التقارير

بعد تداول أخبار عن نيّة “هيئة تحرير الشام” حلّ نفسها، دون أي تأكيد أو نفي من الهيئة ذاتها، وعلى الرغم من كونها لاتزال في إطار الإشاعات، تعود تلك الأخبار لتثير سؤال المستقبل حول مصير التنظيم الذي أعلن عن تأسيسه في كانون الثاني 2012 تحت مسمى “جبهة النصرة”، ليتطور بمراحل مختلفة ومتسارعة وإشكاليّة، وصولاً إلى البنية الحالية.

ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون الأخذ بالاعتبار عاملين، الأول: وهو العامل الذاتي المتمثل ببنية وطبيعة الهيئة ذاتها، والثاني العامل الموضوعي الذي تشهده الجغرافية التي تنشط فيها الهيئة، والمتمثل بالحملة العسكرية على محافظة إدلب، وما قد يترتب عليها من تفاهمات واتفاقات سياسية ستحدد مستقبل الملف السوري، وتموضع هيئة “تحرير الشام” ضمنهُ.

وعلى ما يبدو أن الهيئة في المستقبل القريب أمام خيارات محدودة، خاصة مع الرفض الدولي والإقليمي وتصنيفها على لوائح الإرهاب، الخيارات التي قد تتراوح بين قرار الصدام حتى النهاية، وفي حال الاقتراب منها، التشظي كتنظيم والتحول إلى مجموعات تمارس نشاط عسكري متقطع بعيداً عن مفهوم التمكين والاستحواذ على الأرض، إلى تكتيكات مختلفة وجديدة، أو التوجه إلى تجنّب هذا الخيار عبر قرارات تنظيمية تكتيكية، على رأسها حلّ الهيئة كتنظيم، لكن الحلّ بمعنى التغير الشكلي والتكتيكي للبنية التنظيمية، وليس الإجهاز عليها.

وباعتقادي، قد تلجأ الهيئة فعلاً إلى خطوة الحلّ بهذا المعنى الإجرائي، بغض النظر عن شكل هذا الحلّ وجديته وتوقيته، وذلك بناءً على عدة معطيات تتعلق بطبيعة الهيئة وعقليتها ونهجها، إضافة لدورها الوظيفي ضمن الظرف السياسي والعسكري القائم، وتتوزع أبرز تلك المعطيات وفق ما يلي:

١- العقلية:

تمتلك “هيئة تحرير الشام” عقليَة براغماتية مرنة هيئتها لتكون أبرز الفاعلين المحليين على المستوى العسكري على الأرض خلال سنوات الصراع، هي ذات العقلية التي دفعتها للخروج من عباءة “تنظيم الدولة” ومبايعة “تنظيم القاعدة” (الهروب من الفرع إلى الأصل)، ومن ثم فك الارتباط عن تنظيم “القاعدة” والتخلص من ثقل هذه التركة، والتحول من “جبهة النصرة” العابرة للحدود إلى “جبهة فتح الشام” ذات البعد المحلي، ومن ثم تأسيس “هيئة تحرير الشام”، والتخلص من أكبر قدر من العنصر الأجنبي الذي لم ترضه تلك التحولات، والذي خرج ليؤسس مجموعات أخرى أكثر تشدداً كـ”حراس الدين” وغيرهم، وبذلك وقع مجال التمايز، بين متشدد وأكثر تشدداً، وأجنبي ومحليّ.

ذات العقلية التي دفعتها كتنظيم لتجاوز مفهوم السيطرة والدور العسكري فقط، إلى محاولات توسيع النفوذ على عدة مستويات في إطار إطباق السيطرة على إدارة المناطق المحررة، سواء عبر التغلغل في الإدارة المحلية والمساهمة بتأسيس حكومة الإنقاذ ومحاولة السيطرة على المجالس المحلية وإدارة الجزء الأكبر من المُحرر، أو على المستوى الاقتصادي عبر السيطرة على المعابر وشبكات الطرقات الرئيسية، أو على المستوى العسكري والأمني عبر استراتيجية إنهاء الفصائل وابتلاعها والتمدد بالهيمنة والنفوذ.

هي ذات العقلية التي رشحت الهيئة لتكون شريك يُعتمد عليه من قبل بعض القوى الإقليمية، وشجعت حتى أعدائها للتعاطي معها بصفقات، فالهيئة أكثر الأطراف المحليّة التي عقدت صفقات تبادل مع إيران وحزب الله، وغيرها من صفقات التبادل على مستوى دولي. وبذات العقلية قد تتحذ “هيئة تحرير الشام” خيار حلّ ذاتها، إذا وجدت في ذلك أقل الأضرار وأهون الشرين.

٢- قراءة الواقع:

تدرك الهيئة تماماً، أن أي اتفاق سياسي قد ينجز بين موسكو وأنقرة، سينهي ملف الطرقات الدولية كبند ثان من اتفاق “سوتشي”، بعد أن تم ترسيم المنطقة العازلة كبند أول، ليبقى بند مكافحة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسه تفكيك الهيئة، والذي سيكون عنواناً للمرحلة القادمة. وبغض النظر عمن سيتكفل بتلك المهمة، التي تقع وفق اتفاق “سوتشي” على عاتق تركيا، فإن الهيئة تدرك أن الصدام العسكري لن يكون لصالحها، فأي معركة بعد الطرقات الدولية سيكون ضمن معاقلها ومناطق نفوذها بعد الانحسار الجغرافي الكبير نتيجة المعارك الحالية، خاصة وأن موسكو والنظام سيروجان لتلك المعركة، كـ”معركة المجتمع الدولي” وليس معركتهما فقط، باعتبارها مواجهة مباشرة مع تنظيم إرهابي، بل ستسعى فيها موسكو لتحقيق نصر إعلامي كنصر ترامب على ” تنظيم الدولة”. ناهيك عما قد ينتج عن هذه المعركة من كارثة على المدنيين، هذا إن سلمنا جدلاً بأن الهيئة تكترث للمدنيين، بعد التسليم أن روسيا والنظام هدفهم المدنيين قبل الهيئة ذاتها. لذلك فإن تجنب هكذا معركة يدفع الهيئة لترجيح قرار الحل الشكلي وتجنب الصدام، وسيدفع للضغط عليها أيضاً من أطراف إقليمية باتجاه هذه الخطوة لتجنب كارثة إنسانية على الحدود.

٣- عدم انتهاء الصلاحية:

وفق التحالفات التي تديرها الهيئة، لا يبدو أن دورها الوظيفي قد انتهى، بل على العكس، تبدو أطراف عديدة أشد ما تكون بحاجة للهيئة خلال هذه الفترة، خاصة مع تحول إدلب إلى ساحة لتصفية حسابات المحاور ومسرحاً للصراعات الإقليمية والدولية بالاعتماد على أطراف محليّة، وأن تلك الحسابات قد تتقاطع في جزء منها مع وجود الهيئة وبقائها كفاعل محلي مؤثر على الأرض، ولكن بشكل جديد لهذا الوجود، لذلك فإن قرار الحلّ والتحول إلى شكل تنظيمي جديد، قد يكون مقدمة لأدوار وظيفية جديدة تتناسب ومعطيات المرحلة القادمة. وهذا ما يرجح أيضاً جنوح الهيئة نحو هذا الخيار، أو دفعها وتشجيعها عليه أو الضغط عليها باتجاهه. إذ من الممكن أن تتقاطع مصالح الهيئة في الحل والتحول إلى شكل تنظيمي جديد مع مصالح أطراف أخرى.

٤- المنهج:

بالنهاية، فإن “هيئة تحرير الشام” كتنظيم سلفي جهادي، قد يحتاج في بعض القرارات المفصلية إلى تبريرات شرعيّة، على الأقل لضبط الصف العقائدي لمقاتليه وإقناعهم بأي تحول، وإن ما مرت به “هيئة تحرير الشام” من تحولات تنظيمية لم يكن عشوائياً، وإنما كان ضمن استراتيجية جديدة لجماعات وتنظيمات الجهاد المعولم، الاستراتيجية القائمة على الاتجاه من المركزية العابرة للحدود إلى المحليّة والنزوع للتوطين، من الجهاد الأممي إلى المحلي، أو بعبارة أخرى: “الانتقال من جهاد النخبة إلى جهاد الأمة”، بشكل يمكنها من التأثير المحلي وضمان قاعدة شعبية أوسع لأفكارها والحد من العزلة التي غالباً ما تقع التنظيمات الجهادية ضحية لها، وهذا ما حدث بين “النصرة” و”القاعدة” (فك الفرع عن الأصل) بالتوافق، فضمن هذا التوجه مثلت “جبهة النصرة” تجربة جديدة لتنظيم “القاعدة”، والحامل الأساسي لقياس نجاعة هذه الاستراتيجية، وتكرر هذا مع غيرها من فروع “القاعدة” في اليمن وأماكن أخرى، خاصة بعد تراجع المشاريع الأممية وتحول مركز الجهاد من أفغانستان إلى المشرق العربي وبروز “تنظيم الدولة” وسحبه البساط الجهادي من تحت “القاعدة” بإعلانه الخلافة واستقطاب أكبر عدد من المهاجرين، لذلك فإن الإطار موجود وجاهز لأي تحول محتمل، بل إن تحول الشكل التنظيمي سيكون تكتيك ضمن استراتيجية أوسع للنزوع نحو التوطين، النزوع الذي لم يقتصر على الحقل السلفي الجهادي، وإنما شمل أغلب الأيديولوجيات العابرة للحدود في المنطقة.

وبناءً على كل ما سبق، فلا يمكن استبعاد خيار الهيئة بحلّ نفسها، بغض النظر عن شكل هذا الحلّ وكيف سيكون، وبغض النظر كذلك عن توقيته، وفي حال حصل، فسيكون في المرحلة الأولى منهُ إعلاناً إعلامياً شكلياً، وذلك نتيجة لارتباط نهاية ملف الهيئة بعدة ملفات أخرى لم يتم حسمها بعد، وكذلك لما سيترتب على ذلك من تبعات على الأرض والجبهات والمستوى الإداري في مناطق نفوذها، ففي حال تم فلن يكون سوى إعلان كمرحلة الأولى، ليتم بعدها على مراحل لاحقة خروج آخر كتلة أجانب من القيادات ومن يرفض التحول، خاصة وأن خطوة الحل ستسبب انقسامات عامودية وأفقية في بنية الهيئة، والتي من المرشح أن ترتصف مع باقي التنظيمات المصنفة إرهابية ويغلب عليها العنصر الأجنبي، لتشكل كتلة صلبة تواجه انعدام الخيارات بالنسبة للأجانب، فيما سيعاد تشكيل العنصر المحلي السوري، وهو الطاغي، وفق بنية جديدة.

لن تكون نهاية “هيئة تحرير الشام” بالسهولة التي يعتقدها البعض، كما أنها ليست بالاستحالة التي تروج لها الهيئة، ليبقى مستقبلها رهناً بخياراتها، والمرتبطة بدورها بطبيعة التوافقات الدولية والإقليمية وشكل الحل السياسي في سورية.

الرابط: http://bit.ly/2SKVoiw

 

 

التصنيف مقالات الرأي

مُلخّصٌ تنفيذيّ:

  • يرصد هذا التقرير محاولات الاغتيال في مناطق سيطرة المعارضة السورية، خلال الفترة الممتدة ما بين (آب/أغسطس وحتى كانون الأول/ديسمبر 2019)، والتي بلغ عددها 55 محاولة مُخلفة 143 ضحية.
  • يشير تحليل البيانات الخاص بمناطق "درع الفرات"، إلى تراجع نسبيّ في نشاط غرفة عمليات "غضب الزيتون)[1]) "، والتي تتصدر تنفيذ عمليات الاغتيال وتبنيها في مناطق سيطرة "الجيش الوطني". في حين لم يشهد نشاط الغرفة أي تراجع في منطقة عفرين ومحيطها.
  • بحسب البيانات المرصودة، فإن النسبة الأكبر من ضحايا عمليات الاغتيال ضمن مناطق "درع الفرات" وعفرين كانوا من المدنيين، بينما كانت النسبة الأقل للأهداف العسكرية.
  • توضّح عملية الرصد في مختلف المناطق، استخدام أدوات متعددة لتنفيذ الاغتيالات، حيث نُفذّت 19 محاولة عن طريق العبوات الناسفة، بينما سجّلت عملية الرصد استخدام الطلق الناري في 35 محاولة، مقابل محاولة وحيدة عبر اللغم الأرضي.
  • تظهر عملية الرصد في مدينة عفرين ومحيطها، أن بنك الأهداف لعمليات الاغتيال لم يعد يقتصر على الفصائل المحلية والجهات المدنية، وإنما بات يشمل الجنود الأتراك المتواجدين في المنطقة، بعد تسجيل محاولات لاستهدافهم.
  • على الرغم من استمرار العمليات العسكرية للنظام وحلفائه وما رافقها من فوضى أمنيّة، سجّلت محافظة إدلب، النسبة الأقل في عمليات الاغتيال، خلال أشهر الرصد، ورغم تراجع كثافة تلك العمليات؛ إلا أنها كانت نوعية لناحية أهدافها.
  • تجاوزت عمليات الاغتيال حدود منطقتي "درع الفرات" وعفرين، لتمتد إلى مناطق سيطرة "الجيش الوطني" شرق الفرات بعد السيطرة عليها مدعوماً بالجيش التركي ضمن عملية "نبع السلام"، حيث بدأت تشهد عمليات لا تختلف كثيراً عن سابقتها لناحية طبيعتها والجهات المنفذة والمستهدفة.
  • قد تكون المراحل القادمة مرشحة لتدهور أكبر في الوضع الأمني العام، خاصة ضمن ما تبقى من محافظة إدلب، نتيجة العمليات العسكرية المستمرة من قبل النظام وحلفائه، وما تسببت به من تهجير عشرات الآلاف من السكان، إضافة إلى تهجير الفصائل المحليّة.

مدخل

يعد الملف الأمنيَ أحد أبرز الإشكاليات المُركّبة التي تعاني منها مناطق سيطرة المعارضة المسلّحة في الشمال السوري، وأهم العقبات والتحديات التي تحاول القوى المسيطرة على تلك المناطق إيجاد حلول لها، ضمن بيئة مضطربة أمنياً، لناحية تعدد الجهات المسيطرة ذات المصالح المتضاربة، إضافة إلى التدخلات الإقليمية المباشرة وما استتبعته من ردود فعل مضادة لجهات مختلفة عبر خلاياها النائمة بهدف زعزعة الاستقرار، ناهيك عن القصف المستمر لقوات النظام وحلفائه لبعض تلك المناطق.

وتعتبر عمليات الاغتيال بما تمثله من اختراق أمنيّ، مؤشراً هاماً لطبيعة ودرجة الاستقرار الأمني ومستوى إدارة هذا الملف والقدرة على ضبطه من قبل القوى المسيطرة، خاصة مع ازدياد وتيرة تلك العمليات وتفاوت أهدافها وتعدد منفذيها واختلاف أساليبها، فعادةً ما تتصف عمليات الاغتيال بالسريّة لناحية الجهة المنُفذّة؛ إلا أن غالبية العمليات ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة تتبناها جهات محددة بشكل علنيّ، في اختراق أمنيّ واضح وصريح لتلك المناطق، خاصة "درع الفرات" وعفرين. وعلى الرغم مما تشهده باقي مناطق سيطرة الفصائل المعارضة من انحسار في الرقعة الجغرافية نتيجة المعارك المستمرة مع النظام، والذي من المفترض أن يُسهّل عملية الضبط والسيطرة الأمنيّة؛ إلا أنها أيضاً تكاد لا تختلف أمنياً عن سابقتها من المناطق لجهة معدلات الاغتيال ومؤشرات الانفلات الأمنيّ.

وفي متابعة لملف الاغتيالات ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في الشمال السوري؛ صَمَمَتْ وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، نموذجاً خاصاً لرصد تلك العمليات وتحليل البيانات الخاصة بها ([2]) كمؤشرات للاستقرار الأمني، وإخراجها ضمن تقرير دوريّ يرصد وتيرة عمليات الاغتيال، موضّحاً نتائج تلك العمليات وما أسفرت عنه، مقابل الجهات المُنفذة-إن عُلِمت-وكذلك الجهات المُستهدفة، كما يسعى التقرير إلى تحليل تلك البيانات ومقاطعتها بين مختلف المناطق، في محاولة لرسم الملامح العامة للوضع الأمنيّ وقياس أوليّ لمؤشرات الاستقرار.

وعليه يرصد هذا التقرير محاولات الاغتيال ضمن مناطق (درع الفرات، عفرين، إدلب)، خلال الفترة الممتدة ما بين (أب/أغسطس وحتى كانون الأول/ديسمبر 2019)، حيث بلغ عددها 55 محاولة خلفت 143 ضحية، وتوضّح البيانات انخفاض هذه النسبة مقارنة بالتقرير السابق الذي أصدرته وحدة المعلومات في مركز عمران (الاغتيالات في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من شباط حتى تموز 2019).

وتوزعت معدلات محاولات الاغتيال الـ 55 المرصودة ضمن التقرير الحالي، بحسب الأشهر، على الشكل التالي: 13 محاولة اغتيال خلال شهر آب/أغسطس، في حين بلغت خلال أيلول/سبتمبر 10 محاولات، بينما شهد تشرين الأول/أكتوبر 10 محاولات، لترتفع النسبة في تشرين الثاني/نوفمبر إلى 19، مقابل 3 محاولات في كانون الأول/ ديسمبر 2019. بينما يفرد ما تبقى من هذا التقرير تلك المحاولات بحسب مناطق السيطرة، والجهات المستهدفة والمنفذة وطبيعة أداة التنفيذ، ومدى نجاح تلك المحاولات.

أولاً: "درع الفرات" (كثافة عمليات وتعدد الجهات)

تُشير عملية الرصد الخاص بمناطق "درع الفرات"، بلوغ معدل محاولات الاغتيال، خلال 5 أشهر من الرصد، 24 محاولة اغتيال (الشكل 1)، نُفذ 13 محاولة منها عبر الطلق الناري، حيث حققت 12 منها غايتها في تصفية الجهة المستهدفة فيما فشلت محاولة واحدة في تحقيق هدفها. وتبنت 4 محاولات منها غرفة عمليات "غضب الزيتون" بينما بقيت 9 منها مجهولة المنفذ. وقد كانت فصائل الجيش الوطني هدفاً لتلك الاغتيالات بواقع 9 محاولات، مقابل 4 استهدفت كوادر إدارية من عناصر الشرطة المحليّة.

 بالمقابل، نُفذت 11 محاولة عبر العبوات الناسفة مخلفةً بمجموعها 8 قتلى و50 جريح، منهم 48 مدني مقابل 10 من عناصر الجيش الوطني (انظر الشكل 2)، حيث تم تفجير أغلبها لاستهداف شخصيات أو مجموعات عسكرية وسط تجمعات المدنيين. وقد تبنت غرفة عمليات "غضب الزيتون" 3 محاولات منها، بينما بقيت 8 منها مجهولة المنفذ.

ثانياً: عفرين (تبني واضح واستهداف التركي)

من خلال عملية رصد وتحليل البيانات لعمليات الاغتيال في مناطق عفرين ومحيطها، يتضح أن تلك المناطق شهدت بالعموم 17 محاولة اغتيال خلال 5 أشهر من الرصد، نُفّذ 8 محاولات منها عبر الطلق الناري وحققت جميعها غايتها في تصفية الجهة المستهدفة، بينما نُفذت محاولة واحدة عن طريق اللغم الأرضي وكانت فاشلة في تصفية الجهة المستهدفة (الشكل 3)، وقد تبنت 7 محاولات منها غرفة عمليات "غضب الزيتون" بينما بقيت محاولتين مجهولة المنفذ، وكانت فصائل الجيش الوطني  هدفاً لتلك الاغتيالات بواقع 7 محاولات، مقابل محاولتين استهدفت الجهات المدنية.

بالمقابل، وبح

سب البيانات المرصودة، نُفّذت 8 محاولات عبر العبوة الناسفة (الشكل 3)، والتي استهدفت عناصر ومجموعات للجيش الوطني وسط تجمعات للمدنيين، ما أدى إلى وقوع؛ 15 قتيل و34 جريح (الشكل 4)، منهم 30 مدني و17 من عناصر الجيش الوطني، مقابل 2 من عناصر الجيش التركي بعد استهداف عرباتهم. وقد تبنت غرفة عمليات "غضب الزيتون" عبر معرفاتها الرسميّة جميع تلك العمليات.

 

ومن خلال تلك الأرقام يتضح أن المناطق التي تقع تحت سيطرة "الجيش الوطني" (عفرين، "درع الفرات") هي الأكثر تردياً أمنياً، لناحية ارتفاع وتيرة الاغتيالات واتساع حجم الخرق الأمني وتعدد الجهات المنفذة واختلاف مصالحها وارتباطاتها، مقابل تراجع قدرة القوى المسيطرة على ضبط الاستقرار وتضييق حجم هذا الخرق.

وعلى الرغم من انخفاض نسبة العمليات في منطقة عفرين مقارنة بـ"درع الفرات"؛ إلا أن ذلك لا يعني اختلافاً في مستوى الضبط الأمني، خاصة وأن العمليات التي نفذت في عفرين كانت نوعيّة وتسببت بعدد ضحايا أكبر، ناهيك عن وضوح الجهة التي تقف خلفها (غرفة عمليات غضب الزيتون)، وتوسيعها لنشاطها لتشمل عناصر الجيش التركي في المنطقة، بشكل يشير إلى ارتفاع مستوى تلك العمليات وتوسيع دائرة أهدافها، وزيادة النشاط الأمني لبقايا خلايا حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" والتي تعتبر المنطقة امتداداً للنفوذ التركي وترى المقاتلين المحليين وبعض العوائل المهجرة بذات الإطار، وبالتالي تكثف من عملياتها وتشرعنها تحت هذا الغطاء دون التمييز بين مدني وعسكري.

أما بالنسبة لمناطق "درع الفرات" والتي شهدت نسبة عمليات أعلى من عفرين، فيتضح من خلال طبيعة تلك العمليات، تعدد الجهات التي تقف خلفها وعدم اقتصارها على جهة واحدة، وهذا قد يبدو طبيعياً في ظل سعي العديد من الأطراف والجهات إلى زعزعة الأمن في تلك المنطقة وتقاطع مصالحها في ذلك.

  ولعل ارتفاع عدد العمليات إلى هذا الحد لا يعد مؤشراً على عدم قدرة التشكيلات الأمنية لـ "الجيش الوطني" على ضبط الأمن والاستقرار بالنسبة للمدنيين فحسب، وإنما ضعف قدرتها أيضاً على تأمين أنفسها وعناصرها، وهذا ما تدلل عليه طبيعة تلك العمليات، والتي يبدو أنها تجاوزت حدود منطقتي "درع الفرات" وعفرين لتمتد إلى مناطق سيطرة الجيش الوطني شرق الفرات بعد السيطرة عليها مدعوماً بالجيش التركي ضمن عملية "نبع السلام"، حيث بدأت تشهد عمليات اغتيالات لا تختلف كثيراً عن سابقتها لناحية طبيعتها والجهات المُنفّذة والمُستهدفة، ومهما اختلفت دوافع تنفيذها والجهات التي تقف وراءها؛ فإن الحد منها وتحمُّل مسؤولية نتائجها يقع في النهاية على عاتق القوى والتشكيلات العسكرية والأمنية المسيطرة في تلك المناطق.

ثالثاً: إدلب وما حولها (انخفاض الكم وعمليات نوعية)

من خلال البيانات المرصودة، يتضح أن عدد محاولات الاغتيالات في محافظة إدلب وما حولها بلغ 14 محاولة خلال 5 أشهر من الرصد، حققت 13 محاولة منها مهمتها في تصفية الجهة المستهدفة، بينما فشلت محاولة وحيدة في ذلك بعد نجاة الطرف المُستهدف.

ومن مُجمل عمليات الاغتيال الـ 14، استُهدف عناصر وقيادات "هيئة تحرير الشام" بواقع 7 عمليات، بينما كانت فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" هدفاً في 4 منها، في حين تم استهداف جهات مدنية بواقع 3 عمليات، منهم عضو مجلس محليَ وإمام مسجد (الشكل 5). وبالنسبة لأدوات التنفيذ، فقد اعتمدت عمليات الاغتيال المُنفّذة في محافظة إدلب على الطلق الناري في جميع العمليات المرصودة، أما بالنسبة للجهة التي تقف وراء تلك العمليات، فقد بقيت مجهولة حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

 

ومن خلال تحليل البيانات يتضح أن، مناطق نفوذ "هيئة تحرير الشام" ضمن محافظة إدلب، سجّلت العدد الأكبر من عمليات الاغتيال مقارنة بمناطق "الجبهة الوطنية للتحرير"، سواء لناحية استهداف عناصرها أو استهداف المدنيين ضمن مناطق نفوذها، بينما سجّلت مناطق نفوذ الهيئة النسبة الأقل مقارنة بمناطق عفرين و"درع الفرات"، وإن انخفاض نسبة العمليات ضمن مناطق نفوذ الهيئة لا يعتبر مؤشراً على قدرتها الأمنية في ضبط الأوضاع؛ بقدر ما يشير إلى اختلاف طبيعة تلك العمليات ونوعيتها وليس كميتها، إذا أن أغلب عمليات الاغتيال في مناطق نفوذ هيئة "تحرير الشام" تعد عمليات دقيقة سواء على مستوى استهداف قيادات الهيئة وعناصرها، وضلوع أطراف عدة في تلك العمليات، منها محليّة ودوليّة، أو على مستوى الشخصيات المدنية، والتي توجه في استهدافها اتهامات لعدة أطراف،  إضافة إلى الاتهامات بضلوع الهيئة ببعض تلك العمليات،

بالمقابل، وبحسب البيانات، كانت مناطق نفوذ فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" في المرتبة الأخيرة من حيث وتيرة عمليات الاغتيال، سواء لناحية مقارنتها بمناطق نفوذ "هيئة تحرير الشام" ضمن إدلب، أو بمناطق "الجيش الوطني" في منطقتي "درع الفرات" وعفرين،  وقد يشير انخفاض نسبة العمليات المرصودة، إلى تحسن أمني نسبي ضمن تلك المناطق، ولكن بنفس الوقت فإن أغلب تلك العمليات استهدفت قيادات عسكرية في الجبهة، الأمر الذي يعطي مؤشراً على تراجع القدرة على تأمين البيت الداخلي للجبهة، خاصة وسط تعدد الأطراف المحليّة واختلاف مصالحها وأيديولوجياتها وارتباطاتها وما يفرضه ذلك من خلافات بين القوى المُسيطرة.

بالمقابل، فإن ما تبقى من مناطق إدلب، وبغض النظر عن القوى المسيطرة، قد تكون في المراحل القادمة مرشحة لتدهور أكبر في الوضع الأمني العام، وذلك نتيجة العمليات العسكرية المستمرة من قبل النظام وحلفائه، وما تسببت به من تهجير عشرات الآلاف من السكان، إضافة إلى الفصائل المحليّة، الأمر الذي قد يتسبب بشكل أو بآخر بفوضى أمنية نتيجة الاكتظاظ السكاني الذي قد تشهده بعض المناطق بعد موجات النزوح، إضافة إلى دخول الفصائل المهجرة إلى مناطق نفوذ لفصائل أخرى، ما يفرض على الجهات المسيطرة تحديات أمنيّة مركّبة تحتاج مواجهتها إلى جهود جماعية منظمة.    

خلاصة

بقدر ما يحمله هذا التقرير من أرقام وبيانات تفصيلية عن عمليات الاغتيال، إلا أن قراءته العامة تفيد بالمزيد من ضعف الحالة الأمنية في جميع المناطق المرصودة ضمن الشمال السوري، وفشل القوى الفاعلة وتعثرها في الحد من هذه العمليات التي تساهم في تراجع مؤشرات الأمن والاستقرار على مختلف المستويات.

وعلى الرغم من محاولات بعض الفصائل والتشكيلات المعارضة تطوير أدواتها وضبط الأمن من خلال أجهزة الشرطة والشرطة العسكرية وازدياد المنتسبين لتلك الأجهزة وتخريج عدد من الدورات؛ إلا أنها لا تزال غير قادرة على الحد من تلك العمليات ولا تملك القدرة للوصول إلى منفذيها. الأمر الذي يستدعي إعادة هيكلة تلك الأجهزة ورفع مستوى التدريب الخاص بعناصرها ورفدهم بكافة التجهيزات اللوجستية والتقنية التي تساعد في الحد من تلك العمليات، بشكل يساهم في تأمين بيئة أمنيّة مناسبة لنشاط المؤسسات المدنية، والدفع بإشراك المجتمع المحلي والتنسيق مع فعالياته ومؤسساته في هذا الإطار وتجسير أي هوة بين تشكيلات قوى الأمن الداخلي والمجتمعات المحلية العاملة ضمنها، بشكل يسهل مهمتها ويعزز من حالة الأمن ويرفع المسؤولية بأهميتها للجميع. 

ولا يُعد تردي الأوضاع الأمنية محلياً ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، أمراً منفصلاً عن السياق العام للملف السوري وتعقيداته التي ترمي بظلالها محلياً على مختلف المناطق السورية بغض النظر عن القوى المسيطرة، إذ أن حالة الفوضى التي تجلت بصورة الاغتيالات في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، تتكرر بصور وأدوات وكثافة مختلفة ضمن مناطق سيطرة نظام الأسد، وكذلك مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، على الرغم من المركزية الأمنية التي تحكم تلك المناطق، والمفتقدة في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة.


([1]) غرفة عمليات "غضب الزيتون": وهي بحسب توصيفها   لنفسها على معرفاتها الرسميّة؛ مجموعة من شباب وشابات عفرين، ويعتقد بأنها تتبع لوحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، تقوم باغتيال المقاتلين الأتراك المتواجدين في المنطقة، بالإضافة إلى المقاتلين المحليين المدعومين من تركيا، للاطلاع والتعرف أكثر على هذه المجموعة راجع الرابط التالي: http://www.xzeytune.com

([2]) فيما يتعلق بمصادر التقرير فهي على الشكل التالي: 1) نقاط الرصد الخاصة لوحدة المعلومات في الشمال السوري. 2) التقرير الأمني الخاص الصادر عن مكاتب منظمة "إحسان الإغاثية" في الشمالي السوري. 2) المُعرّفات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي للجهات التي تم استهدافها (الجبهة الوطنية، هيئة تحرير الشام، حراس الدين وغيرها). 3) المُعرّفات والمواقع الرسمية للوكالات ووسائل الإعلام المحليّة التي تقوم بتغطية الأحداث في محافظة إدلب.

التصنيف تقارير خاصة

مُلخصٌ تنفيذيّ

  • نص اتفاق "سوتشي" على؛ إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح، ومحاربة الإرهاب الذي عكس ضمنياً "تفكيك هيئة تحرير الشام"، إضافة إلى فتح الطرق الدولية. وأما المنطقة العازلة فقد تم ترسيمها بعد معارك ريفي حماة وإدلب، في حين لا يبدو تفكيك الهيئة متاحاً حالياً، ليبقى فتح الطرق الدوليّة الهدف الظاهر للحملة العسكرية على إدلب.
  • لا تعكس مواقف ثلاثي "أستانا" من الحملة العسكرية على إدلب خلافات عميقة على هدفها الظاهر والمتمثل بفتح الطرق الدولية، بقدر ما تعكسه من اختلاف على ما يبدو حول آليات التنفيذ ومرحلة ما بعد المعركة.
  • على الرغم مما تشير إليه طبيعة الحملة ومحاورها العسكرية من أولوية فتح الطرق الدولية، إلا أن الهدف الأخير لا يبدو إلا تكتيكاً ضمن استراتيجية أوسع للنظام وحلفائه.
  • تبدو الحملة العسكرية للنظام وموسكو فرصة جيدة للمناورة السياسية مع أنقرة وتحصيل أكبر قدر من الجغرافيا، بما يتجاوز الاتفاقات المنصوص عليها، إضافة إلى انتزاع تعديلات محتملة على اتفاق سوتشي.
  • يعكس أداء الضامن التركي في التفاعل مع الحملة العسكرية وما ترتب عليها من آثار إنسانية وسياسية؛ إقراراً ضمنياً بتنفيذ الاتفاق المنصوص عليه بفتح الطرق الدولية، واعتراضات على ما يبدو حول آليات التنفيذ.
  • تشير ردات فعل الفصائل المدعومة من تركيا وغيرها، إلى أن المعارضة العسكرية تدرك أنها تخوض معركتها دون غطاء سياسي، ولعل هذا ما يفسر عدم زجّها بكامل قواها على الجبهات وتركها لمجموعات مقاومة محليّة.
  • إن تغيير الموقف التركي باتجاه التصعيد وزيادة الدعم العسكري للمعارضة، يعد احتمالاً وارداً، لكن ليس لحسم المعركة عسكرياً أو استعادة المناطق التي تم السيطرة عليها، بقدر ما هو تحسين لشروط التفاوض على أي اتفاق محتمل (إدارة المناطق، الدوريات المشتركة، طبيعة الإشراف على الطرق الدولية، نقاط المراقبة، الحدود الجغرافية).
  • لم تعبّر المواقف الدولية من الحملة العسكرية على إدلب عن صيغة جديدة في التعاطي مع الملف السوري؛ إلا أن اللافت في وتيرة تفاعلها أنها عكست، بشكلٍ أو بآخر، مدى عمق تكريس صورة إدلب كمنطقة لتجمع "الإرهابيين".
  • كل تقدم عسكري للنظام وحلفائه سيؤدي إلى مزيد من تعميق حالة عدم الثقة بين المجتمعات المحليّة ضمن مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري و"الضامن" التركي وفصائله من جهة، وبين الأخيرة وحواضنها الاجتماعية من جهة أخرى.

مدخل

لم تكن الحملة العسكرية التي بدأها نظام الأسد وحلفائه في 19 كانون الأول/ديسمبر 2019 على ريف محافظة إدلب مفاجئة أو غير متوقعة، سواء لناحية التوقيت أو الشكل، إذ تأتي ضمن سلسلة من المراحل بدأها النظام على المحافظة منذ مطلع العام 2019، كان آخرها الريف الجنوبي. إضافة إلى أن بوادر الحملة العسكرية الحالية قد لاحت قبل عملية "نبع السلام" وما تخللها من قرار أمريكي بالانسحاب الجزئي ومن ثم التراجع عنه، والذي غيّر أولويات النظام وموسكو عسكرياً باتجاه شرق الفرات، لاستغلال تردد الإدارة الأمريكية وما أتاحه من هوامش لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، عبر اتفاق النظام مع "قسد" بوساطة روسية وآخر روسي-تركي استطاع النظام من خلاله العودة إلى الحدود، لتعود بعد ذلك أولوية النظام وحلفائه إلى إدلب، خاصة ريفها الجنوبي الشرقي.

 وتشير تقارير الرصد السابقة للحملة العسكرية بأن النظام استمر باستقدام تعزيزات عسكرية نحو محور معرة النعمان من القوى الموجودة أساساً في محيط المحافظة، والممتدة من حدود اللاذقية حتى حلب مروراً بحماه، كما أن القصف الجوي السابق للهجوم الحالي، والذي شنته طائرات النظام وموسكو على المحافظة وطبيعة بنك الأهداف، كان ينذر باقتراب عمل عسكري على الأرض، خاصة وأن استراتيجية موسكو قبل أي عملية بريّة، تقوم عبر القصف الجوي المكثّف على شلّ المرافق الحيوية وضرب مقومات الحياة وعوامل الصمود (مستشفيات ميدانية، مخابز، مدارس، أسواق، طرق إمداد)، وهو ذات الأسلوب العسكري الذي اعتمدته مع مناطق المعارضة السابقة لإدلب، والتي كانت تخضع لاتفاقات "خفض التصعيد" بعد خرقها واقتحام المناطق بريّاً، ومن ثم حصارها وفرض نموذج تسوية يضمن سيطرة النظام وحلفائه.

كما أعلن اجتماع أستانا 14، 10-11 كانون الأول/ديسمبر، وبشكل غير مباشر، عن اقتراب الحملة العسكرية وطبيعة أهدافها، ليس لناحية الدلالة الرمزية التي تربط نهاية كل اجتماع من سلسلة "أستانا" بقضم النظام لمساحات واسعة من سيطرة المعارضة؛ وإنما عبر البيان الختامي الذي خرج عن الاجتماع؛ والذي أكد في الفقرة السادسة منه على أن: "جمهورية إيران الإسلامية والاتحاد الروسي وجمهورية تركيا بوصفها الدول الضامنة لصيغة أستانا؛ استعرضت بالتفصيل الحالة في منطقة إدلب لخفض التصعيد، وأبرزت ضرورة تحقيق التهدئة على أرض الواقع من خلال التنفيذ الكامل لجميع الاتفاقيات المتعلقة بإدلب، وأولاً وقبل كل شيء مذكرة 17 أيلول 2018"([1]).

وقد نصّت المذكرة التي أبرمت في سوتشي وأوقفت حملة عسكرية للنظام على إدلب بتوافق تركي-روسي، على "إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح وإبعاد جميع الجماعات الراديكالية والإرهابية عنها، والعزم على "محاربة الإرهاب" وهو البند الذي عكس ضمنياً تفكيك هيئة تحرير الشام، إضافة إلى بند فتح الطرق الدولية واستعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين M4 (حلب-اللاذقية) وM5 (حلب-حماة)".

 وأما عن المنطقة العازلة فقد تم ترسيمها، بل وتجاوز حدودها، بعد عجز الطرف التركي عن فرضها، وتدخل النظام وحلفائه عبر معارك طاحنة في ريفي حماة وإدلب في آب 2019، بينما لا يبدو تفكيك هيئة تحرير الشام بالأمر السهل والمتاح حالياً لأي من الأطراف، سواء لناحية تعقيد المهمة أو لناحية عدم انتهاء صلاحية الهيئة وظيفياً، ليبقى فتح الطرق الدولية هو الهدف الظاهر للعملية والأولوية السياسية-الاقتصادية بالنسبة للنظام وحلفائه، تحت ذريعة "محاربة الإرهاب" وعجز الطرف التركي عن تعهداته ضمن الاتفاق. وهذا ما حدث في سيناريو فرض المنطقة العازلة، وهو ذاته ما يتكرر اليوم ضمن حملة عسكرية وحشية لا تبدو أهدافها مقتصرة على فتح الطرق الدولية فقط. خاصة ضمن الظرف السياسي والعسكري الذي يمر فيه الملف السوري.

موسكو والنظام (حدود الحملة ودوافعها)

في الوقت الذي تتصاعد فيه العملية عسكرياً؛ يبدو المناخ السياسي الذي تدور خلاله أكثر هدوءاً، على مستوى التفاعل الدولي أو الإقليمي، إذ لا تعكس مواقف ثلاثي "أستانا" من العملية خلافات عميقة على هدفها الرئيس المتمثل بفتح الطرق الدولية، بقدر ما تعكسه من اختلاف على ما يبدو حول آليات التنفيذ ومرحلة ما بعد المعركة، فاليوم لا يتم السعي لإنجاز اتفاق جديد بقدر ما هو تطبيق لاتفاق سابق، وربما انتزاع تعديلات عليه عبر التصعيد العسكري، إذ بدت لهجة موسكو أكثر تصعيداً مع بدء الحملة على لسان وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، الذي صرح بأن "الأسد سيستعيد كامل الأراضي السورية وسندعمه في ذلك"([2])، بينما جاءت تصريحات وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، ضمن السياق الروسي، لتضيف عليه أن "اتفاق "سوتشي" قد فشل ولا حل سوى الحرب"([3])، في إشارة إلى عدم قدرة أنقرة على الالتزام بتعهداتها، والتلميح أن حدود هذا الاتفاق لم تعد ملزمة للنظام، وبالتالي احتمالية خرقها والتفاوض على تعديلها، في حين اكتفى الإيراني المشارك على الأرض بدعوة أنقرة للتعاون مع الأسد في حملته على إدلب([4]).

وعلى الرغم مما تشير إليه طبيعة الحملة ومحاورها العسكرية من أولوية فتح الطرق الدولية، إلا أن الهدف الأخير لا يبدو إلا تكتيكاً ضمن استراتيجية أوسع للنظام وحلفائه في استعادة كامل الأراضي السورية، وأن المعركة الحاليّة ما هي إلا جزءٌ من هذه الاستراتيجية، بشكلٍ يحقق أهدافاً مرحلية على المستويين العسكري والسياسي؛ إذ  يسعى النظام من خلالها إلى تأمين جزء من الطرق الدولية لما لها من أهمية اقتصادية بالنسبة له وللأطراف المختلفة، إضافة للعودة إلى المعسكرات الاستراتيجية (الحامدية، وادي الضيف)، برمزيتها العسكرية وإشرافها الناريّ الواسع على المنطقة، وذلك عبر إنهاء معركة بمناطق سهلية مفتوحة ذات تحصينات ضعيفة وخطوط إمداد مرصودة وتدمير خطوط الدفاع الأولى فيها. كما تمنح الحملة العسكرية في هذه الفترة فرصة للنظام لتصدير أزماته الاقتصادية في مناطق سيطرته بصورة انتصار عسكري مع نهاية العام 2019، خاصة في إدلب ومالها من رمزية كآخر معاقل المعارضة، وبالتالي الإيحاء بأن العمليات العسكرية لم تنتهِ وأن الأولوية للمجهود الحربي أولاً، وبالتالي تأجيل أي استحقاق من شأنه تحسين الوضع المعيشي في مناطق سيطرته، في ظل حزمة العقوبات القادمة، وعلى رأسها قانون قيصر.

إلى جانب ذلك، تبدو الحملة العسكرية للنظام وموسكو على المستوى السياسي فرصة جيدة للمناورة مع أنقرة وتحصيل أكبر قدر من الجغرافيا، بما يتجاوز الاتفاقات المنصوص عليها، إضافة إلى انتزاع تعديلات محتملة على اتفاق "سوتشي"، مقابل وقف إطلاق النار، والتي قد تكون متعلقة بــ (إدارة المنطقة، الإشراف على الطرق الدولية، الدوريات المشتركة، نقاط المراقبة، الحدود الجغرافية للتقدم العسكري).  كما قد يشكل التصعيد العسكري في إدلب بالنسبة لموسكو فرصة لمناورة سياسية أبعد من الملف السوري إلى ملفات إقليمية مشتركة تتصاعد فيها الخلافات مع أنقرة، خاصة الملف الليبي.

الضامن والفصائل (إقرار الهدف وخلاف الآليات)

بالمقابل، يعكس أداء الضامن التركي في التفاعل مع الحملة العسكرية وما ترتب عليها من آثار إنسانية وسياسية؛ إقراراً ضمنياً بتنفيذ الاتفاق المنصوص عليه بفتح الطرق الدولية، واعتراضات على ما يبدو حول آليات التنفيذ، إذ اكتفى الجانب التركي بمحاولات الضغط عبر موسكو لفرض تهدئة والتحذير من تفاقم كارثة إنسانية على حدوده متمثلة بموجات نزوح كبيرة باتجاه الأراضي التركية"([5])، في تلويح للأوروبيين بموجة لجوء جديدة وأن أنقرة لن تكون المسؤولة الوحيدة عنها، ومن ثم استطاعت تركيا بعد اجتماعات أمنيّة مع الجانب الروسي الوصول إلى تهدئة مؤقتة لم تطبق فعلياً على الأرض، لتعود العمليات العسكرية للاستئناف([6]). وبالعموم يمكن القول؛ إن الموقف التركي-إلى الآن-عكس بشكل أو بآخر إقراراً بضرورة فتح الطرق الدوليّة كجزء من اتفاق سوتشي، وأن سعي أنقرة اليوم عبر التفاوض مع موسكو، ما هو إلا محاولات لتخفيف تبعات تطبيقه العسكرية والسياسية والإنسانية.

 إذ تدعم هذه الرؤية مجموعة مؤشرات أبرزها؛ أداء أنقرة في التفاعل مع الحملة العسكرية الحالية قياساً بأدائها قبل انتزاع اتفاق سوتشي الذي سبقه تهديد موسكو والنظام بعملية عسكرية على إدلب، حيث أشار أداؤها خلال تلك الفترة إلى عدم وجود اتفاق بالفعل، ما حدا بها إلى الضغط على عدة مستويات إقليمية ودولية، مقابل إجراءات على المستوى المحليّ، تمثلت بفتح المعابر أمام الصحافة الغربية وتشجيع المظاهرات المدنية، وتكثيف جهود سياسية ودبلوماسية كبيرة أدت في النهاية إلى توقيع اتفاق سوتشي مع الجانب الروسي. ولكن يبدو اليوم الظرف مختلفاً بالنسبة لأنقرة، خاصة بعد عملية "نبع السلام" التي أمنّت الجزء الأكبر من الحدود بتعاون أمريكي من جهة وروسي من جهة أخرى، ضمن اتفاقات امتدت على ما يبدو من شرق الفرات إلى غربه.

 كما تشير ردّات فعل الفصائل الكبرى المدعومة من تركيا ومن ضمنها "الجيش الوطني"، والذي أرسل مجموعات محدودة من مقاتليه إلى جبهة إدلب بعد 12 يوم على الحملة العسكرية، إلى أن المعارضة العسكرية تدرك أنها تخوض معركتها دون غطاء سياسي، ولعل هذا ما يفسر عدم زجّها بكامل قواها على الجبهات وتركها لمجموعات مقاومة محليّة من شباب المناطق وبعض الفصائل، في إدراك منها أن الاتفاق في طريقه للتطبيق وتأمين الطريق الدولي، فلماذا الزج بقواتها واستنزفها في معركة محسومة سياسياً قبل أن تحسم عسكرياً؟! ويبدو أن هذا التصور للمعركة ينطبق بدرجة أكبر على هيئة تحرير الشام الذريعة الأكبر في شن الهجوم تحت غطاء مكافحة الإرهاب، إذ لم تنخرط الأخيرة بثقلها العسكري كامل في المعركة، سواء على مستوى مقاتليها أو سلاحها الثقيل، بل إن ظهور زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني، في كلمة مصورة حثّ فيها الجميع على حمل السلاح، بدا كهروب للأمام واستباق إعلامي لاتهامات محققة.

مقابل تلك المؤشرات، بدا لافتاً عدم انسحاب النقاط التركية من بعض مواقعها التي تقدم إليها النظام بالرغم من حصارها (الصرمان)، وتأكيد أنقرة على بقائها وعدم انسحابها([7])، وهذا ما يعكس نظرة تركيا لتلك النقاط العسكرية على أنها نقاط سياسية متقدمة لتفاوض لاحق على انسحابها، مُدركةً أن النظام وبإشراف الروس سيتحاشى التعرض لها، وهذا ما أكدت عليه تصريحات، وليد المعلم، بأننا "لن نتعرض للنقاط التركية"([8])، وهذا أيضاً ما نصّ عليه اتفاق أستانا؛ "بضمان سلامة وأمن الأفراد العسكريين التابعين للدول الضامنة داخل منطقة إدلب لـ"خفض التصعيد" وخارجها"، ولعل النقطة التركية في مورك بريف حماة مثال جيد في هذا السياق.

وعلى الرغم من كل تلك المؤشرات؛ إلا أن احتمالية تغيير الموقف التركي باتجاه التصعيد وزيادة الدعم للمعارضة، سواء عبر السلاح النوعي أو عبر دخول فصائل كبرى بثقلها العسكري، يعد احتمالاً وارداً، لكن ليس لحسم المعركة عسكرياً أو استعادة المناطق التي تم السيطرة عليها، بقدر ما هو تحسين لشروط التفاوض على أي اتفاق محتمل حول (إدارة المناطق، الدوريات المشتركة، طبيعة الإشراف على الطرق الدولية، نقاط المراقبة، الحدود الجغرافية للتقدم العسكري)، ولعل معارك ريفيّ حماة الشمالي وإدلب الجنوبي الأخيرة آب/أغسطس 2019، تعد مثالاً واضحاً في هذا السياق، فعلى الرغم من الدعم التركي وعبور مجموعات كبيرة من الفصائل واستمرار المعارك لفترات طويلة؛ إلا أن المحصلة في النتيجة كانت واحدة، وهي خسارة الأرض وفرض المنطقة العازلة، والتي تجاوز النظام حدودها، كما فعل من قبل في  تجاوز حدود اتفاق "شرق السكّة".

وعلى وقع تطور المواقف السياسية لثلاثي أستانا؛ بدا الموقف الدولي أقل حماساً للتفاعل مع الحملة على إدلب ونتائجها الكارثية على الصعيد الإنساني، إذ تراوحت المواقف بين بيان الأمم المتحدة بصيغته الإنسانية ووساطة منظماتها الدولية لتحصيل ساعات لتأمين بعض الطرقات "الآمنة" للنازحين([9])، والتي رغم ذلك تعرضت للقصف، مقابل بيان خجول من السفارة الأمريكية في دمشق، تلته تغريدة  للرئيس دونالد ترامب اتهمت روسيا وإيران بقتل المدنيين وعوّلت على جهود تركيا محملةً إياها مسؤولية غير مباشرة، إضافة إلى بيانات تقليدية عن بعض الخارجيات الأوروبية (ألمانيا، فرنسا) والاتحاد الأوروبي([10])، والتي رأت الحملة من منظار موجات اللجوء والاكتفاء بالتنديد والاستنكار والمطالبة بإيقاف القصف، وعلى الرغم من أن المواقف الدولية لم تعبر عن صيغة جديدة في التعاطي مع الملف السوري؛ إلا  أن اللافت في وتيرة تفاعلها أنها عكست، بشكل أو بآخر، مدى عمق تكريس صورة إدلب كمنطقة لتجمع "الإرهابيين"، خاصة بعد مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي على أراضيها.

التصعيد العسكري وآفاقه

وبالنظر إلى طبيعة الحملة العسكرية الشرسة والمناخ السياسي الذي تسير خلاله، مقابل المواقف الإقليمية والدولية التي ظهرت إلى الآن منها؛ فمن المحتمل أن يستمر تقدم النظام وحلفائه حتى السيطرة على مدينة معرة النعمان، أو على الأقل تأمين محيطها بما فيه M5 والمعسكرات الاستراتيجية (وادي الضيف، الحامدية)، ومن ثم الانتقال لتأمين الطريق ما بين مدينة خان شيخون ومعرة النعمان والمعروف بـ"طريق الموت".

 أما مرحلة التقدم باتجاه مدينة سراقب لاستكمال تأمين الطريق الدولي وتقاطع M4 وM5 في شمال المدينة، فهو مرهون بعاملين، الأول: مستوى المقاومة العسكرية التي سيواجهها النظام، والتي يبدو أنها تعتمد على حالة دفاعية وهجمات خاطفة تستغل الأحوال الجوية وغياب الطيران الحربي لإيقاع أكبر خسائر في قواته، لكنها غير قادرة على التمركز وإعادة السيطرة حتى الآن. أما الثاني: فيتمثل بتوصل موسكو وأنقرة إلى اتفاق جديد مطوّر من اتفاق "سوتشي" يوجد صيغة جديدة بين الفصائل والنظام من المحتمل أن تكون في صالح الأخير. أما ما تبقى من طريق الـ M5 فيحتاج من النظام مراحل أخرى لتأمين المنطقة الممتدة من سراقب في ريف إدلب الشرقي إلى بلدة الزربة في ريف حلب الجنوبي ومنها إلى مدخل مدينة حلب، حيث سيعتمد النظام في ترتيب أولويات تلك المعارك على اختراق الخواصر الرخوة في تلك المناطق.

وفي حال استمرار تقدم النظام عسكرياً والسيطرة على المناطق الواقعة على الطريق الدولي M5، سواء عبر التصعيد العسكري أو أي اتفاق سياسي محتمل؛ فسيكون بذلك أنهى مرحلة المعارك السهليّة في إدلب، لينتقل إلى المرحلة الجبليّة لتأمين الطريق الدولي M4، والذي لم تنقطع المعارك على أجزاء منه (جبهة الساحل)، وعلى الرغم من أنها قد لا تكون بسهولة سابقاتها نتيجة طبيعتها الجغرافية واحتوائها على مدن وبلدات تمثل العمق الاستراتيجي لقوى المعارضة المسلحة (أريحا، جسر الشغور، كفرنبل، جبل الزاوية، جبل الأربعين)؛ إلا أنه وبالوقت نفسه يكون النظام عبر معاركه الحالية قد أفرغ المنطقة السهليّة من سكانها لتصبح المناطق الجبليّة ذات كثافة سكانية عالية ونفوذ عسكرية واسع من قبل هيئة "تحرير الشام"، والتي ستسعى كسلوكها المعتاد إلى ابتلاع الفصائل المحليّة لتثبيت نفوذها وضمان هيمنتها العسكرية والأمنية في المنطقة، وبالتالي ستتحول المنطقة إلى كثافة سكانية عالية يغطيها "السواد"، الأمر الذي سيعطي موسكو مبرراً جديداً لشن حملة عسكرية على بقعة "إرهابية"، بل وستصدرها  ليس كمعركتها فقط، وإنما "معركة المجتمع الدولي بالكامل".

بالمقابل، فإن كل تقدم عسكري للنظام وحلفائه بهذه الصورة الوحشية سيؤدي إلى مزيد من تعميق حالة عدم الثقة بين المجتمعات المحلية ضمن مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري و"الضامن" التركي وفصائله من جهة، وبين الأخيرة وحواضنها الاجتماعية من جهة أخرى، وبالتالي احتمالية فتح ثغرات أكبر قد تصب لاحقاً بشكل أو بآخر في تسهيل عمليات التسوية الإجبارية، أو الفوضى داخل تلك المناطق.    

 خلال مسار أستانا، وما أفرزه من اتفاقات "خفض التصعيد" تعرضت ولا تزال مناطق سيطرة المعارضة لذات السيناريو في القضم والسيطرة لصالح موسكو والنظام، وذلك ليس لقوة النظام أو لعجز المعارضة، بقدر ما هو إعادة ترتيب الأولويات وفق مصالح الداعمين بشكل أمّن للنظام معارك سهلة نسبيّاً كان أغلبها محسوم سياسياً، مخلّفة مع نهاية كل منطقة ذات الكارثة الإنسانية. لذلك وفي حال عدم خلق دينامية سياسية وعسكرية جديدة وواقعية في التعاطي مع الجيب الأخير للمعارضة تعيد تقييم جدوى الاستمرار في مسار أستانا على المستوى العسكري، ومسار اللجنة الدستورية على المستوى السياسي، آخذة في الحسبان ضرورة إعادة تعريف العلاقة من جديد مع "الضامن"، والموقف من هيئة تحرير الشام، وإدراك أن النظام لم ولن يلتزم بأي اتفاق حالي أو مستقبلي، وأن أي اتفاق مع النظام والروس ما هو إلا كسب وقت لإعادة خرقه، وأن مسار المعارك في هذا السياق سيتحول إلى صيغة حسم سياسي سابق واستنزاف عسكري لاحق، وما دون ذلك فمن غير المتوقع أن تكون النتائج مختلفة عن سابقاتها من المناطق، إلا في حجم الكارثة الإنسانية التي ستلحق بــ 3.5 مليون سوري في إدلب من مقيمين ومهجّرين. والتي لا يمكن التنبؤ بحدودها وحجم آثارها.

 


 

([1]) للاطلاع أكثر على البيان الختامي لاجتماع أستانا 14، راجع الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية للجمهورية الكازاخستانية، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/VA2NU

([2]) لافروف: الأسد سيستعيد كل سورية وسندعمه في ذلك، موقع الحلّ، 23/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/MKRrD

([3]) المعلم: سوتشي فشل وتركيا تطبق "تطهيراً عرقياً"، صحيفة عنب بلدي، 24/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/TncPy

([4]) إيران تدعو تركيا للتعاون مع النظام السوري في إدلب، صحيفة عنب بلدي، 19/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/aO2H6

([5]) إدلب...تركيا تضغط على روسيا وغوتيرش يطالب بوقف فوري للعنف، موقع DW، 24/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/0vJfF

([6]) الطائرات الروسية تستأنف القتل بعد هدنة الأحوال الجوية، موقع العربي الجديد، 31/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/Kn197

([7]) أنقرة: لن ننسحب من نقاط المراقبة في إدلب التركية، موقع قناة الحرة، 29/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/39US8

([8]) وليد المعلم: اتفاق سوتشي فشل .. والحل عسكري فقط، الموقع الإلكتروني لجريدة المدن، 24/12/2019، متوافر على الرابط: https://2u.pw/gcIrH

([9]) إدلب...تركيا تضغط على روسيا وغوتيرش يطالب بوقف فوري للعنف، موقع DW، 24/12/2019، متوافر على الرابط التالي: https://2u.pw/0vJfF

([10]) الاتحاد الأوروبي يعلق على أحداث إدلب ويوجه رسالة للنظام السوري، موقع الحلّ، 29/12/2019، متوافر على الرابط: https://2u.pw/Qk61U

التصنيف تقدير الموقف

رأى الباحث معن طلاع من مركز عمران، في حديثه لراديو روزنة في تاريخ 14 أيلول 2019، حول القمة الثلاثية في أنقرة والتفاهمات الجديدة حول إدلب؛ أن القمة ستركز بشكل مباشر ورئيسي على ملف إدلب وما يتضمنه من تحديات ملحة كموضوع الطرق الدولية؛ وملف تنظيمات "هيئة تحرير الشام" و "حراس الدين" إضافة إلى حركة النزوح الجماعي معتبراً أن قمة أنقرة اختباراً حقيقياً لضبط الخلافات واستيعابها فإما ترميم مساحات الخلاف الحاصل والحفاظ على مسار أستانا كمسار أمني وإما ترحيل الخلاف لقمم أخرى مما بسفر عن تصدع هذا المسار بحكم انتهاء صلاحياته بعد أن أتم المطلوب منه.

كما رجّح تنامي خيارين؛ يتمثل الأول بإعادة تعريف موسكو لاتفاق سوتشي لا سيما فيما يتعلق بالبند الثالث والذي ينص على "إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20 كيلومتراً " ليصبح عمق المنطقة 30 كم وتعزيز فكرة الدوريات المشتركة كمدلول لحفاظ أنقرة على نقاطها في تلك المناطق.

أما الخيار الثاني هو الاعتراف بالأمر الواقع وتجميد القتال مقابل منح أنقرة مهلة إضافية لتنفيذ اتفاق سوتشي وتفكيك هيئة تحرير الشام وحراس الدين؛ وبالتالي شرعنة نتائج العمل العسكري الروسي الاخير وتحويله لنموذج عمل حيال أي تأخر في تنفيذ الاتفاق.

 

المصدر راديو روزنة: http://bit.ly/2mf4DuQ

مدخل

تشهد مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في الشمال السوريّ ازدياداً واضحاً في مُعدل عمليات الاغتيال، والتي تعد مؤشراً مهماً على تدهور حالة الاستقرار الأمني وتدني القدرة على ضبطها من قبل القوى المسيطرة، خاصة مع ازدياد محاولات الاغتيال ضمن تلك المناطق وتعدد مُنفذيها واختلاف أساليبها. وعادةً ما تتصف عمليات الاغتيال بالسريّة لناحية الجهة المنُفذّة؛ إلا أن غالبية العمليات ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة تتبناها جهات محددة بشكل علني كغرفة عمليات "غضب الزيتون"، في اختراق أمني واضح وصريح لتلك المناطق، خاصة "درع الفرات" وعفرين. وعلى الرغم مما تشهده باقي مناطق سيطرة الفصائل المعارضة من انحسار في الرقعة الجغرافية نتيجة المعارك المستمرة مع النظام، والذي من المفترض أن يُسهّل عملية الضبط والسيطرة الأمنية؛ إلا أنها أيضاً تكاد لا تختلف أمنياً عن سابقتها من المناطق لجهة معدلات الاغتيال ومؤشرات الانفلات الأمنيّ.

وفي متابعة لملف الاغتيالات ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة؛ صَمَمَتْ وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية نموذجاً خاصاً لرصد تلك العمليات وتحليل البيانات الخاصة بها ([1]) كمؤشرات للاستقرار الأمني، وإخراجها ضمن تقرير دوريّ يرصد وتيرة عمليات الاغتيال في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، موضّحاً نتائج تلك العمليات وما أسفرت عنه، مقابل الجهات المُنفذة-إن عُلِمت-وكذلك الجهات المُستهدفة، كما يسعى التقرير إلى تحليل تلك البيانات ومقاطعتها بين مختلف المناطق في محاولة لرسم الملامح العامة للوضع الأمنيّ وقياس أوليّ لمؤشرات الاستقرار.

وعليه يرصد هذا التقرير محاولات الاغتيال ضمن مناطق (درع الفرات، عفرين، إدلب وما حولها)، خلال الفترة الممتدة ما بين (شباط/فبراير وحتى تموز/يوليو 2019)، حيث بلغ عدد هذه المحاولات 234 محاولة، وتوضّح البيانات ارتفاع هذه النسبة مقارنة بالتقرير السابق الذي أصدرته وحدة المعلومات في مركز عمران خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني/نوفمبر 2018 وحتى كانون الثاني/يناير 2019 ([2])، والتي بلغت 91 محاولة خلال ثلاثة أشهر، بينما تشير عملية الرصد في هذا التقرير إلى وقوع 96 محاولة اغتيال في مناطق عفرين وما حولها، مقابل 86 محاولة في مناطق "درع الفرات"، بالإضافة إلى 52 محاولة في مناطق إدلب وما حولها.

أولاً: "درع الفرات" (خرقٌ أمنيّ واضح)

توضّح عملية رصد وتحليل البيانات لعمليات الاغتيال في مناطق "درع الفرات"، أن تلك المناطق شهدت 86 محاولة اغتيال خلال 6 أشهر من الرصد، حققت 29 محاولة منها هدفها في تصفية الجهة المستهدفة، بينما فشلت 57 منها في ذلك بعد نجاة الطرف المُستهدَف، وقد كانت فصائل المعارضة المعتدلة هدفاً لتلك الاغتيالات بواقع 65 محاولة، مقابل 21 محاولة استهدفت جهات مدينة (الشكل 1).  

وبحسب البيانات المرصودة، فإن أدوات تنفيذ عمليات الاغتيال في مناطق "درع الفرات" اعتمدت بالدرجة الأولى على العبوات الناسفة بواقع 89% من مجمل محاولات الاغتيال، بينما شكّلت محاولات الاغتيال المُنفّذة عبر الطلق الناري نسبة 9%، في حين استخدمت القنبلة اليدوية كأداة اغتيال بواقع 2% (الشكل 2). وتوضّح البيانات أن 69% من مجموع عمليات الاغتيال نفذتها غرفة عمليات "غضب الزيتون" في نشاط واضح لها ضمن مناطق "درع الفرات" لم يُلحظ خلال التقارير السابقة (الشكل 3).

  ثانياً: عفرين (تفعيل العبوات الناسفة)

تُشير عملية الرصد الخاص بمناطق عفرين وما حولها بلوغ محاولات الاغتيال خلال 6 أشهر من الرصد 96 محاولة اغتيال، حققت 41 محاولة منها مهمتها في تصفية الجهة المُستهدفة، بينما فشلت 55 منها في ذلك بعد نجاة الطرف المُستهدَف، وقد كانت جهات مدنية هدفاً لتلك الاغتيالات بواقع 71 محاولة، مقابل 25 محاولة استهدفت الفصائل المعتدلة (الشكل 4).

 وتشير عملية تحليل البيانات أن العبوات الناسفة مثّلت أكثر الأدوات المستخدمة في تلك العمليات، حيث اعتمدت 82 محاولة اغتيال على العبوة الناسفة كأداة تنفيذ، بينما نُفذت 11 محاولة عبر الطلق الناري، في حين نُفذت 3 محاولات عن طريق القنبلة اليدوية (انظر الشكل 5). كما توضح البيانات أن 89 من مجموع المحاولات نفذته وتبنته غرفة عمليات "غضب الزيتون"، بينما بقيت 7 محاولات مجهولة الُمنفذ (الشكل 6).

 

ثالثاً: إدلب (استهداف الفصائل المعتدلة)

تؤكد البيانات المرصودة على أن محاولات الاغتيالات في محافظة إدلب وما حولها بلغت 52 محاولة خلال 6 أشهر من الرصد، حققت 29 محاولة منها مهمتها في تصفية الجهة المُستهدفة، بينما فشلت 23 منها في ذلك بعد نجاة الطرف المُستهدَف، وفي مقارنة نتائج التقرير الحالي حول إدلب بالتقرير السابق؛ يُلحظ تحسن أمنيّ لناحية انخفاض وتيرة الاغتيالات، والتي بلغت نتائجها في التقرير السابق 60 محاولة اغتيال خلال 3 أشهر فقط ([3]).

 ومن مُجمل محاولات الاغتيال الـ 52؛ استُهدفت الفصائل الجهادية بواقع 23 محاولة، بينما كانت الفصائل المعتدلة هدفاً في 12 محاولة، في حين تم استهداف جهات مدنية بواقع 17 محاولة (الشكل 7). وفي المقارنة مع التقرير السابق يبدو لافتاً ازدياد وتيرة استهداف الفصائل المعتدلة عبر عمليات الاغتيال، حيث وضّح التقرير السابق أن تلك الفصائل تعرضت إلى محاولة اغتيال وحيدة خلال 3 أشهر من الرصد، في حين ارتفع عدد المحاولات إلى 12 خلال الأشهر الستة التي رصدها التقرير الحالي. وبالنسبة لأدوات التنفيذ، اعتمدت عمليات الاغتيال المنفذة في محافظة إدلب على العبوات الناسفة في 32 محاولة اغتيال من مجمل المحاولات الـ 52 المرصودة، بينما نُفِذت 20 محاولة عبر الطلق الناري (الشكل 8)، أما بالنسبة للجهة التي تقف وراء عمليات الاغتيال تلك فقد بقيت في غالبها مجهولة حتى لحظة إعداد هذا التقرير، إلا في 3 محاولات منها اتَهَمَت خلالها جهات محليّة عناصر هيئة "تحرير الشام" بالضلوع في تنفيذها. (الشكل 9).

 

رابعاً: الاغتيالات والفصائل (مقارنة مناطق السيطرة)

وفي الحصيلة النهائية لمحاولات الاغتيال التي بلغت بمجملها في مختلف مناطق سيطرة الفصائل المعارضة 234 محاولة خلال فترة 6 أشهر من الرصد، فتشير عملية تحليل البيانات إلى فشل 58% من المحاولات في تصفية الجهة المستهدفة، بينما نجحت في 42% بهدفها.

أما بالنسبة لتوزع كثافة الاغتيالات بحسب مناطق السيطرة العسكرية التي وقعت ضمنها: فتبيّن البيانات المرصودة أن 183 محاولة اغتيال وقعت ضمن مناطق سيطرة "الجيش الوطني" من مجمل محاولات الاغتيال الـ 234، بينما وقعت 41 محاولة اغتيال ضمن مناطق نفوذ هيئة "تحرير الشام"، فيما وقعت 10محاولات اغتيال ضمن مناطق سيطرة فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" (الشكل 10).

ومن خلال تلك الأرقام يتضح أن المناطق التي تقع تحت سيطرة "الجيش الوطني" هي الأكثر تردي أمني لناحية ارتفاع وتيرة الاغتيالات واتساع حجم الخرق الأمني وتعدد الجهات المنفذة واختلاف مصالحها وارتباطاتها، مقابل تراجع قدرة القوى المسيطرة على ضبط الاستقرار وتضييق حجم هذا الخرق. ولعل ارتفاع عدد العمليات إلى هذا الحد لا يعد مؤشراً على عدم قدرة التشكيلات الأمنية لـ"الجيش الوطني" على ضبط الأمن والاستقرار بالنسبة للمدنيين فحسب، وإنما ضعف قدرتها أيضاً على تأمين أنفسها وعناصرها، وهذا ما تدلل عليه طبيعة تلك العمليات التي يختلط فيها الفردي والعشوائي مع المُنظّم، وتتراوح دوافعها من الاغتيال بهدف السلب والسرقة وأهداف فردية إلى الاغتيالات بدوافع سياسية وأمنية محددة، خاصة مع وجود بقايا لخلايا PYD والتي تعتبر المنطقة امتداداً للنفوذ التركي  وترى المقاتلين المحليين وبعض العوائل المهجرة بذات الإطار، وبالتالي تكثف من عملياتها وتشرعنها تحت هذا الغطاء دون التمييز بين مدني وعسكري. ومهما اختلفت الدوافع والجهات التي تقف وراء تلك العمليات؛ فإن الحد منها وتحمُّل مسؤولية نتائجها يقع في النهاية على عاتق القوى والتشكيلات العسكرية والأمنية المسيطرة في تلك المنطقة.    

واحتلت مناطق نفوذ هيئة "تحرير الشام" المرتبة الثانية لناحية عدد الاغتيالات المُنفذة خلال فترة الرصد، وبقدر ما يوحي انخفاض وتيرة الاغتيالات بالقدرة الأمنية للهيئة على ضبط الأوضاع؛ إلا أنه يعتبر مؤشراً خطيراً لناحية نوعية الاغتيالات في تلك المناطق وليس كميتها، إذا أن أغلب عمليات الاغتيال في مناطق نفوذ هيئة "تحرير الشام" تعد عمليات دقيقة سواء على مستوى استهداف قيادات هيئة تحرير الشام، أو على مستوى الشخصيات المدنية، مقابل ضلوع أطراف عدة في تلك العمليات، منها محليّة ودوليّة، غالباً ما تستهدف قيادات الهيئة، إضافة إلى الاتهامات بضلوع الهيئة ببعض تلك العمليات، لذلك فإن انخفاض وتيرة الاغتيالات في مناطق الهيئة مقارنة بسابقتها لا يعني القدرة على ضبط الوضع أمنياً بقدر ما يشير إلى اختلاف طبيعة تلك العمليات ونوعيتها.

وبحسب البيانات، كانت مناطق نفوذ فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" في المرتبة الأخيرة لناحية انخفاض وتيرة عمليات الاغتيال، والتي اقتصرت على 10 عمليات خلال ستة أشهر من الرصد، ويشير هذا العدد إلى تحسن أمني واضح ضمن مناطق سيطرة الجبهة بالمقارنة مع سابقاتها من المناطق، ولكن بنفس الوقت فإن أغلب تلك العمليات استهدفت قيادات عسكرية في الجبهة، الأمر الذي يعطي مؤشراً على تراجع القدرة على تأمين البيت الداخلي للجبهة، خاصة وسط تعدد الأطراف المحليّة واختلاف مصالحها وأيديولوجياتها وارتباطاتها وما يفرضه ذلك من خلافات  بين القوى المسيطرة.

 

خلاصة

وبقدر ما يحمله هذا التقرير من أرقام وبيانات تفصيلية عن عمليات الاغتيال، إلا أن قراءته العامة تفيد بالمزيد من ضعف الحالة الأمنية في جميع مناطق الفصائل المعارضة وفشل القوى الفاعلة وتعثرها في الحد من هذه العمليات التي تساهم في تراجع مؤشرات الأمن والاستقرار على مختلف المستويات. وعلى الرغم من محاولات بعض الفصائل والتشكيلات المعارضة تطوير أدواتها وضبط الأمن من خلال أجهزة الشرطة والشرطة العسكرية وازدياد المنتسبين لتلك الأجهزة؛ إلا أنها لا تزال غير قادرة على الحد من تلك العمليات ولا تملك القدرة للوصول إلى منفذيها. الأمر الذي يستدعي إعادة هيكلة تلك الأجهزة ورفع مستوى التدريب الخاص بعناصرها ورفدهم بكافة التجهيزات اللوجستية والتقنية التي تساعد في الحد من تلك العمليات، بشكل يساهم في تأمين بيئة أمنية مناسبة لنشاط المؤسسات المدنية، والدفع بإشراك المجتمع المحلي والتنسيق مع فعالياته ومؤسساته في هذا الإطار وتجسير أي هوة بين تشكيلات قوى الأمن الداخلي والمجتمعات المحلية العاملة ضمنها، بشكل يسهل مهمتها ويعزز من حالة الأمن ويرفع المسؤولية بأهميتها للجميع.  

ولا يُعد تردي الأوضاع الأمنية محلياً ضمن مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، أمراً منفصلاً عن السياق العام للملف السوري وتعقيداته التي ترمي بظلالها محلياً على مختلف المناطق السورية بغض النظر عن القوى المسيطرة، إذ أن حالة الفوضى التي تجلت بصورة الاغتيالات في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، تتكرر بصور وأدوات وكثافة مختلفة ضمن مناطق سيطرة نظام الأسد، وكذلك مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، على الرغم من المركزية الأمنية التي تحكم تلك المناطق، والمفتقدة في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة.

  • بلغت محاولات الاغتيال منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحتى كانون الثاني/يناير؛91 محاولة ضمن المناطق التي تم رصدها (ريف حلب ومحافظة إدلب)، وقد انخفضت النسبة بالمقارنة مع التقرير السابق (محاولات الاغتيال في مناطق المعارضة) ([4])، حيث بلغ مجموع تلك المحاولات 159محاولة خلال فترة رصد لمدة ثلاثة أشهر.
  • توضح عملية تحليل البيانات أن جميع عمليات الاغتيال المنفّذة في مناطق "درع الفرات" استهدفت الفصائل العسكرية بواقع 15محاولة، وأن 20 % من مجموع المحاولات نجحت في تصفية الجهة المستهدفة.
  • تغيّرت أدوات التنفيذ المستخدمة في الاغتيالات التي نفذتها مجموعة "غرفة عمليات غضب الزيتون" في عفرين، حيث نفذت 12 محاولة بطريقة العبوات الناسفة، بينما كانت تنفذ محاولتها في وقت سابق عبر الطلق الناري ([5]).
  • يشير تحليل البيانات الخاصة بمحافظة إدلب إلى أن الفصائل الجهادية هي الأكثر استهدافاً وعلى رأسها هيئة "تحرير الشام"، في حين حلّت الجهات المدنية في المرتبة الثانية، تليهم في المرتبة الثالثة الفصائل ذات التوجه الإسلامي، وأخيراً الفصائل "المعتدلة".
  • توضح البيانات المرصودة في محافظة إدلب، أن أكبر نسبة عمليات اغتيال حصلت في مناطق تقع تحت السيطرة العسكرية لهيئة "تحرير الشام"، بينما حلت مناطق سيطرة "الجبهة الوطنية للتحرير" في المرتبة الثانية، في حين حل حزب "الإسلام التركستاني" في المرتبة الثالثة من حيث عمليات الاغتيال المنفذة في مناطق سيطرته.
  • تُظهر عملية الرصد وتحليل البيانات في محافظة إدلب، أنه من مجموع 60 محاولة اغتيال، فشلت 6 محاولات في تحقيق هدفها، بينما نجحت 54 محاولة اغتيال في تصفيّة الجهة المستهدفة.
  • نُفّذ في مناطق سيطرة هيئة "تحرير الشام" خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 12 محاولة اغتيال، منها 4 محاولات اغتيال لقياديين في الهيئة وجميعها ناجحة، ثم انخفضت خلال شهر كانون الأول/ديسمبر إلى 6 محاولات، أما في الشهر الأول من عام 2019 فقد ارتفعت إلى 23 محاولة اغتيال.
  • بالنسبة لأدوات تنفيذ الاغتيالات في محافظة إدلب: فقد نُفذّت النسبة الأكبر من محاولات الاغتيال عبر الطلق الناري، في حين حلّت العبوة الناسفة ثانياً، في حين وجدت محاولات اغتيال بأدوات وطرق مختلفة كالطعن والخنق.

 


 

([1]) فيما يتعلق بمصادر التقرير فهي على الشكل التالي: 1) نقاط الرصد الخاصة لوحدة المعلومات في الشمال السوري. 2) التقرير الأمني الخاص الصادر عن مكاتب منظمة "إحسان الإغاثية" في الشمالي السوري. 2) المُعرّفات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي للجهات التي تم استهدافها (الجبهة الوطنية، هيئة تحرير الشام، حراس الدين وغيرها). 3) المُعرّفات والمواقع الرسمية للوكالات ووسائل الإعلام المحليّة التي تقوم بتغطية الأحداث في محافظة إدلب.

([2]) "الاغتيالات في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2018 حتى كانون الثاني 2019"، تقرير خاص صادر عن وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 12 أذار/مارس 2019، متوافر على الرابط التالي: http://bit.ly/2m4yLZN

([3]) المرجع السابق.

([4])محاولات الاغتيال في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من تموز حتى تشرين الأول 2018 "؛ تقرير خاص صادر عن وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، متوافر على الرابط التالي: https://bit.ly/2SIRWb1

([5]) مرجع سابق.

التصنيف تقارير خاصة

ملخصٌ تنفيذيّ

  • تشهد خارطة التحالفات في سوريا تغييراً ملحوظاً، حيث بدأت خلافات "ثلاثي أستانة" بالظهور للعلن على عدة مستويات، الأمر الذي يشير إلى احتمالية انفراط عقد أستانة بعد أن أدى الأهداف المشتركة للأطراف الثلاثة.
  • تعتبر الحملة العسكرية التي تشنها روسيا والنظام آخر محطات مسار أستانة، والذي حقق أهدافه العسكرية بالنسبة لموسكو، وفشل في تحقيق نتائج سياسية على مستوى الحل نتيجة لخلافات الثلاثي الراعي للمسار (روسيا، تركيا، إيران) وعرقلة أممية تتمثل بإعادة تفعيل مسار جنيف.
  • تحاول موسكو طي صفحة منطقة "خفض التصعيد" الرابعة على غرار سابقاتها من المناطق، مدفوعة برغبتها في تأمين الطرق الدولية لإنعاش الوضع الاقتصادي المتهالك للنظام، ومستغلةً رفع الفيتو التركي عن المعركة.
  • رفع الفيتو التركي عن المعركة والصمت إزاء التصعيد الروسي، ناتج على ما يبدو عن تغيّر أولويات أنقرة بعد التقارب مع الولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة، باتجاه تأمين الشريط الحدودي مع سوريا دون التوغل في العمق السوري.
  • لا يشير الصمت التركي عن التصعيد العسكري الأخير لروسيا والنظام إلى وجود صفقة مقايضة (منطقة مقابل منطقة)، بقدر ما يشير إلى رفع الفيتو التركي (غض طرف) عن عمل عسكري روسي يحقق ما لم تنجزه أنقرة على عدة مستويات.
  • يبدو من خلال بيانات ومواقف الفصائل العاملة في المنطقة منزوعة السلاح والمعارك التي لاتزال تخوضها ضد قوات النظام وحلفائه؛ أنها ليست جزءاً من تفاهمات أنقرة مع موسكو، ليبقى موقف هيئة "تحرير الشام" ملتبساً، وهي صاحبة السيطرة الأكبر في المنطقة والموقف الأكثر مرونة بين الفصائل الأخرى حول دخول الدوريات الروسية للمنطقة العازلة.
  • الظروف المحيطة بالمعركة سياسياً وعسكرياً، تشير إلى أن العملية ليست لمجرد الضغط فقط لتسيير الدوريات الروسية وفتح الطرق الدولية، وإنما الهدف منها تصفية الفصائل الرافضة للدوريات الروسية عبر قضم مناطقها والتوغل إلى عمق معيّن يؤمن لموسكو عدة أهداف أُخرى.

مدخل

عقب انتهاء أعمال الجولة الثانية عشرة من اجتماع أستانة بتاريخ 25-26 نسيان/أبريل؛ أطلق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من بكين تصريحات منافية لما تم التوافق عليه في الاجتماع، حيث اعتبر أن "احتمال المعركة على إدلب لايزال قائماً غير أن التوقيت ليس مناسباً"([1])؛ لتبدأ بعد تلك التصريحات عملية تصعيد عسكري من قبل روسيا والنظام لم تشهدها منطقة "خفض التصعيد" الرابعة منذ اتفاق سوتشي في سبتمبر/أيلول 2018.

 تمثّل التصعيد العسكريّ بقصف جويّ عنيف على عشرات القرى والبلدات في المنطقة، شمل أرياف حماه الشمالي والغربي وإدلب الجنوبي بالتزامن مع حشود عسكرية للنظام ومحاولات للتقدم في قرى ريفي حماه الشمالي والغربي، بالمقابل ردت فصائل المعارضة وهيئة "تحرير الشام" المتواجدة في المنطقة بتصعيد حسب إمكاناتها، وتمكّنت من صد بعض هجمات النظام المدعومة بالطيران الروسي المكثّف معلنة موقفاً حاسماً من التصدي لأي محاولة للتقدم. لتبقى المعارك إلى لحظة كتابة هذه الورقة بين كرّ وفرّ من قبل الطرفين، مقابل تقدم النظام في بعض قرى ريفي حماه الشمالي والشمالي الغربي.

يأتي ذلك التصعيد وسط تنديد أمريكي أوروبي خجول، وصمت لافت من الضامن التركي، الطرف المعنيّ باتفاق سوتشي، حيث بدأت تركيا والفصائل المتحالفة معها بالتزامن مع التصعيد الروسي عملاً عسكرياً بدا محدوداً في ريف حلب الشمالي ضد وحدات الحماية الكردية، مما أوحى بوجود تفاهمات حول ما يجري، أو ما اعتبره البعض "صفقة مقايضة" بين موسكو وأنقرة.

وعليه، تسعى هذه الورقة إلى فهم دوافع موسكو لخرق تفاهماتها مع أنقرة حول منطقة "خفض التصعيد" الرابعة، في الوقت الذي يكاد يسير فيه الملف السوري باتجاه إطلاق العمليّة السياسيّة وطي صفحة العسكرة، مقابل فهم دلالات الموقف الصامت للضامن التركي إزاء هذا التصعيد العسكري على المنطقة. كما تسعى الورقة إلى استشراف حدود هذا التصعيد الروسي عسكرياً وما يمكن أن يفضي إليه من تغييرات في حدود منطقة "خفض التصعيد" الرابعة. إضافة إلى حدوده السياسية وآثاره المحتملة على مستقبل مسار أستانة،

أولاً: الحملة العسكرية (الظروف المُشكّلة للدوافع)

لا يمكن فصل التحرك العسكري لموسكو والنظام في هذا التوقيت عن جملة من المتغيرات على مستوى الملف السوري سياسياً، والتي يمكن أن تشكل دوافع هذا التصعيد الروسي، ولعل أبرزها:

  1. تحالفات جديدة: تشهد خارطة التحالفات في سوريا تغييراً ملحوظاً بعد انحسار الأعمال العسكرية، نتيجة تراجع مساحات سيطرة المعارضة وإعلان نهاية تنظيم الدولة، حيث بدأت خلافات "ثلاثي أستانة" بالظهور للعلن على عدة مستويات، وخصوصاً بين إيران وروسيا من ناحية، وبين موسكو وأنقرة من ناحية أخرى، الأمر الذي يشير إلى احتمالية انفراط عقد أستانة بعد أن أدى الأهداف المشتركة للأطراف الثلاثة، والتي باتت تتنافس على تثبيت مكاسبها على الأرض عبر تحالفات جديدة.
  2. فشل سياسي: يبدو أن خلافات الرعاة الثلاثة لأستانة انعكست بشكل فشل الجولة الثانية عشرة في إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وإحالتها إلى جنيف، مما يعني فشلاً في تحويل هذا المسار إلى بديل عن المسار الأممي المتمثل في جنيف. وهذا ما يمكن اعتباره إخفاقاً لموسكو في تحويل النتائج التكتيكية التي أحرزتها من مسار "سوتشي" على المستوى العسكري إلى نتائج استراتيجية على مستوى الحل السياسي، بشكل يمكنّها من الانفراد بمسار هذا الحل وإقصاء (إيران وتركيا) عنه من جهة، إضافة لمجموعة العمل المصغرة (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، مصر، السعودية، الأردن) من جهة أخرى، وهذا ما يؤكده فشل موسكو على مستوى تعويم نظام الأسد عربياً، أو على مستوى إطلاق عملية إعادة إعمار بأموال خليجية وتنشيط عودة اللاجئين، خاصة في دول الجوار السوري.
  3. عجزٌ تركيّ: لم تفلح أنقرة منذ اتفاق أستانة 6 في سبتمبر /أيلول 2017، أي قبل عام من اتفاق سوتشي بتنفيذ التزاماتها اتجاه موسكو، والمتمثلة بتشكيل منطقة عازلة بفصائل منضبطة وتفكيك التنظيمات الإرهابية؛ ليستمر هذا الفشل في تطبيق بنود اتفاق سوتشي المتمثلة بفتح الطرق الدولية (M4، M5)، والذي تجاوز بكثير المهل الزمنية التي نص عليها الاتفاق، مما جعل صبر موسكو ينفد وخلق لها ذريعة لفتح معركة لتحقيق ما لم تنجزه أنقرة على عدة مستويات، دون رد فعل من الشريك التركي في اتفاق سوتشي.

من خلال استعراض العوامل السابقة، والتي يمكن اعتبارها بمجملها دوافع للتصعيد الروسي اتجاه منطقة "خفض التصعيد" الرابعة، يمكن فهم التحرك الروسي على أنه إعلان بداية نهاية مسار أستانة كمسار عسكري تكتيكي بعد فشله بالتحول إلى مسار سياسي وتصاعد الخلافات بين أطرافه، فموسكو تحاول طي صفحة منطقة "خفض التصعيد" الرابعة على غرار سابقاتها من المناطق كخطوة أخيرة باتجاه طي صفحة مسار أستانة، مدفوعة برغبتها في تأمين الطرق الدولية لإنعاش الوضع الاقتصادي المتهالك للنظام، وتأمين قواعدها العسكرية في المنطقة، مستغلةً رفع الفيتو التركي عن المعركة، والناتج على ما يبدو عن تغيّر أولويات أنقرة بعد التقارب مع الولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة باتجاه تأمين الشريط الحدودي مع سوريا دون التوغل في العمق السوري.

ثانياً: المعركة والفصائل (الموقف التركي)

لا يشير الصمت التركي عن التصعيد العسكري الأخير لروسيا والنظام إلى وجود صفقة مقايضة (منطقة مقابل منطقة)؛ بقدر ما يشير إلى  رفع الفيتو التركي (غض طرف) عن عمل عسكري روسي يحقق ما لم تنجزه أنقرة على مستوى ضمان أمن قاعدة حميميم الروسية من هجمات المعارضة، وتأمين ريفي حماه واللاذقية الخاضعين لسيطرة النظام، إضافة لفتح الطرق الدولية وتأمينها عبر دوريات روسية تركية، إذ يبدو أن أنقرة أصبحت معنية أكثر بتأمين شريطها الحدودي بعد ما يشاع عن تسوية خلافاتها مع واشنطن حول المنطقة الآمنة، وبذلك فهي تسعى اليوم لتصفية الجيب الخاضع لسيطرة وحدات الحماية "الكردية" في ريف حلب الشمالي بالتوافق مع موسكو، وهي في هذا الإطار تحاول التنازل عن ملف تفكيك "هيئة تحرير الشام" والمنطقة منزوعة السلاح لصالح موسكو وتوفير جهودها لمعارك ريف حلب الشمالي وترتيبات المنطقة الآمنة، خاصةً وأن جزءاً من فشل أنقرة في تنفيذ بنود سوتشي وأستانة 12 المتعلقة بالدوريات الروسية عائد لعدم قدرتها على ضبط فصائل المنطقة منزوعة السلاح بما فيها "هيئة تحرير الشام"، وهذا ما بدا واضحاً في مواقف تلك الفصائل المتحفظة على اتفاق سوتشي ذاته ([2])، ثم الرافضة لتسيير الدوريات الروسية، إضافة إلى المقاومة الشرسة التي أبدتها فصائل المنطقة المنزوعة السلاح في وجه الهجوم البري الذي شنّته قوات النظام وموسكو.

وعليه يمكن القول بأن الفصائل العاملة في المنطقة التي تتعرض لهجوم موسكو والنظام ليست مُنخرطة في أي تفاهمات روسية-تركية حول المنطقة، وهذا ما سيزيد من صعوبة موقفها العسكري كونها تقاتل دون دعم تركي على المستويين العسكري والديبلوماسي، وفي ظل حملة جوية روسية واسعة وقصف مكثف. وبالمقابل فإن معركة موسكو لن تكون بالسهولة التي اعتادت عليها في معارك الصفقات والتسويات، بحكم أن تلك الفصائل تخوض معركتها الأخيرة. 

ثالثاً: خلاصات

لا يستطيع أحد التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع الميدانية في منطقة "خفض التصعيد" الرابعة، وما هو حجم التوغل الدقيق الذي تريده موسكو داخل حدود تلك المنطقة، ولكن من خلال ما تم استعراضه يمكن الوصول إلى الخلاصات التالية، والتي قد ترسم بشكل تقريبي صورة المآلات المحتملة:

  1. تعتبر الحملة العسكرية التي تشنها روسيا والنظام آخر محطات مسار أستانة، والذي حقق أهدافه العسكرية بالنسبة لموسكو، وفشل في تحقيق نتائج سياسية على مستوى الحل نتيجة لخلافات الثلاثي الراعي للمسار (روسيا، تركيا، إيران) وعرقلة أممية تتمثل بإعادة تفعيل مسار جنيف.
  2. التقدم في محادثات أنقرة مع واشنطن بخصوص المنطقة العازلة أحدث على ما يبدو تحولاً في أولويات أنقرة؛ يتمثل بالتنسيق مع موسكو حول تصفية جيب وحدات الحماية "الكردية" في ريف حلب الشمالي، وترك تنفيذ بنود اتفاق سوتشي العالقة لروسيا.
  3. انسحاب فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من تركيا من القرى الثلاثة التي سيطرت عليها في ريف حلب الشمالي بالتزامن مع فشل قوات النظام بالتقدم خلال اليوم الأول للحملة في ريف حماه؛ يشير إلى أن استحواذ تركيا على أي أراضي جديدة في ريف حلب الشمالي رهن باستحواذ قوات النظام على مناطق داخل المنطقة منزوعة السلاح وبالعمق المحدد بين الطرفين.
  4. يبدو من خلال بيانات ومواقف الفصائل العاملة في المنطقة منزوعة السلاح والمعارك التي لاتزال تخوضها ضد قوات النظام وحلفائه؛ أنها ليست جزءاً من تفاهمات أنقرة مع موسكو، ليبقى موقف هيئة "تحرير الشام" ملتبساً، وهي صاحبة السيطرة الأكبر في المنطقة والموقف الأكثر مرونة بين الفصائل الأخرى حول دخول الدوريات الروسية للمنطقة العازلة، حيث لم ترفض تسيير الدوريات الروسية بالمطلق، ولكنها اشترطت أن ترافقها، إضافة لعدة شروط أخرى ([5]).
  5. الظروف المحيطة بالمعركة سياسياً (تفاهمات موسكو وأنقرة) وعسكرياً (إصرار قوات النظام على التوغل البري)، تشير إلى أن العملية ليست لمجرد الضغط فقط لتسيير الدوريات الروسية وفتح الطرق الدولية وتأمين قواعد روسيا العسكرية في المنطقة، وإنما الهدف منها تصفية الفصائل الرافضة للدوريات الروسية عبر قضم مناطقها والتوغل إلى عمق قد يصل، بحسب خبراء إلى 25 كم لتأمين الطرق الدولية ([6])، ثم التوقف عند هذا الحد الذي يؤمن لموسكو أهدافها بتأمين ريفي حماه واللاذقية من ناحية بما فيها من قواعد ومطارات عسكرية روسية، وفتح وتأمين طرق التجارة الدولية من ناحية أخرى. وبذلك تكون موسكو قد سيطرت على المناطق السهليّة من إدلب وحاصرت هيئة "تحرير الشام" وباقي التنظيمات في جيب جبلي ضيق وكثافة مدنية عالية.

خريطة رقم (1): مواقع النفوذ والسيطرة، إدلب وما حولها، 10 أيار 2019

خاتمة

تدفع اليوم منطقة "خفض التصعيد" الرابعة ما دفعته سابقاتها من المناطق كثمن لتراكم الأخطاء السياسية والعسكرية، وعلى رأسها خطأ الانخراط في مسار أستانة، والذي أتاح للنظام الفرصة لالتقاط أنفاسه وتجميع قواه والاستفراد في مناطق "خفض التصعيد" الواحدة تلو الأخرى. واليوم وحتى في بوادر نهاية هذا المسار نتيجة لخلافات الثلاثي القائم عليه؛ فإن نظام الأسد لايزال يستفيد من تلك الخلافات والتي أمنّت ولازالت له العديد من الهوامش التي يتنقّل بينها، فالنظام إلى اليوم يعتاش على خلافات القوى الفاعلة المنخرطة في الملف السوري وذات المصالح المتضاربة.


(1) بوتين: خيار شنّ عملية عسكرية في إدلب يظل قائماً، موقع TRT عربي، 27 أبريل 2019، متوافر على الرابط: https://bit.ly/3047whD

([2]) انظر، ساشا العلو، اتفاق إدلب في حسابات الربح والخسارة: المقدمات والتحديات والمصير، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 12 نوفمبر 2018، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2Rspg4T

 ([3]) المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([4]) المرجع السابق.

([5]) ياديون في المعارضة يشرحون ما يحدث في إدلب، جريدة عنب بلدي، 7/5/2019، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2VnNBM2

([6]) “الغارديان” تتحدث عن ترتيبات بين روسيا وتركيا بشأن إدلب وتل رفعت، جريدة عنب بلدي، 8/5/2019، متوافر على الرابط: https://bit.ly/2Jm6isa

التصنيف تقدير الموقف

مُلخصٌ تنفيذيّ

  • بلغت محاولات الاغتيال منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحتى كانون الثاني/يناير؛91 محاولة ضمن المناطق التي تم رصدها (ريف حلب ومحافظة إدلب)، وقد انخفضت النسبة بالمقارنة مع التقرير السابق (محاولات الاغتيال في مناطق المعارضة) ([1])، حيث بلغ مجموع تلك المحاولات 159محاولة خلال فترة رصد لمدة ثلاثة أشهر.
  • توضح عملية تحليل البيانات أن جميع عمليات الاغتيال المنفّذة في مناطق "درع الفرات" استهدفت الفصائل العسكرية بواقع 15محاولة، وأن 20 % من مجموع المحاولات نجحت في تصفية الجهة المستهدفة.
  • تغيّرت أدوات التنفيذ المستخدمة في الاغتيالات التي نفذتها مجموعة "غرفة عمليات غضب الزيتون" في عفرين، حيث نفذت 12 محاولة بطريقة العبوات الناسفة، بينما كانت تنفذ محاولتها في وقت سابق عبر الطلق الناري ([2]).
  • يشير تحليل البيانات الخاصة بمحافظة إدلب إلى أن الفصائل الجهادية هي الأكثر استهدافاً وعلى رأسها هيئة "تحرير الشام"، في حين حلّت الجهات المدنية في المرتبة الثانية، تليهم في المرتبة الثالثة الفصائل ذات التوجه الإسلامي، وأخيراً الفصائل "المعتدلة".
  • توضح البيانات المرصودة في محافظة إدلب، أن أكبر نسبة عمليات اغتيال حصلت في مناطق تقع تحت السيطرة العسكرية لهيئة "تحرير الشام"، بينما حلت مناطق سيطرة "الجبهة الوطنية للتحرير" في المرتبة الثانية، في حين حل حزب "الإسلام التركستاني" في المرتبة الثالثة من حيث عمليات الاغتيال المنفذة في مناطق سيطرته.
  • تُظهر عملية الرصد وتحليل البيانات في محافظة إدلب، أنه من مجموع 60 محاولة اغتيال، فشلت 6 محاولات في تحقيق هدفها، بينما نجحت 54 محاولة اغتيال في تصفيّة الجهة المستهدفة.
  • نُفّذ في مناطق سيطرة هيئة "تحرير الشام" خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 12 محاولة اغتيال، منها 4 محاولات اغتيال لقياديين في الهيئة وجميعها ناجحة، ثم انخفضت خلال شهر كانون الأول/ديسمبر إلى 6 محاولات، أما في الشهر الأول من عام 2019 فقد ارتفعت إلى 23 محاولة اغتيال.
  • بالنسبة لأدوات تنفيذ الاغتيالات في محافظة إدلب: فقد نُفذّت النسبة الأكبر من محاولات الاغتيال عبر الطلق الناري، في حين حلّت العبوة الناسفة ثانياً، في حين وجدت محاولات اغتيال بأدوات وطرق مختلفة كالطعن والخنق.

مدخل

يبقى الملف الأمنيّ في مناطق المعارضة (درع الفرات، عفرين، إدلب وما حولها) من أهم وأخطر العقبات والتحديات التي تحاول القوى المسيطرة على تلك المناطق إيجاد حلول لها وآليات للتعاطي معها والحد منها، حيث ترسم محاولات الاغتيالات تلك العديد من إشارات الاستفهام وتشير دلالاتها إلى حجم تعقيد الملف الأمني في تلك المناطق، خاصة مع تعدد الأسباب والدوافع (سياسية، جنائية) والجهات التي تقف خلفها.  بالمقابل فإن حركيّة الملف الأمني في تلك المناطق توضح مؤشرات الهشاشة في مسألتي الاستقرار ومستقبل تلك المناطق. وعليه قامت وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتصميم نموذج رصد لتلك المؤشرات ([3])، وقد تم تفريغ نتائجه ضمن هذا التقرير الذي يبين توزع عمليات الاغتيالات في مناطق سيطرة المعارضة ضمن محافظة إدلب، ومناطق ريف حلب (عفرين، "درع الفرات") منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحتى نهاية شهر كانون الثاني/ يناير عام 2019. ومن ثم تصنيف تلك النتائج وفق عدة مستويات توضح ماهيّة الاغتيالات المُنفّذة في تلك المناطق وملامحها العامة بحسب جغرافية تنفيذ الاغتيال والجهات التي تقف وراءه، مقابل الأطراف المستهدفة في عمليات الاغتيالات وأدوات التنفيذ المستخدمة، إضافة إلى النتائج النهائية لتلك العمليات في تحقيق أهدافها (فشل أو نجاح).

المؤشر العام للشمال السوري:(هشاشةٌ أمنيّة وأدواتٌ مُختلفة)

بلغت محاولات الاغتيال منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحتى كانون الثاني/يناير؛91 محاولة ضمن المناطق التي تم رصدها (ريف حلب ومحافظة إدلب)، وقد انخفضت النسبة بالمقارنة مع التقرير السابق (محاولات الاغتيال في مناطق المعارضة) ([4])، حيث بلغ مجموع تلك المحاولات 159محاولة خلال فترة رصد لمدة ثلاثة أشهر، بينما تشير الأرقام في هذا التقرير إلى وجود 16 محاولة في منطقة عفرين وما حولها، و15محاولة في مناطق درع الفرات، إضافة إلى 60 محاولة في باقي المناطق (إدلب وما حولها).

 

1: مناطق "درع الفرات": (تحسنٌ أمنيٌّ طفيف)

 تؤكد البيانات المرصودة في مناطق ريف حلب الشمالي (درع الفرات)، أن تلك المناطق شهدت 15محاولة اغتيال، بلغ أقصاها في شهر كانون الأول/ديسمبر بمجموع 6 محاولات، حيث تعطي الأرقام مؤشر لتحسن في ضبط الوضع الأمني للمنطقة قياساً بالأشهر السابقة، وقد يرجع ذلك لتطور عمل المؤسسات في مناطق درع الفرات ("الجيش الوطني" و"الشرطة الحرة") وازدياد خبرتها في التعامل مع ظروف المنطقة.                                                                                                                  

كما توضح عملية تحليل البيانات، أن محاولات الاغتيال جميعها استهدفت الفصائل العسكرية، وتشير البيانات أيضاً إلى أن 80% من مجموع المحاولات نجحت في اغتيال الجهة المستهدفة، بينما فشلت المحاولات بنسبة 20%، كما تبين من خلال الرصد أن 8 محاولات قامت بتنفيذها خلايا محليّة تحت مسمى غرفة عمليات "غضب الزيتون"([5])، والتي يعتقد أنها تتبع لوحدات حماية الشعب (YPG) التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي(PYD)، بينما بقيت 7 حالات مجهولة المُنفّذ (الشكل 3). أما بالنسبة لوسائل تنفيذ الاغتيالات فكان الطلق الناري يشكل نسبة 80% من حيث أدوات التنفيذ، بينما بلغت 20% نسبة تنفيذ المحاولات عن طريق العبوات الناسفة (الشكل 4).

2: منطقة عفرين: (تغيُّر أدوات الاغتيال)

توضح بيانات الرصد لمحاولات الاغتيال التي تم تنفيذها في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي الغربي؛ عدم وجود تحسن عن الأرقام الواردة في التقرير السابق؛ إذ نفذت غرفة عمليات "غضب الزيتون" 16 محاولة اغتيال، أدت في 10 منها إلى قتل الجهة المستهدفة، بينما 6 محاولات كانت فاشلة في تصفية الجهة المستهدفة، ولكن اللافت أن أداة التنفيذ التي استخدمتها غرفة عمليات "غضب الزيتون" خلال فترة الرصد كانت مغايرة عن السابق، حيث تم استخدام العبوات الناسفة في 75% من محاولات الاغتيال، بينما شكل الطلق الناري ما نسبته 25%، مستهدفاً بجميع العمليات الفصائل العسكرية، باستثناء حالة واحدة استهدفت عنصر من "الشرطة الحرة".([6])         

المؤشر العام لإدلب: (استهداف الجهاديين والمُنفّذ مجهول)

 بلغت الاغتيالات في محافظة إدلب خلال فترة الرصد وإعداد هذا التقرير 60 محاولة اغتيال، ووصلت أقصاها في شهر تشرين الأول/أكتوبر، حيث سُجلت 24 محاولة اغتيال، بينما بلغت في كانون الأول/ديسمبر 13 محاولة، وجاء شهر كانون الثاني/يناير بـ 23 محاولة.    

                             

  • بالنسبة لتوزع الاغتيالات بحسب الجهات المستهدفة: يشير تحليل البيانات الخاصة بمحافظة إدلب إلى أن الفصائل الجهادية هي الأكثر استهدافاً بواقع 35محاولة اغتيال، في حين حلّت الجهات المدنية في المرتبة الثانية بواقع 20 محاولة اغتيال، تليهم في المرتبة الثالثة الفصائل الإسلامية بـ 4محاولات، وأخيراً الفصائل "المعتدلة" بمحاولة وحيدة، كما يوضح الشكل رقم(7)؛

    

  • بالنسبة لتوزع الاغتيالات بحسب مناطق السيطرة التي وقعت ضمنها: توضح البيانات أن 41 محاولة اغتيال حصلت في مناطق تقع تحت السيطرة العسكرية لهيئة "تحرير الشام"، بينما وقعت 12 محاولة اغتيال في مناطق سيطرة "الجبهة الوطنية للتحرير"، أما ثالثاً فقد حل حزب "الإسلام التركستاني" الذي تمت 7 محاولات اغتيال في مناطق سيطرته، كما يوضح الشكل رقم: (7)

  • بالنسبة لأدوات تنفيذ الاغتيالات: فقد نُفذّت 40 محاولة اغتيال عبر الطلق الناري، في حين حلّت العبوة الناسفة ثانياً بواقع 18 محاولة، كما وجدت محاولتي اغتيال لكل من الطعن والخنق، كما يوضح الشكل رقم(8).
  • بالنسبة لنتائج محاولات الاغتيال من حيث النجاح والفشل: تفيد قراءة تحليل البيانات فيما يتعلق بمحافظة إدلب أن 54 محاولة اغتيال نجحت في تصفية الجهة المستهدفة، بينما هناك 6 محاولات فشلت في ذلك.
  • بالنسبة للجهة المنفّذة لعمليات الاغتيال: توضح البيانات الخاصة بإدلب أن محاولة واحدة نفذتها غرفة عمليات "غضب الزيتون" وأخرى نفذتها هيئة "تحرير الشام"، بينما بقيت 58 محاولة مجهولة المنفذ.

 

ختاماً:

تشير قراءة نتائج تحليل البيانات إلى استمرار حالة الهشاشة وعدم الاستقرار الأمني وتعثر القوى الفاعلة (محلية وإقليمية) في تطوير أدوات وآليات ضبط الوضع الأمني والحد من هذه العمليات، مقابل تطوير الجهات المُنفّذة لتلك الاغتيالات أدواتها وطرقها بما يتناسب مع كل منطقة وظرفها الأمنيّ. وعلى الرغم من تفاوت مؤشرات الاستقرار الأمني من منطقة إلى أخرى وتصدر الفصائل الجهادية وعلى رأسها هيئة "تحرير الشام" كهدف رئيسي للنسبة الأكبر من تلك الاغتيالات؛ إلا أن الظرف الأمني العام لايزال يُنذر باستمرار تلك العمليات في المدى المنظور بالنسبة لمختلف الأطراف ويعطي مؤشرات غير مستقرة حول مسألتي التعافي المبكر ومتطلبات الاستقرار في مختلف المناطق.


([1])محاولات الاغتيال في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من تموز حتى تشرين الأول 2018 "؛ تقرير خاص صادر عن وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، متوافر على الرابط التالي: https://bit.ly/2SIRWb1

([2]) مرجع سابق.

([3]) فيما يتعلق بمصادر التقرير فهي على الشكل التالي: 1) نقاط الرصد الخاصة لوحدة المعلومات في الشمال السوري. 2) التقرير الأمني الخاص الصادر عن مكاتب منظمة "إحسان الإغاثية" في الشمالي السوري. 2) المُعرّفات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي للجهات التي تم استهدافها (الجبهة الوطنية، هيئة تحرير الشام، حراس الدين وغيرها). 3) المُعرّفات والمواقع الرسمية للوكالات ووسائل الإعلام المحليّة التي تقوم بتغطية الأحداث في محافظة إدلب.

([4]) مرجع سابق.

([5]) غرفة عمليات "غضب الزيتون": وهي وفقاً لتعريفها عن نفسها مجموعة من شباب وشابات عفرين، ويعتقد بأنها تتبع للوحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي يقومون باغتيال المقاتلين الاتراك المتواجدين في المنطقة بالإضافة إلى المقاتلين المحليين المدعومون من تركيا وتدعي هذه المجموعة عبر صفحتها الرسمية قيامها خلال فترة شهري حزيران واب بتنفيذ 26 عملية قتلت من خلاله 45 مقاتل وجرحت 43؛ للاطلاع والتعرف على هذه المجموعة انظر الرابط: http://www.xzeytune.com

([6]) بيان رسمي صادر عن غرفة عمليات "غصن الزيتون" يتبنى اغتيال عنصر الشرطة الحرة، محمد الشيخ، بطلق ناري في شهر كانون الأول/ديسمبر 2018. للمزيد راجع الرابط التالي: https://bit.ly/2UlviT1

التصنيف تقارير خاصة

قام الباحث أيمن الدسوقي بمداخلة صحفية على راديو روزانة للتعليق على القمة المرتقبة بين الرئيسين التركي والروسي، حيث استبعد الباحث حسم ملف المنطقة الآمنة أو العازلة على الحدود التركية-السورية خلال هذه القمة، إذ أن لكل من أنقرة وموسكو روئ مختلفة حيال هذه المسألة، مرجحاً تفاوض الطرفين على رؤية مشتركة تراعي هواجس أنقرة الأمنية من جهة والالتزامات الروسية من جهة أخرى. كذلك اعتبر الباحث أن استمرار اتفاق سوتشي ضرورة لمصالح كلا الدولتين، منوهاً بإمكانية خضوع الاتفاق للتعديل من حيث أطرافه أو الإجراءات المنصوص عليها للتعامل مع الوضع الناشئ في المحافظة عقب تمدد هيئة تحرير الشام، مستبعداً في الوقت نفسه إمكانية حدوث مقايضة من نوع إدلب مقابل شرق الفرات.

المصدر رادية روزانة: https://bit.ly/2FGVofv

في تصريحه لصحيفة القدس العربي بتاريخ 9 كانون الثاني2019، حول تمدد "هيئة تحرير الشام الأخير"؛ وضح الباحث معن طلاع من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية أن هذا التمدد هو بمثابة "الانتقال الاستراتيجي" إلى مراحل متقدمة في التمكين المحلي وإنهاء أي صيغ لتوازع السلطة في تلك المنطقة؛ وأنه ليس نتاج رغبة دولية وإن تقاطعت أهدافها النهائية مع تلك الرغبة والمتمثلة في تعجيل عودة إدلب إلى النظام عبر حجة "الهيئة"؛ إذ أن ما حدث يؤكد على أنها رغبة ذاتية للهيئة نابعة من إدراكها لصعوبة خياراتها المستقبلية وضرورة تحسين تموضعها العسكري والإداري والأمني.

أما من حيث السيناريوهات المحتملة لهذا التمدد فأوضح الباحث أنها  تتراوح ما بين احتمال ضئيل لحصول اتفاق أمريكي تركي للقضاء على الهيئة وهذا يستلزم اتفاقاً سياسياً حول "لإدلب ما بعد الهيئة"؛ وما بين المواجهة الجزئية مع النظام مدعومة بالقوات الروسية أو لايرانية للسيطرة على M4 وm5 .؛ أو إعادة تدعيم قوى المعارضة والدخول في معركة استنزاف طويلة.

المصدر صحيفة القدس العربي: https://goo.gl/iXXuei

 

بيّن الباحث معن طلاع من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في تصريحاته لصحيفة القدس العربي بتاريخ 12كانون الثاني 2019، حول خيارات هيئة التحرير بعد تمددها الأخير؛ أن استراتيجية "التمدد" على حساب قوى المعارضة ليست بالاستراتيجية الجديدة على الهيئة؛ فلطالما لجأت إليها لتحسين تموضعها العسكري عبر الاستيلاء على أسلحة نوعية؛ أو لتحسين التموضع الاقتصادي والإداري عبر السعي الحثيث للسيطرة على أهم القطاعات الخدمية أو التجارية كالمعابر (سواء الدولي منها أو المحلي) ومحطات التوليد الكهربائي وغيرها؛ وهي تلجأ إليها لتعزيز الأسباب الآنفة الذكر جميعاً مضافاً إليها تحسين الشروط السياسية في أي مفاوضات محتملة في حال لجوء الفواعل الدولية والمحلية إلى خيار المفاوضات والتباحث عن صيغ ما دون عسكرية؛

وحول المستوى المرتبط بخيارات الهيئة أوضح الباحث أنه وفقاً "لبرغماتيتها الشديدة"فإنه يتوقع أن تطمح الهيئة لتحويل سيطرتها العسكرية إلى سيطرة مدنية وسياسية عبر مرحلتين مرحلة انتقالية تديرها وتهيئ لها حكومة الانقاذ متبنية عدة برامج منها ما يتعلق بإعادة التشكيل السياسي والعسكري والمدني وفق صيغ تبدو شكلاً أكثر تشاركية وهي ضمناً أكثر شمولية وتسلط؛ ومرحلة نهائية يختفي فيها اسم هيئة تحرير الشام لصالح اسم جديد وفاعلية جديدة.

المصدر صحيفة القدس العربي: https://goo.gl/qch9SB

ساشا العلو
بعد تداول أخبار عن نيّة “هيئة تحرير الشام” حلّ نفسها، دون أي تأكيد أو نفي…
الإثنين شباط/فبراير 17
نُشرت في  مقالات الرأي 
هاديا العمري
"بمجرد أن أحصل على جنسية هذا البلد سأنتخب للمرة الأولى في حياتي" هكذا أجاب شاب…
الثلاثاء كانون2/يناير 28
نُشرت في  مقالات الرأي 
ساشا العلو
بعد تدخلها العسكري في العام 2015، أدركت موسكو جيداً المصالح الإقليمية المتضاربة في سورية والهواجس…
الجمعة تشرين1/أكتوير 25
نُشرت في  مقالات الرأي 
محمد منير الفقير
 اختتمت اللجنة الدستورية المشكلة من قبل الأمم المتحدة كمدخل لحل القضية السورية، اجتماعها الموسع الأول…
الجمعة تشرين1/أكتوير 04
نُشرت في  مقالات الرأي