافحة الإرهاب.
  2. عدم وضوح السياسة الخارجية الأمريكية فيما يخص التعامل مع وحدات الحماية الكردية في سورية ما بعد داعش، إذ تتزايد الهواجس التركية مع انهيار تنظيم الدولة في العراق واقتراب نهايته في سورية من دور وحدات حماية الشعب وسلاحها، خاصة وسط تضارب المواقف الأمريكية في سحب السلاح منها أو استمرارية التسليح لمرحلة ما بعد داعش.
  3. يقابل الفتور في العلاقة الأمريكية التركية فتور آخر في العلاقات الأوربية التركية، خاصة بعد بدء ألمانيا سحب قواتها من قاعدة إنجرليك([5])، ما دفع الأتراك على ما يبدو لتعزيز التحالف مع موسكو، والذي يتطلب تنسيق أكبر على الأرض السورية، وربما تأتي صفقة منظومة الدفاع الجوي S400 في هذا السياق([6])، مقابل تفاهمات في الشمال السوري لتنسيق أي عمل عسكري تركي محتمل.
  4. تبدو الأزمة الخليجية، عاملاً هاماً في زيادة هواجس الطرف التركي من وحدات الحماية الكردية، خاصة بعد دخول أنقرة كطرف مباشر في الأزمة عبر موقفها الداعم لقطر، حيث تخشى أنقرة على ما يبدو من اللعب بالورقة الكردية في سورية ضد تركيا خلال هذه الأزمة، خاصة وأن الإمارات تمتلك علاقات مميزة مع حزب الاتحاد الديمقراطيPYD.

كل تلك العوامل عززت على ما يبدو شعور أنقرة بضرورة العمل العسكري في الشمال السوري، كعملية استباقية لسيناريوهات متعددة تتوقعها وسط تلك المتغيرات، خصوصاً في الظرف الحالي الذي يبدو مناسباً لناحية التوقيت؛ وسط انشغال الولايات المتحدة في معركة الرقة، والذي يمنح لأنقرة هامشاً أوسع للتحرك والضغط على واشنطن.

 

خريطة رقم (1)

ثانياً: تركيا وموسكو (تقاطع المصالح)

 تدرك موسكو أهمية الدور التركي في نجاح مساعيها الرامية إلى إرساء حل سياسي يخدم مصالحها في سورية، وعليه سعت منذ بداية تدخلها العسكري في سورية لتطويع الرؤية التركية باتجاه رؤيتها الخاصة، حيث كانت أبرز الأوراق التي استخدمتها موسكو في هذا الإطار الورقة الكردية على حدود تركيا. ولكن اليوم وبعد أن حققت موسكو هدفها باستمالة أنقرة إلى جانبها وإنشاء مسار مشترك بينهما "الأستانة"؛ فيبدو أنها باتت على استعداد للتخلي جزئياً عن الورقة الكردية لأنقرة في إطار تفاهمات أوسع تصب باتجاه تهيئة الظروف الميدانية لإرساء حل سياسي تلعب فيه الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري دور الضامن للفصائل على الأرض؛ مقابل اعتراف القوى الدولية (روسيا- أمريكا) بحقها في حماية أمنها القومي من أي مهددات ناجمة عن الأزمة السورية، وحصر دورها في المناطق الحدودية فقط، وهذا ما يؤكده اتفاق مناطق "خفض التوتر"، والذي قسّم سورية إلى مناطق نفوذ تخضع لتفاهمات (إقليمية- دولية) تقع فيها المنطقة المرشحة لتكون مسرح عمليات "سيف الفرات " ضمن الحصة (الروسية التركية)، وهو ما تؤكده عدة مؤشرات، يمكن الاستدلال من خلالها على أن "سيف الفرات" هي من نتائج تلك التفاهمات الدولية الجديدة في الملف السوري، ولعل أبرز تلك المؤشرات:

  • إن المناطق التي تعتزم عملية سيف الفرات استعادتها تم الاستيلاء عليها من قبل قوات "سوريا الديمقراطية" بدعم جوي روسي، هذا بالإضافة إلى وجود قوات روسية في مدينة عفرين، الأمر الذي يجعل من العملية التركية مستحيلة بدون التفاهم مع موسكو.
  • إن استبعاد الولايات المتحدة لتركيا من حرب تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور من جهة، وإخراجها وموسكو المنطقة الجنوبية من مسار الأستانة، والذي أصبح مساراً خاصاً بالشمال السوري من جهة أخرى، لا يمكن أن يمر بدون صفقة مُرضية بالنسبة لتركيا تضمن السماح لها بتأمين حدودها.
  • اعتبرت تصريحات عدة قيادات في قوات "سوريا الديمقراطية" أن النية التركية لشن عملية "سيف الفرات" هي نتاج "مؤامرة" روسية تركية([7])، وتصريحات أخرى حول وضع موسكو قوات "سوريا الديمقراطية" أمام خيارين، وهما: إما تسليم عفرين للنظام، أو مواجهة عملية عسكرية للجيش التركي([8]).
  • الموقف الأمريكي الصامت إلى الآن حيال الحشود التركية، وتصريحات قادة قوات "سوريا الديمقراطية" حول وجود تفاهم روسي أمريكي؛ بأن مناطق غرب الفرات تقع ضمن النفوذ الروسي، وليس الأمريكي([9]).

مقابل تلك المؤشرات فإن المصالح الروسية التركية قد تتقاطع في جملة من النقاط، والتي تُعزز من دوافع موسكو للتخلي عن تحالفها مع الكرد غرب الفرات، وأبرز تلك النقاط:

  1. معركة الرقة: تشترك موسكو مع أنقرة في سعي الولايات المتحدة الأمريكية لعزلهما عن معركة الرقة، وذلك بعد إسقاط الولايات المتحدة لمقاتلة حربية تابعة لنظام الأسد وقطع الطريق عليه في جنوب الرقة، برسالة واضحة إلى موسكو بأنه لا دور لها في معركة الرقة، ما قد يدفع موسكو لتأييد العمل العسكري التركي في شمال حلب لتقويض النفوذ الأمريكي المتمثل بمناطق وحدات حماية الشعب الكردية غرب الفرات، كما أن بوادر الاشتباك مع تركيا قد تدفع قوات "سوريا الديمقراطية" إلى سحب بعض قواتها التي تقاتل في الرقة، وهو ما حدث بالفعل حيث تم سحب 500 مقاتل من جيش "الثوار" إلى عفرين للدفاع عنها([10])، وهذا ما قد يؤثر على سير معركة الرقة وإمكانية توجه قوات "سوريا الديمقراطية" إلى دير الزور، وبالتالي سيمنح روسيا والنظام هامشاً للمناورة والتقدم أكثر باتجاه جبهات دير الزور.
  2. تأمين الساحل: على الرغم من تحالف موسكو المصلحي مع وحدات الحماية الكردية في عدة معارك في سورية؛ إلا أن روسيا تدرك جيداً بأن تلك الوحدات لا تخرج عن الخانة الأمريكية، لذلك يبدو أن رؤية موسكو تتقاطع مع أنقرة في خطورة بقاء جيب كردي في شمال حلب وتحديداً عفرين، وذلك لقربه من الساحل السوري، وبالتالي القرب من قاعدة "حميميم" العسكرية الروسية، فبالنسبة لروسيا أي اقتراب كردي من تلك المنطقة يعني اقتراباً أمريكياً لمناطق نفوذها الأكثر حيوية في سورية، ما قد يدفع موسكو لتأييد عمل عسكري تركي في تلك المنطقة يبدد أي احتمال مستقبلي للتمدد الكردي نحو الساحل، خصوصاً بعد تصريح عدد من قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عن نيتهم الوصول إلى الساحل السوري عبر إدلب بحجة محاربة جبهة "فتح الشام" بعد الانتهاء من داعش([11]).
  3. حرب الإرهاب: ستمثل سيطرة القوات التركية ومجموعات الجيش السوري الحر على تلك المناطق في حال نجاح العملية؛ فرصة لوصل ريف حلب بريف إدلب وفق تفاهمات (روسية تركية إيرانية)، وهو تفصيل قد يرتبط بخطة أنقرة المشتركة مع موسكو بخصوص إدلب والتوافق التركي -الروسي على احتكار جبهة إدلب المقبلة مع جبهة "فتح الشام" في إطار حرب الإرهاب، كبديل عن استثناء تركيا من حرب تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور ، وقطع الطريق على محاولات قوات "سوريا الديمقراطية" لإقناع الولايات المتحدة بخوض معركة إدلب مع النصرة بعد الانتهاء من معارك تنظيم الدولة .
  4. مكاسب مجانية: تراهن موسكو من خلال تصعيد التوتر حول عفرين بين تركيا وقوات "سوريا الديمقراطية" على قدرتها على اللعب على هوامش الخلاف بين الطرفين لفرض سيناريو منبج، والذي سيمثل مخرجاً للطرفين من مواجهة دامية لن تكون سهلة بالنسبة لهما، وذلك عبر تسليم المدينة لقوات النظام، الأمر الذي سيمثل استعادة مجانية لمساحة واسعة من الأرض في الشمال السوري بالنسبة للنظام.

على الرغم من التقاطعات المصلحية التي قد تدفع موسكو لتأييد عملية عسكرية تركية في الشمال، والعديد من المؤشرات الدالة على وجود تفاهمات روسية تركية في شمال حلب، ومنها اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوزير الدفاع الروسي، والذي أكدت بعض الصحف التركية والروسية أنه تركز حول عمل عسكري محتمل لتركيا على شمال حلب([12])، مقابل صفقة صواريخ S400 لتركيا، والتي لا يمكن فصلها عن سياق التفاهمات الروسية التركية في سورية ؛ إلا أن موسكو لا تزال تراوغ في موضوع سحب قواتها من عفرين، حيث ذكرت تصريحات صادرة عن قوات سوريا الديمقراطية بأن موسكو أبلغتهم بعدم سحب قواتها من عفرين وأبلغت الأتراك أنها سحبتها([13])، وهو ما أكده أيضاً رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، حيث أشار بأن موسكو لم تنفذ بعد وعودها بسحب قواتها([14])، الأمر الذي قد يفسر برغبة روسية لاستخدام الحشود التركية للضغط على قوات سوريا الديمقراطية لتسليم عفرين للنظام، وحصر العملية التركية في استرجاع القرى والبلدات المشار إليها سابقاً.

ثالثاً: رد الفعل الكردي والسيناريوهات المحتملة

يبدو أن التطورات الحاصلة في الملف السوري لجهة خلق تفاهمات جديدة حول تقاسم مناطق النفوذ بين القوى الكبرى قد أثارت هلع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD من إمكانية وقوعه من جديد "ضحية" للتفاهمات الدولية والإقليمية، لذلك جاء رد الفعل الكردي على الحشود التركية مرتبكاً ومنقسماً؛ فتصريحات القيادة العسكرية لقوات "سوريا الديمقراطية" حاولت أن تكون تصعيدية تهدد بمواجهة كبرى إذا ما حاولت القوات التركية اجتياح عفرين، بالإضافة إلى التهديد بضرب العمق التركي عبر عناصر الـ PKK في تركيا، أما على المستوى السياسي فتراوحت التصريحات بين التهديد بالانسحاب من معركة الرقة إذا تم الهجوم على عفرين، والتلويح بإمكانية تسليمها للنظام، وذلك في محاولة للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لوقف العملية التركية، و على المستوى الشعبي فقد أصدر عدد ممن أسموا أنفسهم مثقفين أكراد من أبناء المنطقة بياناً طالبوا فيه وحدات الحماية الكردية بالانسحاب من عفرين وتجنبيها ويلات الحرب أو الحصار([15]). وفي إطار النوايا التركية للمضي قدماً في عملية سيف الفرات، والارتباك الكردي الناتج عن ضبابية موقف الحليف الأمريكي، وموافقة "حليف الأمس" الروسي على العملية؛ فيمكن رسم ملامح سيناريوهات محتملة لانطلاق عملية سيف الفرات وحدودها على الشكل التالي:

السيناريو الأول: (المواجهة)

يتمثل السيناريو الأول في الإعلان عن المعركة بشكل رسمي والبدء بالعملية العسكرية جدياً، وفي هذه الحالة فمن الممكن أن تقوم أنقرة بتقسيم العملية إلى مرحلتين:

الأولى: وهي استعادة القرى والبلدات التي سيطرت عليها وحدات حماية الشعب بدعم روسي (منغ، تل رفعت، دير جمال، حربل، الشيخ عيسى، وكل القرى المحيطة بتل الشهباء) بما فيها مطار منغ العسكري، وربط ريف حلب الغربي بإدلب وهو ما يتطلب تفاهمات مع حلفاء موسكو للمرور بمحاذات نبل والزهراء الخاضعتين لميليشيات محلية ممولة من إيران، وبذلك تكون تركيا نجحت في تحقيق أهداف عملية درع الفرات، والتي لم تتمكن من تحقيقها في المرحلة الأولى بسبب الدعم الروسي الأمريكي للأكراد، والمتمثلة بتنظيف غرب الفرات من قوات "سوريا الديمقراطية"، وقطع أي إمكانية لاتصالها مع شرقه، وتوسيع مناطق سيطرة قوات المعارضة وتأمينها، إضافة لضرب حصار على عفرين.

الثانية: وهي ضرب حصار على عفرين، وتأجيل الهجوم المباشر عليها لحين وضوح الموقف الأمريكي، ولفسح المجال أمام مساعي موسكو لتطبيق سيناريو منبج فيها.

ويرجح ذلك ما نقلته الصحف التركية حول أهداف عملية سيف الفرات، والتي لا تبدو فيها عفرين على رأس الأولويات التركية، خاصة أن الحشود التركية والتي قد تصل مع قوات المعارضة السورية في درع الفرات إلى 20 ألف([16]) تعتبر غير كافية حالياً لاجتياح عفرين، والتي يتواجد فيها ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل من وحدات حماية الشعب والأسايش وبعض الفصائل العربية الموالية لها مدعومين بسلاح جيد([17])، إضافة إلى أن الهجوم على عفرين قد يترافق مع عمليات لحزب العمال الكردستاني لضرب الداخل التركي، وهذا ما ليست تركيا بوارده الآن، لذا فإن أنقرة التي وضعت مدة تقديرية للعملية لا تتجاوز الـ70 يوماً([18])، مما يشير إلى أنها تريد القيام بعملية محدودة على الأقل في المرحلة الأولى منها.

وفي أي من مرحلتي هذا السيناريو سيكون أمام قوات الحماية الكردية أحد الخيارين التاليين:

الأول: إما المقاومة والدخول بمعركة مفتوحة مع الأتراك سيكونون الخاسر الأكبر فيها وفق المعطيات الحالية، إذ أن القوات الكردية المتواجدة في عفرين على الرغم من عددها؛ إلا أنها أقل خبرة واحترافية عسكرية من تلك المتواجدة في شرق الفرات، مقابل الجيش التركي الذي يصنف كثاني قوة عسكرية في حلف الناتو مدعوماً بعدد كبير من مقاتلي المعارضة وقوة نارية كبيرة.

الثاني: قد تلجأ وحدات حماية الشعب في حال التهديد الحقيقي إلى المفاضلة بين الاشتباك مع القوات التركية وتسليم مناطق سيطرتها إلى نظام الأسد المتواجدة في ريف حلب الشرقي، الخيار الذي لجأت إليه في منبج.

السيناريو الثاني: (العرقلة الأمريكية)

قد تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية أمام التفاهم الروسي التركي إلى محاولة عرقلة العملية العسكرية التركية في شمال حلب، السيناريو الذي يبدو أضعف من سابقه، وذلك لمحدودية الخيارات العسكرية للولايات المتحدة في شمال سورية، واستحالة التورط الأمريكي في مواجهة عسكرية مع موسكو، في ظل التفاهمات الجديدة بين الطرفين في الملف السوري، واللقاء الإيجابي الذي جمع بوتين وترامب على هامش مؤتمر قمة العشرين في هامبورغ.

وفي هذا السياق قد يلجأ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD إلى محاولات الضغط على الولايات المتحدة للتحرك، كما هدد بعض القيادات بتعليق العملية العسكرية في الرقة، إلا أن هذا الإعلان لا يتجاوز كونه تصريحات إعلامية، إذ أن تعليق العملية يستوجب وجود طرف قابل للتفاوض، وفي حال تعليق العملية من المؤكد أن تنظيم الدولة لن يقف متفرجاً إلى أن تنهي وحدات الحماية تعليقها، ناهيك عن أن الولايات المتحدة لن تسمح بهذا الخيار، خاصة بعد الشوط الذي قطعته العملية في الرقة والمرحلة الحساسة التي تمر بها.

السناريو الثالث: (التأجيل والضمانات)

قد تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية لمحاولة التفاوض مع الجانب التركي لتأجيل العملية إلى ما بعد الانتهاء من معارك الرقة؛ وذلك مقابل ضمانات معينة قد تقدمها أمريكا تهدئ من الهواجس التركية، إلا أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً أيضاً، وذلك بسبب أزمة الثقة التي تمر بها العلاقات التركية الأمريكية، حيث تم اختبار الضمانات الأمريكية سابقاً في منبج، والأتراك لن يقعوا في فخ الوعود الأمريكية مرتين، خصوصاً بعد تراجع الولايات المتحدة عن وعودها بسحب سلاح المليشيات الكردية بعد معارك تنظيم الدولة وإعلانها استمرار التسليح، لذا فإن الحشود التركية والتحضيرات لعملية سيف الفرات تُظهر جدية الأتراك في تأمين عمقهم الاستراتيجي عبر التدخل المباشر، ولعل أي ضمانات أمريكية لن تثنيهم عن عزمهم؛ إلا إذا تضمنت تسليم قوات "سوريا الديمقراطية" طوعاً للمناطق التي تستهدفها عملية سيف الفرات، وهذا السيناريو وقدرة واشنطن على تبريد السخونة العسكرية غرب الفرات، والوصول إلى حل يحافظ على علاقتها الجيدة بحليفيها الكردي والتركي، والحيلولة دون تعميق التحالف الروسي التركي؛ تبقى رهناً بما سينتج عن زيارة قادة سوريا الديمقراطية إلى واشنطن([19])، والتي دعا لها المبعوث الأمريكي إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش، بريت ماكغورك، ومن المقرر أن تكون خلال الشهر الحالي أي قبل الموعد المحدد من قبل الأتراك لبدء عملية سيف الفرات في نهاية تموز الجاري.

الخاتمة

لا يمكن فصل التصعيد التركي في الشمال السوري عما يجري من تفاهمات دولية وإقليمية حول تجزئة المسار العسكري في سورية إلى مناطق "خفض توتر" تفضي إلى مناطق نفوذ معترف بها للفاعلين الإقليميين والدوليين، بشكل يسمح بتركيز جهود الأطراف المتناحرة على الأرض (المعارضة، النظام، مليشيات PYD) حول حرب الإرهاب، و حصر صراعها في حدود امتلاك جبهات مع تنظيم الدولة وملء الفراغ الذي سيتركه، الأمر الذي يدل على أن تلك التفاهمات مؤقتة ريثما يتم الفراغ من حرب الإرهاب، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع على تركة التنظيم، والتي ستحسم شكل الحل السياسي في سورية ، ومصير طموحات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في استغلال الفرصة التاريخية المتمثلة في المأساة السورية للفوز بإقليم، ولذلك فجميع الأطراف الإقليمية والدولية في حالة سباق مع الزمن لإعادة ترتيب أوراقها في سورية قبل نهاية الحرب على الإرهاب، ومن بينها تركيا، والتي وإن أخرجتها موسكو والولايات المتحدة من دائرة المكاسب في الملف السوري، إلا أن باب تخفيف الخسائر لازال مفتوحاً، وعليه فإن إمكانية تراجع أنقرة عن حماية عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري وقطع الطريق على أي احتمال لإقامة كيان كردي في سورية تكاد تكون معدومة، سواء أتم ذلك بعمل عسكري أو عبر تفاهمات دولية، فأنقرة بحجمها الإقليمي من غير المرجح أن تكون الخاسر الأكبر في هذه اللعبة الدولية، وإنما تثبت الحتمية التاريخية بأن الخاسر دائماً هم الأدوات المستخدمة في لعبة الكبار .


([1])  أنظار تركيا نحو عفرين و”قسد” تنتظر مساعدة روسيا، جريدة عنب بلدي، 2/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/esgbom

([2]) انظر تصريحات مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، موقع جيرون، 7 تموز 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/FwK2XF

([3]) صحيفة بريطانية: الأكراد يشقون طريقهم إلى الرقة ومياه البحر المتوسط، موقع ترك برس، 8 مايو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/Cqbx8e

([4]) محود عثمان، عملية "سيف الفرات" إذ تشكل المرحلة الثانية من درع الفرات، موقع ترك برس، 3تموز 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/92XrEb

([5])  ألمانيا تسحب قواتها من قاعدة أنجرليك التركية، وكالة سبوتنيك الروسية للأنباء، 7/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/tRf8Ny

([6]) روسيا تبيع تركيا أنظمة صواريخ إس 400، موقع i24 الشرق الأوسط، 29/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/Zhfjke

([7]) قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين، صحيفة الشرق الأوسط، 5 يوليو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/UYC1sr

 ([8])روسيا تخيّر (ب ي د) بين تسليم عفرين للنظام أو الاجتياح التركي، موقع كلنا شركاء، 5/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/h2AiJt

([9])  قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين، مرجع سبق ذكره.

 ([10]) المرجع السابق.

([11]) سورية.. الأكراد يخططون لإقامة منفذ على المتوسط مقابل دعم واشنطن في عملية الرقة، موقع الخليج الجديد، 7/5/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/NFVjmJ

([12]) مصادر روسية وتركية متطابقة تتحدث عن عملية "سيف الفرات" ضد "ب ي د" بسورية، موقع أخبار تركيا، 4/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/AN4YMm

([13]) قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين، مرجع سبق ذكره.

([14])  انظر تصريحات مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، موقع جيرون، مرجع سبق ذكره.

([15]) أنظار تركيا نحو عفرين و”قسد” تنتظر مساعدة روسيا، جريدة عنب بلدي، 2/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/esgbom

([16]) محاور وتفاصيل عملية "سيف الفرات" التركية في سورية، موقع نون بوست، 7 يوليو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/xSw31m

([17]) إحصاءات خاصة بوحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([18]) المرجع السابق.

([19]) واشنطن تستدعي قادة قوات سوريا الديمقراطية، موقع ترك برس، 6 يوليو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/jxEeMH

التصنيف أوراق بحثية

شارك الباحث معن طلاع، من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية / مسار السياسة والعلاقات الدولية، في أعمال مؤتمر نظَّمه مركز رووداو للدراسات، يوم الأربعاء 19 تشرين الأول 2016، بعنوان: "كردستان بعد عمليتي الموصل والرقة".

تناول المؤتمر محورين أساسيين؛

 الأول: مستقبل إقليم كردستان والعراق بعد عملية الموصل.

الثاني: عملية الرقة وتأثيرها على مستقبل كردستان سورية.

تناول طلاع في ورقته تعريفاً عن قوات "قسد"، والهيكلية العامة لتلك القوات معرّجاً على أهم المواقف المعارِضة لها سياسياً وعسكرياً على كلا المستويين المحلي والدولي.

حظي المؤتمر باهتمام وسائل الإعلام وحضور عدد كبير من الباحثين من مختلف الدول؛ أمريكيا، وروسيا، السعودية، إيران، سورية.

 

التصنيف أخبار عمران

شارك مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في ندوة بحثية عقدها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (سيتا)، بمدينة اسطنبول في يوم الخميس 20 تشرين الأول 2016، ناقش فيها الملف السوري، بمشاركة باحثين أتراك وسوريين.

تضمنت الندوة التي حملت عنوان "الفوضى في سورية إلى أين؟"، عرضاً للوضع الراهن في سورية، وناقشت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، لا سيما معركة "درع الفرات" وما عكسته من زيادة الدور التركي في سورية.

تحدث في الندوة كل من عضو الهيئة العليا للمفاوضات ورئيس الائتلاف السوري السابق، خالد خوجة، والمدير التنفيذي لمركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار القحف، بالإضافة إلى الدكتور أفق أولوتاش من مركز "سيتا"، والدكتور محي الدين أقامان من جامعة أنقرة.

مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار قحف، لفت في ورقته إلى أن الأنظمة السياسية في البلدان التي شهدت احتجاجات ضد الأنظمة، سعت منذ البداية لترويج فكرة الفوضى وربطها بالثورات. وأشار إلى أن نظام بشار الأسد في سورية، وضع منذ بداية الثورة (2011) سردية للإرهاب وتعامل من خلالها مع حراك المحتجين، والربط فيما بينهم وبين الإرهاب. وأضاف أن الأسد عمل على خلق فوضى سياسية، واقتصادية، وأمنية، وبات ينظر للمشهد بأدوات أمنية، ما ساهم في زيادة دور أجهزة الأمن في سورية بالتعامل مع المحتجين.

بدوره أوضح الدكتور محي الدين أقامان أن "الفوضى الحاصلة في سورية" ساهمت في تحديد تركيا بشكل أكبر لخطوطها الحمراء في سورية، وتحديد ما الذي يمكن تحمله وما لا يمكن تحمله. ولفت إلى دور إيران وسياستها الطائفية الواضحة في سورية والعراق، كما تطرق في مداخلته إلى التنافس الروسي– الأمريكي في سورية، واصفاً موقف البيت الأبيض بـ "المتردد".

من جهته، أشار رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق خالد خوجة، إلى جملة من الأسباب التي أوصلت الوضع في سورية لما هو عليه الآن، وركز بشكل أساسي على التراجع الأمريكي لصالح روسيا في سورية. وأكد أن الجيش الحر قد تم إضعافه مقابل تقوية جهات أخرى كـ ميليشيات "سورية الديمقراطية".

وعن عملية "درع الفرات"، رأى خوجة أن المعارك في الشمال السوري تغير التوازنات، منوهاً إلى أهمية مدينة الباب ومنبج وقال إن "هاتين المدينتين ستغيران قدر حلب". وتابع أن تركيا تعمل حالياً على "إعادة إنتاج الجيش السوري الحر وتقويته".

واتفق الباحث في مركز "سيتا" أفق أولوتاش مع بقية المشاركين بالندوة، على أن "درع الفرات" تشير في مجملها إلى زيادة الفاعلية التركية في سورية، معتبراً أن أنقرة تدفع ثمن استقلال سياساتها.

التصنيف أخبار عمران
الإثنين كانون1/ديسمبر 30
الملخص التنفيذي لم يُستثنَ اللاجئون الفلسطينيون من تداعيات الصراع في سورية، حيث طرأ تغيير كبير على وضعيتهم القانونية، لجهة حجم الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها على نطاقٍ واسع، والتي تعود…
نُشرت في  الكتب 
الأربعاء أيلول/سبتمبر 25
مقدمة أفرز النزاع الدائر في سورية منذ عام 2011 جملة من التحديات التي بدأت ترتسم ملامحها مع اقتراب النزاع من نهايته، ولعل من أبرزها التحديات المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي المبكر…
نُشرت في  الكتب 
الإثنين تموز/يوليو 01
المقدمة لا تزال الأسئلة المتعلقة بقطاعي الأمن والدفاع في سورية من أكثر الأسئلة أهمية، وازدادت أهميتها بعد الحراك الثوري، لأن غايات الإصلاح كانت مطلباً رئيسياً في هذا الحراك، كما أنها…
نُشرت في  الكتب 
بتاريخ 28 تشرين الأول 2020 وفي لقاء مع اذاعة وطن اف أم، وعبر بودكاست وطن،…
السبت تشرين1/أكتوير 31
بتاريخ 13 تشرين الأول 2020، وخلال مقابلته مع جريدة القدس العربي، رأى الباحث لدى مركز…
الإثنين تشرين1/أكتوير 19
بتاريخ 6 تشرين الأول 2020 وخلال مقابلته مع موقع السورية نت؛ أوضح الباحث في مركز…
الخميس تشرين1/أكتوير 08
بتاريخ 27 أيلول 2020؛ شارك الخبير في الشؤون العسكرية والميدانية في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية…
الثلاثاء أيلول/سبتمبر 29