مقالات

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

كثر في الآونة الأخيرة طرح ملف عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية، تحت يافطة “التطبيع”، ويتغلف هذا الطرح بمبرر “إيقاف التدخلات الأجنبية في سورية”، وتعزيز ” الأمن الإقليمي العربي”.  وعليه يحاول هذا المقال أن يقدم إحاطة بسياق ودوافع التغير والتحول الحاصل في خارطة مصالح الدول العربية، تلك المصالح التي كانت في مرحلة من المراحل تسعى لإسقاط نظام الأسد، وباتت اليوم بشكل وبآخر تعمل على إعادة دمجه بالمحيط العربي والدولي، وتبيان الآثار المحتملة لهذا الدمج وتداعياته على المشهد السوري.

بداية التحول

بالعودة إلى البداية؛ كانت الجامعة العربية قد علقت مشاركة سورية في اجتماعات الجامعة العربية عام 2011 نتيجة لعدم التزام النظام بقرارات الجامعة العربية فيما يتعلق بالمبادرة العربية، وتطور بعدها الموقف العربي باتجاه فرض عقوبات اقتصادية وتخفيض التمثيل الدبلوماسي وسحب السفراء، إضافة إلى ذلك انخرط العديد من تلك الدول في دعم المعارضة وقوى الثورة بعدة مستويات سياسية وعسكرية وإغاثية، الأمر الذي كان يُظن حينها أنه سوف يكون عقبة في أي عملية إعادة للعلاقة ما بين تلك الدول والنظام السوري.

لكن خلال السنوات العشر الماضية تغيرت خريطة السيطرة والمصالح نتيجة لعدد عوامل لعل أهمها؛ أولاً:  تعدد مستويات الصراع في الجغرافية السورية وملف اللاجئين والنازحين وبروز “الحرب ضد الارهاب” كعنوان رئيسي للتدخلات الاقليمية والدولية، وثانيها: وضوح مسار “إدارة الأزمة ” وليس حلها، والذي جعل من التعريف التنفيذي للحل السياسي مليئاً بالعراقيل والصعوبات؛ وثالثها: التدخل الروسي والذي كان له وقعٌ مهم على الحلف العربي والإقليمي المعارض للنظام لا سيما بعدما تسيّدت موسكو دائرة التأثير على المشهد الأمني والسياسي والذي أفرز بطبيعة الحال تغييراً في تموضع الفاعلين وحدود تدخلاتهم.

وأخيراً وليس آخراً مواقف بعض الدول المعارضة لمسار الربيع العربي، والذي ساهم في  تحول موقفها المناهض للنظام السوري إلى موقف أكثر حيادية في محاولة منها للاستفادة من ترميم تلك العلاقة، بينما اتخذ البعض مواقف أكثر وضوحاً من خلال التطبيع المباشر مع النظام السوري.

تدلل العوامل أعلاه – وغيرها من العوامل الأمنية والاقتصادية– على توافر الأسباب الدافعة إلى تغيير بعض المواقف؛ إلا أن ما يحد تحول هذا التغيير إلى سياسة تنفيذية واضحة، ارتباط هذه المواقف بموقف الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإلى الاستعصاء والجمود الذي يعتري مسيرة العملية السياسية من جهة أخرى، وهذا ما يجعل بمنظور تلك الدول أن “التطبيع المخفض” في هذه المرحلة هو الخطوة “الأكثر آمناً” باعتبارها مدخلاً رئيسياً لتحسين العلاقات لاحقاً.

 مقاربة “مواجهة التدخل التركي والإيراني”

تفترض الدول العربية الراغبة بعودة النظام السوري إلى الجامعة العربية بأنها خطوة في مواجهة “النفوذ الإيراني والتركي” -دون التطرق إلى النفوذ الأمريكي والروسي- وبحسب موقف تلك الدول فإن عودة دمشق إلى الجامعة العربية هو أمر مهم “للأمن العربي ولإيقاف التدخلات الخارجية”، وعليه فإن العودة الحالية تعني القبول بالوضع الحالي للنظام بدون أي تغيير في سلوكه أو سلوك حلفائه، وتعطيه أملاً بالتهرب من القرارات الدولية حول عملية الانتقال السياسي وتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بسورية.

ربما تراهن تلك الدول على أن عودة سورية إلى المحيط العربي ستحد من تلك التدخلات، إلا أن ملامح خسارة هذا الرهان تعود لعدم إدراك المشكلة الموضوعية والمتمثلة بعدم رغبة النظام بخروج إيران من سورية أو حتى قدرته على تحجيم نفوذها في حال أراد ذلك، هذا من جهة أولى، وتجاوز فهم طبيعة العلاقة العضوية بين النظام وإيران والتي باتت أقرب لتابع ومتبوع من جهة ثانية.

أما بالنسبة للنفوذ التركي فلن يستطيع النظام السوري مع الدعم المقدم له من الدول العربية (إن وجد) التأثير على الوجود التركي بشكل مباشر في الوقت الراهن، ومنه يمكن نفي فكرة أن عودة النظام الى الجامعة العربية سوف تؤثر على تموضع أنقرة ونفوذها، وذلك بحكم أن الموقف التركي يتحدد بطبيعة تحالفاته ومساحات المناورة التي يتحرك بها بين الأطراف الدولية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

إذاً، فإن رجاء المكسب والمصلحة العربية في تعويم النظام سيعود بنتائج عكسية؛ إذ أن أي تحسين للشروط السياسية للنظام ستنعكس إيجاباً على إيران، لأن التغلغل الإيراني في جسد الدولة والنظام أضحى عابراً للأمن والعسكرة ويصل إلى البنية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

بالمقابل لا يزال المحور العربي الممانع للعودة للجامعة العربية متمسكاً بموقفه حتى الآن، ويربطها بضرورة تنفيذ النظام للقرارات الدولية ذات الصلة ويتوقع أن يستمر هذا الموقف لفترة، متماشياً مع موقف الإدارة الأمريكية في المنطقة والذي يتداخل بشكل واضح مع ملفات المنطقة وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، ففي حال وجود انفتاح من قبل إدارة بايدن تجاه إيران وتخفيف العقوبات عليها فإنه من المحتمل أن يفرض نوعاً من التهدئة مع النظام السوري، بالإضافة إلى إعطاء طهران مساحة أكبر للتحرك داخل سورية، والذي سيساهم بدوره بدفع الدول الإقليمية نحو تهدئة التوتر مع إيران على عكس ما كان سائداً خلال فترة إدارة ترامب، الأمر الذي سوف ينعكس على علاقة تلك الدول مع النظام السوري.

محاولة إعادة تشكيل النظام العربي في مرحلة ما بعد الربيع العربي

كان لقيام الربيع العربي دوراً في تغيير محاور التوازنات وخريطة التحالفات الإقليمية مع صعود بعض الأنظمة وسقوط أخرى؛ حيث كانت سورية في قلب ذلك الصراع. ومع مرور الذكرى السنوية الحادية عشر لبداية الربيع العربي؛ يمكن القول إن المنطقة قد شهدت تشكيل تحالفات جديدة ومحاولة إحياء لتحالفات قديمة، وبقيت سورية منطقة تنازع ما بين القوى الإقليمية والدولية.

 ومنه يمكن فهم إحدى جوانب التجاذبات حول فكرة عودة سورية للجامعة العربية. إذ تعمل الدول على تحديد موقعها في خارطة القوى في العالم العربي بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام.

ويندرج تحت تلك الجهود محاولاتها من أجل تأهيل النظام السوري لجعله ضمن إحدى تلك التحالفات. حيث كان للنظام دور في التوازنات الإقليمية خلال الفترة ما قبل الربيع العربي، وعليه فإن عملية التطبيع مع النظام السوري يمكن فهمها ضمن عملية إحياء لتلك التحالفات أو بناء تحالفات جديدة.

الفارق الجوهري هنا هو أن النظام السوري لم يعد كما كان سابقاً، حيث أصبح حلفاء النظام أجزاء رئيسية ضمن هيكلية صنع القرار لدى النظام، ومنه فإن السياسة الخارجية السورية أصبحت مرتبطة بمصالح حلفاء النظام وأن محاولة ضم النظام لتلك التحالفات هو عمل ينطوي بطبيعته على دعم مصالح تلك القوى أيضاً والذي سوف يؤدي إلى تثبيت تموضع حلفائه وفي مقدمتهم إيران.

تقود الإمارات ومصر عملية إعادة سورية الى الجامعة العربية، ويقف معها عدد من الدول العربية التي لم تقطع علاقاتها مع النظام السوري أو التي أعادت علاقاتها معه مؤخراً. قد يكون ظاهر الخطوة عبارة عن إعادة ضم للجامعة العربية، ولكنها في جوهرها سوف تكون هي عملية إعادة تعويم. حيث تقوم فكرة تعويم نظام الأسد على نقطتي عودة النظام الى الجامعة العربية وعودة علاقات بعض الدول العربية، ومنه فلن يكون مستنكراً أن تبدأ الدول بعملية التطبيع.

على الطرف الآخر، يسعى النظام لتخفيف عزلته السياسية والصعوبات الاقتصادية الحالية من خلال العمل على استغلال أي فرصة للتواصل مع محيطه العربي في محاولة لتخفيف أثر العقوبات في الملف الاقتصادي من خلال الحركة التجارية على المستوى الفردي، وسياسياً من خلال المساحات التي يحاول خلقها عبر فتح قنوات تواصل مع الدول في محيطه، والتي سوف يتبعها فتح الحدود وإعادة رفع التمثيل الدبلوماسي الذي سوف يكون محاولة لتقديم النظام للمجتمع الدولي من بوابة الجامعة العربية التي كانت أول مؤسسة عاقبت النظام على سياسته تجاه الشعب السوري، الأمر الذي سيكون له انعكاس في العالم العربي حول جدية هذه المؤسسة، وعلى المستوى القانوني ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب.

والجدير بالذكر في هذا السياق عدم اغفال البعد الدولي والإقليمي في عملية التشكيل تلك، فالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي كان لهما الدور الأوضح في منع أي محاولة لفتح أي علاقة مع النظام من قبل الدول العربية والإقليمية، إلا أن هذا الدور انحصر في البعد الاقتصادي غالباً من خلال قانون قيصر والعقوبات الاقتصادية وملف إعادة الاعمار والتي ترتبط جميعها بتنفيذ النظام للقرارات الدولية ذات الصلة.

استقراءات مستقبلية

من خلال النظر في المعطيات السابقة يمكن القول إن “قضية التطبيع” مع نظام الأسد، لاتزال غير قابلة لتحولها لسياسة تنفيذية واسعة في المدى المنظور. ولكن قد يكون هناك عمليات كسر للجليد ما بين عدد من الدول في محاولة لفتح خطوط للتفاوض ما بين تلك الدول ونظام الأسد؛ وذلك في محاولة منها لإيجاد صيغة مناسبة للتطبيع ترضي الطرفين، حيث قد يتم مشاهدة زيارات متبادلة لمسؤولين يتم الإعلان عنها أو التحفظ عنها بغية إحداث تغيير في المزاج الشعبي العام المعادي للتطبيع مع الأسد، والتي قد تزيد الآن خصوصاً بعد إعلانه الفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

ترتبط سرعة حركة التطبيع هذه بعدة عوامل أولها: وضوح سياسة الإدارة الأمريكية من الملف السوري وحجم تدخلها أو انسحابها فيه؛ وهذا يخلق مساحة رمادية قد تستثمرها بعض الأطراف لزيادة مستوى العلاقة مع النظام، بينما قد يفضل البعض الآخر الانتظار وعدم المجازفة، وثانيها: ثبات موقف التيار الرافض للتطبيع مع النظام كما تجلى في الموقف السعودي والقطري.

يمكن القول ختاماً: ستساهم  عملية التطبيع في ظل السياق السياسي والأمني الحالي بالقبول بالوضع الراهن ونتائجه لا سيما التموضع الإيراني الذي يخدم الأغراض التوسعية لطهران، والقدرة المستمرة على العبث بموازين الأمن الإقليمي، كما تدفع تلك العملية باتجاه تعاطي تلك الدول مع ملف “لاجئين دائمين” بحكم انتفاء أي بادرة لتنفيذ الاستحقاقات الوطنية بعيداً عن الحلول الصفرية كما يتبنى النظام، وهذا ما يعتبر إقراراً وتثبيتاً لسياسات التغيير الديموغرافي التي اتبعها النظام خلال السنوات الأخيرة، حيث أن أكثر من نصف السكان إما مهجرين  أو لاجئين، مع العلم أن النظام  سمح بالعديد من الأماكن والمناسبات  بتوطين عوائل المليشيات التابعة لإيران في سورية والتي تعتبر مؤشراً لإعادة الهندسة الديموغرافية.

 

المصدر: السورية نت

https://bit.ly/3CwWnJf

التصنيف مقالات الرأي

مبكراً؛ توضحت الأدوار المتوقعة للأمم المتحدة في سورية، حيث حددت تفاعلات الأمم المتحدة عبر مؤسساتها السياسية ضمن مقاربات "الاستعصاء والتزمين" لتتسيّد عناوين التعاطي الأممي مع الملف السوري، إذ أنه وبعد ستة أسابيع على بدء الثورة في سورية  استخدمت روسيا والصين حق النقض الفيتو؛ لتعطيل أول إعلان للأمم المتحدة اقترحته دول غربية يدين القمع الذي يمارسه النظام السوري، فكان بمثابة الإعلان الدولي الرسمي لتغلب منطق "إدارة الأزمة" ودعوة صريحة للفواعل والمحلية الدولية والإقليمية لتحسين تموضعها في الجغرافية السورية (سواءً عسكرياً أو سياسياً)، ولدى تبلور أول وثيقة ناظمة لحركة الأمم المتحدة في الملف السوري (جنيف) كانت قد سحبت من القضية السورية بعدها الاجتماعي ودوافع حراك المجتمع وثورته لصالح تنافس سياسي بين نظام ومعارضة مما عمق سياسات المحاور التي بات التضارب البيني في المصالح والسلوكيات هو الثابت المستمر  الذي ما زاد من محدودية الأثر الأممي الذي تحجم على مستويات الاستجابة الإنسانية الطارئة.

أسباب تعثر فاعلية الأمم المتحدة في سورية

ترسخ عملياً أثار التموضع الدولي والإقليمي وتحولاته المتعددة على الخطوط الرئيسية الناظمة لأطر المسيرة والعملية السياسية، وعلى طبيعة أدوار الأمم المتحدة الذي أجهضه استخدام  روسيا لحق "الفيتو" 11 مرة مما عطل مجلس الأمن (انظر الجدول أدناه) ، لذا لم يعد مستغرباً -وفق ما يميله إدراك حركية الأمم المتحدة والمرتبطة كلياً "بمنطق ونفوذ وحسابات الكبار الأمنية والجيوسياسية"- استقالة كوفي عنان كموفد خاص للأمم المتحدة والجامعة العربية في آب/ أغسطس عام 2012 بعد خمسة أشهر من الجهود غير المثمرة التي بذلها في خطته ذات النقاط الست والتي تدعو إلى وقف القتال والانتقال السياسي، إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ؛([1]) أو حتى استقالة الأخضر الإبراهيمي بعد عامين من الدبلوماسية غير المثمرة رغم نجاحه في عقد أول جولة تفاوض مباشرة بين النظام والمعارضة برعاية  الولايات المتحدة وروسيا؛([2]) وأيضاً ليس مستغرباً أن تمضي الأمم المتحدة في عقد جولات تفاوض سمتها الرئيسة السيولة والتغيير المستمر لتعريف "اللحظة السياسية الجديدة" في سورية " إذ كانت انتقالاً سياسياً كاملاً وأضحت تفاصيل تتعلق بعقد اجتماعي لا ولم يلتزم به النظام، وانتخابات لا يمكن أن تجري في ظل هذا التفسخ المستمر لبنى الدولة وشرائحها الاجتماعية وقطاعاتها الاقتصادية.

لذلك انحسر دور الأمم المتحدة في المساعدات الإنسانية والتي بدورها أضحت ملف ابتزاز من قبل النظام وحلفائه في وقت فشل المجتمع الدولي من جعله ملفاً فوق تفاوضي، كما اقتصر هذا الدور على بعض المهام الإحصائية التي تقوم به المنظمات الخاصة بالأمم المتحدة، كمنظمة اليونيسكو، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة العمل الدولية، وعليه فإن تقييم الفاعلية مرتبط بطبيعة ووظيفة المؤسسة الأممية، فإن تناولنا بالنقد  مؤسستي الجمعية العامة ومجلس الأمن فإنه أسير الانقسام الدولي  واختلاف المصالح المرتبطة بالجيوستراتجية السورية وهو ما عزز من تسيّد عوامل العطالة وعدم النجاح في أي تقدم سياسي ذو أثر مباشر على النزاع وضرورات حله، وإذما ما قيمنا أدوار وكالات الأمم المتحدة مثل (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومنظمة العمل الدولية، واليونسكو، والمنظمات الخاصة باللاجئين والإغاثة) فإننا نلحظ أدواراً متفاوتة الأهمية والأثر وفق معايير النجاح في تحسين وتغليب الخيارات الإنسانية والاغاثية وسياسات الاستجابة الطارئة.

وفي تفنيد أسباب محدودية الدور السياسي والأمني الأممي في سورية، فإنه يمكن حصرها في عدة مستويات سياسية تبلورت وتظافرت في انتاج "حق النقض" كوسيلة دالة لحجم الاختلاف في خارطة المصالح الدولية والإقليمية وما رافقها من دفوعات وحركيات سياسية ساهمت في تغيير مستمر للسياقات السياسية التي طرأت على الملف السوري، فمن جهة أولى  تعمقت قناعة موسكو لاستخدام هذا الحق  بحكم بحثها المستمر على عدم السماح للولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها المشاركة بحل أو توجيه الأزمة السورية خارج نطاق السياسات الروسية ، وهي تبقي بذلك الحل على ما ينتجه واقع الصراع العسكري والذي تسيره وفق إرادتها، ومن جهة ثانية فقد استغلت روسيا الموقف المتردد للولايات المتحدة الأمريكية لاسيما موقف إدارة الرئيس (باراك أوباما) تجاه الأزمة السورية وبشكل خاص موقفها من بقاء رئيس النظام على رأس السلطة وكذلك دعمها للمعارضة السورية بشكل يؤثر في قلب المعادلة العسكرية والسياسية والمساهمة الجادة في تحقيق المزيد من المكاسب لروسيا وحلفائها سواء على صعيد الموقف العسكري أم السياسي، ومن جهة ثالثة فإن عدم توافق الدول الأعضاء جمد فاعلية مجلس الأمن وجعله جزء من المشكلة وليس جزءاً أساسياً في الحل ، لاسيما أن مصالح الأطراف غير قابلة للتطابق أو على الأقل في التقارب

أيضاً بالمقابل، لا يمكن للأمم المتحدة الانطلاق في التعامل مع ملفات الصراع إلا وفقاً لمنطلقين: قانوني وتنفيذي، إذ حتّم عليها المنطلق القانوني التعامل مع نظام الأسد بوصفه "ممثلاً للدولة السورية"، رغم ثبوت ارتكاب هذا النظام لكل أشكال الجرائم بدءاً من التطهير العرقي ومروراً بالإبادة الجماعية وليس انتهاءً بإرهاب المواطنين. إلا أن هذا التحتيم لا يبرّر للأمم المتحدة تقاعسها في البحث عن وسائل وأدوات تأثيرٍ لتحسين الشروط الإنسانية كحدّ أدنى باعتبارها منظمة عالمية مهمتها الأساس إنفاذ القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان.

أما على صعيد المنطلق الاجرائي فرغم أن الأمم المتحدة لا يمكنها تجاهل المنطلق القانوني، إلا أنها تبقى أسيرة سياسات الفاعلين الدوليين، الأمر الذي حدّد وقلّص هوامش المرونة المتبعة من قبل المبعوثين الدوليين وجعلهم يخوضون مهمة سياسية صعبة، بدأها كوفي عنان بنزعة براغماتية وطرح نقاطه الستة التي تضمن انتقالاً سياسياً للسلطة. وتابع فيها الأخضر الإبراهيمي بأداء شديد المرونة لم يستطع به تجاوز "عدم جدية المجتمع الدولي في حل النزاع في سورية". وكان من شأن هذه اللاجدية أن ساهمت في منح المزيد من الوقت لنظام الأسد الذي استفاد منه في تقليص فرص السقوط ومتابعة النهج الأمني الذي دمر الدولة والمجتمع. كما دفعت باتجاه تفاقم وتعقد إشكالات الأوضاع في ضفة المعارضة ولا سيما في ظل غياب الحماية من القصف الجوي، وبالتالي تقليص هوامشها في إدارة الأماكن المحررة، مما أتاح الفرصة "للجهاديين" لاستغلال الظرف وانتقال حركيتهم لأشكال صلبة عززت الانتقال بالصراع من مستوى صراع سلطة ومجتمع إلى مستويات محاربة الإرهاب والذي توافقت معظم الدول على أنه المدخل الرئيسي لسياساتها لتؤكد تلك الدول أن مستمرة في تغييب جذر الصراع لصالح نتائجه وهو ما أسهم في استعصاءات واختلالات للعملية السياسية برمتها.([3])

بموازاة ذلك؛ تحرك المبعوث الدولي الثالث ستيفان دي ميستورا وفق أربعة قواعد جديدة تختلف عن سابقيه، وهي أولوية محاربة الإرهاب؛ تكريس الهدن كإطار لا سياسي يؤمن وقف الاقتتال؛ ضمان موافقة الفاعلين الدوليين المؤيدين لنظام الأسد، تجزئة أجندة الانتقال السياسي لسلل أربعة (دستور وانتخابات وحوكمة وأمن)، وقد تبنى هذه القواعد نتيجةً لظهور خمسة منعطفات كان من شأنها تحول النظرة نحو القضية السورية من ثورة مجتمع مضطهد ضد نظام مستبد إلى صراعٍ إقليمي ثم إلى حرب لمواجهة " الإرهاب"، وهذه المنعطفات هي: اتفاق نزع الترسانة الكيماوية؛ تسيد اللغة العسكرية بعد فشل العملية التفاوضية في جنيف؛ و مواجهة تمدد تنظيم "الدولة" وتنظيم جبهة النصرة؛ والتحالف الدولي وضبابية الأهداف والرغبة الدولية في تطويع طرفي النزاع في محاربة "الإرهاب، والتدخل الروسي وما أفرزه من تغيير لتعريف العملية السياسية وتغليب فكرة الدستور على غيرها، ولدى التقييم لتلك القواعد يظهر بشكل واضح أنها شكلت مناخاً داعماً لسياسة المحور الإيراني السوري الذي عمل منذ اليوم الأول عبر خبرته الأمنية في نقل الصراع إلى مستويات تتناسب مع سرديته للأحداث.

برعاية الأمم المتحدة: تسع جولات تفاوضية

منذ تعثر مبادرتي الجامعة العربية وانتهاء الحلول العربية (الأولى وتنص على وقف العنف والإفراج عن المعتقلين وسحب الجيش من المدن السورية، والثانية: نقل سلطات الرئيس بشار الأسد إلى نائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية) ساهمت مجموعة من العوامل لانتقال الملف من المستوى العربي إلى المستوى الدولي، الذي برزت المعالم الناظمة لتعاطيه مع أول فيتو روسي، وبات منطق العمل قائم على انجاز وثائق تفاهم أمريكية وروسية، ففي 30 يونيو/حزيران 2012، اتفقت مجموعة العمل حول سورية التي تضم الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي في جنيف على مبادئ العملية الانتقالية عرفت بمبادئ جنيف 1، إذ نصت الخطة وقتها على تشكيل "حكم انتقالية كامل الصلاحيات التنفيذية" على "قاعدة التفاهم المتبادل"، دون أن تحدد مصير الأسد،([4]) لتؤسس هذه الوثيقة الأممية لحالة من الفهم المزدوج والتفسيرات المختلفة لكل الأطراف المعنية بالملف، والأهم هنا أن حدد آنذاك الدور التنسيقي للأمم المتحدة كراعية للمفاوضات وميسرة لأجندة عمل غير خلافية مما أسس لمسيرة ماراثونية في المفاوضات ريثما يكتمل شرط التوافق الدولي التام الذي لا يزال غائباً حتى إعداد هذه الورقة.

بدأت هذه المسيرة في يناير/كانون الثاني 2014 بما عرف بـ"جنيف-2"، حيث عقدت مفاوضات أولى في سويسرا بين المعارضة والحكومة السورية، بضغوط من الولايات المتحدة الداعمة للمعارضة ومن روسيا الداعمة لدمشق،([5]) لكنها انتهت بدون نتيجة ملموسة، وأعادت الصراع مجدداً للميادين العسكرية الذي حكم منذ تلك الفترة حتى ما قبل التدخل الروسي منطق التوازنات العسكري، وتلتها جولة ثانية انتهت في فبراير/شباط أعلن بعدها مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية الأخضر الإبراهيمي وصول النقاش إلى طريق مسدود، مما حمله إلى إعلان استقالته بعد أن خلف كوفي أنان في هذه المهمة، وحل محله ستفان دي ميستورا في يوليو/تموز. ([6])

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، واتساقاً مع مفهوم "إدارة الأزمة"، تم تشكيل مجموعة دعم دولية لسوريا في فيينا تضم 23 قوة دولية وإقليمية ومنظمات متعددة الأطراف، بينها الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران وتركيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأعدت هذه المجموعة خارطة طريق للعملية الانتقالية، ولإجراء انتخابات وعقد مباحثات بين الحكومة والمعارضة بحلول بداية يناير/كانون الثاني دون الاتفاق على مصير الأسد.  وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع وللمرة الأولى منذ بدء الأزمة قراراً استناداً إلى محادثات فيينا ذي الرقم 2254، يحدد خارطة طريق تبدأ بمفاوضات بين النظام والمعارضة، وينص على وقف لإطلاق النار، وتشكيل حكم انتقالي في غضون ستة أشهر، وتنظيم انتخابات خلال 18 شهراً. ([7])

وفي مطلع 2016، عقدت ثلاث جولات من المفاوضات غير المباشرة بين النظام والمعارضة في جنيف برعاية مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية دي ميستورا، دون أي تقدم يذكر، ومن مارس/آذار إلى يوليو/تموز 2017 نظمت أربع جولات أخرى من المفاوضات غير المباشرة التي لم تثمر شيئا. وفي 14 ديسمبر/كانون الأول اتهم المبعوث الأممي دمشق -إثر جولة تفاوض أخرى-بنسف المفاوضات عبر رفض التفاوض مع المعارضة، واعتبرها "فرصة ذهبية ضاعت". ويوم 26 يناير/كانون الثاني 2018 انتهت الجولة الأممية التاسعة بخيبة في فيينا التي استضافتها لدواع لوجستية، علما بأنها تعقد عادة في جنيف.

شكل نهاية عام 2015 نقطة تحول رئيسية في الملف السوري، إذ طورت موسكو أدوات الفاعلية السياسية إلى مستويات صلبة تمثلت بالتدخل العسكري المباشر   واستطاعت منذ بيان فيينا في 30/10/2015 الذي أتى بُعيد التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية، أن موسكو تعمل وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على "تطويع الميدان" وضرب المعارضة السورية، وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية توظفها لتعزيز سرديتها وتعريفها للملف السوري. وبهذا السياق كان لا بد لموسكو من اتباع استراتيجية "الحل الصفري" على المستوى العسكري في سورية مستغلةً توظيف معادلة الإرهاب التي أرادتها الدبلوماسية الروسية سائلة. فضربت ابتداءً مناطق سيطرة قوى الثورة في الساحل وأخرجت كافة جيوبها من مساحات "سورية المفيدة" مُتبعة منهجية التهجير وصولاً لعودة السيطرة على حلب الشرقية، وقابل كل ذلك هندسة سياسية روسية على مستوى الفاعلين الدوليين والإقليمين تكرس من خلالها "القيادة الروسية" وإجهاضٌ دائمٌ لأية فاعلية تُرتجى من مجلس الأمن باستثناء قرار نشر المراقبين الدوليين رقم (2328) للإشراف على عملية الإخلاء كونه يعزز السيطرة الدائمة على مدينة حلب.

واستمراراً في هذا الاستثمار السياسي الروسي نظمت روسيا وإيران وتركيا في يناير/كانون الثاني 2017 في أستانا عاصمة كزاخستان؛ مفاوضات ضمت للمرة الأولى ممثلين عن النظام السوري وآخرين عن الفصائل المعارضة أفرزت ما يعرف باتفاقات خفض التصعيد، إذ كان المحدد الرئيسي هو محاولة سحب الوظائف السياسية من جنيف عبر تنامي المداخل الأمنية المبررة لاجتماعات الأستانة ووصولها لمستويات سياسية تبلور في مؤتمر سوتشي 30 يناير/كانون الثاني 2018 الذي جمع طيفاً كبيراً من السوريين للتوافق على دستور جديد وليرتجي تثبيت موسكو كمهندس رئيس للعملية السياسية،([8]) إلا أنه وقبيل المؤتمر أصدرت الدول الخمس: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، الأردن اجتماع باريس 23/1/2018 ورقة غير رسمية بشأن إحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سورية، لم تختلف مع الطرح الروسي القائم على انتخابات ودستور، إلا انها أعادت الإشراف الكامل للأمم المتحدة على العملية السياسية وقلصت الكثير من صلاحيات "الرئيس".([9])

عطل الاستثمار السياسي الروسي مجلس الأمن الدولي ثم حاول خطف الصلاحيات والمسؤوليات السياسية لمسار جنيف الذي تعثر بحكم التباعد والاختلاف بين أطراف النزاع من جهة ولاستمرار التناقض بين الفواعل الدولية من جهة ثانية، إلا أن الفواعل الدولية الأخرى كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن عارضت هذا الخطف عبر تأكيدها المستمر على أولوية الأشراف الأممي ووفقاً للقرارات الدولية لاسيما القرار 2254، وبهذا دلالات كثيرة حول التمسك بأدوار الأمم المتحدة، وقد يفسر ذلك من جهة أولى كسبيل اعتراض وعرقلة للروس الذين باتو منخرطين بتفاصيل عديدة بالمشهد السوري دون تحصلهم على مكسب سياسي استراتيجي، ومن جهة ثانية: استمرار منطق "إدارة الازمة" وجعل المشهد السوري مرة أخرى ميداناً للتنافس السياسي والعسكري الدولي بالدرجة الأولى خاصة بعدما استطاعت موسكو من إلحاق عدة خسائر عسكرية بالمعارضة وتخفيف أي مكسب ميداني لها.

الأدوار الأممية المتوقعة وتحدياتها المركبة

بات الصراع الدولي في سورية بمعناه العسكري والسياسي أكثر وضوحاً وتبلوراً، ويدخل في هذه الآونة  في مراحل ما قبل الترتيب الجديد لحدود التأثير والنفوذ، ومرجحاً لحقبة زمنية طويلة تتبلور فيها مظاهر الحرب الباردة على الأراضي السورية بشكل أكبر واحتمالية تحولها لصدامات مباشرة، ليعزز معه أيضاً استمرار عوامل الاستعصاء في أتون حركة العملية السياسية رغم نجاح موسكو في إعادة تعريف عناصرها الأولية بما يتفق مع مخيالها السياسي، فمن جهة أولى عسكرية لم تعد اتفاقات الأستانة بصيغها القائمة قادرة على استيعاب التطورات العسكرية الدولية المتلاحقة في سورية(عملية غصن الزيتون، تثبيت الانتشار الأمريكي، ارهاصات حرب كبرى في الجنوب)، ومن جهة سياسية ، يبدو القرار الاممي 2254 عصياً على الاستمرار دون مزيداً من الشروحات التفصيلية التي تسهل العملية التفاوضية السورية، وما بين الجهتين وما وتفرضانه من ضرورات ظهور ترتيب عسكري وسياسي جديد يوفر مناخات ومساقات جديدة قابلة للتفاعل، يستمر أثر الحل الصفري الذي ينتهجه النظام وحلفائه مهدداً لمبدأ ووجود لحظة سياسية في سورية،

بالعموم تتنامى مؤشرات "ضرورة إعادة الترتيب" و يُتوقع أن تحتوي معادلاتها على عدة معطيات، أهمها: استدامة التواجد الأمريكي في سورية وبقاء امتلاكها لعنصر تعطيل الحركية الروسية؛ محاولات روسية لتحجيم الدور الأمريكي أو وصولها إلى مرحلة تطبيع وتكيُّف وجعل هذا الدور ذو آثار أمنية أكثر منها سياسية؛ استمرار اختبار ضبط النفس في الجنوب السوري التي تعبث به طهران أمنياً واجتماعياً؛ وضوح طبيعة التموضع التركي في معادلة علاقتها مع واشنطن وموسكو؛ استمرار الثلاثي (موسكو وطهران والنظام) في منوال عمليات "بسط السيطرة"؛ توفير أطر أمنية جديدة تستوعب هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية الأجنبية في سورية. وأمام هذه المعطيات يكون المشهد السوري قد اقترب من تجاوز "الصراع المحلي" ونقله كلياً للمستوى الإقليمي والدولي والذي وإن كان مرتباً أولياً بتفاهمات واتفاقات أمنية، إلا أنها شديدة القلق ولم تعد صالحة لضبط التحولات الجديدة. فبات هذا المشهد بحاجة لترتيب آخر وهذا ما سيؤثر حكماً على طبيعة المخرج السياسي العام من جهة، وأداور كافة الفواعل المحلية من جهة ثانية.([10])

 ووفقاً لهذا، تنحصر أدوار الأمم المتحدة السياسية المتوقعة في العمل وفق مبدأ التوافق مع الدفوعات الروسية المتمسكة بتعريفها للعملية السياسية وبما ينسجم مع الأدوار الأممية التي تضمنتها "اللاورقة" باعتبارها مؤشراً أخيراً على طبيعة الفهم السياسي لتلك الدول وفق الآتي:

أولاً: تغيير النهج والمستند المتبع في جنيف بحيث يحقق تقدماً في أجندة العملية ولا يلاقي بذات الوقت اعتراضاً روسياً حوله، وعليه قد يكون هذا النهج يستند على فكرة الابتعاد عن أسلوب الجولات ، والاتجاه إلى عملية سياسية متواصلة، وفق آليات "فرق عمل تركز على الدستور والانتخابات وغيرها من القضايا التي تركز على وضع تدابير بناء الثقة مثل ملف المحتجزين، وإعادة تفعيل فرق العمل المعنية بوقف إطلاق النار، وايصال المساعدات الإنسانية، وهذا يتطلب من فريق ديمستورا إعادة ملفاته بالكامل إلى جنيف ودفعه باتجاه اعتماد مستند قانوني جديد يفسر بشكل أوضح القرار 2254 و يزيد من الآليات التنفيذية.([11])

ثانياً: أدواراً عابرة للتنسيق: بمعنى تكرار سياسة ورقة المبادئ المشتركة (المبادئ الحية ذات 12 بند)، وورقة خلاصات الوسيط المتعلقة بالانتقال السياسي، مثل هذه الأوراق التي أقرتها تشاورية لوزان، ورفضتها الهيئة العليا للمفاوضات السابقة، ويمكن جعلها وثائق رسمية ملزمة للمعارضة وللنظام، إذا حدث اتفاق دولي عليها، في خط يشبه بيان جنيف 2012، وبياني فيينا 2015، إلا أن فاعلية هذه الأدوار ستبقى مرتبطة بطبيعة الترتيب السياسي والدولي الجديد وعدم انفجار الحركيات الدولية القلقة في سورية.([12])

ثالثاً: تركيز فرق الأمم المتحدة على المبادئ الدستورية العامة التي ستضع إطارا للمناقشات اللاحقة بشأن مضمون الدستور الجديد، أو نصّه الفعلي، أو الإصلاح الدستوري، مسؤولية كاملة على الأمم المتحدة لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة كما هو الحال بالنسبة للمسائل الدستورية،

بذات السياق وضمن توقع "ظهور معطيات التدخل الإنساني"، فإنه لا يزال مستبعداً وفق المؤشرات التي تفرزها سلوكيات الدول "الصديقة" للشعب السوري، فلا بوادر إلى حراك خارج مجلس الأمن الذي حكم عليه الروس بالعطالة، فبالوقت الذي توقع سابقاً الكثيرين تدخلاً عسكرياً غربياً إبان العديد من المجازر الكيماوية في سورية، أتت صفقات الروس لتنقذ الأمر، أو كما توقع البعض التدخل حالياً حيال جرائم الحرب التي يرتكبها الروس والايرانيون ونظام الأسد في الغوطة الشرقية، وسواها من المناطق السورية، لاسيما بعد صدور قرار مجلس الأمن 2401 القاضي بوقف إطلاق النار وبهدنة إنسانية، إذ لم تشكل  مأساة الغوطة أي دافعاً للتدخل الإنساني، وبقي السوريين هم من يدفعون ثمن العجز والفشل الدولي، على العكس لايزال  الإطار الدولي وتقاطعاته الاستراتيجية، وبما يرسمه من خطوط حاكمة لتحركات القوى الإقليمية، يشير إلى استدامة الأزمة وصعوبة توافر حلول مستقرة لها.

ختاماً

إن قدرة الأمم المتحدة على لعب دور بناء في هذه المنطقة عموماً وفي سورية ذات الخصائص الجيوسياسية المعقدة خصوصاً كمنظمة تعلي الشأن الإنساني على باقي الاعتبارات وتسعى لتمكينه ، هي قدرة محدودة جداً لأسباب تتعلق بهيكليتها وبنيتها ونمطية وظائفها أمام "منطق الكبار"، ولأسباب مرتبط بالظروف المتعلقة بالجغرافية السورية، فوفقاً لـ" وليام شوكروس" مؤلف كتاب : ( Deliver us from Evil: Warlords, Peacekeepers and a World of Endless Conflict ):"اعتقدنا ونحن ندخل غُرّة هذا القرن، أن ثمة هندسة عالمية جديدة للنظام العالمي الذي شُيِّد غداة نهاية الحرب العالمية الثانية، لكننا في الواقع لم نُدرك ما طبيعة هيكليته النهائية، حتى ولو كنا نأمل بأن تكون اليد العليا للتدخّل الإنساني. لكن اليوم، أثبت الشرق الأوسط أن العكس هو الذي حدث، وأن الآمال الإنسانوية تحطّمت في المنطقة وسادت، بدلاً منها، حصانة الديكتاتوريين في العديد من الأماكن".([13])

‏ سبعة أعوام والأمم المتحدة في سورية في حالة تقييد كامل، وبدلًا من إطلاق "الفواعل الدولية" لمهامها الإنسانية –على أقل تقدير-في سورية، نراها مكبلة بتوازنات غاية في الدقة وحسابات ومصالح معقدة وغير مستقرة، ومستندات قانونية ناظمة للعمل التفاوضي تفتقد للتفسير المشترك مما يجعل كافة هوامشها لا تعدو عن كونها منظمة معطلة للأثر السياسي ومنفذ لاتفاقٍ يصعب بلورته وفق التراتيبات المتراكمة عسكرياً وسياسياً واجتماعياً في سورية.

 

نشر على مجلة آراء الخليج: https://bit.ly/2K7deaw

 


([1])  استقالة كوفي عنان من مهمته كمبعوث دولي وعربي إلى سوريا، موقع DW الالكتروني، تاريخ: 2/8/2012، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/pxEZKM

([2])  استقالة الأخضر الإبراهيمي من منصبه كموفد أممي إلى سوريا، موقع فرانس 24 الالكتروني، تاريخ: 14/5/2014، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/9w7mwP

([3]) خطة دي ميستورا تجميد دون أفق، تقدير موقف صادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ:5/11/2014، الرابط: https://goo.gl/WhkDYt

([4]) مقررات «جنيف 1»: وقف العنف وإقامة هيئة حكم انتقالية، موقع جريدة الشرق الأوسط، تاريخ: 29/1/2014، الرابط: https://goo.gl/RM2Pc3

([5]) مؤتمر جنيف 2 حول سوريا ... حقائق ومعلومات، موقع BBC ARABIC الالكتروني، تاريخ: 22/ 1/2014، الرابط: https://goo.gl/nPHkvb

([6]) سنوات من الجهود الدبلوماسية العقيمة لحل النزاع السوري، موقع SWI SWISSINFO.CH الالكتروني، تاريخ 30/1/2018، الرابط: https://goo.gl/nvPVKu

([7]) المرجع نفسه.

([8]) أبرز محطات مفاوضات أستانا، موقع الجزيرة الالكتروني، تاريخ:31/10/2017، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/4AaM6Z

([9]) ورقة الدول الخمسة، تقدير موقف صادر عن موقع تطورات جنيف، تاريخ 12/2/2018، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/9n6AUN

([10]) معن طلاع، نوار أوليفر: "المشهد العسكري في سورية وتحولاته المتوقعة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 16/3/2018، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/GS8Jps

([11]) للمزيد حول القرار أنظر الرابط: https://goo.gl/zHD7f5

([12]) ورقة الدول الخمسة، تقدير موقف صادر عن موقع تطورات جنيف، مرجع سابق.

([13]) MICHAEL YOUNG:” Is there any role for the UN in a polarized Middle East?”, CARNEGIE middle east, 24/9/2017, link: https://goo.gl/ddhSDd

التصنيف مقالات الرأي

استضافت قناة الرافدين يوم الخميس 3/3/2016 الباحث معن طلاع من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية وذلك من عبر برنامجها الأسبوعي حديث العرب والذي تناول قضية الجامعة العربية وتحدياتها، وتم النقاش والتحليل حول أربعة محاور:

1-    مدلولات عدم رغبة نبيل العربي بالترشح لولاية ثانية.

2-    تفسير تمسك مصر بمنصب رئيس الجامعة.

3-    تعامل الجامعة مع ملفات الربيع العربي

4-    تحديات الجامعة في ظل ظهور تكتلات وتحالفات جديدة.

الخميس نيسان/أبريل 29
الملخص التنفيذي مع تراجع سُلطة الدولة المركزية لصالح صعود تشكيلات دون دولتية، منها ذات طابع قومي وديني؛ برزت نماذج مختلفة من أنماط الحكم المحلي في الجغرافية السورية، والتي تأثرت بالخارطة…
نُشرت في  الكتب 
الخميس كانون1/ديسمبر 17
مقدمة تتفق جل الأدبيات المتعلقة بحقل العلاقات المدنية العسكرية بأنها خضوع القوات المسلحة لقيادة مدنية ديمقراطية، وهي عملية معقدة تتطلب إصلاحاً تشريعياً شاملاً، وإصلاحاً للقطاع الأمني بأكمله، وإجراء العدالة الانتقالية،…
نُشرت في  الكتب 
الخميس كانون1/ديسمبر 17
الملخص التنفيذي في ظل المعادلة المعقدة التي تحكم الملف السوري في الوقت الحاضر، تبرز أسئلة الاستقرار الأمني في سورية كأحد المرتكزات الهامة والممَّكِنة لكل من التعافي المبكر والعودة الآمنة للاجئين…
نُشرت في  الكتب 
في تصريحه لموقع نون بوست حول الخطوة التالية الواجبة على المعارضة؛ وضح معن طلاع، مدير…
الإثنين آذار/مارس 22
أكد مدير البحوث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلاع، في مقابلة مع صحيفة عنب…
الإثنين آذار/مارس 15
استضاف التلفزيون العربي المدير التنفيذي لمركز عمران، الدكتور عمار قحف، ضمن برنامجه شبابيك، للحديث عن…
الإثنين آذار/مارس 15
شارك الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، محمد العبد الله في تقرير صحفي لجريدة الاستقلال…
الإثنين آذار/مارس 08