أوراق بحثية

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-
الجمعة, 28 حزيران/يونيو 2019 19:08

بدر ملا رشيد | منصة "مسد"

ذهب الباحث بدر ملا رشيد من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية خلال حديثه لموقع السورية نت، بتاريخ 27 حزيران 2019، حول ما تناقله عدد من الناشطين والإعلاميين السوريين عن مساعي "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد)، المُشكل من حزب الاتحاد الديمقراطيPYD، للانضمام إلى "هيئة التفاوض السورية"، التي نفت بدورها، وجود محادثاتٍ بهذا الشأن، إلى أن هيئة التفاوض "تعيش مرحلة من الجمود"، إذ أنها تعقد اجتماعاتها بفواصل زمنية طويلة " وهو أمرٌ أدى لعدم فاعليتها، عدا عن أنها لم تحقق إنجازٍ فعلي".

وانطق الباحث مما سبق إلى القول، أن انضمام "مسد" أو عدمه "لن يؤثر بشكلٍ كبير على سير المسار التفاوضي، إلا إذا شهدنا تطورات سياسية موازية في مساراتٍ أخرى كمسار أستانة، أو إعادة إحياء جنيف، وحتى خلق مسار حل جديد بالكامل".

أيضاً أشار الملا إلى عدم إمكانية مقارنة انضمام "مسد"، بحالة ضم منصة موسكو لـ"هيئة التفاوض"، كون منصة موسكو، تمثل إطاراً سياسياً "هشاً أو منعدم الفاعلية"، بينما مجلس"مسد"، برأيهِ "يمثل هيكل حكم وسيطرة إدارية وعسكرية ببرنامج سياسي"، مشيراً إلى أن عملية الانضمام، لو تمت "ستكون شائكة أو مبنية بالأساس على توافق إقليمي ودولي كبير ما يعني التجهيز لمرحلة إعلان الحل".

للمزيد انقر رابط المصدر: http://bit.ly/2RI048g

 

الأربعاء, 10 نيسان/أبريل 2019 15:24

مشروع بحثي بعنوان: سورية والأمن العالمي

أطلق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية نتائج مشروعه البحثي والذي بدأه بتاريخ 3 كانون الثاني 2018، بعنوان: "سورية والأمن العالمي"، هادفاً من خلاله إلى توليد معرفة موضوعية عن مواقف وتوقعات كل طرف من الأطراف المعنية في سورية، من أجل تقييم وتطوير سبل صنع السلام وبناء الدولة بعد الحرب. اشترك في إدارة مشروع الحوار المتعدد الأطراف كلاً من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية ومركز جنيف للسياسة الأمنية. موفرة ورشات العمل المرتبطة بالمشروع منصة للخبراء والباحثين لتطوير فهم مشترك لاهتمامات بعضهم البعض وبناء الثقة المتبادلة الضرورية لحل الأزمة.


أوراق المناقشة:

  • آفاق التعاون في استعادة الاستقرار والإصلاح المؤسسي في سورية" جنيف، 21-22 سبتمبر 2017

آفاق التعاون في استعادة الاستقرار والإصلاح المؤسسي في سورية (بالإنكليزية) -تقرير ورشة العمل

  •  الديناميات الأمنية الناشئة والتسوية السياسية في سورية"، سيراكيوزا، إيطاليا، 18-19 أكتوبر 2018

الشرطة العسكرية الروسية في سورية: الوظيفة والمآلات (بالإنكليزية) -ورقة مناقشة 1.

الشرطة العسكرية الروسية في سورية: الوظيفة والمآلات(بالروسية) -ورقة مناقشة 1.

الشرطة العسكرية الروسية في سورية: الوظيفة والمآلات (بالعربية) -ورقة مناقشة 1.

- إيران في سورية: الجهات الفاعلة صانعة القرار، والمصالح، والأولويات (بالإنكليزية) -ورقة مناقشة 2.

- إيران في سورية: الجهات الفاعلة صانعة القرار، والمصالح، والأولويات(بالروسية) -ورقة مناقشة 2.

إيران في سورية: الجهات الفاعلة صانعة القرار، والمصالح، والأولويات (بالعربية) -ورقة مناقشة 2.

تمويل تنظيم الدولة والنصرة وإنهاء الحرب السورية (بالإنكليزية) -ورقة مناقشة 3

تمويل تنظيم الدولة والنصرة وإنهاء الحرب السورية (بالعربية) -ورقة مناقشة 3

إصلاح الجيش العربي السوري: رؤية روسية (بالإنكليزية) -ورقة مناقشة 4

إصلاح الجيش العربي السوري: رؤية روسية (بالعربية) -ورقة مناقشة 4

  •  السياسة وطرائق إعادة الإعمار في سورية"، جنيف، سويسرا، 7-8 فبراير 2019

- لن ننتظر أحداً: آفاق وتداعيات إعادة الإعمار العشوائية في سورية (بالعربية) -ورقة مناقشة 5

- لن ننتظر أحداً: آفاق وتداعيات إعادة الإعمار العشوائية في سورية (بالإنكليزية) -ورقة مناقشة 5.

- الخبرة التركية حول عودة اللاجئين إلى سورية (بالإنكليزية) -ورقة مناقشة 6

- الخبرة التركية حول عودة اللاجئين إلى سورية - (بالعربية) -ورقة مناقشة 6

التصنيف أوراق بحثية

مبكراً؛ توضحت الأدوار المتوقعة للأمم المتحدة في سورية، حيث حددت تفاعلات الأمم المتحدة عبر مؤسساتها السياسية ضمن مقاربات "الاستعصاء والتزمين" لتتسيّد عناوين التعاطي الأممي مع الملف السوري، إذ أنه وبعد ستة أسابيع على بدء الثورة في سورية  استخدمت روسيا والصين حق النقض الفيتو؛ لتعطيل أول إعلان للأمم المتحدة اقترحته دول غربية يدين القمع الذي يمارسه النظام السوري، فكان بمثابة الإعلان الدولي الرسمي لتغلب منطق "إدارة الأزمة" ودعوة صريحة للفواعل والمحلية الدولية والإقليمية لتحسين تموضعها في الجغرافية السورية (سواءً عسكرياً أو سياسياً)، ولدى تبلور أول وثيقة ناظمة لحركة الأمم المتحدة في الملف السوري (جنيف) كانت قد سحبت من القضية السورية بعدها الاجتماعي ودوافع حراك المجتمع وثورته لصالح تنافس سياسي بين نظام ومعارضة مما عمق سياسات المحاور التي بات التضارب البيني في المصالح والسلوكيات هو الثابت المستمر  الذي ما زاد من محدودية الأثر الأممي الذي تحجم على مستويات الاستجابة الإنسانية الطارئة.

أسباب تعثر فاعلية الأمم المتحدة في سورية

ترسخ عملياً أثار التموضع الدولي والإقليمي وتحولاته المتعددة على الخطوط الرئيسية الناظمة لأطر المسيرة والعملية السياسية، وعلى طبيعة أدوار الأمم المتحدة الذي أجهضه استخدام  روسيا لحق "الفيتو" 11 مرة مما عطل مجلس الأمن (انظر الجدول أدناه) ، لذا لم يعد مستغرباً -وفق ما يميله إدراك حركية الأمم المتحدة والمرتبطة كلياً "بمنطق ونفوذ وحسابات الكبار الأمنية والجيوسياسية"- استقالة كوفي عنان كموفد خاص للأمم المتحدة والجامعة العربية في آب/ أغسطس عام 2012 بعد خمسة أشهر من الجهود غير المثمرة التي بذلها في خطته ذات النقاط الست والتي تدعو إلى وقف القتال والانتقال السياسي، إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ؛([1]) أو حتى استقالة الأخضر الإبراهيمي بعد عامين من الدبلوماسية غير المثمرة رغم نجاحه في عقد أول جولة تفاوض مباشرة بين النظام والمعارضة برعاية  الولايات المتحدة وروسيا؛([2]) وأيضاً ليس مستغرباً أن تمضي الأمم المتحدة في عقد جولات تفاوض سمتها الرئيسة السيولة والتغيير المستمر لتعريف "اللحظة السياسية الجديدة" في سورية " إذ كانت انتقالاً سياسياً كاملاً وأضحت تفاصيل تتعلق بعقد اجتماعي لا ولم يلتزم به النظام، وانتخابات لا يمكن أن تجري في ظل هذا التفسخ المستمر لبنى الدولة وشرائحها الاجتماعية وقطاعاتها الاقتصادية.

لذلك انحسر دور الأمم المتحدة في المساعدات الإنسانية والتي بدورها أضحت ملف ابتزاز من قبل النظام وحلفائه في وقت فشل المجتمع الدولي من جعله ملفاً فوق تفاوضي، كما اقتصر هذا الدور على بعض المهام الإحصائية التي تقوم به المنظمات الخاصة بالأمم المتحدة، كمنظمة اليونيسكو، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة العمل الدولية، وعليه فإن تقييم الفاعلية مرتبط بطبيعة ووظيفة المؤسسة الأممية، فإن تناولنا بالنقد  مؤسستي الجمعية العامة ومجلس الأمن فإنه أسير الانقسام الدولي  واختلاف المصالح المرتبطة بالجيوستراتجية السورية وهو ما عزز من تسيّد عوامل العطالة وعدم النجاح في أي تقدم سياسي ذو أثر مباشر على النزاع وضرورات حله، وإذما ما قيمنا أدوار وكالات الأمم المتحدة مثل (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومنظمة العمل الدولية، واليونسكو، والمنظمات الخاصة باللاجئين والإغاثة) فإننا نلحظ أدواراً متفاوتة الأهمية والأثر وفق معايير النجاح في تحسين وتغليب الخيارات الإنسانية والاغاثية وسياسات الاستجابة الطارئة.

وفي تفنيد أسباب محدودية الدور السياسي والأمني الأممي في سورية، فإنه يمكن حصرها في عدة مستويات سياسية تبلورت وتظافرت في انتاج "حق النقض" كوسيلة دالة لحجم الاختلاف في خارطة المصالح الدولية والإقليمية وما رافقها من دفوعات وحركيات سياسية ساهمت في تغيير مستمر للسياقات السياسية التي طرأت على الملف السوري، فمن جهة أولى  تعمقت قناعة موسكو لاستخدام هذا الحق  بحكم بحثها المستمر على عدم السماح للولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها المشاركة بحل أو توجيه الأزمة السورية خارج نطاق السياسات الروسية ، وهي تبقي بذلك الحل على ما ينتجه واقع الصراع العسكري والذي تسيره وفق إرادتها، ومن جهة ثانية فقد استغلت روسيا الموقف المتردد للولايات المتحدة الأمريكية لاسيما موقف إدارة الرئيس (باراك أوباما) تجاه الأزمة السورية وبشكل خاص موقفها من بقاء رئيس النظام على رأس السلطة وكذلك دعمها للمعارضة السورية بشكل يؤثر في قلب المعادلة العسكرية والسياسية والمساهمة الجادة في تحقيق المزيد من المكاسب لروسيا وحلفائها سواء على صعيد الموقف العسكري أم السياسي، ومن جهة ثالثة فإن عدم توافق الدول الأعضاء جمد فاعلية مجلس الأمن وجعله جزء من المشكلة وليس جزءاً أساسياً في الحل ، لاسيما أن مصالح الأطراف غير قابلة للتطابق أو على الأقل في التقارب

أيضاً بالمقابل، لا يمكن للأمم المتحدة الانطلاق في التعامل مع ملفات الصراع إلا وفقاً لمنطلقين: قانوني وتنفيذي، إذ حتّم عليها المنطلق القانوني التعامل مع نظام الأسد بوصفه "ممثلاً للدولة السورية"، رغم ثبوت ارتكاب هذا النظام لكل أشكال الجرائم بدءاً من التطهير العرقي ومروراً بالإبادة الجماعية وليس انتهاءً بإرهاب المواطنين. إلا أن هذا التحتيم لا يبرّر للأمم المتحدة تقاعسها في البحث عن وسائل وأدوات تأثيرٍ لتحسين الشروط الإنسانية كحدّ أدنى باعتبارها منظمة عالمية مهمتها الأساس إنفاذ القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان.

أما على صعيد المنطلق الاجرائي فرغم أن الأمم المتحدة لا يمكنها تجاهل المنطلق القانوني، إلا أنها تبقى أسيرة سياسات الفاعلين الدوليين، الأمر الذي حدّد وقلّص هوامش المرونة المتبعة من قبل المبعوثين الدوليين وجعلهم يخوضون مهمة سياسية صعبة، بدأها كوفي عنان بنزعة براغماتية وطرح نقاطه الستة التي تضمن انتقالاً سياسياً للسلطة. وتابع فيها الأخضر الإبراهيمي بأداء شديد المرونة لم يستطع به تجاوز "عدم جدية المجتمع الدولي في حل النزاع في سورية". وكان من شأن هذه اللاجدية أن ساهمت في منح المزيد من الوقت لنظام الأسد الذي استفاد منه في تقليص فرص السقوط ومتابعة النهج الأمني الذي دمر الدولة والمجتمع. كما دفعت باتجاه تفاقم وتعقد إشكالات الأوضاع في ضفة المعارضة ولا سيما في ظل غياب الحماية من القصف الجوي، وبالتالي تقليص هوامشها في إدارة الأماكن المحررة، مما أتاح الفرصة "للجهاديين" لاستغلال الظرف وانتقال حركيتهم لأشكال صلبة عززت الانتقال بالصراع من مستوى صراع سلطة ومجتمع إلى مستويات محاربة الإرهاب والذي توافقت معظم الدول على أنه المدخل الرئيسي لسياساتها لتؤكد تلك الدول أن مستمرة في تغييب جذر الصراع لصالح نتائجه وهو ما أسهم في استعصاءات واختلالات للعملية السياسية برمتها.([3])

بموازاة ذلك؛ تحرك المبعوث الدولي الثالث ستيفان دي ميستورا وفق أربعة قواعد جديدة تختلف عن سابقيه، وهي أولوية محاربة الإرهاب؛ تكريس الهدن كإطار لا سياسي يؤمن وقف الاقتتال؛ ضمان موافقة الفاعلين الدوليين المؤيدين لنظام الأسد، تجزئة أجندة الانتقال السياسي لسلل أربعة (دستور وانتخابات وحوكمة وأمن)، وقد تبنى هذه القواعد نتيجةً لظهور خمسة منعطفات كان من شأنها تحول النظرة نحو القضية السورية من ثورة مجتمع مضطهد ضد نظام مستبد إلى صراعٍ إقليمي ثم إلى حرب لمواجهة " الإرهاب"، وهذه المنعطفات هي: اتفاق نزع الترسانة الكيماوية؛ تسيد اللغة العسكرية بعد فشل العملية التفاوضية في جنيف؛ و مواجهة تمدد تنظيم "الدولة" وتنظيم جبهة النصرة؛ والتحالف الدولي وضبابية الأهداف والرغبة الدولية في تطويع طرفي النزاع في محاربة "الإرهاب، والتدخل الروسي وما أفرزه من تغيير لتعريف العملية السياسية وتغليب فكرة الدستور على غيرها، ولدى التقييم لتلك القواعد يظهر بشكل واضح أنها شكلت مناخاً داعماً لسياسة المحور الإيراني السوري الذي عمل منذ اليوم الأول عبر خبرته الأمنية في نقل الصراع إلى مستويات تتناسب مع سرديته للأحداث.

برعاية الأمم المتحدة: تسع جولات تفاوضية

منذ تعثر مبادرتي الجامعة العربية وانتهاء الحلول العربية (الأولى وتنص على وقف العنف والإفراج عن المعتقلين وسحب الجيش من المدن السورية، والثانية: نقل سلطات الرئيس بشار الأسد إلى نائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية) ساهمت مجموعة من العوامل لانتقال الملف من المستوى العربي إلى المستوى الدولي، الذي برزت المعالم الناظمة لتعاطيه مع أول فيتو روسي، وبات منطق العمل قائم على انجاز وثائق تفاهم أمريكية وروسية، ففي 30 يونيو/حزيران 2012، اتفقت مجموعة العمل حول سورية التي تضم الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي في جنيف على مبادئ العملية الانتقالية عرفت بمبادئ جنيف 1، إذ نصت الخطة وقتها على تشكيل "حكم انتقالية كامل الصلاحيات التنفيذية" على "قاعدة التفاهم المتبادل"، دون أن تحدد مصير الأسد،([4]) لتؤسس هذه الوثيقة الأممية لحالة من الفهم المزدوج والتفسيرات المختلفة لكل الأطراف المعنية بالملف، والأهم هنا أن حدد آنذاك الدور التنسيقي للأمم المتحدة كراعية للمفاوضات وميسرة لأجندة عمل غير خلافية مما أسس لمسيرة ماراثونية في المفاوضات ريثما يكتمل شرط التوافق الدولي التام الذي لا يزال غائباً حتى إعداد هذه الورقة.

بدأت هذه المسيرة في يناير/كانون الثاني 2014 بما عرف بـ"جنيف-2"، حيث عقدت مفاوضات أولى في سويسرا بين المعارضة والحكومة السورية، بضغوط من الولايات المتحدة الداعمة للمعارضة ومن روسيا الداعمة لدمشق،([5]) لكنها انتهت بدون نتيجة ملموسة، وأعادت الصراع مجدداً للميادين العسكرية الذي حكم منذ تلك الفترة حتى ما قبل التدخل الروسي منطق التوازنات العسكري، وتلتها جولة ثانية انتهت في فبراير/شباط أعلن بعدها مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية الأخضر الإبراهيمي وصول النقاش إلى طريق مسدود، مما حمله إلى إعلان استقالته بعد أن خلف كوفي أنان في هذه المهمة، وحل محله ستفان دي ميستورا في يوليو/تموز. ([6])

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، واتساقاً مع مفهوم "إدارة الأزمة"، تم تشكيل مجموعة دعم دولية لسوريا في فيينا تضم 23 قوة دولية وإقليمية ومنظمات متعددة الأطراف، بينها الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران وتركيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأعدت هذه المجموعة خارطة طريق للعملية الانتقالية، ولإجراء انتخابات وعقد مباحثات بين الحكومة والمعارضة بحلول بداية يناير/كانون الثاني دون الاتفاق على مصير الأسد.  وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع وللمرة الأولى منذ بدء الأزمة قراراً استناداً إلى محادثات فيينا ذي الرقم 2254، يحدد خارطة طريق تبدأ بمفاوضات بين النظام والمعارضة، وينص على وقف لإطلاق النار، وتشكيل حكم انتقالي في غضون ستة أشهر، وتنظيم انتخابات خلال 18 شهراً. ([7])

وفي مطلع 2016، عقدت ثلاث جولات من المفاوضات غير المباشرة بين النظام والمعارضة في جنيف برعاية مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية دي ميستورا، دون أي تقدم يذكر، ومن مارس/آذار إلى يوليو/تموز 2017 نظمت أربع جولات أخرى من المفاوضات غير المباشرة التي لم تثمر شيئا. وفي 14 ديسمبر/كانون الأول اتهم المبعوث الأممي دمشق -إثر جولة تفاوض أخرى-بنسف المفاوضات عبر رفض التفاوض مع المعارضة، واعتبرها "فرصة ذهبية ضاعت". ويوم 26 يناير/كانون الثاني 2018 انتهت الجولة الأممية التاسعة بخيبة في فيينا التي استضافتها لدواع لوجستية، علما بأنها تعقد عادة في جنيف.

شكل نهاية عام 2015 نقطة تحول رئيسية في الملف السوري، إذ طورت موسكو أدوات الفاعلية السياسية إلى مستويات صلبة تمثلت بالتدخل العسكري المباشر   واستطاعت منذ بيان فيينا في 30/10/2015 الذي أتى بُعيد التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية، أن موسكو تعمل وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على "تطويع الميدان" وضرب المعارضة السورية، وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية توظفها لتعزيز سرديتها وتعريفها للملف السوري. وبهذا السياق كان لا بد لموسكو من اتباع استراتيجية "الحل الصفري" على المستوى العسكري في سورية مستغلةً توظيف معادلة الإرهاب التي أرادتها الدبلوماسية الروسية سائلة. فضربت ابتداءً مناطق سيطرة قوى الثورة في الساحل وأخرجت كافة جيوبها من مساحات "سورية المفيدة" مُتبعة منهجية التهجير وصولاً لعودة السيطرة على حلب الشرقية، وقابل كل ذلك هندسة سياسية روسية على مستوى الفاعلين الدوليين والإقليمين تكرس من خلالها "القيادة الروسية" وإجهاضٌ دائمٌ لأية فاعلية تُرتجى من مجلس الأمن باستثناء قرار نشر المراقبين الدوليين رقم (2328) للإشراف على عملية الإخلاء كونه يعزز السيطرة الدائمة على مدينة حلب.

واستمراراً في هذا الاستثمار السياسي الروسي نظمت روسيا وإيران وتركيا في يناير/كانون الثاني 2017 في أستانا عاصمة كزاخستان؛ مفاوضات ضمت للمرة الأولى ممثلين عن النظام السوري وآخرين عن الفصائل المعارضة أفرزت ما يعرف باتفاقات خفض التصعيد، إذ كان المحدد الرئيسي هو محاولة سحب الوظائف السياسية من جنيف عبر تنامي المداخل الأمنية المبررة لاجتماعات الأستانة ووصولها لمستويات سياسية تبلور في مؤتمر سوتشي 30 يناير/كانون الثاني 2018 الذي جمع طيفاً كبيراً من السوريين للتوافق على دستور جديد وليرتجي تثبيت موسكو كمهندس رئيس للعملية السياسية،([8]) إلا أنه وقبيل المؤتمر أصدرت الدول الخمس: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، الأردن اجتماع باريس 23/1/2018 ورقة غير رسمية بشأن إحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سورية، لم تختلف مع الطرح الروسي القائم على انتخابات ودستور، إلا انها أعادت الإشراف الكامل للأمم المتحدة على العملية السياسية وقلصت الكثير من صلاحيات "الرئيس".([9])

عطل الاستثمار السياسي الروسي مجلس الأمن الدولي ثم حاول خطف الصلاحيات والمسؤوليات السياسية لمسار جنيف الذي تعثر بحكم التباعد والاختلاف بين أطراف النزاع من جهة ولاستمرار التناقض بين الفواعل الدولية من جهة ثانية، إلا أن الفواعل الدولية الأخرى كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن عارضت هذا الخطف عبر تأكيدها المستمر على أولوية الأشراف الأممي ووفقاً للقرارات الدولية لاسيما القرار 2254، وبهذا دلالات كثيرة حول التمسك بأدوار الأمم المتحدة، وقد يفسر ذلك من جهة أولى كسبيل اعتراض وعرقلة للروس الذين باتو منخرطين بتفاصيل عديدة بالمشهد السوري دون تحصلهم على مكسب سياسي استراتيجي، ومن جهة ثانية: استمرار منطق "إدارة الازمة" وجعل المشهد السوري مرة أخرى ميداناً للتنافس السياسي والعسكري الدولي بالدرجة الأولى خاصة بعدما استطاعت موسكو من إلحاق عدة خسائر عسكرية بالمعارضة وتخفيف أي مكسب ميداني لها.

الأدوار الأممية المتوقعة وتحدياتها المركبة

بات الصراع الدولي في سورية بمعناه العسكري والسياسي أكثر وضوحاً وتبلوراً، ويدخل في هذه الآونة  في مراحل ما قبل الترتيب الجديد لحدود التأثير والنفوذ، ومرجحاً لحقبة زمنية طويلة تتبلور فيها مظاهر الحرب الباردة على الأراضي السورية بشكل أكبر واحتمالية تحولها لصدامات مباشرة، ليعزز معه أيضاً استمرار عوامل الاستعصاء في أتون حركة العملية السياسية رغم نجاح موسكو في إعادة تعريف عناصرها الأولية بما يتفق مع مخيالها السياسي، فمن جهة أولى عسكرية لم تعد اتفاقات الأستانة بصيغها القائمة قادرة على استيعاب التطورات العسكرية الدولية المتلاحقة في سورية(عملية غصن الزيتون، تثبيت الانتشار الأمريكي، ارهاصات حرب كبرى في الجنوب)، ومن جهة سياسية ، يبدو القرار الاممي 2254 عصياً على الاستمرار دون مزيداً من الشروحات التفصيلية التي تسهل العملية التفاوضية السورية، وما بين الجهتين وما وتفرضانه من ضرورات ظهور ترتيب عسكري وسياسي جديد يوفر مناخات ومساقات جديدة قابلة للتفاعل، يستمر أثر الحل الصفري الذي ينتهجه النظام وحلفائه مهدداً لمبدأ ووجود لحظة سياسية في سورية،

بالعموم تتنامى مؤشرات "ضرورة إعادة الترتيب" و يُتوقع أن تحتوي معادلاتها على عدة معطيات، أهمها: استدامة التواجد الأمريكي في سورية وبقاء امتلاكها لعنصر تعطيل الحركية الروسية؛ محاولات روسية لتحجيم الدور الأمريكي أو وصولها إلى مرحلة تطبيع وتكيُّف وجعل هذا الدور ذو آثار أمنية أكثر منها سياسية؛ استمرار اختبار ضبط النفس في الجنوب السوري التي تعبث به طهران أمنياً واجتماعياً؛ وضوح طبيعة التموضع التركي في معادلة علاقتها مع واشنطن وموسكو؛ استمرار الثلاثي (موسكو وطهران والنظام) في منوال عمليات "بسط السيطرة"؛ توفير أطر أمنية جديدة تستوعب هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية الأجنبية في سورية. وأمام هذه المعطيات يكون المشهد السوري قد اقترب من تجاوز "الصراع المحلي" ونقله كلياً للمستوى الإقليمي والدولي والذي وإن كان مرتباً أولياً بتفاهمات واتفاقات أمنية، إلا أنها شديدة القلق ولم تعد صالحة لضبط التحولات الجديدة. فبات هذا المشهد بحاجة لترتيب آخر وهذا ما سيؤثر حكماً على طبيعة المخرج السياسي العام من جهة، وأداور كافة الفواعل المحلية من جهة ثانية.([10])

 ووفقاً لهذا، تنحصر أدوار الأمم المتحدة السياسية المتوقعة في العمل وفق مبدأ التوافق مع الدفوعات الروسية المتمسكة بتعريفها للعملية السياسية وبما ينسجم مع الأدوار الأممية التي تضمنتها "اللاورقة" باعتبارها مؤشراً أخيراً على طبيعة الفهم السياسي لتلك الدول وفق الآتي:

أولاً: تغيير النهج والمستند المتبع في جنيف بحيث يحقق تقدماً في أجندة العملية ولا يلاقي بذات الوقت اعتراضاً روسياً حوله، وعليه قد يكون هذا النهج يستند على فكرة الابتعاد عن أسلوب الجولات ، والاتجاه إلى عملية سياسية متواصلة، وفق آليات "فرق عمل تركز على الدستور والانتخابات وغيرها من القضايا التي تركز على وضع تدابير بناء الثقة مثل ملف المحتجزين، وإعادة تفعيل فرق العمل المعنية بوقف إطلاق النار، وايصال المساعدات الإنسانية، وهذا يتطلب من فريق ديمستورا إعادة ملفاته بالكامل إلى جنيف ودفعه باتجاه اعتماد مستند قانوني جديد يفسر بشكل أوضح القرار 2254 و يزيد من الآليات التنفيذية.([11])

ثانياً: أدواراً عابرة للتنسيق: بمعنى تكرار سياسة ورقة المبادئ المشتركة (المبادئ الحية ذات 12 بند)، وورقة خلاصات الوسيط المتعلقة بالانتقال السياسي، مثل هذه الأوراق التي أقرتها تشاورية لوزان، ورفضتها الهيئة العليا للمفاوضات السابقة، ويمكن جعلها وثائق رسمية ملزمة للمعارضة وللنظام، إذا حدث اتفاق دولي عليها، في خط يشبه بيان جنيف 2012، وبياني فيينا 2015، إلا أن فاعلية هذه الأدوار ستبقى مرتبطة بطبيعة الترتيب السياسي والدولي الجديد وعدم انفجار الحركيات الدولية القلقة في سورية.([12])

ثالثاً: تركيز فرق الأمم المتحدة على المبادئ الدستورية العامة التي ستضع إطارا للمناقشات اللاحقة بشأن مضمون الدستور الجديد، أو نصّه الفعلي، أو الإصلاح الدستوري، مسؤولية كاملة على الأمم المتحدة لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة كما هو الحال بالنسبة للمسائل الدستورية،

بذات السياق وضمن توقع "ظهور معطيات التدخل الإنساني"، فإنه لا يزال مستبعداً وفق المؤشرات التي تفرزها سلوكيات الدول "الصديقة" للشعب السوري، فلا بوادر إلى حراك خارج مجلس الأمن الذي حكم عليه الروس بالعطالة، فبالوقت الذي توقع سابقاً الكثيرين تدخلاً عسكرياً غربياً إبان العديد من المجازر الكيماوية في سورية، أتت صفقات الروس لتنقذ الأمر، أو كما توقع البعض التدخل حالياً حيال جرائم الحرب التي يرتكبها الروس والايرانيون ونظام الأسد في الغوطة الشرقية، وسواها من المناطق السورية، لاسيما بعد صدور قرار مجلس الأمن 2401 القاضي بوقف إطلاق النار وبهدنة إنسانية، إذ لم تشكل  مأساة الغوطة أي دافعاً للتدخل الإنساني، وبقي السوريين هم من يدفعون ثمن العجز والفشل الدولي، على العكس لايزال  الإطار الدولي وتقاطعاته الاستراتيجية، وبما يرسمه من خطوط حاكمة لتحركات القوى الإقليمية، يشير إلى استدامة الأزمة وصعوبة توافر حلول مستقرة لها.

ختاماً

إن قدرة الأمم المتحدة على لعب دور بناء في هذه المنطقة عموماً وفي سورية ذات الخصائص الجيوسياسية المعقدة خصوصاً كمنظمة تعلي الشأن الإنساني على باقي الاعتبارات وتسعى لتمكينه ، هي قدرة محدودة جداً لأسباب تتعلق بهيكليتها وبنيتها ونمطية وظائفها أمام "منطق الكبار"، ولأسباب مرتبط بالظروف المتعلقة بالجغرافية السورية، فوفقاً لـ" وليام شوكروس" مؤلف كتاب : ( Deliver us from Evil: Warlords, Peacekeepers and a World of Endless Conflict ):"اعتقدنا ونحن ندخل غُرّة هذا القرن، أن ثمة هندسة عالمية جديدة للنظام العالمي الذي شُيِّد غداة نهاية الحرب العالمية الثانية، لكننا في الواقع لم نُدرك ما طبيعة هيكليته النهائية، حتى ولو كنا نأمل بأن تكون اليد العليا للتدخّل الإنساني. لكن اليوم، أثبت الشرق الأوسط أن العكس هو الذي حدث، وأن الآمال الإنسانوية تحطّمت في المنطقة وسادت، بدلاً منها، حصانة الديكتاتوريين في العديد من الأماكن".([13])

‏ سبعة أعوام والأمم المتحدة في سورية في حالة تقييد كامل، وبدلًا من إطلاق "الفواعل الدولية" لمهامها الإنسانية –على أقل تقدير-في سورية، نراها مكبلة بتوازنات غاية في الدقة وحسابات ومصالح معقدة وغير مستقرة، ومستندات قانونية ناظمة للعمل التفاوضي تفتقد للتفسير المشترك مما يجعل كافة هوامشها لا تعدو عن كونها منظمة معطلة للأثر السياسي ومنفذ لاتفاقٍ يصعب بلورته وفق التراتيبات المتراكمة عسكرياً وسياسياً واجتماعياً في سورية.

 

نشر على مجلة آراء الخليج: https://bit.ly/2K7deaw

 


([1])  استقالة كوفي عنان من مهمته كمبعوث دولي وعربي إلى سوريا، موقع DW الالكتروني، تاريخ: 2/8/2012، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/pxEZKM

([2])  استقالة الأخضر الإبراهيمي من منصبه كموفد أممي إلى سوريا، موقع فرانس 24 الالكتروني، تاريخ: 14/5/2014، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/9w7mwP

([3]) خطة دي ميستورا تجميد دون أفق، تقدير موقف صادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ:5/11/2014، الرابط: https://goo.gl/WhkDYt

([4]) مقررات «جنيف 1»: وقف العنف وإقامة هيئة حكم انتقالية، موقع جريدة الشرق الأوسط، تاريخ: 29/1/2014، الرابط: https://goo.gl/RM2Pc3

([5]) مؤتمر جنيف 2 حول سوريا ... حقائق ومعلومات، موقع BBC ARABIC الالكتروني، تاريخ: 22/ 1/2014، الرابط: https://goo.gl/nPHkvb

([6]) سنوات من الجهود الدبلوماسية العقيمة لحل النزاع السوري، موقع SWI SWISSINFO.CH الالكتروني، تاريخ 30/1/2018، الرابط: https://goo.gl/nvPVKu

([7]) المرجع نفسه.

([8]) أبرز محطات مفاوضات أستانا، موقع الجزيرة الالكتروني، تاريخ:31/10/2017، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/4AaM6Z

([9]) ورقة الدول الخمسة، تقدير موقف صادر عن موقع تطورات جنيف، تاريخ 12/2/2018، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/9n6AUN

([10]) معن طلاع، نوار أوليفر: "المشهد العسكري في سورية وتحولاته المتوقعة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 16/3/2018، الرابط الالكتروني: https://goo.gl/GS8Jps

([11]) للمزيد حول القرار أنظر الرابط: https://goo.gl/zHD7f5

([12]) ورقة الدول الخمسة، تقدير موقف صادر عن موقع تطورات جنيف، مرجع سابق.

([13]) MICHAEL YOUNG:” Is there any role for the UN in a polarized Middle East?”, CARNEGIE middle east, 24/9/2017, link: https://goo.gl/ddhSDd

التصنيف مقالات الرأي

ملخصٌ تنفيذيّ

  • عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام الأسد أكثر منه تدميرياً، إذ يبدو أن المضامين السياسية للضربة تجاوزت نظام الأسد، والذي بدا كصندوق بريد توضع فيه الرسائل الموجهة إلى حليفته موسكو.
  • الضربات حملت رسائل سياسية على عدة مستويات منها ما يتعلق بسلوك موسكو في الملف السوري بشكل مباشر، ومنها ما يتجاوزه إلى ملفات دولية تتعلق بأزمات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا.
  • يبدو أن الأوروبيين كانوا يكظمون غيظهم من سلوك موسكو، خاصة أثناء إدارة أوباما، والتي غاب فيها الظهير الأمريكي بشكل انعكس على تقويض الفاعلية الأوروبية في العديد من الملفات وسمح لموسكو بهوامش أوسع ضمنها، ولعل عودة هذا الظهير مع إدارة ترامب التي تقاطعت مصالحها مع الأوربيين تجاه موسكو، شكلت فرصة على ما يبدو لإثبات فاعلية أوروبية جديدة.
  • استهدفت الضربة الثلاثية إفراغ التقدم العسكري الأخير لروسيا والنظام من مضامينه السياسية التي كانت تطمح موسكو إلى ترجمتها على مسار التفاوض بشكل إحراز تقدم سياسي على حساب المعارضة، والتأكيد على أن الحل السياسي للأزمة السورية لن يتم دون موافقة المجتمع الدولي وبعيداً عن المسار الأممي المرسوم لذلك (جنيف)، ولا يمكن لأي طرف فرضه بشكل منفرد.
  • حملت الضربة الثلاثية رسائل أمريكية لطهران تتعلق بنفوذها العسكري في سوريا تحديداً والمنطقة عموماً، والأهم من ذلك إبراز نوع من توزيع الأدوار في مواجهة هذا النفوذ وتمدده، وتحديداً الدور الإسرائيلي ودعمه أمريكياً في هذه المهمة.
  • لم تكن تركيا بمنأى عن الرسائل السياسية للضربة الثلاثية، خاصة فيما يتعلق بسياسة التوازن التي تحاول أنقرة انتهجها في الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى. وذلك في محاولة لعزلها عن تحالفها مع روسيا وإيران، في سياق إدراك أوروبي أميركي أن أي جهد حقيقي من قبلهم في الملف السوري لابد وأن يمر عبر البوابة التركية، وأن أي سعي روسي مضاد لابد وأن يمر من المدخل نفسه.
  • لابد من فهم الضربات في سياق "التحريك" وليس "التحرير"، أي تحريك مسار الحل السياسي بعيداً عن سعي موسكو لتجميده وفقاً لرؤيتها، وأنها قد تمثل نهجاً جديداً قائماً على استخدام العمل العسكري المحدود لتحريك المسار السياسي التفاوضي.
  • إن احتمال تكرار مثل تلك الضربات والتصعيد الناتوي عسكرياً في سورية سيكون مرهوناً بمرونة موسكو التفاوضية وقدرتها على فهم رسائل الناتو وجر حليفها الأسد نحو المسار الأممي للحل وتقديم التنازلات في العملية التفاوضية.

مقدمة

وجّهت الولايات المتحدة الأمريكية بالاشتراك مع بريطانيا وفرنسا ضربات عسكرية للنظام السوري بتاريخ 14 نيسان/أبريل، إثر استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين في مدينة دوما ضمن غوطة دمشق الشرقية بتاريخ 7 نيسان/أبريل خلال حملة عسكرية للنظام وحلفائه أفضت إلى السيطرة على المدينة وإخراج مقاتلي المعارضة إلى الشمال السوري. الأمر الذي استدعى تنديداً دولياً وإقليمياً واسعاً باستخدام الأسلحة المحضورة دولياً ما لبث أن تطور إلى حراكٍ دولي تقوده الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية على رأسها بريطانيا وفرنسا، الحراك الذي أخذ يتصاعد بشكل اتهام لروسيا وتحميلها المسؤولية عن استخدام حليفها للأسلحة المحضورة دولياً؛ باعتبارها منخرطة بشكل مباشر في دعم نظام الأسد عسكرياً على الأرض منذ العام 2015، وتحديداً قيادتها للعملية العسكرية في الغوطة الشرقية والتي وقع خلالها الهجوم الكيميائي، إضافة لكون موسكو المسؤولة عن "التزام" نظام الأسد بتسليم مخزونه الكيميائي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في العام 2013، ليشهد الأسبوع الذي تلا الهجوم الكيميائي وسبق الضربات تصاعداً لتهديدات أمريكية أوروبية بالتحرك عسكرياً ضد النظام السوري، قابلها تحذيرات روسية وحراك دبلوماسي لم ينجح في تجنيب نظام الأسد الضربات العسكرية الأمريكية الأوروبية.

استهدفت الضربات مواقع عسكرية ومراكز بحوث علمية لنظام الأسد في دمشق وريفها وحمص، عبر صواريخ انطلقت من بوارج أمريكية في المتوسط، إضافة إلى صواريخ من طائرات أمريكية وفرنسية وبريطانية شاركت في الضربات، التي اعتبرتها أمريكا وأوروبا بمثابة عقاب للنظام على استخدامه السلاح الكيميائي، واكتفت بأهدافها كفعل عسكري قابل للتجديد في حال العودة إلى استخدام هذا السلاح،  بينما اعتبرتها وزارة الدفاع الروسية إهانة مباشرة للرئيس فلاديمير بوتين، في حين هددت إيران بأن محور الممانعة سيرد على هذا "العدوان"، وما بينهما تراوحت المواقف الإقليمية والدولية تجاه الضربة الثلاثية ما بين مؤيد وداعم، وبين مندد. 

 وعلى الرغم من المحدودية العسكرية للضربة الثلاثية، واعتبارها غير ذات فاعلية على مستوى إحداث أي تغيير على الخارطة العسكرية السورية أو إلحاق أي ضرر حقيقي مباشر بنظام الأسد؛ إلا أنها حملت مضامين سياسية على عدة مستويات؛ لكونها محطة جديدة للصراع الدولي على الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وحلفائها على الأرض السورية من جهة أخرى، وما قد يحمله هذا الصراع من أثر على مسار الملف السوري ومستقبل الحل السياسي. وعليه تسعى هذه الورقة لقراءة المضامين السياسية للضربة العسكرية الثلاثية على مواقع نظام الأسد، وتحليل الرسائل السياسية التي حملتها على عدة مستويات، وما قد يترتب عليها من آثار وانعكاسات على مستوى الملف السوري ومساره السياسي.

 

 خريطة (1) المواقع التي استهدفتها الضربة الثلاثية في 14 نيسان 2018

المصدر: وحدة المعلومات بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية

 

أولاً: الضربات الثلاثية (محدودية عسكرية ومضامين سياسية)

عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام الأسد أكثر منه تدميرياً، بهدف إلزامه بالخطوط الحمراء التي رسمها المجتمع الدولي تجاه استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، وإظهار جدية التحرك إزاء أي استخدام من هذا النوع، في حين يبدو أن الرسائل السياسية التي حملتها تلك الضربات تجاوزت نظام الأسد، والذي بدا كصندوق بريد توضع فيه الرسائل الموجهة إلى حليفته موسكو. ولعل توقيت الضربات وشكلها يؤكد أن موسكو المعني الأول بتلقي رسائلها السياسية، إذ إن تنفيذ الضربات جاء قبل صدور نتائج لجنة تقصي الحقائق المكلفة بالتحقيق في استخدام الكيماوي في دوما، والتي لم تكن قد وصلت إلى دمشق أساساً، وإنما اعتمدت على معلومات خاصة وصفها الأمريكيون وحلفاؤهم بالاستخبارتية؛ فيما بدى أنه تحدي واضح لموسكو، ناهيك عن شكل الضربة التي لم تقتصر هذه المرة على أمريكا التي سبق وأن ضربت مطار الشعيرات منفردة، وإنما شهدت مشاركة بريطانية فرنسية، في الوقت الذي تتصاعد فيه أزمة دولية بين بريطانيا وموسكو ، إضافة إلى تفاعل عدة إشكاليات على المستوى الناتوي تتعلق بسلوك روسيا تجاه الأوروبيين. كما أن اللافت في طريقة تنفيذ الضربة العسكرية أنها لم تقتصر أيضاً على إطلاق صواريخ من البوارج المستقرة في المتوسط، بل شهدت اختراقاً للأجواء السورية عبر طائرات أمريكية وفرنسية وبريطانية بشكل تحدي لموسكو التي سبقت الضربة بتهديدات بالرد، إذ يبدو أن الضربات حملت رسائل سياسية على عدة مستويات منها ما يتعلق بسلوك موسكو في الملف السوري بشكل مباشر، ومنها ما يتجاوزه إلى ملفات دولية تتعلق بأزمات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا. وتتوزع أبرز المضامين والرسائل السياسية التي حملتها الضربة الثلاثية وفق مستويين:

1.     المستوى الدولي (فاعلية أوروبية وظهير أمريكي)

مثّلت الضربات الثلاثية بشكل أو بآخر إحدى محطات التصعيد الأمريكي الأوروبي تجاه روسيا، كنتيجة لتفاعل سلسلة من القضايا المتعلقة بحلف الناتو ومتصلة بالسلوك الروسي تجاهه، بدءاً من أزمة أوكرانيا مروراً بالنشاط العسكري الروسي في البلطيق، والذي مثّل تهديداً للدول الاسكندنافية، وصولاً إلى بريطانيا وأزمة العميل المزدوج سكريبال، إذ يشير تفاعل كل تلك الملفات على المستوى الناتوي؛ بأن الأوروبيين كانوا يكظمون غيظهم من سلوك موسكو، خاصة أثناء إدارة أوباما، والتي غاب فيها الظهير الأمريكي بشكل انعكس على تقويض الفاعلية الأوروبية في العديد من الملفات وسمح لموسكو بهوامش أوسع ضمنها، ولكن يبدو أن عودة هذا الظهير مع إدارة ترامب، والتي تقاطعت مصالحها مع الأوربيين تجاه موسكو، سواء فيما يتعلق بملف التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية و غيرها من القضايا المتعلقة بسلوك موسكو على المستوى الاستراتيجي الأمريكي؛ فكان أن شكّلت عودة الظهير فرصة على ما يبدو لإثبات فاعلية أوروبية، الفاعلية التي بدأت تتجلى ملامحها بشكل واضح بدءاً من مؤتمر ميونخ للأمن وما برز خلاله من تصاعد دولي حازم تجاه موسكو وإيران، مروراً بأزمة العميل سكريبال وما تخللها من تصعيد أوروبي أمريكي في طرد السفراء، والذي تطور لاحقاً إلى عقوبات اقتصادية أمريكية طالت شركات سلاح روسية والدائرة الضيقة للرئيس بوتين، وصولاً إلى الحملة العسكرية التي قادتها موسكو والنظام على غوطة دمشق الشرقية وما ارتكب فيها من مجازر كان آخرها استخدام السلاح الكيماوي، والذي وضع موسكو على ما يبدو بين فكي كماشة أمريكي أوروبي، ومثل فرصة للحلف الأخير للرد على تمادي روسيا في مختلف الملفات العالقة بين الطرفين، بما فيها الملف السوري، واستخدام العمل العسكري المحدود تجاه نظام الأسد لإيصال رسائل سياسية لموسكو، وإعلان عودة فاعلية أمريكية أوروبية  مفتوحة على كل الخيارات بما فيها العسكري.

2.   مستوى الملف السوري (العودة للمسار الأممي)

حملت الضربات العسكرية عدة رسائل سياسية على المستوى الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف السوري، والذي أضحى دولياً بامتياز، وعلى رأسهم موسكو التي كادت أن تتفرد في إدارة هذا الملف وفق سياسة دعم الأسد عسكرياً في قضم مناطق المعارضة الواحدة تلو الأخرى والانقلاب على اتفاقات "خفض التصعيد" ومسار أستانة الذي فرضته، مقابل سعيها لخلق مسار سياسي موازي لترجمة هذا التقدم العسكري إلى نتاج سياسي يفرض وجهة نظر موسكو بالحل ويقترب من طموحها في الحسم العسكري، فيبدو أن الضربات العسكرية جاءت لإيصال عدة رسائل سياسية لموسكو وحلفائها ضمن هذا الإطار، ولعل أبرز ما يمكن قراءته من مضامين تلك الرسائل يتوزع وفق التالي:

موسكو: (الرسائل المباشرة)

  • نهاية التفويض: يبدو أن نشوة "الانتصارات" التي حققها تدخل موسكو العسكري في سورية قد غيّبت عن العقل الاستراتيجي الروسي حقيقة مفادها أنَّ؛ لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظةً حاسمةً ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار آثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على "أس الصراع" أي المواجهة بين النظام السوري وشعبه. وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حملَ ضمناً رسالةً مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران. ولعل المضامين السياسية للضربات العسكرية لا يمكن فصلها عن سياق النقطة الأخيرة؛ فعلى الرغم من تنفيذ الضربات من مدخل استخدام السلاح الكيماوي؛ إلا أنها حملت رسالة وفق هذا المدخل بأن موسكو لن تبقى وحيدة في إدارة الملف السوري بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، فالضربات مثّلت فعلاً تأديبياً لنظام الأسد ورقابياً ومحاسبياً بالنسبة لموسكو، حيث عكست بشكل أو بآخر نهاية التفويض الأمريكي لموسكو في إدارة الملف السوري بشكل منفرد.
  • العودة إلى المسار الأممي: بالمقابل حملت الضربات الأمريكية الأوروبية رسالة مهمة تتعلق بطبيعة الحل السياسي الذي تحاول روسيا فرض رؤيتها الخاصة فيه، ولعل الضربات في هذا الإطار استهدفت إفراغ التقدم العسكري الأخير لموسكو والنظام في الغوطة وإدلب ودير الزور من مضامينه السياسية التي كانت تطمح موسكو إلى ترجمتها على مسار التفاوض بشكل إحراز تقدم سياسي على حساب المعارضة، فجاءت الضربات العسكرية برسالة سياسية أوروبية أمريكية واضحة لموسكو بأن الحل السياسي للأزمة السورية لن يتم دون موافقة المجتمع الدولي وبعيداً عن المسار الأممي المرسوم لذلك (جنيف)، ولا يمكن لأي طرف فرضه بشكل منفرد، وتجلّت هذه الرسالة بالذات بشكل أوضح في جلسة مجلس الأمن التي دعت إليها موسكو عقب الضربة، حيث ركزت كلمات مندوبي الدول المنفذة للضربة على استعراض خطوات إجرائية للخروج من الأزمة ووقف التصعيد، كان على رأسها العودة إلى مسار جنيف الأممي كحل سياسي ومخرج للأزمة السورية، فيما بدى أنه أول ترجمة سياسية للضربات العسكرية والإيحاء بأن الضربات لم تكن ارتجالية، وإنما تمت وفق استراتيجية بدأت بالضربات كفعل عسكري تحذيري وستستمر كضغط سياسي للعودة إلى المسار الأممي كخارطة طريق للخروج من الأزمة السورية.
  • إيران (توزيع الأدوار) استهدفت الضربات العسكرية على الأقل موقعين إيرانيين ضمن بنك الأهداف، الأول مقر لحزب الله في جنوب حمص، والآخر تمثل، بحسب معلومات خاصة بـ"الفوج41 قوات خاصة"، والذي يعتبر مقراً للتواجد الإيراني، ولم يعترف أي من إيران أو النظام أو الروس باستهدافه إلى الآن، ويمكن فهم هذا الاستهداف المحدود لإيران بكون الأوربيين مشاركين في الضربات، في الوقت الذي يسعون فيه بشكل أو بآخر للحفاظ على علاقات وسط مع طهران ومعارضة إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الذي تلوح به الولايات المتحدة، وبالتالي عدم الرغبة في توسيع العملية العسكرية المحددة بهدف ردع استخدام السلاح الكيماوي، إلا أن ذلك لم يمنع من توجيه ضربات محدودة لمواقع إيران وأذرعها، بدت الغاية منها توجيه رسائل أمريكية لطهران تتعلق بنفوذها العسكري في سوريا تحديداً والمنطقة عموماً، والتأكيد على إبراز نوع من توزيع الأدوار في مواجهة هذا النفوذ وتمدده، وتحديداً الدور الإسرائيلي ودعمه أمريكياً في هذه المهمة،  فاللافت أن إسرائيل سبقت الضربات الأمريكية الأوروبية بأيام قليلة في استهداف مطار "التياس" (تي فور) العسكري  وضرب مواقع كانت تستخدمها إيران لتخزين طائراتها المسيرة "درون" موقعة سبعة قتلى من الحرس الثوري أربعة منهم خبراء في سلاح الجو الإيراني باختصاص تطوير الطائرات المسيرة عن بعد، كما أُتبعت الضربات الأمريكية الأوروبية بعد يوم واحد فقط بتفجيرات مجهولة استهدفت مواقع إيرانية في جبل عزان بريف حلب الجنوبي، ليتم بعد يومين أيضاً استهداف قاعدة إيرانية شرق قرية "الحمرات" قرب مطار الشعيرات في ريف حمص الجنوبي. وعلى الرغم من عدم تبني إسرائيل للهجومين الأخيرين بشكل مباشر؛ إلا أن طبيعة الاستهداف يشير بشكل أو بآخر إلى بصمات إسرائيل، والتي غالباً ما تتبع أسلوب تنفيذ ضربات وعدم تبنيها أو الاعتراف بها بعد فترة طويلة.

 

خريطة (2) المواقع الإيرانية التي استهدفت في نفس الفترة الزمنية للضربة الثلاثية في 14 نيسان 2018

المصدر: وحدة المعلومات بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية

  • تركيا (رسائل التذكير والعزل)

على الرغم من إعلان تركيا دعمها للضربات العسكرية الأمريكية الأوروبية تجاه النظام السوري كمحاسبة على استخدامه الأسلحة المحرمة دولياً؛ إلا أن ذلك لم يُخفِ موقفاً متخبطاً لأنقرة في التعامل معها، بين دعمها تارة والتشكيك في فعاليتها تارة أخرى أو طرح الوساطة بين موسكو وواشنطن قبيل الضربات، ولا يبدو هذا التخبط غريباً في موقف أنقرة التي تمثل جزءاً من حلف الناتو وما يترتب على ذلك من التزامات، مقابل إدراكها لمضمون الرسائل السياسية الموجهة لحليفتها موسكو في الملف السوري. حيث وضّح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في تصريحات تلت الضربة بأن جزءاً من هدفها كان ضرب التحالف الثلاثي بين أنقرة وموسكو وطهران. وعليه فإن الضربة حملت رسائل سياسية لأنقرة أيضاً تمثلت بتذكيرها بكونها جزء من حلف الناتو الذي تتصاعد إشكالياته مع موسكو، وأن سياسة التوازن التي تحاول تركيا انتهجها في الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى لن تستوي، وتحديداً وسط الخلافات التي تتصاعد بين أنقرة وبعض الدول الأوروبية (فرنسا)، إضافة إلى توجس أنقرة من سياسة إدارة ترامب في مناطق شرق الفرات وما يتعلق منها بالتعاطي مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، ولعل هذه الرسائل التي تحاول عزل أنقرة عن تحالفها مع روسيا وإيران، تأتي في سياق إدراك أوروبي أميركي أن أي جهد حقيقي من قبلهم في الملف السوري لابد وأن يمر عبر البوابة التركية، كما يدركون أيضاً أن أي سعي روسي مضاد لابد وأن يمر من المدخل نفسه،

 ثانياً: احتمالات الرد (التصعيد غير المباشر)

عقب الضربات العسكرية هددت إيران بأن محور "الممانعة" سيرد على ما اعتبرته "العدوان الثلاثي" على سورية، بينما اعتبرت وزارة الدفاع الروسية الضربات بمثابة إهانة مباشرة للرئيس فلاديمير بوتين، وعلى الرغم من صدور تلك التهديدات من قوى متحالفة على الأرض السورية (روسيا، إيران)؛ إلا أن احتمالات الرد وأسلوبه قد يختلفان من فاعل إلى آخر وفق ما يلي:

  • على المستوى الروسي

لم تُقدم روسيا إثر الضربة العسكرية الثلاثية على أي رد مباشر، وهي التي كانت تهدد به قبل وقوعها، فقد كان مستبعداً أن تلجأ موسكو إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، ولو كان هناك أي نية صدام لاعترضت موسكو الطائرات التي دخلت الأجواء السورية أو لجأت للرد على مصادر النيران المتمثلة بالبوارج المستقرة في المتوسط، ولكنها اكتفت على مستوى الإعلان والإعلام بالتصريح حول "تصدي دفاعات جوية سوفيتية قديمة يمتلكها النظام للصواريخ وإسقاط معظمها وحرف مسار بعضها الآخر"، الإعلان الذي نفاه البنتاغون بعد ساعات موضحاً أن أي من الصواريخ لم يتم اعتراضها. ومن المتوقع أن تعتبر موسكو تلك الضربات لم تقترب من مواقعها وقواعدها العسكرية وأماكن تواجد جنودها في سوريا، وذلك يساعدها في التنصل من الرد المباشر والملزم، وهو ذات السلوك الذي اتبعته في شرق الفرات حيال مجموعات المرتزقة الروس الذين قتلوا بعد استهدافهم من قوات التحالف بشكل مباشر واعتبرتهم موسكو يتبعون لشركات خاصة. وعلى الرغم من تجنب روسيا الرد المباشر؛ إلا أن ذلك قد لا يمنعها من التصعيد غير المباشر عبر استهداف بعض جبهات المعارضة التي تعتبرها محسوبة على الولايات المتحدة، لذلك قد تلجأ موسكو وحلفائها خلال الفترة المقبلة إلى التصعيد العسكري على عدة جبهات، ربما يكون الجنوب السوري ليس بمنأى عنها، خاصة بعد فراغ النظام وموسكو من جنوب دمشق والقلمون الشرقي.

  • على مستوى إيران وأذرعها

على الرغم من استهداف الضربات الأوروبية الأمريكية لمواقع إيرانية محدودة؛ إلا أن الإيرانيين بادروا بالتهديد والتوعد بالرد، وذلك يفهم في سياق إدراك إيران أنها معنية بالضربات العسكرية من قبل الولايات المتحدة، خاصة بعد استكمالها تجاه مواقع إيرانية في سورية وفق لعبة توزيع الأدوار بين إسرائيل وأمريكا، واستشعارها لتصاعد تهديدات حقيقية يدفع بها تخوف إسرائيلي أمريكي وتشنج خليجي تجاه سلوكها في سوريا والمنطقة، وفي هذا الإطار تبدو خيارات الرد الإيراني المباشر ضيقة، سواء عبر اللجوء إلى الاستهداف المباشر للقوات الأمريكية المتواجدة في شرق الفرات أو الرد على إسرائيل عبر سوريا أو لبنان، إذ تدرك إيران أن الخيار الأول قد يترتب عليه تصعيد مباشر في استهداف مواقعها في سوريا بشكل أكبر وسط التوتر الدولي تجاهها في الملف السوري، كما من المستبعد أيضاً أن تلجأ إلى تصعيد مباشر مع إسرائيل، الأمر الذي قد يترتب عليه تصعيد مضاد ربما يتطور إلى توغل إسرائيلي بري في جنوب لبنان أو الجنوب السوري، وهذا ما أكدته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن مصادر مسؤولة في جيش الاحتلال الإسرائيلي قولهم: "إذا اتخذ الإيرانيون عملاً ضد إسرائيل من الأراضي السورية، فإن من سيدفع الثمن سيكون الأسد ونظامه"، وأضافوا أن "نظام الأسد والأسد نفسه سيختفيان عن الخريطة وعن العالم إذا حاول الإيرانيون بالفعل المس بإسرائيل أو بمصالحها من الأراضي السورية". وأمام تلك الخيارات الضيقة للرد المباشر فقد تلجأ طهران إلى الرد غير المباشر والذي يتناسب وطبيعة أذرعها وميلشياتها المنتشرة في المنطقة، وقد يتجاوز هذا الرد الأراضي السورية، وربما قد يأتي عبر العراق، هناك حيث تتبع إيران سياسية الإطباق الكامل وتعتمد في الآونة الأخيرة على تدريب مليشيات سنية لمقاومة الوجود الأمريكي، وهذا الرد قد يكون عبر التحرش عسكرياً بالقواعد الأمريكية أو التفجيرات والمفخخات، إضافة إلى أنها قد تلجأ إلى تنشيط مجموعات الحوثي على الحدود السعودية وتكثيف إطلاق الصواريخ على المملكة، وهو ما أشار إليه عبد الملك الحوثي عقب الضربات الأمريكية الأوروبية للنظام، حيث صرح بشكل رسمي بأن  "العدوان الأمريكي على سورية يستوجب الرد تجاه السعودية".

خلاصة

إن النظر إلى الضربة الثلاثية التي تلقاها نظام الأسد من منظور عسكري بحت متعلق بالأزمة السورية فقط؛ يُعتبر اجتزاءً خاطئاً يفضي إلى أن الضربة كانت استعراضية ودون مضمون، وهو أمرٌ  يحيد بدرجةٍ كبيرة عن الصواب، فلم تعلن يوماً الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفاؤها في الناتو نيّة لإسقاط الأسد عسكرياً، وإنما كان دأبهم الإعلان عن أن الحل في سورية سياسي، لذلك لابد من فهم الضربات في سياق "التحريك" وليس "التحرير"، أي تحريك مسار الحل السياسي بعيداً عن سعي موسكو لتجميده وفقاً لرؤيتها، وأنها قد تمثل نهجاً جديداً قائماً على استخدام العمل العسكري المحدود لتحريك المسار السياسي التفاوضي، وربما تُشكل مُقدمة لما يبدو أنه سيكون سلسلة من الضربات العسكرية للأسد والمليشيات الإيرانية المتواجدة في سوريا عبر الثلاثي الناتوي لناحية الأسد، وعبر إسرائيل لناحية إيران، وذلك لإجباره وحليفه الروسي على تقديم تنازلات سياسية على طاولة المفاوضات باتجاه بدء عملية انتقال سياسي، حيث تُشكل مثل هذه الضربات العسكرية المحدودة الوسيلة الوحيدة أمام الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للضغط وكسب نفوذ  تحتاجه في مسار جنيف المُعطل، والذي حولته موسكو إلى مجرد غطاء للأسد للاستمرار بقتل السوريين، ولذلك فإن احتمال تكرار مثل تلك الضربات والتصعيد الناتوي عسكرياً في سوريا سيكون مرهوناً بمرونة موسكو التفاوضية وقدرتها على فهم رسائل الناتو وجر حليفها الأسد نحو تقديم التنازلات في العملية التفاوضية، إذ أن التصريحات المتوالية بعد الضربة على لسان منفذيها تُشير بوضوح إلى أن المرحلة القادمة هي مرحلة تحريك مسار الحل السياسي وفق الرؤية الدولية، وليس الروسية، وما تبع تلك التصريحات من إعلان ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن التراجع عن قرار الانسحاب من سوريا وإمكانية توجيه ضربات أخرى للأسد في حال استخدم الكيماوي مجدداً، يُعتبر التزاماً أمريكياً بالاستراتيجية الجديدة التي أعلنها وزير خارجيتها السابق تيليرسون، والتي تحمل ضمناً خيارات مفتوحة لمواجهة نفوذ طهران وموسكو في سورية.

التصنيف أوراق بحثية

حركة سياسية ثقيلة، عطالة ذاتية، أخطاء متراكمة متزايدة، بوصلة عمل مشتتة، فقدان القرار الوطني المستقل، تأجيل الامتحانات والتحديات، تلك هي السمات الأبرز للأداء السياسي للمعارضة السورية خلال سنين الثورة السورية، ذاك الأداء الذي ابتدأ سيره من جديد إبان اندلاع ثورة الكرامة والحرية في سورية بعد أن كان في حالة سكون وظيفي قبيلها، فتحفز واستلهم من هتاف ومظاهرات الثوار موجبات حركته، مجددًا الأمل بفاعلية سياسية تنهي حكم النظام القائم وتؤسس لانتقال سياسي يخلق مناخات حرية الاختيار والتعبير وتحرر الإرادة الشعبية ويضمن لها مشاركة فعالة في صنع قرار بلدهم وبناء مؤسساتها وفق فلسفة الكفاءة والحرفية وتعزز من سبل تنمية مواردها البشرية والاقتصادية.

"لم تنجح المعارضة السورية في التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض"

إلا أنها ومنذ اللحظات التنظيمية الأولى حتى يومنا هذا لم تنجح المعارضة السورية بأن تكون على مستوى تطلعات الثورة وأهدافها، ولم تنجح في التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض.

فحتى هذه اللحظة لا تزال الممارسة السياسية للقوى المكونة للمعارضة تعكس خلطًا بين أدوات ومفاهيم العمل السياسي الحزبي المعارض (الذي اعتادت عليه تاريخيًا) ومفاهيم وأدوات الحكم وممارسة السيادة.

صحيح أن جل أسباب التعثر السياسي ترتبط بعوامل خارجية تتعلق بطبيعة المقاربة الأمنية الدولية السائدة لحل الأزمة السورية، وصحيح أيضًا أن سياق التحولات السياسية إقليميًا ودوليًا ساهم بشكل وبآخر في تغيير تموضع المعارضة لا سيما بعدما غدت الجغرافية السورية "مسرحًا جيوسياسيًا" ترتجي الفواعل الدولية والإقليمية تحويله لـ"بوابة تدخل" يسهم في تكوين نظام سياسي إقليمي يراعي شروط تلك الفواعل ومشاريعها السياسية ، إلا أن الأسباب الذاتية للأداء السياسي الكارثي حاضرة وبقوة، ولا يمكن إغفالها لأن اتساق الحركة وانسجامها مع الأهداف الاستراتيجية لطالما ارتبطت ارتباطًا عضويًا في بنية الجسم السياسي وفواعله ونجاعة أدائه العام.

انبثقت أولى الاعتلالات الوظيفية لأجساد المعارضة مع عدم بنائها وفق قواعد تمثيلية حقيقية، مُحدثةَ شبه قطيعة مع جلّ الهيئات المدنية والثورية في الداخل السوري، فحاولت ولأسباب تتعلق بفهم المعارضة آنذاك باقتراب سقوط النظام، أن تحاكي شكلًا تجربة المجلس الوطني الانتقالي الليبي أولًا، ثم تدارك ذلك الاستعجال بالائتلاف الوطني للمعارضة وقوى الثورة كجسم يدير شؤون "المرحلة الانتقالية"، وبهذا تم إنتاج أجسام بعمر افتراضي قصير، ووظيفة سياسية وإدارية تجاوزها السياق العام للمشهد السوري، وقوى تقليدية غير قادرة على القيام بسلوكيات رجال الدولة وتمتهن الطروحات الشعاراتية فقط.

وحتى ما قام به الائتلاف من عملية توسعة (معادلة كفة الإسلاميين بديمقراطيين) أتت لتتوافق مع المزاج الدولي الدافع باتجاه عملية تفاوض سياسية في جنيف أكثر مما تمليه ضرورة الإصلاح والتماهي مع الداخل السوري الثائر وما يتطلبه من احتياجات تتفاقم وتزداد شدتها مع بدء ظهور التنظيمات المتطرفة، فلا أدار ملفاته التفاوضية باقتدار وحرفية، ولا اتبع استراتيجية تفاوض واضحة.

"المراهقة السياسية التي مارسها الائتلاف في بداية تشكيله و"نجاحه المذهل" في تصدير صورة مثبطة عن طبيعة عمله المتوقع لا سيما بعد مسلسل الاستقالة التي تم الإعلان عنها قبيل تسليم الائتلاف كرسي سوريا في جامعة الدول العربية"

خلال كل ذلك اختلج بالائتلاف عطالة سياسية محكمة، فمن جهة أولى ثبت التدافع والتنافس البيني لمكوناته السياسية معادلة ذات مخرجات صفرية وعناصر تقليدية ثابتة لا تتبدل، ومن جهة ثانية أضحى انعكاسًا للتضارب الدولي الذي دعم وجود وكلاء سياسيين له ضمن هذا الجسد الثقيل يجعل مجموع قراراته تشبه أحجية (تعا ولا تجي)، ومن جهة ثالثة ازدادت تلك العطالة بالمراهقة السياسية التي مارسها الائتلاف في بداية تشكيله و"نجاحه المذهل" في تصدير صورة مثبطة عن طبيعة عمله المتوقع لا سيما بعد مسلسل الاستقالة التي تم الإعلان عنها قبيل تسليم الائتلاف كرسي سوريا في جامعة الدول العربية، ومجموع المبادرات "العاطفية" التي وجهها للنظام، وعدم الخبرة في التعاطي السياسي والدبلوماسي مع القوى الإقليمية والدولية، والمهاترات البينية، إلخ.

أما الهيئة العليا للمفاوضات -هذا الجسد الذي كُلفت الرياض في اجتماعات فيينا أواخر عام 2015 بدعم تشكليه ضمن أول مخرجات التشويه الروسي للعملية السياسية الذي أراد الإمعان في تمييع صف المعارضة -لم تستطع أن تستغل التوافق والدعم الشعبي الذي تشكل حينها تجاهها جراء المواقف السياسية الصلبة الصادرة عنها، ولم تستثمر هذا التوافق لفرض وثائق القاهرة المنجزة في عام 2012 كمرجعية سياسية للهيئة.

تلك الوثائق التي من أفضل ما خطته المعارضة خلال سنين الثورة، بل وبحكم وراثتها لجميع الإشكاليات المتراكمة من سابقيها وزاد عليها تضمينها اتجاهات سياسية تختلف مع بعضها البعض حتى في الأولويات العامة، لم تستطع الهيئة ضبط هذه البنية الشديدة التحول والسيولة، الأمر الذي ساهم مع عوامل سياسية أخرى في فقدانها لاحتكار تمثيل المعارضة في المفاوضات إذ شاركتها منصتا موسكو والقاهرة هذا الاحتكار، ليبدو المشهد التفاوضي إذا ما عزلنا التصريحات الإعلامية أقرب لتفاوض النظام مع فريق يتفق مع أكثر من نصفه.

ولعل أخطر الاعتلالات الوظيفية للمعارضة تزايد طردًا مع تنامي مستويات الصراع في سورية وبروز الإرهاب فيها، إذ تعاملت المعارضة في هذا الصراع بوجدانية مغرقة أكثر مما يفرضه مبدأ الحسم تجاه تنظيمات عابرة للثورة ولها مشاريع تهدد هوية البلد وفعله الحضاري، فلا وظفته كباقي الفواعل السياسية، ولا حسمت باكرًا موقفها منه، وسجلت عجلة السياسة في هذا السياق في سجل المعارضة وقوعها في المحاذير الوطنية وعدم إنجازها لوثيقة وطنية حاسمة رافضة لأي قوة لا تؤمن بأهداف الثورة وتريد حرفها.

الأمر الذي أفرز تأخرًا في إدراك خطورة العناصر والجماعات الجهادية الأجنبية التي تغلغلت داخل تشكيلات الثورة السورية بحجة مظلومية و"نصرة" الشعب السوري، والتعاطي معها دون إدراك أبعاد مشاريعها الذاتية وحجم انتماءاتها التنظيمية، وهو ما أدى بشكل أو بآخر لظهور تصنيفات متعددة في جسد المعارضة ثم المطالبة الدولية بعزلها عن المتطرفة.

"مضت ولا تزال المعارضة قدمًا باتجاه موتها السريري، إذ إن كل المؤشرات تدل على هذا المآل، فلا أفعالُ مراجعة، ولا بدء بتقييم الأدوات سوى بضع محاولات ترقى أن تكون استعراضًا لمص الصدمة ليس إلا"

وصلت الارتكاسات السياسية الذاتية للمعارضة مداها الأوسع بعد معركة حلب، والتي تبين أنها لم تعد قادرة على الفعل السياسي ولو بأدنى درجاته، فمرت كوارث التدخل الروسي وما حملته من تغييرات ديموغرافية وعسكرية واضحة دون أن يلمس المراقبون لهذه الأجسام أي استراتيجية تعاطي إبان هذا التدخل، فبعد هذه المعركة مضت ولا تزال المعارضة قدمًا باتجاه موتها السريري.

إذ إن كل المؤشرات تدل على هذا المآل، فلا أفعالُ مراجعة، ولا بدء بتقييم الأدوات سوى بضع محاولات ترقى أن تكون استعراضًا لمص الصدمة ليس إلا، ولا تدارسًا موضوعيًا لصلاحية البُنية الحالية لهذه المرحلة بعد أن اتخذت شكلًا ثابتًا ومصمتًا خلال الأعوام الستة الفائتة، الشكل الذي حال دون أي فعل سياسي حقيقي يُحدث أثرًا ملموسًا سواء على المستوى المحلي كتنظيم الصف الثوري الداخلي أو على المستوى الخارجي كتمثيل بديل مقنع للمجتمع الدولي، مما ولد فراغًا سياسيًا في الثورة السورية، وغُربة عن الشارع الثوري والذي عزز من عدم ملاحظتها في معادلة الصراع السوري، وأعلى من شأن الخيارات العسكرية التي اتسم حراكها بالفصائلية المغرقة وغيبت أثر وفعالية الحراك المدني والسياسي وأقصته وتدخلت في جميع مفاصل المحلياتية.

"لا يمكن للتاريخ عندما يتحدث عن ثورة العز والكرامة في سوريا وما سطرته من تضحيات في سبيل العيش الحر الكريم إلا أن يُحمل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري مسؤولية تعثر الأداء السياسي"

يمكنني القول متوجعًا إنه لا يمكن للتاريخ عندما يتحدث عن ثورة العز والكرامة في سورية وما سطرته من تضحيات في سبيل العيش الحر الكريم إلا أن يُحمل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري مسؤولية تعثر الأداء السياسي وعدم استغلال الفرص وتغييب الرشد، وسيسجل بخط ممزوج بالدم والألم أن اليسار المعارض كاليمين غرقا بالأوهام وأتقنا الاستعراضات الأيديولوجية بينما عجلة الثورة السياسية لا تزال تنتظر من يرتقي بأدائه لمستوى تضحياتها التي أتعبت التاريخ وأثقلت الجغرافية.

المصدر نون بوست

التصنيف مقالات الرأي
الإثنين تموز/يوليو 01
المقدمة لا تزال الأسئلة المتعلقة بقطاعي الأمن والدفاع في سورية من أكثر الأسئلة أهمية، وازدادت أهميتها بعد الحراك الثوري، لأن غايات الإصلاح كانت مطلباً رئيسياً في هذا الحراك، كما أنها…
نُشرت في  الإصدارات 
الإثنين كانون1/ديسمبر 31
الملخص التنفيذي تاريخياً: مرت عملية التشكل البنيوي والوظيفي للمؤسسة العسكرية السورية بمراحل عديدة، منها ما ارتبط ببوصلة البناء المهنية وضرورات التطوير، ومنها ما استدعته رغبة استحواذ السلطة الحاكمة على الجيش،…
نُشرت في  الإصدارات 
الجمعة أيلول/سبتمبر 28
التقديم بعد سبعة أعوام من الصراع بين الشعب والكتلة الحاكمة، تمر سورية اليوم في مخاض عسير وتحول في بُنية الصراع يتقلص فيها بشكل كبير دور وفعالية العنصر المحلي لقاء نفوذ…
نُشرت في  الإصدارات 
في تعليقه حول تسيير الدوريات المشتركة في الشمال... ما الأهداف الحقيقية؟ صرَّح الباحث أيمن الدسوقي…
الجمعة آب/أغسطس 16
قدَّم الباحث بدر ملا رشيد من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تصريحاً لعنب بلدي بتاريخ 11…
الإثنين آب/أغسطس 12
قدم مدير وحدة المعلومات -بمركز عمران- نوار أوليفر تصريحاً صحفياً لوكالة فرانس برس بتاريخ 27…
الإثنين تموز/يوليو 29
أجرى موقع عربي 21 بتاريخ 25 تموز 2019، مقابلة صحفية مع -المدير التنفيذي لمركز عمران-…
الجمعة تموز/يوليو 26