Omran Center

Omran Center

مُلخص تنفيذي

  • تعتبر البادية السورية اليوم نموذجاً مصغراً يعكس ما يجري في سورية عموماً من صراع نفوذ دولي-إقليمي بأدوات محلية؛ والسباق المحموم بين تلك الأطراف للسيطرة على الفراغ الاستراتيجي الذي سيتركه تنظيم الدولة.
  • بعد تأمين القسم الأكبر من "سورية المفيدة"؛ يبدو أن البادية السورية تقع في قلب استراتيجية النظام الجديدة للتوسع باتجاه "سورية غير المفيدة"؛ فالنظام السوري بدأ يخسر مواقعه في البادية مع نهاية العام 2011، ثم خسرها بشكل كامل في العام 2015 لتعود أنظاره وحلفائه إليها مع بداية العام 2017، إذ سبقت هذه الالتفاتة هزيمة المعارضة في حلب وإفراغ بعض الجيوب و"بؤر التوتر" من مقاتليها وفرض مناطق خفض التصعيد، مقابل تأمين القسم الأكبر من حزام العاصمة، سواء عبر المعارك أو المصالحات.
  • ترتكز استراتيجية موسكو في سورية على عدم الصدام المباشر مع واشنطن، وإنما اللعب على هوامش الصراع بين أصحاب المصالح لتحقيق أهدافها بأقل التكاليف، حيث تشترك موسكو وطهران من ناحية في الرغبة بتطويق الوجود الأمريكي في البادية السورية وإحاطته بتواجد عسكري إيراني روسي، ومن ناحية أخرى تنسجم مصالح موسكو مع سعي واشنطن لمنع إيران من الوصول إلى المتوسط عبر العراق وسورية.
  • زاد التصعيد العسكري في البادية من احتمالية وقوع صدام مباشر بين القوات الأمريكية وقوات النظام والمليشيات الإيرانية المدعومة من موسكو، وهو ما لا يرغب فيه الطرفين الروسي والأمريكي، لذا كان لزاماً عليهما الدخول في تفاهمات تحتوي التداعيات المحتملة في البادية، التفاهمات التي ترجمت على ما يبدو وفق عدة اتفاقات منها المعلن وغير المعلن.
  • يبدو أن التفاهمات الأمريكية الروسية غير المعلنة شملت محافظة دير الزور، والتي قد يتم تقاسمها بين الطرفين عبر توسيع تفاهمات تقاسم النفوذ في الشمال السوري، والتي يعتبر نهر الفرات هو حدها الفاصل.
  • بحسب المعطيات العسكرية على الأرض والتقدم الذي يحرزه النظام ميدانياً، يبدو أن الوعود الأمريكية لفصائل دير الزور المتعاونة معها بتسليمها معركة تحرير المحافظة انطلاقاً من الشدادي غير واقعية، فمن غير الممكن عزل النظام عن المعركة وفقاً للمعطيات الحالية السياسية منها والعسكرية، بالإضافة إلى جملة من الأسباب التي تجعل انفراد المعارضة بمعركة دير الزور أشبه بالمستحيل.

مدخل

منذ مطلع العام 2017 عادت بادية الشام بقوة إلى واجهة الأحداث الميدانية العسكرية في سورية، لتشهد صراعاً على عدة جبهات بين قوات النظام و"المليشيات الإيرانية([1])" الداعمة لها من جهة وبين قوات المعارضة المسلحة العاملة في المنطقة من جهة أخرى، بالإضافة إلى خوض الطرفين معارك ضد تنظيم الدولة "داعش"، والذي يَعتبرُ المنطقة عقدة ربط بين مناطقه في سورية وما تبقى له من جغرافيا في العراق. وازى هذا التصعيد العسكري لمعارك البادية تصعيد سياسي بين الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى حول السيطرة على معبر التنف الاستراتيجي، والذي كاد أن يودي إلى مواجهة مباشرة، ما أتاح الفرصة لموسكو لاستغلال احتمالات المواجهة والدخول كوسيط بين الطرفين واللعب على هوامش الخلاف لتحقيق أهدافها في البادية والتقدم على حساب مناطق تنظيم الدولة فيها وصولاً إلى مشارف محافظة دير الزور وفرض نفسها كشريك للتحالف الدولي في حرب الإرهاب.

لذلك تعتبر البادية السورية اليوم نموذجاً مصغراً يعكس ما يجري في سورية عموماً من صراع نفوذ دولي-إقليمي بأدوات محلية؛ والسباق المحموم بين تلك الأطراف للسيطرة على الفراغ الاستراتيجي الذي سيتركه تنظيم الدولة. وبناءً عليه تحاول هذه الدراسة التحليلية رسم ملامح المشهد السياسي والعسكري في البادية السورية، وتفكيك المصالح المتضاربة للأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة فيها، و استنتاج التفاهمات غير المعلنة التي توصلت إليها الولايات المتحدة وروسيا فيما يخص تقاسم النفوذ ضمن مناطق تنظيم الدولة، مقابل الموقف من المشروع الإيراني على الحدود العراقية السورية؛ وصولاً لتقديم قراءة استشرافية لمعركة دير الزور المرتقبة، وذلك عبر تحليل التحركات العسكرية  للنظام والمليشيات الداعمة له على جبهات البادية المختلفة، و التي تشكل مفتاحاً لمعركة دير الزور ذات الأهمية الاستراتيجية لجميع الأطراف المنخرطة في معارك البادية.

أولاً: البادية السورية والفاعلون (أصحاب المصالح)

بادية الشام أو البادية السورية، هي منطقة صحراوية تقع في جنوب شرق سورية وشمال شرق الأردن وغرب العراق، يسمى القسم الجنوبي الأوسط منها "الحماد"، أما في الشمال تحدها منطقة تسمى بالهلال الخصيب.

يجتاز بادية الشام من جهتها الجنوبية خط الأنابيب الذي أنشأته شركة أرامكو السعودية لإيصال النفط من رأس تنورة في السعودية عبر الجمهورية العربية السورية إلى ميناء صيدا على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وترتبط البادية السورية برياً بالعراق والأردن بشريط حدودي تصل مسافته إلى أكثر من 240 كم، ولكن لا ترتبط بمعبر رسمي إلا مع العراق، وهو معبر (التنف)، والذي يقع على أوتوستراد دمشق- بغداد. كما أنها تعتبر عقدة للاتصال بين شرق سورية وشمالها الشرقي (دير الزور والرقة) مع وسطها (حمص وحماه) وجنوبها الغربي (القلمون الشرقي والسويداء)، بالإضافة إلى غناها بآبار النفط والغاز ومناجم الفوسفات، وما زاد من الأهمية الاستراتيجية للبادية اليوم هو احتواؤها على عدة جبهات للاشتباك مع تنظيم الدولة "داعش" في عدة محافظات سورية، الأمر الذي جعلها مفتاحاً للسيطرة على مساحات واسعة من الأرض السورية الغنية بالموارد، وبالتالي فإن السيطرة عليها قد تغير موازين القوى لصالح الطرف المسيطر.

وعليه شكلت البادية السورية ساحة للصراع بين ثلاثة أطراف رئيسية من أصحاب المصالح (روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، إيران) المدعومين بالوكلاء المحليين، بالإضافة إلى الأردن وإسرائيل اللتين تمثل الولايات المتحدة مصالحهما. ويمكن تفكيك مصالح كل منهم على الشكل التالي:

1.   الولايات المتحدة وحلفاؤها: (الهواجس الأمنية)

تنظر الولايات المتحدة باهتمام شديد إلى البادية، والتي تُشكل نقطة تلتقي فيها جملة من الأهداف الأمريكية في سورية، وهو ما يثبته السلوك الأمريكي الحاسم اتجاه محاولات إيران وروسيا الاقتراب من مناطق نفوذها في البادية، ويمكن إجمال أسباب الاهتمام الأمريكي بالتواجد في البادية السورية بالنقاط التالية:

  • حماية أمن الحلفاء (إسرائيل-الأردن)

تسعى الولايات المتحدة من خلال اهتمامها بمناطق (الجنوب الغربي-الجنوب الشرقي) لسورية، والممتدة على مساحة ثلاث محافظات، وهي (القنيطرة-درعا-السويداء) وصولاً إلى معبر التنف على زاوية الحدود السورية العراقية الأردنية؛ إلى حماية حدود كل من الأردن وإسرائيل من محاولات إيران للوصول إليها عبر المليشيات الشيعية، أو من أي تهديد محتمل من قبل التنظيمات المتشددة وعلى رأسها "داعش"، وبخاصة بعد خسائره المتلاحقة في سورية والعراق وإمكانية تسلل عناصره إلى الأردن عبر البادية السورية.

  • دعم معاركها ضد الإرهاب

تُشكل البادية السورية عقدة ربط بين مناطق تنظيم الدولة في سورية والعراق، ومنفذاً مهماً لتحرك عناصر التنظيم بين مناطق سيطرته وبخاصة التي يخوض فيها المعارك، لذلك يُعتبر تأمين البادية ضرورة عسكرية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة لدعم عمليات التحالف ضد التنظيم وقطع طرق تحركه وإمداده.

  • تطويق النفوذ الإيراني في المنطقة

تعتبر القاعدة العسكرية التي أنشأتها الولايات المتحدة في التنف عقبة أمريكية في وجه تحقيق إيران مشروعها الاستراتيجي في امتلاك طريق بري يصل طهران بلبنان عبر العراق وسورية، إذ يبدو أن واشنطن تسعى عبر توزع قواعدها الجديدة في العراق وسورية إلى تطويق النفوذ الإيراني عبر الحد من سيطرة طهران على المناطق السُنية التي تشكل ممرها البري إلى المتوسط.

خريطة بتاريخ 25 أغسطس/آب توضح الطرق البرية التي عملت إيران على تأمينها للوصول إلى لبنان مروراً بالعراق وسورية

  • العودة الأمريكية إلى المنطقة

يبدو أن واشنطن التي شكل انسحابها من العراق في العام 2011 تراجعاً عسكرياً لدورها في المنطقة لصالح تمدد النفوذ الإيراني والروسي اليوم في سورية، تسعى للعودة من جديد إلى المنطقة، وبخاصة في عهد الإدارة الجديدة، لذلك يبدو أنها تسعى إلى تكثيف وتثبيت تواجدها العسكري في سورية والعراق وتحديداً في المناطق السُنية (العربية والكردية)( [2]) ، حيث بلغ تعداد ما أنشأته في العراق من قواعد عسكرية 12 قاعدة([3])، 8 قواعد في سورية من ضمنها قاعدة التنف في البادية السورية([4])، والتي تشكل نقطة ارتباط هامة بين مناطق التواجد الأمريكي في العراق وسورية.

خريطة توضح انتشار القواعد العسكرية للفاعلين في سورية (أمريكا، روسيا، تركيا)

2.   روسيا وحلفاؤها (اللعب على التناقضات)

ترتكز استراتيجية موسكو في سورية على عدم الصدام المباشر مع واشنطن، وإنما اللعب على هوامش الصراع بين أصحاب المصالح لتحقيق أهدافها بأقل التكاليف، وعلى هذا الأساس استثمرت موسكو الخلاف بين واشنطن وأنقرة في الشمال السوري، وتحاول إعادة الكرة في البادية السورية عبر اللعب على هوامش المشروعين الإيراني والأمريكي في محاولة للوصول إلى تفاهمات تخدم مصالح حليفها (النظام السوري) في السيطرة على مساحات واسعة من الأرض السورية، وبخاصة المناطق الغنية بالنفط والغاز.

حيث تشترك موسكو وطهران من ناحية في الرغبة بتطويق الوجود الأمريكي في البادية السورية وإحاطته بتواجد عسكري إيراني روسي، ومن ناحية أخرى تنسجم مصالح موسكو مع سعي واشنطن لمنع إيران من الوصول إلى المتوسط عبر العراق وسورية، وعليه يبدو أن موسكو تهدف من خلال الانخراط في العمليات العسكرية في البادية السورية إلى ما يلي:

  1. تطويق النفوذ الأمريكي في البادية السورية، وحصره في قاعدة التنف.
  2. السيطرة على حقول النفط والغاز والفوسفات الواقعة في البادية وبخاصة في حمص وحماه.
  3. فرض نفسها كشريك في الحرب على الإرهاب رغم المحاولات الأمريكية لعزلها، وتعويم النظام السوري كشريك في تلك الحرب عبر خوض معركة دير الزور.
  4. احتكار جبهات محافظة دير الزور تمهيداً للسيطرة عليها، الأمر الذي سيدعم موقف النظام السوري السياسي والاقتصادي، وسيعزز من قدرة موسكو على فرض رؤيتها للحل السياسي في سورية، كما سيقطع الطريق على قوات سورية الديمقراطية حلفاء الولايات المتحدة في الوصول إلى دير الزور وتوسيع نفوذها في سورية.

ثانياً: تقاسم النفوذ (التفاهمات)

سعى كلٌ من الأطراف المتنازعة على النفوذ في البادية السورية إلى تعزيز تواجده العسكري فيها، كما ترجمت المصالح المتضاربة بين الولايات المتحدة وإيران إلى احتكاكات عسكرية أنذرت بإمكانية التصعيد إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً بعد أن دعَّم الطرفان تواجدهما في البادية بقواعد عسكرية جديدة، حيث عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري شرق سورية عبر إقامة قاعدة جديدة في منطقة الزكف على بعد 50 كيلومتراً شمال شرق معسكر التنف([5])، وذلك لإقفال الطريق أمام قوات النظام والميليشيات الإيرانية الساعية للتقدم إلى زاوية الحدود السورية - العراقية - الأردنية من جبهتين: الأولى؛ من منطقة السبع بيار شرق تدمر، و الثانية؛ من الريف الشرقي للسويداء جنوب دمشق، والتي كانت إيران قد عززت وجود ميليشياتها فيها([6])، كما أن اختيار مكان قاعدة الزكف تم بطلب من الفصائل العاملة على الأرض لأسباب متعددة؛ ومنها أن تكون نقطة متقدمة لـ"جيش مغاوير الثورة" المدعوم من الولايات المتحدة في قتاله ضد "الدولة الإسلامية"، بالإضافة إلى اعتبار المنطقة بوابة لمحافظات حمص و دير الزور والسويداء ومدينة تدمر([7])، إلى جانب أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة في عرقلة الطريق البري لإيران بمحيط تلك المنطقة.

وبعد أيام من تعزيز واشنطن معسكر التنف قرب حدود العراق، قامت إيران بتحويل مطار "السين" المجاور والذي يعد ثالث أكبر مطار عسكري في سورية إلى قاعدة لـلحرس الثوري الإيراني، حيث أن طائرات "يوشن 76" إيرانية بدأت بالهبوط فيه، إضافة إلى تمركز طائرتي نقل عسكريتين في المطار([8]).

كما حاولت ميليشيات إيرانية التقدم من منطقة السبع بيار باتجاه معسكر التنف، بالتزامن مع تقدم "الحشد الشعبي" العراقي من الطرف الآخر للحدود، وزيارة قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري قاسم سليماني لمناطق الحدود([9])، الأمر الذي أثار قلق الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أبلغت رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بضرورة وقف محاولات "الحشد" لعبور الحدود، كما انتشرت قوات أمريكية في جنوب الروضة في محافظة الأنبار قرب الحدود مع سورية والأردن مدعومين بمظلة جوية من المروحيات وطائرات الاستطلاع([10])، وعلى الجانب السوري حذرت الولايات المتحدة قوات النظام والمليشيات الإيرانية عبر منشورات ألقتها طائراتها من التقدم نحو التنف، كما أنها أبلغت روسيا خلال المحادثات في عمان بـضرورة وقف تقدم الإيرانيين في البادية السورية، و لكن الإيرانيين استمروا في الحشد؛ ما أدى إلى توجيه ضربتين أمريكيتين للقوات المتقدمة نحو التنف خلال أقل من شهر([11])، تزامنت تلك الضربات الأمريكية مع تصريحات لمسؤولي التحالف الدولي بأنهم سيستمرون بالدفاع عن مواقعهم في حال استمرت المحاولات الإيرانية بالتقدم نحو التنف، بينما رد النظام وداعموه على تلك التصريحات بالتهديد باستهداف القواعد الأمريكية في إشارة إلى التنف والزكف، الأمر الذي أدى إلى توتر كبير في البادية زاده إصرار موسكو على استمرار دعمها الجوي لقوات النظام والمليشيات الإيرانية للتقدم نحو الشرق السوري ومنع تشكيل منطقة عازلة أمريكية شرقي سورية عبر تصريحات صدرت عن قاعدة حميميم الروسية([12])، الأمر الذي يبدو أنه هدد اتفاق "منع التعارض" الذي يعود إلى 15 أكتوبر 2015 بين الولايات المتحدة وروسيا، والذي أنشأ خطاً ساخناً لتفادي المواجهة العسكرية المباشرة بين القوات الروسية والأمريكية في سورية، وبالتالي زاد احتمالية وقوع صدام مباشر بين القوات الأمريكية وقوات النظام والمليشيات الإيرانية المدعومة من موسكو، وهو ما لا يرغب فيه الطرفين الروسي والأمريكي، لذا كان لزاماً عليهما الدخول في تفاهمات تحتوي التداعيات المحتملة في البادية، التفاهمات التي تُرجمت على ما يبدو وفق عدة اتفاقات منها المعلن وغير المعلن، ولعل أبرزها:

  • الاتفاق على معالم منطقة "تخفيف تصعيد" جديدة تبقي التركيز منصباً على "داعش"، وتحتوي الطموحات الإيرانية في إقامة ممر أرضي من العراق عبر سورية وصولاً إلى البحر المتوسط، وهو ما تم ترجمته في اجتماع هامبورج بين الرئيسين الأمريكي والروسي على هامش قمة العشرين، والذي نتج عنه إقامة منطقة خفض تصعيد في الجنوب السوري من القنيطرة إلى ريف السويداء الغربي تضمن إبعاد المليشيات الإيرانية لـ 30كم عن الحدود الإسرائيلية الأردنية، وهو ما تسعى إليه الولايات المتحدة.
  • ولعل اتفاقاً آخراً غير معلن قد تم مقابل التنازل الإيراني الروسي في الجنوب -يشمل وضع البادية-، إذ يبدو أن موسكو قد نجحت في عقد صفقة مقايضة تشمل دير الزور مقابل الرقة، ومعبر التنف مقابل البوكمال، ودرعا مقابل ريفها والقنيطرة، كما حصل سابقاً في ريف حلب لدى مقايضة جرابلس بشرق حلب، ثم منبج مقابل الباب([13]) .وعليه قامت واشنطن بتفكيك قاعدة الزكف شمال التنف مقابل انسحاب حاجز لموالين للنظام من دائرة حددها الأميركيون للتنف بعمق 60 كيلومتراً، و تقدمت ميليشيات إيرانية من شمال غربي الموصل ملتفة حول معسكر التنف للقاء قوات النظام وحلفائها من الطرف الآخر للحدود، حيث التفت قوات النظام والمليشيات الإيرانية حول معسكر التنف أيضاً باتجاه محافظة دير الزور، ودخلت منطقة حميمة بعد انسحاب فصيل مغاوير الثورة المدعوم أمريكياً تحت ضغط من التحالف الدولي([14])، كما لم يفت موسكو استغلال دور الوساطة الذي تلعبه بين واشنطن وطهران لتعزيز وجودها في البادية السورية لتطويق نفوذ الطرفين، حيث بدأ الجيش الروسي بناء قاعدة في بلدة خربة رأس الوعر قرب بئر القصب([15]).

ثالثاً: الواقع الحالي:(الطريق إلى دير الزور)

بموجب التفاهمات الروسية الأمريكية في البادية، والتي أفضت إلى تفكيك الأخيرة قاعدة الزكف التي كانت مدخل قوات المعارضة إلى محافظة دير الزور وريف حمص الشرقي، ومنع الفصائل المدعومة أمريكياً من قتال قوات النظام وإيقاف الدعم عن بعضها([16]) ونقل قوات "مغاوير الثورة" من البادية إلى الشدادي في الحسكة([17])، أصبحت جبهات البادية تُشكل ممرات سالكة لقوات النظام للتقدم على محاور عدة مستفيدة من اتفاقات خفض التصعيد التي تم عقدها، والهدوء النسبي الذي تشهده باقي المناطق التي تنتظر أن تشمل باتفاقات خفض التصعيد كجبهة حماه والساحل، والتي أتاحت للنظام والمليشيات الداعمة له تعزيز قواتهم في البادية السورية، في محاولة لتحقيق سيطرة واسعة وتقليص المسافة التي تفصلهم عن دير الزور في خضم التسابق الدولي على المحافظة، انطلاقاً من الحدود الإدارية لدير الزور مع محافظتي حمص والرقة إلى جانب تقدم في ريف مدينة البوكمال من الجهة الجنوبية بمحاذاة الحدود السورية العراقية. ويمكن تقسيم محاور تقدم النظام باتجاه محافظة دير الزور، وفقاً لما يلي:

  • المحور الأول:التقدم من الحدود العراقية السورية باتجاه مدينة البوكمال، حيث تقدم الجيش السوري وحلفاؤه على مسافة عشرات الكيلومترات قرب الحدود العراقية السورية انطلاقاً من النقاط التي تم تثبيتها خلال الفترة الماضية في منطقة أم الصلابة (شمال موقع الزكف) وشرقها وصولاً إلى الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور، كما تمكنت قوات النظام من دخول أجزاء من وادي الوعر، بما في ذلك سد الوعر، مروراً بوادي اللويزية المجاور في أقصى ريف البوكمال، فارضاً بذلك سيطرته على 122 كيلومتر في عمق البادية ضمن حدود دير الزور الإدارية.
  • المحور الثاني:التقدم من بادية حمص الشرقية؛ فبالتزامن مع التقدم الذي حققته قوات النظام على الحدود العراقية باتجاه مدينة البوكمال، تقدمت قوات أخرى تابعة للنظام مدعومة بمسلحين موالين لها ومليشيات إيرانية إلى الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور من جهة الغرب، وسيطرت قوات النظام على عدد من القرى بعد "حقل آراك" في البادية السورية في مسعى منها للتقدم باتجاه بلدة السخنة أبرز معاقل تنظيم "داعش" في ريف حمص الشرقي ومفتاح التوغل باتجاه مدينة دير الزور، وتمكنت من دخول السخنة بتاريخ 3 آب بعد اشتباكات عنيفة مع تنظيم الدولة على أطرافها الجنوبية وجبل الربيعيات([18]).
  • المحور الثالث:يمتد من ريف حماة الشرقي إلى ريف الرقة مروراً بحمص، وينقسم المحور إلى:

- محور أثريا باتجاه عقيربات؛ حيث تحاول قوات النظام فتح جبهة جديدة في ريف السلمية مع تنظيم داعش، وينصب تركيز العمليات المرحلي على إتمام السيطرة على طريق أثريا ــ الرقة، بما يؤمن مرونة في خطوط إمداد تلك القوات، كبديل عن الخط الطويل الممتد من ريف حلب الشرقي، كما يتيح إطباق الحصار على مواقع "داعش" شرق طريق أثريا ــ خناصر، وإنهاء تهديدها المتكرر لطريق حلب الوحيد، ويمهد لتحرير بلدة عقيربات التي تعد آخر معاقل "داعش" في الريف الحموي.

- محور ريف الرقة؛ تهدف قوات النظام من خلال هذا المحور إلى التقدم باتجاه دير الزور، عبر طريقين؛ شمالي غربي قادم من ريف حلب الشرقي مروراً بريف الرقة الجنوبي، ومحور جنوبي شرقي، بهدف الوصول إلى مدينة السخنة للالتقاء مع قوات النظام، التي تتقدم من المحور الأوسط القادم من مدينة تدمر، والتوجه بعد ذلك نحو مدينة دير الزور شمالاً والحدود السورية العراقية بالقرب من مدينة البوكمال شرقاً، حيث تمكنت قوات النظام وميليشياته من التقدم في ريف الرقة الجنوبي الشرقي بعد "اتفاق العكيرشي" مع قوات "سورية الديمقراطية"، والذي سمحت بموجبه الأخيرة لقوات النظام والمليشيات المساندة لها بالتقدم عبر مناطق سيطرتها([19])، ليتمكنوا بذلك من السيطرة على ثلاثة قرى غرب مدينة معدان، وبعد هذا التقدم باتت قوات النظام وميليشياته تبعد 2 كم من الجهة الغربية لمدينة معدان، التي تعتبر آخر مدينة تحت سيطرة تنظيم "داعش" في ريف الرقة، ومفتاح جديد بيد قوات النظام وحلفائها باتجاه الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور من الجهة الشمالية الغربية.

 

خريطة بتاريخ 22 أغسطس/آب توضح المحاور العسكرية المختلفة التي يحاول نظام الأسد وحلفائه التقدم عبرها إلى دير الزور

وتسعى قوات النظام والميليشيات الداعمة لها عبر تحركاتها المتناسقة قرب الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور انطلاقاً من ريفي حمص الشرقي والجنوب الشرقي وريف حماة الشمالي قرب قرى السلمية إلى إطباق سيطرتها على جبهات الاشتباك مع تنظيم الدولة في محافظة دير الزور وعزل باقي القوى المنافسة عن خوض المعركة. وهذا ما تمكن من تحقيقه عبر عزل قوات المعارضة في البادية، وذات الأمر بالنسبة لقوات سورية الديمقراطية المتواجدة في ريف الرقة.  وعلى الرغم من نجاح سعي النظام للوصول إلى مشارف دير الزور قبل باقي الأطراف؛ إلا أن هذا السباق جعل مواقع النظام المتقدمة باتجاه المحافظة رخوة وطرق إمدادها غير آمنة، الأمر الذي زاد من خسائر قواته التي تعرضت لهجمات عنيفة من تنظيم "داعش"، ففي 19 تموز/ يوليو الفائت شنت داعش هجمات على مواقع النظام المتقدمة باتجاه مدينة البوكمال في منطقة وادي الوعر أسفرت عن قتل أكثر من 70 عنصراً من قوات النظام، كما تم أسر ثلاثة عناصر أعدمهم التنظيم في مدينة البوكمال([20]). وشهد يوم 9 آب/ أغسطس هجمات معاكسة لتنظيم "داعش" على مواقع قوات النظام في ريف حمص الشرقي في مناطق حميمة وصوامع تدمر والمحطة الثالثة والسخنة أسفرت عن قتل ما يقارب 75 عنصراً من قوات النظام بينهم ضابط برتبة لواء([21])، وكذلك الأمر بالنسبة لجبهة ريف حماه الشرقي ومحيط مدينة السلمية التي تشهد هجمات معاكسة ودامية من تنظيم "داعش"، ويهدف التنظيم من خلال تلك الهجمات إلى عرقلة تقدم قوات النظام وإشغالها بتعزيز مواقعها المتقدمة وطرق إمدادها عن التقدم باتجاه دير الزور وبدء المعركة، والتي يبدو أنها ستحتاج إلى مدة أطول مما يعتقد النظام وحلفاؤه لكي تبدأ.

رابعاً: نتائج الدراسة

من خلال دراسة تحركات النظام وتكتيكاته العسكرية على جبهات البادية المتعددة، وبقراءة التفاهمات الروسية الأمريكية في سورية؛ يمكن الوصول إلى النتائج التالية:

  1. توسيع "سورية المفيدة": شكلت اتفاقات خفض التصعيد فرصة ذهبية للنظام لتحريك قواته باتجاه جبهات جديدة خارج نطاق تحركاته المعتادة، الأمر الذي يعكس استراتيجية جديدة للنظام وحلفائه تهدف إلى اللعب خارج حدود "سورية المفيدة"، وتوسيع هذا المفهوم ليشمل المناطق الغنية بالثروات الباطنية في البادية السورية ودير الزور، مستفيداً من التوافقات الدولية ومناطق تقاسم النفوذ بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.
  2. تفويض النظام: يبدو من خلال تحركات النظام في القسم الجنوبي والجنوبي الشرقي من البادية السورية الواقع بين محافظتي ريف دمشق والسويداء وشمال معسكر التنف، بأن التفاهمات الأمريكية الروسية قضت بتسليم المنطقة للنظام وبخاصة الحدود مع الأردن بما فيها معابر المنطقة، وهو ما يؤكده انسحاب فصيل "أحرار العشائر" المدعوم من "غرفة الموك" من المنطقة وتقدم قوات النظام دون قتال إلى الحدود الأردنية. كما تشير العمليات العسكرية في المنطقة بأن النظام عازم على استعادة هذا الجزء من البادية بالكامل ما عدا دائرة بقطر 55 كم حول معسكر التنف تم التوافق عليها بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي سيتم حصر نشاط الفصائل العاملة في البادية ضمنها بشكل يُحولُها إلى وحدات حماية لمعسكر التنف فقط.
  3. احتكار الجبهات: نجح النظام من خلال تحركاته في أجزاء البادية الواقعة في حدود محافظتي حمص وحماه من استعادة مساحات واسعة من مناطق "تنظيم الدولة" والسيطرة على حقول النفط والغاز الواقعة في المنطقة، وبالتالي احتكار جبهات دير الزور الجنوبية والجنوبية الشرقية وقطع الطريق على قوات المعارضة، والتي سيتم نقلها من جبهة البادية بتوجيهات أمريكية إلى جبهة الشدادي في الحسكة. أما بالنسبة للنظام فهو يعتمد حالياً على تعزيز تواجده في المنطقة وتنظيفها من أي وجود للتنظيم لتأمين طرق إمداده قبل معركة دير الزور التي باتت على رأس أولوياته كما يبدو.
  4. عزل وتطويق قسد: إن النظام عبر قواته القادمة من ريف حلب الشرقي إلى الريف الجنوبي للرقة، وبالتعاون مع قواته المقاتلة في البادية ضمن الجزء الواقع بين محافظات حمص وحماه والرقة؛ استطاع تطويق قوات "سورية الديمقراطية" في ريف الرقة ومدينة الطبقة، وعزلها عن جبهة البادية مع محافظة دير الزور، كما أن تقدمه عبر الريف الجنوبي للرقة باتجاه الريف الغربي لدير الزور حرمها من هذه الجبهة أيضاً، وإذا كانت الولايات المتحدة جدية في عرضها لنقل قوات معارضة عربية مدعومة من قبلها إلى الشدادي لتحويلها إلى مركز لانطلاق عملية تحرير دير الزور؛ فهذا يعني أن قوات "سورية الديمقراطية" قد خسرت جميع احتمالات مشاركتها في تحرير محافظة دير الزور.
  5. الفرات كفاصل للنفوذ: يبدو أن التفاهمات الأمريكية الروسية غير المعلنة شملت محافظة دير الزور، والتي قد يتم تقاسمها بين الطرفين عبر توسيع تفاهمات تقاسم النفوذ في الشمال السوري، والتي يعتبر نهر الفرات هو حدها الفاصل، بحيث يكون شرق الفرات بداية من جرابلس إلى البوكمال تحت سيطرة الولايات المتحدة وحلفاءها من الفصائل، وكذلك الأمر بالنسبة لغرب الفرات الذي يشمل أجزاء من محافظات حلب والرقة ودير الزور، والذي سيكون منطقة نفوذ لروسيا تنشط في جزئها الشمالي الفصائل المدعومة من تركيا، وفي الجنوبي قوات النظام السوري وحلفاؤه.

  1. هشاشة الوعود الأمريكية: حسب المعطيات العسكرية على الأرض والتقدم الذي يحرزه النظام ميدانياً باتجاه دير الزور، يبدو أن الوعود الأمريكية لفصائل دير الزور المتعاونة معها بتسليمها معركة دير الزور منفردة انطلاقاً من الشدادي غير واقعية، فمن الصعب عزل النظام عن المعركة وفقاً للمعطيات الحالية السياسية منها والعسكرية، بالإضافة إلى جملة من الأسباب التي تجعل انفراد المعارضة بمعركة دير الزور أشبه بالمستحيل، وهي:
  • النقص العددي للفصائل التي تعتمد عليها الولايات المتحدة، فأعداد فصائل دير الزور من "مغاوير الثورة" و"أسود الشرقية" وتجمع الشعيطات غير قادرة على خوض معركة دير الزور، والتي ستكون آخر معاقل تنظيم الدولة في سورية والعراق.
  • انعدام التواجد العسكري لفصائل المعارضة داخل محافظة دير الزور، على العكس من قوات النظام والتي تسيطر على ثلاثة أحياء داخل مدينة دير الزور وعدة قواعد عسكرية رئيسية، وهي معسكر "الطلائع" ومعسكر "قرية عياش" في الريف الغربي لدير الزور المشرف على طريق دير الزور الرقة، والذي تتقدم باتجاهه قوات النظام من ريف الرقة الجنوبي، "اللواء 137" و"الفرقة 17" على طريق دير الزور دمشق والذي تتقدم باتجاهه قوات النظام من السخنة، "مطار دير الزور العسكري" في بداية الريف الشرقي لدير الزور الواصل إلى مدينة البوكمال، والذي تتقدم باتجاهه قوات النظام من منطقة حميمة، وبهذا الشكل يتفوق النظام على قوات المعارضة بامتلاكه نقاط عسكرية في الجبهات التي يحاول التقدم منها إلى دير الزور بشكل يمكنه من تطويق التنظيم وحصاره في الجبهات الثلاثة التي يحاول النظام التقدم منها.
  • الخطة الأمريكية لنقل قوات المعارضة إلى الشدادي تعني أن نشاط فصائل المعارضة سينحصر فقط في الضفة اليسرى لنهر الفرات (الجزيرة)، وذلك بسبب تدمير قوات التحالف لجميع الجسور الواصلة بين ضفتي الفرات في محافظة دير الزور، الأمر الذي يجعل عبور قوات المعارضة إلى الضفة الأخرى للنهر للهجوم على مدينة البوكمال أو مدينة دير الزور مستحيلاً كون الوسيلة الوحيدة المستخدمة حالياً هي "العبّارات" النهرية وفي هذه الحالة ستكون قوات المعارضة مكشوفة بالنسبة لعناصر التنظيم وسهلة الاستهداف، وكذلك الأمر إذا تم الاعتماد على إنزالات جوية لقوات المعارضة في المدن الواقعة على الضفة اليمنى من النهر (الشامية)، والتي تشكل مراكز ثقل التنظيم، فأي عملية نقل لقوات المعارضة حتى ولو نجحت في السيطرة على مدينة معينة فتلك السيطرة ستكون مؤقتة، وذلك لانعدام طرق الإمداد.
  1. تقاسم المعركة: من المرجح أن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على تقاسم معركة دير الزور بين قوات النظام وفصائل المعارضة، بحيث تكون الضفة اليمنى من النهر (الشامية) ومدينة دير الزور من نصيب النظام، في حين تخوض قوات المعارضة معاركها في الضفة اليسرى من النهر (الجزيرة)، وهي مناطق صحراوية وذات كثافة سكانية منخفضة وأقل أهمية قياساً بالضفة اليمنى للنهر (الشامية)، والتي تحوي كثافة سكانية أكبر وتتركز بها المدن الرئيسية في محافظة دير الزور، وبذلك يكون النظام قد حاز القسم الأكثر أهمية من المحافظة.
  2. استغلال المعارضة: يبدو أن أهداف الولايات المتحدة الأمريكية من نقل قوات معارضة عربية مدعومة من قبلها إلى منطقة الشدادي والسماح لها بالمشاركة في معركة دير الزور، تتركز على:
  • عزل قوات "سورية الديمقراطية" عن معركة دير الزور والحد من تمددها أكثر في أراضي عربية لا وجود للكرد فيها، وقد يكون هذا عائداً إلى:
  • الاعتراضات التركية والتفاهمات الجديدة مع موسكو.
  • عدم امتلاك النظام السوري لأي وجود عسكري في الضفة اليسرى لنهر الفرات (الجزيرة) أو أي إمكانية للوصول إليها كونها أقرب إلى مناطق سيطرة قوات "سورية الديمقراطية" التي تمتلك نقاط عسكرية فيها استحوذت عليها قوات النخبة "العربية" المنضوية سابقاً في صفوف "سورية الديمقراطية" عبر عملية إنزال بالتعاون مع القوات الأمريكية، فكان لا بد للولايات المتحدة من نقل قوات عربية مدعومة من قبلها إلى الشدادي لتقوم بمهمة تحرير (الجزيرة).
  • تجميع القوات المدعومة من قبلها في منطقة نفوذها في سورية، والتي يبدو أنه تم التفاهم عليها مع موسكو.
  • حماية مثلث يقع بين منطقة الشدادي والضفة اليسرى لنهر الفرات المقابلة لكل من مدينتي البوكمال ودير الزور، والتي من المحتمل أن تشكل نقطة تجمع لمقاتلي "داعش" المنسحبين من معارك الضفة اليمنى للنهر، وللرقابة أيضاً على جزء من الحدود العراقية السورية الواقع في هذا المثلث لقطع الطريق على مشروع إيران البديل في تمرير طريقها البري عبر البوكمال بعد خسارتها معبر التنف.
  1. "داعش" من الدفاع إلى الهجوم: يحاول تنظيم داعش تأخير معركة دير الزور عبر هجمات شرسة و أكثر عدداً وقوة من سابقاتها على قوات "سورية الديمقراطية"، حيث كان التنظيم يعتمد تكتيك التراجع والتمترس في المدن، أما في حالة دير الزور فالتنظيم اعتمد على شن هجمات دامية على قوات النظام المتقدمة نحو دير الزور على مختلف جبهات الهجوم، كما أن معاركه للدفاع عن مواقعه في البادية كانت أكثر شراسة قياساً بمعاركه السابقة، وكبدت قوات النظام خسائر كبرى، مما يشير إلى أن وصول النظام إلى المدن الرئيسية للمحافظة لن يكون سريعاً وستكون تكلفته باهظة على صعيد الأرواح، وكذلك الأمر بالنسبة لقوات المعارضة التي ستكون مهمتها التصدي لقوات التنظيم في الضفة الأخرى من النهر( الجزيرة)، فعلى ما يبدو أن التنظيم قد غير تكتيكاته للدفاع عن آخر معاقله في دير الزور بحيث لن تكون دفاعية هذه المرة، وإنما سيغلب عليها طابع الهجمات الخاطفة على مواقع القوات المهاجمة بواسطة المفخخات والمجموعات الصغيرة لتكبيدها أكبر قدر من الخسائر وتعطيل تقدمها، وهذا ما سيطيل أمد معركة دير الزور المنتظرة .
  2. تحرك شعبي محتمل: قد يلعب المدنيون من أهالي دير الزور الدور الأكبر في تسريع عملية تحريرها وانهيار التنظيم فيها، ففي الآونة الأخيرة شهدت مناطق سيطرة التنظيم في دير الزور عمليات هجوم متفرقة على عناصر التنظيم واغتيالات لبعض قياداته، وخاصة جهاز الحسبة التابع للتنظيم، مما يشير إلى تململ الأهالي واستعدادهم للتحرك إذا ما اقتربت قوات المعارضة أو حتى قوات النظام المدعومة بقوات من العشائر المحلية الموالية للنظام، والتي يجري تحضيرها للمشاركة في عملية تحرير المحافظة، مما قد يشكل ضمانة للأهالي بعدم وقوع أعمال انتقامية من قبل قوات النظام.

الخاتمة

بعد تأمين "سورية المفيدة"؛ يبدو أن البادية السورية تمثل استراتيجية جديدة لنظام الأسد للتوسع باتجاه "سورية غير المفيدة"؛ فالنظام السوري بدأ يفقد مواقعه في البادية مع نهاية العام 2011، ثم خسرها بشكل كامل في العام 2015، لتعود أنظاره وحلفائه إليها مع بداية العام 2017، حيث سبقت هذه الالتفاتة هزيمة المعارضة في حلب وإفراغ بعض الجيوب و"بؤر التوتر" من مقاتليها وفرض مناطق "خفض التصعيد"، مقابل تأمين القسم الأكبر من حزام العاصمة سواء عبر المعارك أو المصالحات. إذ شكلت اتفاقات "خفض التصعيد" مقدمة لمرحلة جديدة دخلها الصراع السوري تعكس ميلاً لدى الفاعلين الدوليين (الولايات المتحدة- روسيا) للوصول إلى تفاهمات على الأرض تفضي إلى تقاسم مناطق نفوذ ومصالح بينهما، يلعب كل طرف فيها دور الضامن لأمن حلفائه الإقليميين و وكلائه المحليين بشكل يضمن توجيه نفوذ هؤلاء الوكلاء نحو حرب الإرهاب تمهيداً لفرض الحل السياسي، وعليه شكلت البادية السورية التعبير الأكثر وضوحاً عن تلك التفاهمات بما تشهده من تقدم لقوات النظام والمليشيات الداعمة لها، الأمر الذي سينعكس بالضرورة على مسار التفاوض السياسي ويشكل ضغطاً إضافياً على المعارضة السورية إلى جانب التغيرات في المواقف الإقليمية الداعمة لها باتجاه فرض القبول بصيغة الحل الروسية القاضية ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية .

خامساً: ملاحق الدراسة (سير معارك البادية في عام 2017)

1.   ما قبل التفاهمات

أعلنت قوات المعارضة في البادية السورية والقلمون الشرقي عن بدء المرحلة الأولى من معركة "رد الاعتبار" والتي أطلق عليها لاحقاً اسم معركة " سرجنا الجياد لتطهير الحماد" يوم الخميس بتاريخ 29 كانون الأول 2017 ضد مواقع "تنظيم الدولة" في المنطقة، والتي يوضح الجدول التالي القوى شاركت بها:

جاء انطلاق المعركة متزامناً مع قرب انعدام جبهات قوات المعارضة مع تنظيم الدولة، وذلك بعد الإعلان عن انتهاء معارك درع الفرات، فبات من الضروري على قوات المعارضة وبالتنسيق مع غرفة الموك في البادية من فتح معركة البادية وتأمين معبر التنف الاستراتيجي، وذلك لتحقيق جملة من الأهداف، وهي:

  1. تحرير البادية من تنظيم الدولة، والتي تعتبر الخطوة الأولى باتجاه التقدم نحو محافظة دير الزور، حيث تعتبر منطقة البادية ممر حيوي واستراتيجي لتنظيم الدولة من الجنوب إلى الشرق والشمال الشرقي، ومنها يمر خط إمداد التنظيم بالمقاتلين والسلاح.
  2. فتح طريق القلمون الشرقي، وعدم السماح لتنظيم الدولة بالاستيلاء على المنطقة.
  3. تأمين البادية الشرقية من محافظة السويداء.
  4. تأمين الحدود البرية مع الأردن من محافظة السويداء وصولاً إلى معبر التنف.

في 13 آذار 2017 أعلن المكتب الإعلامي لقوات "الشهيد أحمد العبدو" عن انطلاق المرحلة الأولى من معركة "طرد البغاة" بهدف استعادة السيطرة على مواقع التنظيم في القلمون الشرقي، وذلك بشن هجوم على عدة محاور. فيما أعلنت قوات المعارضة في 23 آذار 2017، عن بدء المرحلة الثانية من معركة "سرجنا الجياد لتطهير الحماد" والمرحلة الثانية من معركة "طرد البغاة"، وذلك استكمالاً لأهداف المرحلة الأولى من المعركتين، حيث استهدفت معركة "سرجنا الجياد" مواقع التنظيم في محور بادية الشام، أما معركة "طرد البغاة" فقد استهدفت محور القلمون الشرقي، وذلك لوصل البادية الشامية بالقلمون.

أ‌.     رد فعل النظام: (الهجوم المعاكس)

كانت المعركتين قريبتين من تحقيق كافة أهدافها، والتي يعتبر فك الحصار عن القلمون الشرقي أهمها،  إلا أن قوات النظام استطاعت في الأسبوع الثاني من شهر أيار 2017 التقدم في منطقة السبع بيار على طريق دمشق بغداد القديم، في سعيٍ منها على ما يبدو لتأمين مطار السين العسكري ومحيطه ومحاولة لوصل مناطق سيطرتها بالبادية السورية من جهة القلمون الشرقي بمناطق سيطرتها جنوب مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي، الأمر الذي يمكنها من تضييق الخناق على قوات المعارضة في القلمون الشرقي ومحاصرتهم بشكل كامل تمهيداً لإقامة تسوية في المنطقة تفضي بطرد مقاتلي المعارضة منها، كما حاولت قوات النظام التقدم من محور مطار خلخلة في السويداء، حيث حشدت قواتها من أجل التقدم في البادية السورية وصولاُ إلى منطقة التنف لإفشال مشروع المعارضة في الوصول إلى دير الزور والسيطرة على معبر التنف الحدودي مع العراق. وتتكون قوات النظام والمليشيات الرديفة في البادية السورية من التشكيلات التالية:

ب‌. تسلسل زمني لأبرز الأحداث في البادية السورية في الربع الأول والثاني من عام 2017

  • 21 كانون الأول 2017: قٌتل 6 أفراد، وإصابة 14 جريحاً من حرس الحدود الأردني والأجهزة الأمنية في هجوم بسيارة مفخخة على الحدود الشمالية الشرقية بالقرب من الساتر الترابي المقابل لمخيم اللاجئين السوريين في منطقة الركبان.
  • 13 آذار 2017: قوات المعارضة تبدأ المرحلة الثانية من معركتي "سرجنا الجياد" و"طرد البغاة".
  • 14 أيار 2017: انسحبت قوات المعارضة (مغاوير الثورة – أسود الشرقية) من المناطق التي سيطرت عليها في الجهة الجنوبية من محافظة دير الزور "وادي صواب"، حيث أكد مصادر خاصة للوحدة أن الهدف كان من السيطرة المؤقتة هو سحب جواسيس يتبعون لتشكيل اسمه "أشباح الصحراء" وذلك لقرب العمل العسكري الضخم على مدينة الميادين والبوكمال.
  • 15 أيار 2017: الميليشيات الإيرانية تقوم بشن هجوم على قوات المعارضة في البادية، وتسيطر على حاجز الظاظا والسبع بيار.
  • 18 أيار 2017: ميليشيات لبيك يا سلمان "الدرزية" والممولة من إيران تتقدم 35 كم في بادية السويداء بعد معارك عنيفة مع قوات المعارضة.
  • 18أيار 2017: طيران التحالف يستهدف رتل لميليشيات الأبدال العراقية، وذلك لاقترابها من معبر التنف بعد سيطرتها على خربة الشحمي.
  • 5 حزيران 2017: فصيل أسود الشرقية التابع للمعارضة يعلن عن إسقاط طائرة ميغ23 تابعة للنظام بالقربة من "تل دكوة".
  • 6 حزيران 2017: طيران التحالف يستهدف قاعدة للميليشيات الشيعية بالقرب من الشحمه.
  • 8 حزيران 2017: طيران التحالف يستهدف تجمع لمليشيات الفاطميين بالقرب من معبر التنف.
  • 9 حزيران 2017: أعلن الإعلام الحربي التابع للنظام السوري عن سيطرته على سرية الوعر، والتي تبعد 17 كلم عن الحدود العراقية.
  • 28 حزيران 2017: بدأت الميليشيات الشيعية معركة تهدف إلى السيطرة على قرية حميمة، والتي تعتبر مدخل محافظة دير الزور من الجهة الجنوبية الشرقية.

ت‌. غارات ضربات التحالف في البادية السورية من شهر (نيسان حتى حزيران) 2017

2.   ما بعد التفاهمات

في 10 تموز 2017، بدأت قوات النظام والميليشيات الموالية المرحلة الثانية من عملية "الفجر الكبرى"، وفيها تم شن هجوم على مواقع قوات المعارضة شرق قاعدة خلخلة الجوية، وسيطرت على قمة تل الأصفر، إلى جانب العديد من التلال الصغيرة المطلة على قرية الأصفر. وفي الوقت نفسه، شن هجوم آخر على مواقع قوات المعارضة في محافظتي السويداء وريف دمشق بالقرب من قاعدة السين الجوية، وخلال اليوم الأول من العملية، استولت قوات النظام على ثلاثة آلاف كيلومتر مربع من الأراضي التي كانت تسيطر عليها قوات المعارضة المدعومة من غرفة الموك، وبحلول 13 تموز، سيطرت قوات النظام والميليشيات الموالية على 200 كيلومتر مربع إضافي.

بعد وقف إطلاق النار مع الجيش السوري الحر في منطقة البادية الجنوبية الغربية في سورية، التي تم بوساطة روسيا والولايات المتحدة، بدأت القوات الحكومية إعادة الانتشار إلى الشرق من تدمر لشن هجوم جديد.

أ‌.     تسلسل زمني لسير المعارك

  • 9 حزيران 2017: أعلن الإعلام الحربي التابع للنظام السوري عن سيطرته على سرية الوعر، والتي تبعد 17 كلم عن الحدود العراقية.
  • 13 حزيران 2017: سيطرت قوات النظام والميليشيات الشيعية على بلدة أراك وحقول أراك للغاز القريبة. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، تم نشر اللواء 103 بالكامل من الحرس الجمهوري في المنطقة القادم من محافظة اللاذقية للمشاركة في هجوم واسع النطاق لكسر حصار تنظيم الدولة في مدينة دير الزور.
  • 18 حزيران 2017: أطلقت قوات الحرس الثوري الإيراني في غرب إيران ستة صواريخ متوسطة المدى سطح -أرض مستهدفة قوات داعش في محافظة دير الزور.
  • 22 حزيران 2017: أعلنت قوات النظام عن بدأ معركة السخنة، والتي ما زالت قائمة حتى تاريخ إعداد التقرير وبات يفصل قوات النظام عن السخنة أقل من 1 كلم.
  • 28 حزيران 2017: بدأت الميليشيات الشيعية معركة تهدف إلى السيطرة على قرية حميمة، والتي تعتبر مدخل محافظة دير الزور من الجهة الجنوبية الشرقية.
  • 17 تموز 2017: وصل عدد كبير من التعزيزات الموالية للنظام السوري إلى شرق حمص، والقوات الجديدة أتت من المنطقة الصحراوية الجنوبية الغربية في سورية، وبالتحديد من منطقة البادية وشرق السويداء، وذلك بعد الاتفاق الأمريكي –الروسي والذي بموجبه توقفت العمليات العسكرية في تلك المنطقة، وباتت محصورة بمناوشات خفيفة بين الطريفين. وتشمل القوات الجديدة التي تم نقلها إلى شرق حمص فوج 800 النخبة من الحرس الجمهوري في الجيش السوري، ومجموعات ميليشيا الجعفرية، وسرايا العرين فضلاً عن العناصر الرئيسية في الفرقة المدرعة الأولى والفرقة الثالثة المدرعة.
  • 1 أغسطس 2017: أعلنت قوات المعارضة عن بدأ هجوم جديد ضد قوات النظام والميليشيات الموالية له في المنطقة الصحراوية السورية. وذكرت قوات المعارضة بأنهم سيواصلون محاربة الميليشيات على الرغم من رفض الدعم الأمريكي لمعركتهم.
  • 4 أغسطس 2017: استأنف الميليشيات الموالية للنظام في ريف السويداء الشرقي معركتها ضد قوات المعارضة، وأحرز تقدما بالقرب من الحدود الأردنية، الأمر الذي دفع كل من أحرار العشائر وأسود الشرقية من إطلاق عمل عسكري مضاد باسم "رد الكرامة" لاسترجاع تلك المناطق.
  • 12 أغسطس 2017: قوات النظام والميليشيات الموالية له تسيطر على بلدة السخنة، وفي 14 أغسطس تمكنت قوات النظام من التقدم في المحور الجنوبي للرصافة والسيطرة على واحة الكوم، مقلصة بذلك المسافة بين محور الرقة ومحور السخنة إلى أقل من 20 كلم، وتهدف قوات النظام من هذا التقدم إلى قطع خطوط إمداد التنظيم بين دير الزور وريف حماه الشرقي، مما يسهل عملية سيطرتها على مناطق التنظيم في ريف حماه الشرقي في المراحل القادمة
  • 20 أغسطس 2017: قوات النظام والميليشيات الموالية له تسيطر على قرية حميمة، وتقترب من السيطرة على مضخة الـ T2 والمدرج الزراعي فيها، استراتيجية هذه المنطقة تكمن بأنها أخر مضخة في سورية وبذلك تكون الميليشيات قد فرضة سيطرتها على كافة المضخات، واقتربت خطوة أخرى من بدأ المعركة على المدن الحيوية في محافظة دير الزور.

3.   تغيرات نسب مواقع السيطرة بين شهري آذار وتموز 2017 (ما قبل التفاهمات وما بعدها)

 

 


([1]) مجموعة من التشكيلات العسكرية المليشياوية الأجنبية والمحلية الممولة من إيران، للاطلاع على تلك المليشيات بأسمائها ونفوذها وتفاصيل أكثر، راجع الجدول الخاص بها في ملحق الدراسة.

([2]) فابريس بالونش، تنامي خطر اندلاع مواجهة دولية في البادية السورية، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 29/5/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/AqmMq4

([3]) 12 قاعدة عسكرية أمريكية في العراق ..الغايات والأبعاد، موقع عربي 21، 16 مارس 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/mhcezo

([4]) تركيا تكشف معلومات سرية عن 10 قواعد أمريكية في سوريا، موقع روسيا اليوم، 19/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/kvPQBz

([5]) البادية السورية: قاعدة الزكف "الأميركية" لإفشال المشروع الإيراني؟، موقع جريدة المدن، 6/6/2017، متوافر على الرابط التالي: https://goo.gl/CJtQhz

([6]) صراع أميركي ـ إيراني على «البادية السورية» بانتظار تفاهمات مع روسيا، موقع جريدة الشرق الأوسط، 8/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/5WkFZs

([7]) البادية السورية: قاعدة الزكف "الأميركية" لإفشال المشروع الإيراني؟، موقع جريدة المدن، مرجع سبق ذكره.

([8]) قاعدة روسية تدخل الصراع الأميركي ـ الإيراني على «البادية السورية»، موقع جريدة الشرق الاوسط، 26/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/5zdeSC

([9]) صراع أميركي ـ إيراني على «البادية السورية» بانتظار تفاهمات مع روسيا، موقع جريدة الشرق الأوسط، مرجع سبق ذكره.

([10]) قاعدة روسية تدخل الصراع الأميركي ـ الإيراني على «البادية السورية»، موقع جريدة الشرق الاوسط، مرجع سبق ذكره.

([11]) التحالف يقصف قافلة لميلشيات إيرانية فيها 60 مقاتلاً جنوب سوريا.. ثاني ضربة أمريكية لها بأقل من شهر، موقع السورية نت، 6/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/J3vgrI

([12]) مؤشرات بداية مواجهات عسكرية مباشرة روسية أمريكية على أرض الشام من يركب سياسة حافة الهاوية حتى النهاية ؟، موقع رأي اليوم، 8/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/CDwBXU

([13]) قاعدة روسية تدخل الصراع الأميركي ـ الإيراني على «البادية السورية»، موقع جريدة الشرق الاوسط، مرجع سبق ذكره.

([14]) البادية السورية: هل قطع النظام طريق المعارضة إلى دير الزور؟، موقع جريدة المدن، 12/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/Qqr8mY

([15]) تبعد خربة رأس الوعر، 50 كيلومترا عن دمشق و85 كيلومتراً عن خط فك الاشتباك في الجولان و110 كيلومترات عن جنوب الهضبة. وتبعد 96 كيلومتراً من الأردن و185 كيلومتراً من معسكر التنف التابع للجيش الأميركي في زاوية الحدود السورية -العراقية -الأردنية.

([16]) مجموعة مسلحة سورية تعيد الأسلحة إلى أمريكا، موقع سبوتنيك عربي، 3/8/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/91YUi1

([17]) أنباء عن تشكيل واشنطن "جيشاً وطنياً" لمعركة دير الزور، موقع العربية نت، 5/8/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/sLP52Z

([18]) قوات النظام تدخل مدينة السخنة شرق حمص، وكالة قاسيون للأنباء، 3/8/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/tepwAz

([19]) "اتفاق العكيرشي": "قسد" تُسلم ريف الرقة الجنوبي للنظام، موقع جريدة المدن، 22/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/kNPibE

([20])نحو 70 قتيل من قوات النظام والمسلحين الموالين لها وتنظيم “الدولة الإسلامية” خلال 48 ساعة من القتال في البادية السورية، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 19/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/UAEjhf

([21])نحو 75 قتيلاً وعشرات الجرحى خلال 24 ساعة من العمليات العسكرية في بادية حمص أكثر من نصفهم من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 9/8/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/R6aTj

يعرض هذا التقرير أهم خلاصات المتابعة والرصد اليومي للفعاليات الإعلامية والبحثية الروسية خلال شهر تموز المنصرم، والتي اتضح تركيزها على ثلاثة قضايا، أولها اتفاقات خفض التصعيد وتطوراتها ومدلولات الموقف الأمريكي والإسرائيلي حياله، وثانيها تتبع بعض القضايا والسياسات الأمريكية مثل قضية اتهام روسيا بالتدخل بالانتخابات الأمريكي، وتلمس حدود تغيير سياسة واشنطن في سورية وتفسيراتها، وأولوية محدد "الغاز" في توجهات أمريكا الدولية، أما ثالث هذه القضايا فيتعلق بتقديرات موسكو للموقف القتالي في سورية بدءاً من متابعة التطورات العسكرية ومروراً بنشرات مركز حميميم وانتهاء بملامح السياسة الروسية حيال قوات سورية الديمقراطية.

المتابعة الروسية لتطورات مناطق خفض التصعيد

ركزت الفعاليات الإعلامية الروسية على اتفاقات مناطق خفض التصعيد في سورية، معتبرة إياها مخرجاً مهماً للقاء بوتين وترامب على هامش قمة العشرين، إذ أشار الخبراء الروس إلى أن الاتفاق خطوة لعودة أمريكا للمشاركة في العملية السلمية في سورية وأولها تأييد نتائج لقاءات أستانة. وفيما يلي جملة من التصريحات والتحليلات الروسية حول هذه الاتفاقات:

  • تصريح وزير الخارجية الروسي لافروف: "إن أمريكا وروسيا أخذت على عاتقها تأمين وقف إطلاق النار وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى هذه المناطق، وتأمين التواصل بين المجموعات المقاتلة هناك ودعم مركز الرصد الموجود في العاصمة الأردنية وأن إسرائيل والأردن سيشاركون في المحافظة عليه أيضاً. ويدخل في الاتفاق محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة.
  • اعتبار تصريحات وزير الخارجية الأمريكي تيرلسون أن هذا الاتفاق سيفضي في نهاية المطاف إلى ترك الأسد للسلطة، لا يكون له أي أثر طالما لم يتحدث حول كيف ومتى؟ وهذه إشارة لإزالة مصير الأسد من جدول أعمال أمريكا وهو أمرٌ قد يريح موسكو.
  • اعتقاد جون هيرست مدير المركز الأوروبي (المجلس الأوراسي) أن الاتفاق قد أعد مسبقاً بدليل إشراك إسرائيل والأردن. وأوضح الاتفاق أن تمكين وقف إطلاق النار سيتم بداية "بمساعدة الشرطة العسكرية الروسية بالتعاون مع الأردنيين والأمريكان ([1]).
  • استمرار القوات الروسية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمصالحة الأطراف المتنازعة، وفي سياق الجولة الخامسة من مباحثات أستانة في بداية شهر تموز تمت الموافقة على حدود ومناطق تخفيف التوتر في ريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية وتستمر المشاورات بشأن منطقة جديدة في ريف إدلب، وعند انتهائها ستعقد المباحثات في الأستانة والمتوقع لها مع بداية آب.
  • يستمر العمل في تثبيت وقف إطلاق النار في المنطقة الجنوبية بناء على الاتفاق الموقع في 7 تموز والذي تضمن التزام الأطراف بوحدة وسلامة الأراضي السورية. إذ حددت الاتفاقية المذكورة المناطق المشمولة بمنطقة تخفيف التوتر بكل من درعا والقنيطرة والسويداء وكذلك قوام القوات المسؤولة عن مراقبة ووقف الأعمال القتالية، ولتحقيق هذا الهدف تم في 21-22 تموز إنشاء ممرين للمرور والتفتيش و10 نقاط مراقبة من قبل الشرطة العسكرية الروسية مع الإشارة إلى أن أقرب نقطة تبعد 13 كم عن خط التماس بين القوات الإسرائيلية والسورية في هضبة الجولان كما تساهم هذه الاتفاقية على إيصال المساعدات وتأمين عودة المهجرين .أبلغنا كل من أميركا والأردن وإسرائيل عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية عن وصول قواتنا إلى المنطقة وانتشارها.
  • جرت في مصر مباحثات بين الجانب الروسي والمعارضة السورية تم الاتفاق من خلالها على تفعيل منطقة تخفيف التوتر في الغوطة الشرقية. وفي إطار هذه الاتفاقية تم في 24/7/2017 فتح ممرين للمرور والتفتيش و4 نقاط مراقبة في الغوطة الشرقية من قبل الشرطة العسكرية ([2]).

عموماً، لعل المكسب الروسي الكامن وراء هذه الاتفاقات يتمثل في خلق ظروف تنسيق عمل مشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية الذي يبدو أن الملف السوري لديها ليس ذو أهمية، وذلك لتحقيق أمرين: الأول انعكاس هذا الاتفاق إيجاباً على بؤر التوتر مع الولايات المتحدة خارج إطار الملف السوري، والثاني تطويع هذا اللاهتمام الأمريكي لإنجاز مقاربات سياسية متوافقة مع الشروط والأهداف الروسية.

في المقابل تصدر بعض الصحف الروسية مثل (صحيفة ريفان) بأن الموافقة الأميركية على المنطقة الآمنة في الجنوب السوري هي تكتيك مرحلي لتحقيق أهدافها مدعمين هذا الاستنتاج بآراء البروفسور في الجامعة الأميركية في بيروت جمال واكيم في مقال له في صحيفة فارس نيوز، إن موافقة الولايات المتحدة الأميركية على إقامة منطقة آمنة في الجنوب السوري ماهي إلا مناورة منها لإرجاء مخططها الحقيقي لها والمتمثل بإسقاط الأسد ومحاولة لاستعادة دورها الغائب عن الساحة السورية، وأن الاستراتيجية الروسية في سورية منعت الولايات المتحدة من نشر قواعد صواريخها في الأردن بالقدر الكافي لإسقاط الأسد، مضيفاً إن الولايات المتحدة غير مهتمة بقتال تنظيم الدولة قدر اهتمامها بإسقاط الأسد لذلك ستعمد في هذه المرحلة إلى قطع التواصل بين بغداد ودمشق للحد من النفوذ الإيراني في سورية وكذلك تحريك أدواتها في الشمال (الأكراد) ونشر قواعد صواريخها الفعالة والحديثة في تلك المنطقة تمهيداً " لتوجيهها لاحقاً" للجيش السوري حيث سيتأجج الصراع وتكون فرصة لأميركا لتنفيذ مخططاتها([3]).

وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، رصدت الصحف الروسية باهتمام واضح هذا الموقف وتطوراته وفق الآتي:

  • انتقاد علني للاتفاق: فعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية قد رحبت بالاتفاق الأميركي الروسي، لوقف إطلاق النار في الجنوب السوري، إلا أن الامتعاض الإسرائيلي منه قد بدأ عبر القنوات الدبلوماسية أولاً، ليظهر إلى العلن مؤخراً بعد محادثات نتنياهو مع الرئيس الفرنسي. حيث أعلن نتنياهو للصحفيين أن أميركا وروسيا لم تراعي المصالح الإسرائيلية في الاتفاق. وأنه ووفقاً لتصريحات نتنياهو فإن نص الاتفاق لم يراعي مصالح "الدولة اليهودية" فمازال حزب الله وإيران قريبين من الحدود الإسرائيلية كما أن مراقبة وقف إطلاق النار يتم عبر الجنود الروس، وإسرائيل تدرك تماماً التحالف القائم بين الروس وكل من حزب الله وإيران في سورية. وفي نفس السياق تحدث الخبير الروسي قسطنطين دوشينكوف عن خيبة أمل إسرائيل في الاتفاق([4]).

والجدير بالذكر هنا، فقد ركزت تلك الصحف على مطالب نتنياهو التي دفع الحكومة الفرنسية على تقديمها للحكومة اللبنانية، حيث طلب من ماكرون إبلاغ سعد الحريري قلق إسرائيل المتزايد من تغلغل النفوذ الإيراني في لبنان ودعمه لحزب الله ومحاولة إقامة مصانع أسلحة في الجنوب اللبناني ملفتاً انتباه الحريري بأن لبنان بغنى عن الصدام مع إسرائيل، كما ذكر نتنياهو بأن حركة حماس قد تبدأ العمل من لبنان أيضاً وبذلك يزرعون بذور حرب كبرى في لبنان([5]).

  • المزيد من الطمأنة الروسية لإسرائيل ورداً على ما نشرته صحيفة هآرتس حول تصريحات نتنياهو وانتقاده للاتفاق الروسي الأميركي، نشرت وكالة تاس الروسية تصريحاً للافروف في مؤتمر صحفي بعد الاجتماع مع أعضاء معاهدة الأمن الجماعي، بقوله بأننا عملنا كل ما بوسعنا لمراعاة المصالح الإسرائيلية في الاتفاقية بين روسيا وأمريكا بخصوص منطقة خفض التوتر في الجنوب السوري ووقف إطلاق النار فيها ([6]).
  • حرية الحركة الإسرائيلية: إذ أعلن افيغادور ليبرمان في لقاء مع الصحفيين في مستعمرة اشكلون بأن الاتفاقية الأميركية الروسية لوقف إطلاق النار في الجنوب لن تمنعنا من حرية الحركة في سورية وفقا لمصالحنا ونحن نحتفظ لأنفسنا بهذا الحق بغض النظر عن الاتفاقية حيث قال: وفقاً للاتفاقية فإنه من المفروض الحفاظ على وقف إطلاق النار بين الجيش السوري وفصائل المعارضة، إلا أن ذلك لم يحصل فمعارك عنيفة جرت على امتداد 20 كم مع حدودنا حتى أن شظايا وقذائف وصلت إلى المواطنين الإسرائيليين في هضبة الجولان، والأمر الأهم المقلق لنا هو التواجد الإيراني والشيعي بالقرب من حدودنا".

تشير تلك المواقف إلى أن اتفاقات وقف التصعيد رغم أهميتها روسياً لكونها جزء رئيسي من مقارباتها لحل الأزمة في سورية، إلا أن عدم صلابة الموقف الأمني الأمريكي أو الإسرائيلي يجعلها تمتلك مؤشرات عدم الاستقرار وبالتالي بقاء احتمالية تهديد "المنجز الروسي"،

متابعات لقضايا وسياسات أمريكية

ركزت الفعاليات الإعلامية والبحثية الروسية على العديد من القضايا والسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم، إلا أن أهمها يتمثل في ثلاثة أمور:

أولاً: "الغاز هو الهدف الأبرز وراء حروب الولايات المتحدة"، إذ سلطت صحيفة كمسامولسكايا الضوء على هذا الأمر، مبينة ( وفقاً لميخائيل يكروتين من شركة الطاقة الروسية) أن أميركا تعتمد مبدأ العقوبات أيضاً في حرب الغاز، إذ أن الغاز الروسي عبر الخطوط الممتدة في سيبيريا لا يمكن تصديره إلى الصين دون إعادة تصنيعه من قبل شركات غربية التي لن تستطيع القيام بهذا في ظل العقوبات، وتركز الصحيفة في هذا السياق على حديث وزير خارجية ألمانيا غابرييل ورئيس النمسا كريستيان كيرن في بيان مشترك أنهم ضد فرض الولايات المتحدة العقوبات غير القانونية على الشركات الغربية التي تتعاون مع شركات الطاقة الروسية سواء مالياً أو تقنياً وهذا يتعارض مع السوق التنافسية الدولية وحرية التجارة، وتختم الصجيفة أنه "تحت غطاء العقوبات تسعى أميركا إلى إزاحة موسكو من السوق الأوربية بعد أن بدأت بتصدير الغاز بأسعار مخفضة، هذا باختصار الهدف الأميركي من العقوبات أو الازمات الأخرى التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية"([7]).

ثانياً: "تفاعلات التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية"، حيث أفردت  قناة  РБК التلفزيونية الروسية حلقة تلفزيونية حول ذلك، موضحة أنه انتشرت في الآونة الأخيرة معلومات تفيد أن أعضاء الحملة الانتخابية لترامب حاولوا الحصول على دعم روسيا، وبناءً عليه قام النائب الديمقراطي براد شيرمان ويدعمه آل غرين بإعلان بيان في الكونغرس يطالبان به استجواب الرئيس الأمريكي ترامب بتهمة عرقلة سير العدالة المتعلق بعلاقة أعضاء حملته الانتخابية بروسيا، إذ قال شيرمان في بيانه أننا بذلك سنرغم (حسب البيان) اللجنة القانونية في الكونغرس على استجواب ترامب بتهمة عرقلة العدالة. مضيفاً "أن ترامب لديه شيء ما يخفيه من خلال عزل مساعده للأمن القومي مايكل فيلين وكذلك محادثاته مع مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي. كلها أمور تعرقل القضاء وتشكل أساساً للاتهام.  وفي نفس السياق ذكرت محطة أنه بتاريخ 9 حزيران 2017 بأن لقاء جمع كل ابن المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جيرالد ترامب ورئيس الحملة الانتخابية بول مانا فورت وصهره جارد كوشنير مع المحامية الروسية نتاليا فيلينسكوي، وقد أكد هذا اللقاء صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان (الاتصالات مع الكرملين) وكان ذلك أول تأكيد للقاء مقربين لترامب مع مواطن روسي قبيل الانتخابات الرئاسية([8]).

ثالثاً: السياسة الأمريكية في سورية، وتحت عنوان "هل السياسة الأميركية في سورية تغير حقيقي أم لعبة سياسية؟" حرر إيغور بارينتسيف مقالاً “مرفق بتحليل قائد قوات الدفاع الجوي الروسية السابق سيرغي خاتلييفا عن السياسة الأميركية في سورية تضمن مجموعة من الأسئلة والإجابة عليها وفق الآتي:

  • ذكرت صحيفة الواشنطن بوست أن الرئيس ترامب أعلن منذ فترة عن قيامه بتسليح المعارضة السورية المسلحة التي تقاتل الجيش السوري وتعمل على إسقاط الأسد، وبذلك يكون ترامب مناهضاً لسياسة سلفه أوباما، إلا أن الوضع تغير على خلفية الاتفاق في هامبورغ والمتضمن، واعتبر الكثيرون أن ذلك اعترافاً أميركياً بالدور المحوري لروسيا في سورية كما أنه بداية لبدء تعاون حقيقي بين الدولتين لحل الأزمة السورية.
  • يطرح الكاتب سؤالا" هل يمكن القول بأن تغيراً حقيقياً في السياسة الأميركية في سورية قد حصل؟، وبالتالي اعتراف بشرعية الأسد كرئيس لسورية، واعتبار الاتفاقية تبني لمستقبل علاقة ثنائية بناءة بين الطرفين. يجيب على هذا التساؤل القائد السابق لقوات الدفاع الجوي الروسية الخبير سيرغي خاتلييفا حيث قال: "إن ما يميز السياسة الأميركية ومجتمعها المخابراتي، ومن خلال خبرتنا في التعامل مع الأمريكان فإننا يجب أن نأخذ تصريحات الأميركيين بحذر مع عدم التفاؤل"
  • تعمل واشنطن على خداع العدو بانتظار الوقت المناسب للهجوم أو لضربات جوية جديدة، فقبل القيام بأية عملية سرية جديدة تعمد واشنطن إلى الدهاء من خلال التصريحات الخداعة والكاذبة، كما أننا يجب ألا ننسى تصريحات ترامب غير البعيدة عن موافقة واشنطن على تسليح المعارضة السورية التي تقاتل جيش الأسد وتسعى للإطاحة به، وكذلك الدعم الأميركي للجماعات الكردية السورية، الأمر الذي لا يريح دمشق.

ويكمل المحرر مقالته قائلاً "إذا سلمنا بوجود تحرك يبدو إيجابياً من قبل أميركا إلا أنه بتحليل الوقائع على الأرض نستخلص الآتي "أن حل الأزمة السورية سيستغرق عدة سنوات، بكلمات أخرى يمكننا القول بأنه توجد حركة إيجابية أميركية ولكن كما تعلم أميركا مسبقاً ستكون بدون نتائج، ولمعرفة ذلك بوضوح أكثر يجب أن نطرح الأسئلة التالية: هل يمكن القول إن سورية قد اقتربت ولو بشكل بسيط من الاستقرار؟ هل يمكن الحديث عن توحد السلطتين العسكرية والإدارية؟ هل هناك نمو اقتصادي وعودة إلى الحياة الطبيعية؟ فالإجابة على هذه الأسئلة هو بـ (لا) ولن يتم في السنوات العشر القادمة، وهنا يمكن الحديث وبغض النظر عن التنازل الأميركي الظاهري فإنهم لن يغيروا موقفهم ويبقى هدفهم الأول استمرار الاضطرابات في سورية خاصة والشرق الأوسط بشكل عام"([9]).

الموقف القتالي في سورية خلال شهر تموز 2017

  • قدم رئيس إدارة العمليات العامة الفريق أول سيرغي روتسكوي تقريراً عن آخر التطورات القتالية في سورية متحدثاً عن إنجازات القوات الروسية ومركز المصالحة في سورية خلال شهري تموز وحزيران وفق الآتي:
  • ساهم وقف إطلاق النار ودعم القوات الجوية الروسية في تعزيز قدرة القوات السورية التي استطاعت إرسال تعزيزات إلى مناطق الاشتباكات المتعددة، ففي بداية التدخل الروسي كانت القوات السورية تسيطر على 19 ألف كم2، فيما تسيطر الآن على 74.2الف كم2 من الأراضي.
  • نفذت القوات الجوية الروسية 2010 طلعة قتالية وتم توجيه 5850 ضربة جوية على مقرات القيادة ومستودعات الذخيرة والأسلحة ومراكز تدريب المسلحين.
  • توجيه ضربات من أسلحة ذات الدقة العالية ومن القاذفات الاستراتيجية على تنظيم الدولة حيث دمرت 10 منشآت للتنظيم، معظمها في ريف حمص الشرقي ومحافظة دير الزور، فيما تستمر المعارك بريف الرقة الجنوبي بالقرب من نهر الفرات من بداية حزيران حيث تم السيطرة على 55 قرية.
  • في تدمر تم تحقيق نجاحات أيضا باستعادة حقل الشاعر النفطي ومحطة T3 ويستمر الهجوم باتجاه السخنة أما في ريف تدمر الشمالي فتستمر قوات النظام بمحاولة التقدم نحو بلدة عقيربات.
  • أكد سيرغي روتسكوي في نهاية حديثه أن هذه النجاحات ما كانت لتتحقق لولا التعاون والتنسيق الكبير بين القوات الروسية والقوات السورية، وستستمر هذه العمليات "لتطهير الأراضي السورية من إرهابيي داعش وجبهة النصرة وعودة السلام إلى الأراضي السورية([10]).

كما يشير التقرير الصادر عن "غرفة حميميم" بتاريخ 24/7/2017 أن مناطق خفض التصعيد باتت مناطق مستقرة، وبيّن هذا التقرير ما يلي:

  • رصدت اللجنة الروسية ثلاث خروقات لوقف العمليات القتالية خلال ال 24 ساعة في محافظة دمشق، بينما اللجنة التركية رصدت خرقين في محافظة دمشق. وتشكل تلك الخروقات رمايات عشوائية من الأسلحة التقليدية من مناطق سيطرة جبهة النصرة وتنظيم الدولة.
  • تنفيذ عمليات مساعدة إنسانية: 3 عمليات في مدينة حلب 3.6 طن مياه للشرب مواد غذائية، شملت 1130 شخصاً وبلغ مجموع العمليات 1524 عملية، كما تم تقديم المساعدة الطبية 277 شخص من الأطباء الروس، وفيما يتعلق بمجال التعاون مع الأمم المتحدة تم إسقاط 21 طن من المواد الغذائية في دير الزور بواسطة المظلات.
  • لم يتم توقيع أية اتفاقيات جديدة في مجال المصالحة بين الأطراف المتنازعة أو الانضمام إلى وقف العمليات القتالية، ونوه التقرير أنه قد بلغ مجموع المراكز السكنية المنضمة لوقف الأعمال القتالية 2043 مركز سكني، وتستمر المفاوضات لضم فصائل مسلحة لوقف إطلاق النار في كل من حلب دمشق حماه حمص القنيطرة. مجموع الفصائل الملتزمة بقف العمليات القتالية 228.

وفيما يتعلق بالحركية الروسية بخصوص الأكراد، فقد حذرت روسيا الأكراد بضرورة مغادرة خمس مدن وقرى في ضواحي حلب لسببين: الأول فتح طريق حلب إدلب والثاني لإيصال المساعدات وسحب ذريعة تركيا لمهاجمة الأكراد في عفرين، وفي هذه المواقع بالذات (وفقاً للروس) تريد تركيا "إقامة ثلاث قواعد عسكرية ليتاح لها مهاجمة الأكراد تحت ذريعة محاربة الإرهاب"، وهذا ما تم الاتفاق عليه في عفرين. وكما تفيد الصحيفة فإن روسيا تقصد من وراء ذلك "وقف المزيد من إراقة الدماء الكردية في عفرين".

وتدل هذه التنبيهات على أن موسكو تولي المزيد من الاهتمام في هذه المنطقة وهذا ما سيدركه الأتراك، وبالتالي وفقاً للصحيفة فإنه "قد تبتعد تركيا عن إقامة قواعد عسكرية فيها"، ومن جهة أخرى "يجب على الأكراد أن يعرفوا أن هذه المنطقة ستحرر وتعود للجيش السوري في وقت ما"، لذلك يجب عليهم اغتنام فرصة العرض الروسي، لأن الأكراد يعلمون أن YPG هو الجناح العسكري للمجلس الكردي الأعلى الذي تعتبره تركيا جزء "من حزب العمال الكردستاني وبالتالي ستتعرض للهجوم التركي.

وفي إطار هذا الموقف وعملية التدخل العسكري الروسي في سورية، رصد هذا التقرير اعتراض عضو مجلس الدوما الروسي ايغور سوخاروف على هذه قائلاً: "هل نفقات العملية العسكرية الروسية في سورية أهم من دفع ورفع رواتب الأطباء الروس متابعاً بأنه طالما العملية مستمرة فإن الحكومة تتكبد نفقات كبيرة جراءها.  آثارت هذه التصريحات حفيظة عدد من المراكز البحثية والخبراء العسكريين وتنافسوا في الرد على المذكور، مستندين على توضيح بوتين مع بدء العملية أن ليس لها من نفقات إضافية لأن مخصصات التدريب حولت لصالح العملية، وممن تطوعوا للرد على عضو المجلس بليخانوف مدير كلية العلوم الاجتماعية والسياسية في جامعة الاقتصاد في موسكو وكذلك الخبير العسكري ألكسندر بيريندجييف واللذين وصفا التصريحات بالمحرضة وتحريض الشعب الروسي ضد العملية متسائلين: لماذا يطلق العضو هذه التصريحات ومن الذي فوضه بذلك؟ أو ماذا يريد من وراء ذلك؟ مستنتجين أن مثل هذه التصريحات تحرض الرأي العام ضد العملية وأنها تدخل في سياق الحقد فقط. لأن زاخاروف كعضو مجلس الدوما لا يعمل من أجل وحدة الشعب والمجتمع والاستقرار وبذلك يكون بشكل طبيعي ضد مصالح الدولة بما فيها الحرب على الإرهاب. كما قال بوريس دولغوف عضو رئيسي في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع لمعهد الدراسات الشرقية إن العملية ليست ضرورية فقط ولكن لابد منها لأنه بدونها لا يمكن القضاء على الإرهاب الإسلامي المتطرف وبالتالي لا يمكن المحافظة على المصالح القومية لروسيا. أما عن ربط العملية بالرواتب التي يتقاضاها الأطباء أو غيرهم فهو غير معقول متسائلاً هل عدم وجود العملية سيؤدي إلى دفع إو رفع رواتب الأطباء أو غيرهم وهذين شيئين مختلفين تماماً وهذا يدخل ضمن العدالة الاجتماعية، مضيفاً وقد تحدث كثير من الأعضاء سابقاً عن ضعف الرواتب دون ربطها بالعملية في سورية([11]).

على الرغم من أن تلك النجاحات والتقدمات العسكرية ساهمت في تغيير العديد من المعطيات الميدانية لصالح تعديل كفة النظام، إلا أن إغفال الإعلام الروسي لعدم قدرة النظام على الحفاظ على هذه المكتسبات أو استطاعته فتح جبهات بمفرده يساهم في عدم إيصال حقيقة البنية العسكرية المتهاوية للنظام والتي يدعمها الروس، وحتى في حال ظهور أصوات روسية معارضة لهذه العملية تنبري العديد من الفعاليات للرد عليه ونقده، ورغم ذلك فإن تلك الأسئلة وغيرها مما يتعلق باستراتيجية الخروج الروسي سياسياً من سورية ستبقى تفرض نفسها على عملية التدخل التي طالما أنها تغيب ضرورة إعادة تعريف موسكو للأزمة في سورية ستبقى كل "منجزاتها" قلقة وتزيد من حجم وعمق انخراطها وما يحتويه من تحديات.

خاتمة

يدلل هذا التقرير على أن تركيز الفعاليات الروسية منصبة بدرجة رئيسية على سياسة الولايات المتحدة في سورية على وجه الخصوص سواء فيما يرتبط بقياس أي مؤشر دال على تغيير ما في هذه السياسة، رغم قناعتهم بأن واشنطن  تنتهج سياسات الخداع والتضليل  وأن جميع ما تم من ترتيبات لا تنذر بتغيير حقيقي في خارطة الأهداف الأمريكية في سورية، خاصة إذا ما تم ربط هذه السياسة بسياسة العقوبات الاقتصادية، والأزمة الدبلوماسية، وما يرشح من ملف اتهام موسكو بالتدخل في الانتخابات الأمريكية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبين  التقرير تقدير موسكو القتالي في سورية والذي يصدر صورة الاقتراب من تحقيق المقاربة الروسية بعد عملية التطويع العسكري واستثمار معادلات الميدان في السياسية، ويغفل هذا التقرير ضرورة اتساق هذه الحركية مع بنية الحليف وقدرته على القيام بوحده بوظائف عسكرية وأمنية، وهو ما من شأنه زيادة عمق الانخراط وتزمينه.


  1. صحيفة نيزافيسيمايا بتاريخ 8/7/ 2017، https://goo.gl/nfHTko
  2. المصدر: صحيفة ريفان 14/7/2017، https://goo.gl/qkFJh7
  3. المصدر: صحيفة بليت اكسبورت تاريخ 16/7/2017، https://goo.gl/C4n9Px
  4. صحيفة بليت اكسبورت تاريخ 15/7/2017، https://goo.gl/k52MiF
  5. صحيفة (إسرائيل انفو) بتاريخ 16/7/2017 و 17/7/2017، https://goo.gl/fekZDT
  6. روسيا اليوم 17/7/2017، https://goo.gl/Aj4gxv    
  7. صحيفة كمسامولسكايا برافدا تاريخ   24/6/ 2017، https://goo.gl/NzHSNT
  8. محطة القناة التلفزيونية الروسية РБК بتاريخ 9 حزيران 2017، https://goo.gl/rTdNhK
  9. وكالة نوفوستي بقلم ايغور بارينتسيف تاريخ 21/7/2017)،  https://goo.gl/wD4UM1
  10. تقرير غرفة حميم في 24/7/2017، https://goo.gl/CEq4py
  11. وكالة نوفوستي الإخبارية تاريخ312/7/2017، https://goo.gl/rGjfY2

ملخص تنفيذي

  • اكتسبت مساعي الدفع الروسية لاتفاقيات التهدئة زخماً عقب انتكاسة حلب، وحدوث انزياحات في المواقف الدولية والإقليمية تجاه الملف السوري.
  • غُيبت المجالس المحلية عن اتفاقيات التهدئة الأولى، بحكم غلبة الاعتبارات الأمنية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب وتلك العسكرية المتصلة بوقف العمليات العسكرية، في حين برز دورها وبشكل ملحوظ في اتفاقي عمان والقاهرة نتيجة غلبة الاعتبارات الخدمية والإنسانية المفضية لإعادة الاستقرار.
  • يشكل حضور المجالس المحلية في اتفاقيات التهدئة فرصة سياسية يمكن استغلالها للدفع بمشروعها، لكنها بالمقابل تجد نفسها مهددة بمقاربات مصلحية أو إقصائية تستهدف تواجدها ودورها على المدى البعيد، كما تجد نفسها محاطة بكم من الاستحقاقات الكبيرة التي تفرضها اتفاقيات التهدئة.
  • يوجب تحصين المجالس المحلية ضد المخاطر والتحديات الناشئة عن اتفاقيات التهدئة، العمل على ثلاثية متكاملة تشمل الخدمات والشرعية والأمن، ويشكل نجاح المجالس في التصدي لاختبارات التهدئة مكسباً لها على طريق الدفع بمشروعها الوطني القادر على جسر هوة الانقسام المجتمعي، وإعادة لحم الجغرافية السورية وتوطين الدولة فيها.

تمهيد

أثمر الانخراط الروسي المدعم بأدوات عسكرية وأخرى سياسية في سورية عدداً من اتفاقيات التهدئة بمسميات عدة "وقف إطلاق النار، وقف الأعمال العدائية، تخفيف التوتر"، كانت بدايتها الاتفاق الروسي _ الأمريكي لوقف الأعمال العدائية في سورية (22-2-2016)، ليعقبه الاتفاق الروسي _ الأمريكي الثاني لوقف الأعمال العدائية (9-9-2016)، لتكتسب هذه الاتفاقيات زخماً عقب انتكاسة الفصائل العسكرية في حلب الشرقية (13-12-2016)، وحدوث انزياحات في المواقف الدولية تجاه الملف السوري، حيث تمكنت روسيا من عقد أربعة اتفاقيات تهدئة في الفترة الممتدة بين كانون الأول 2016- إلى تموز 2017 وهي: اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار (30-12-2016)، مسار الأستانة واتفاق مناطق تخفيف التصعيد (4-5-2017)، اتفاق الجنوب "عمان" (8-7-2017)، وأخيراً وليس آخراً اتفاق تخفيف التوتر في الغوطة الشرقية "القاهرة" (22-7-2017).

وعلى الرغم من فشل بعض هذه الاتفاقيات، لا تزال أخرى قائمةً تحت الاختبار في ظل مؤشرات حول إمكانية استمراريتها وتطورها، الأمر الذي يوجب البحث عن تموضع القوى الفاعلة في الترتيبات الناشئة عن هذه الاتفاقيات، وفي مقدمتها المجالس المحلية المعارضة والتي يقدر عددها بــ 404،  وذلك من خلال استعراض حضورها في نصوص اتفاقيات التهدئة، وطبيعة المهام والاستحقاقات الملقاة على عاتقها، وماهية التحديات التي تعترض دورها واستمراريتها كبنى إدارية، وصولاً إلى اقتراح جملة من التوصيات لتمكين المجالس وتعزيز دورها في مرحلتي التهدئة وكذلك الانتقالية.

المجالس المحلية في اتفاقيات التهدئة: حضور متنامي لدور يراد تطويعه

تدرك روسيا الطبيعة المركبة والمعقدة للأزمة السورية الناجمة عن انخراط القوى الإقليمية والدولية وتضارب مصالحها، إضافةً إلى تشابك الأزمات الاجتماعية والإنسانية والأمنية والاقتصادية وكذلك السياسية المولدة للأزمة، واستناداً لما سبق يمكن تحديد الملامح العامة للمقاربة الروسية لتسوية الأزمة، بمحاولات موسكو تبريد الأزمة وصولاً إلى حلها من خلال تفكيكها إلى مسارات متعددة تجنباً للتعقيد، وبما يمنحها القدرة على الحركة وتجنب تضارب المصالح بين القوى الفاعلة وتحقيقاً للتوازن فيما بينها، وذلك بالإقرار بمصالحها في الجغرافية السورية من خلال اتفاقيات جزئية تشكل أرضية للحل السياسي على المستوى الكلي.

وإن كانت روسيا تدرك أهمية إشراك فصائل المعارضة العسكرية في الترتيبات الأمنية والعسكرية الناشئة عن تلك الاتفاقيات، فإنها لم تغفل أهمية إشراك المجالس المحلية في الترتيبات الخدمية والإدارية لاتفاقيات التهدئة، ولكن بعد تطويع دور كل منهما بما يتسق مع رؤيتها للحل في سورية.

غلبت الاعتبارات الأمنية والعسكرية على اتفاقي التهدئة الروسي _ الأمريكي، حيث انصب تركيزهما على إيجاد ترتيبات عسكرية لتجنيب الطرفين مخاطر الانزلاق لصدام عسكري، وأخرى أمنية تتصل بعمليات مكافحة الإرهاب في الجغرافية السورية، الأمر الذي يفسر غياب المجالس المحلية في نص كلا الاتفاقيتين، ومحدودية دورها في الترتيبات الميدانية لصالح التركيز أكثر على الفصائل العسكرية.

استمر تغييب المجالس في نص اتفاق أنقرة المؤسس لانطلاق مسار الأستانة (23-1-2017)، إذ نص الاتفاق على وقف إطلاق النار وتشكيل وفد تفاوضي من ممثلي الفصائل العسكرية الموقعة على الاتفاق، تمهيداً لانخراطها في مفاوضات مع ممثلي النظام بغية التوصل لحل سياسي، على أن يتم ذلك بضمانة روسية وتركية، لتقوم موسكو قبيل انطلاق مؤتمر الأستانة بالإفصاح عن نيتها القبول بمجالس محلية منتخبة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، على أن تدار من ضامني اتفاق أنقرة ([1])، وهو ما يمثل تحولاً في الموقف الروسي من رفض التعامل مع المجالس واتهامها بتأجيج العنف ([2])، إلى القبول بها، الأمر الذي يفسر بإعادة تعريف موسكو لأدوار قوى المعارضة عقب انتكاسة حلب بما يتسق مع رؤيتها لتسوية الصراع، وهنا  تدرك روسيا واقعية طرح المجالس في ظل تفتت سلطة المركز على عدد من مناطق النفوذ، كما تعي أهميتها في تدعيم بنية الدولة السورية، وإنجاز الاستحقاقات الخدمية لاستعادة الاستقرار، علاوةً على رغبتها في الارتكاز عليها لشرعنة اتفاق الحل السياسي([3]).

برزت مؤشرات على تبلور الطرح الروسي للمجالس بحسب ما أفادت به مصادر صحفية، لجهة عزم موسكو تقديم مقترح مكمل لاتفاقية مناطق تخفيف التصعيد يتضمن، إنشاء مناطق إدارة محلية (حكم ذاتي) على شكل مجالس محلية تدعم من قبل الدول الضامنة للاتفاق ومن الحكومة المركزية أيضاً ([4])، وذلك بغية تسهيل تطبيق الترتيبات المنصوص عليها في الاتفاق، وتمهيداً لإنجاز رؤيتها للامركزية المتضمنة في مقترحها للدستور السوري ([5]).

لم تطرح موسكو أي مبادرة رسمية بهذا الخصوص بخلاف ما ذهبت إليه المصادر الصحفية، وهو ما يمكن أن يفسر برغبتها في إنضاج الشروط الموضوعية لهكذا طرح، من خلال استكمال اتفاقيات التهدئة وتقاسم النفوذ والترتيبات ذات الصلة في مناطق أخرى "الجنوب، الغوطة الشرقية، ريف حمص الشمالي، البادية"، إضافةً إلى سعيها لتجاوز معارضة النظام وإيران لهذا الطرح، علاوةً على رغبتها في فتح قنوات تواصل مع المجالس قبل طرح أي مبادرة بشأنها.

شكلت مذكرة تفاهم الجنوب بين روسيا وأمريكا والأردن، وكذلك اتفاق تخفيف التوتر في الغوطة الشرقية "القاهرة" الموقع بين ممثلين عن وزارة الدفاع الروسية والفصائل السورية المعتدلة في الغوطة الشرقية وبوساطة مصرية، تطوراً ملحوظاً لجهة تضمين المجالس المحلية في نصي كلا الاتفاقين، والتأكيد على دورها في إنجاز الترتيبات الناشئة، حيث نص اتفاق الجنوب على تواجد المجالس في المنطقة المشمولة بالاتفاق، على أن يتم العمل وفق آليات تنفيذية على تسهيل دخول المساعدات الإنسانية وعودة اللاجئين من الأردن، مع القبول بتواجد رمزي للنظام في المؤسسات العامة ([6])، على أن يدار المعبر الحدودي من قبل إدارة مشتركة بين النظام والمعارضة. كذلك أكد اتفاق القاهرة على إدارة شؤون مدن وبلدات الغوطة الشرقية بواسطة مجالس محلية مشكلة من قبل سكانها، إضافةً إلى تشكيل مجلس العدالة الوطنية لتسوية الخلافات بشكل سلمي بين الأهالي.

تنبهت روسيا الاتحادية إلى الأهمية التي تتمتع بها المجالس المحلية، وما تحوزه من نقاط قوة تجعلها فاعلاً رئيسياً في الترتيبات المفضية لاستعادة الأمن والاستقرار في مرحلتي التهدئة وكذلك الانتقالية، الأمر الذي يفسر تحول موقف موسكو تجاهها ورغبتها في تطويعها بما يتسق مع رؤيتها لتسوية الصراع.

مخاطر واستحقاقات اتفاقيات التهدئة على المجالس المحلية

يشكل حضور المجالس المحلية في اتفاقي عمان والقاهرة لتخفيف التوتر فرصة سياسية يمكن استغلالها للدفع بمشروعها، إلا أن ذلك لا يخفي المخاطر المحدقة بها والناجمة عن مقاربات القوى لدورها، حيث تميل مقاربة الدول الداعمة للمجالس إلى التحكم بها وتحويلها لوكلاء محليين ليس إلا، وأداتهم في ذلك التمويل لتطويع المجالس بما يضمن حضورهم في ترتيبات التهدئة وتلك الخاصة بالمرحلة الانتقالية من بوابة السياسة المحلية. بينما تسعى المقاربة الروسية لتوظيف المجالس ضمن رؤيتها القائمة على تدعيم النظام القائم واستعادة الدولة السورية وفق شكل من أشكال اللامركزية، وأدواتهم في ذلك اتفاقيات التهدئة والضغط العسكري على مناطق المجالس.

بالمقابل يستهدف النظام نسف المجالس المحلية غير التابعة له واستعادة البنى الإدارية القديمة الموالية له، ويفسر إصراره على ذلك بتخوفه من قدرة المجالس على إيجاد مجال عام ديمقراطي لطالما سعى إلى إجهاضه، أما سياسته في تصفية المجالس فتقوم على القبول بها بحكم المضطر مبدئياً، ثم ممارسة الضغوط الخدمية والأمنية عليها بهدف انهاكها بما يفضي بالضرورة إلى ضعفها وتلاشيها.

كذلك تفرض اتفاقيات التهدئة عدداً من الاستحقاقات الكبيرة على المجالس المحلية وفي مقدمتها:

  • معالجة ملف عودة النازحين واللاجئين لمناطق تخفيف التوتر وما يطرحه من مطالب اجتماعية واقتصادية وإنسانية.
  • التعاطي مع الاستحقاق الخدمي وما يتطلبه من موارد مالية كبيرة تفتح الباب مشرعاً أمام انكشاف المجالس على شروط المانحين أو الضغوط الروسية لتتبيعها للحكومة المركزية لنيل الدعم.
  • المطالب الناشئة عن إعادة اشتقاق شرعيتها لتمثل جميع شرائح المجتمع الجديد (المواليين، النازحين، المهجرين، النساء، الشباب).
  • تعزيز الإدارة الرشيدة واستقطاب الكفاءات التخصصية بما يزيد من فاعليتها على الاستجابة أكثر للاستحقاقات التي تفرضها مرحلة التهدئة وما بعدها.
  • إدارة العلاقات مع الفصائل العسكرية المعتدلة القائمة في مناطق تواجدها، والتي يتوقع أن يزداد انخراطها في الجانب المدني في إطار مسعاها لتحصيل الموارد (الضرائب المحلية، أموال إعادة الإعمار) والشرعية لضمان استمراريتها، إضافةً إلى التعاطي مع إشكالية القوى الجهادية القائمة في مناطقها، والتي يتأتى خطرها من تهديدها للمجالس وإعاقة دورها من جهة، وتوظيفها كحجة من قبل النظام وحلفائه للتملص من اتفاقيات التهدئة والتصعيد بحق مناطق المجالس من جهة أخرى، كما يرجح ذلك في محافظة إدلب والغوطة الشرقية.
  • مدى قدرة المجالس على الدفع بمشروعها الوطني القائم على اللامركزية الإدارية الموسعة في ظل طغيان مقولات إعادة إنتاج المركز أو التقسيم.

تمكين المجالس المحلية: ثلاثية الخدمات والشرعية والأمن

تفرض اتفاقيات التهدئة نفسها على المجالس المحلية بما تثيره من مخاطر واستحقاقات، توجب على المجالس التعاطي معها بوعي قادر على تحويل مكامن الخطر إلى فرص ومكاسب، تمكنها من دفع مشروعها وتجاوز مقاربات تصفيته أو تطويعه، الأمر الذي يتم بداية بإدراك المجالس لنقاط قوتها المتمثلة بــ:

  • حاجة القوى الإقليمية والدولية للمجالس كإحدى آليات تنفيذ ترتيبات التهدئة، وذلك نظراً للخبرة التي راكمتها خلال الصراع في إدارة الأزمات الخدمية والإنسانية.
  • شرعية المجالس المستمدة من تمثيلها للسكان المحليين، وإدارة شؤونهم وتلبية احتياجاتهم وفق إمكانياتها.
  • تبنيها لطرح اللامركزية الإدارية الموسعة الذي يمثل حالة وسطية بين ضدين مهلكين للدولة والمجتمع السوريين (المركزية، الفيدرالية غير التوافقية).

وفي سبيل تعزيز نقاط قوة المجالس المحلية بما يمكنها من انجاز الاستحقاقات التي تفرضها اتفاقيات التهدئة، ويقيها مخاطر المقاربات السلبية (التوظيف المصلحي، الإقصاء) التي تتهددها، فإن ينصح بالعمل على المحاور التالية:

  1. الخدمات: يتحدد دور المجالس المحلية ومستقبلها بمدى قدرتها على إنجاز الاستحقاقات الخدمية والإنسانية الناشئة عن اتفاقيات التهدئة، وفي سبيل تمكين المجالس من الأدوات القادرة على أدائها لهذه الاستحقاقات، فإنه ينصح بالعمل على النقاط التالية:
  • تعزيز تماسك المنظومة الإدارية التي تنتمي لها المجالس المحلية، من خلال تعزيز العلاقات البينية بين المجالس الفرعية ومع مجالس المحافظات والحكومة المؤقتة باعتبارهما المنظومة الإدارية التي تتبع لها المجالس المحلية، بما يقيها محاولات إلحاقها بمؤسسات النظام.
  • تحقيق الاستقرار المؤسساتي للمجالس المحلية من خلال زيادة مدة ولايتها، ورفدها بمنهجية متكاملة لبناء قدراتها.
  • توفير الدعم اللوجستي والفني للمجالس المحلية، خاصة فيما يتصل بتأمين الآليات والمعدات والتجهيزات المكتبية.
  • تعزيز احترافية المجالس في توفير الخدمات لجميع السكان دون تمييز، وذلك بالاعتماد على كوادر تخصصية، مع التأكيد على قيم الشفافية والتشاركية والحرفية في توفير الخدمات.
  • التأكيد على دور المجالس المحلية كجهات شرعية لها الحق الكامل في إدارة شؤون مناطقها وتنفيذ ترتيبات التدخل الخدمي والإنساني المنصوص عليها في اتفاقيات التهدئة.
  1. الشرعية: تشكل الشرعية إحدى مرتكزات القوة التي تستند إليها المجالس، وفي إطار تعزيز شرعيتها فإنه ينصح بالعمل على:
  • التأكيد على الانتخابات كآلية مؤسساتية وقانونية لتشكيل المجالس المحلية المنتهية ولايتها.
  • تجنب إقصاء الشرائح المجتمعية (المرأة، النازحين، المهجرين، الشباب، المواليين) في عمليات تشكيل المجالس، وهو ما يتم بتنظيم المجالس للسجل المدني والانتخابي، بشكل يضمن لكافة شرائح المجتمع المشاركة في عملية انتخاب المجالس المحلية.
  • إنشاء قنوات ومنتديات للحوار المجتمعي بين المجالس والفاعلين محلياً، بغية تعزيز التواصل فيما بينهم وتنسيق الأدوار، وتسوية ما قد ينشئ بينهم من خلافات.
  • دعم تشكيل مبادرات مدنية من مهامها الرقابة على أعمال المجالس وحشد التأييد لها بين السكان.
  • تأكيد المجالس على الدول الضامنة لاتفاقيات التهدئة بضرورة الإقرار بحالة الأمر الواقع للمجالس، وبأن لا يخضع تواجدها أو شرعيتها أو توفير الحماية لها لاعتبارات التفاوض السياسي.
  1. الأمن: يشكل ملف الأمن المحلي إحدى هواجس المجالس المحلية، وذلك لإدراكهم للانعكاسات السلبية لحالة الفلتان الأمني على دورهم واستمراريتهم، فضلاً عن كونه مدخلاً للقوى التخريبية الساعية لنسف اتفاقيات التهدئة (النظام، إيران وميليشياتها الطائفية، القوى الجهادية)، ولمعالجة هذا الاستحقاق فإنه ينصح بالعمل على:
  • إعداد قوى شرطة محلية على أن ترتبط بالمجالس المحلية.
  • بناء شبكة إنذار وتدخل لمواجهة التهديدات الأمنية تضم كلاً من الشرطة المحلية والمجالس والفصائل العسكرية.
  • وضع ميثاق عمل يحدد دور ومسؤوليات الفصائل والمجالس في ملف الأمن المحلي.
  • مطالبة المجالس المحلية للدول الضامنة لاتفاقيات التهدئة بضرورة تحييدها عن العمليات العسكرية التي ستستمر بحجة مكافحة الإرهاب، وتوفير الضمانات الأمنية اللازمة لها لممارسة وظائفها بحرية.

الخاتمة

فرضت اتفاقيات التهدئة نفسها على المجالس المحلية، وتميل المؤشرات ذات الصلة إلى ترجيح استمرارية هذه الاتفاقيات والبناء عليها سيما في ظل الدفع الروسي الحثيث لها لتصب في رؤيتها لحل الأزمة السورية، وفي حين غُيبت المجالس عن اتفاقيات التهدئة الأولى لصالح الفصائل العسكرية بحكم غلبة الاعتبارات الأمنية والعسكرية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب ووقف إطلاق النار، تم التأكيد على دورها في اتفاقي عمان والقاهرة للتهدئة، بما يعكس إدراك القوى المنخرطة في تلك الاتفاقيات للقيمة المضافة للمجالس في إنجاز ترتيبات إعادة الاستقرار.

وعلى الرغم مما يمثله ذلك الحضور من مكاسب سياسية وميدانية للمجالس، تجد المجالس نفسها مهددة بمقاربات مصلحية أو إقصائية تستهدف تواجدها ودورها على المدى البعيد، كما تجد نفسها محاطة بكم من الاستحقاقات الكبيرة التي تفرضها اتفاقيات التهدئة. وأمام هذا الواقع الجديد وما يفرضه من تحديات ومخاطر، وسعياً لتعزيز نقاط القوة التي تتمتع بها المجالس، ودفعاً لمشروعها الوطني القادر على جسر هوة الانقسام المجتمعي، وإعادة لحم الجغرافية السورية وتوطين الدولة فيها، ينصح بالعمل على ثلاثية متكاملة تشمل الخدمات والأمن والشرعية.


([1]) روسيا تقترح مجالس محلية بمناطق سيطرة المعارضة السورية، العربية نت، تاريخ 27-12-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/5ZesvD

([2]) زاخاروفا: قطر لم تعد ممولا رئيسيا للمجالس المحلية بحلب، قناة روسيا اليوم، تاريخ 8-11-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/uGBZlN

([3]) Anton Mardasov. Why Moscow now sees value in Syrian local councils. Date: 20-2-2017. Link: https://goo.gl/xYr57E

([4]) كامل صقر، موسكو ستقترح إنشاء مجالس محلية مدعومة من الحكومة المركزية السورية في مناطق تخفيف التوتر، القدس العربي، تاريخ 6-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/KMp2fj

([5]) المواد من 34 إلى 47 الناظمة لجمعية الشعب وجمعية المناطق، للمزيد مراجعة مقترح روسيا للدستور السوري، رابط https://goo.gl/ivPtd2

([6]) إبراهيم الحميدي، اتفاق أميركي ـ روسي على إبعاد إيران عن الأردن، جريدة الشرق الأوسط، تاريخ 22-6-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/BFZhh8

شارك الباحث محمد العبدالله في تقرير اقتصادي أعدته جريدة عنب بلدي حول الحديث عن عودة الخط التجاري مع الأردن بعد اتفاق الهدنة في جنوب سورية الذي تمّ التوصل إليه، في 7 تموز الجاري، بتوافق روسي أمريكي أردني، والذي ينص على إقامة منطقة “تخفيف توتر” في درعا والقنيطرة والسويداء. حيث سيمهد الاتفاق إلى إعادة الحركة التجارية البرية بين لبنان والأردن، عبر “كوريدور تجاري” يمر بالأراضي السورية، بعد توقفه منذ ثلاث سنوات بسبب المعارك وسيطرة فصائل المعارضة السورية على المنطقة، ما سيؤدي إلى تحسن كبير في الاقتصاد اللبناني والأردني ودخول ملايين الدولارات إلى خزينة النظام السوري في حال تولى إدارة المعابر.

للاطلاع على التقرير انقر الرابط التالي: https://goo.gl/G4fiD9

 

مُلخص تنفيذي

  • لم يكن الاقتتال بين حركة "أحرار الشام" وهيئة "تحرير الشام" مستغرباً؛ بقدر ما كان منتظراً ومؤجلاً، سواء لجهة الاحتقان القديم بين الطرفين، أو لجهة ما أمنته مناطق "خفض التصعيد" من هدوء جبهات أتاح لمختلف القوى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية وتوسيع مناطق نفوذها تأهباً لأي سيناريو محتمل في الشمال السوري.
  • تدرك جبهة "فتح الشام" بأنها تمثل العبء الأكبر على التفاهمات الإقليمية والدولية لأي تسوية سياسية محتملة في الشمال السوري، وعليه جاء تحركها كإعادة تموضع استباقي وتوسيع مناطق نفوذ، تأهباً لأي مواجهة محلية مدعومة إقليمياً.
  • لا يمكن فصل تصعيد حركة "أحرار الشام" عن محاولاتها التمايز عن القوى الخاضعة للتصنيف، وتوسيع مناطق نفوذها وتقديم نفسها كحركة قادرة على ضبط أمن الشمال ومحاربة "الإرهاب" بنفس الوقت، وبالتالي كطرف محلي مؤهل للانخراط ضمن أي توافقات سياسية محتملة حول مستقبل الشمال السوري.
  • تمثل حركة "أحرار الشام" وهيئة "تحرير الشام"، إحدى أكثر القوى العسكرية نفوذاً في الشمال السوري وعدد من الجبهات المختلفة، لذلك فإن تحديد طبيعة وشكل العلاقة بين الطرفين، سواء عبر اندلاع الصراع من جديد أو تسويته؛ سيرتب لتداعيات لن تقتصر آثارها على التنظيمين، وإنما ستتجاوزهما لتطال عدة جوانب في الملف السوري.
  • في ظل تصنيف جبهة "فتح الشام" وعدم قبولها دولياً وإقليمياً؛ فإنّ حركة "أحرار الشام" باتت تعي أن وجود قوى محلية خارج المشاريع الإقليمية والدولية لم يعد متاحاً على الأقل ضمن التسويات التي تتم للتهيئة لحل سياسي شامل.

مدخل

لم تلبث محافظة إدلب أن تنفست الهدنة التي فرضها اتفاق "مناطق خفض التصعيد"، حتى لاحت بوادر الصراع الداخلي من جديد، والذي اندلعت شرارته يوم الأربعاء 19 تموز/يوليو 2017 في عدة مناطق من المحافظة بين حركة "أحرار الشام" من جهة وهيئة "تحرير الشام" بمكونها الرئيسي جبهة "فتح الشام" (النصرة) سابقاً من جهة أخرى([1]). الاقتتال الذي لا يبدو مستغرباً بقدر ما كان منتظراً ومؤجلاً، سواء لجهة الاحتقان القديم بين الطرفين والذي ظهر ميدانياً في عدة محطات فارقة([2])، أو لجهة ما أمنته مناطق "خفض التصعيد" من هدوء جبهات أتاح لمختلف القوى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية وتوسيع مناطق نفوذها تأهباً لأي سيناريو محتمل في الشمال السوري.

وعلى الرغم من أن هذا الاقتتال كان متوقعاً كمحطة في علاقة الطرفين؛ إلا أنه بدا الأوسع والأضخم، خاصة وأنه اندلع في سياق متغيرات محلية وإقليمية ودولية ضمن الملف السوري، قد تدفعه باتجاهات مختلفة وتجعل منه مؤهلاً للاستثمار في إطار التفاهمات والتوافقات الإقليمية والدولية حول الشمال السوري.

وعليه تحاول هذه الورقة؛ تحليل أبعاد ودوافع الصراع بين هيئة "تحرير الشام" وحركة "أحرار الشام"، وأثره على الطرفين وبنيتهما التنظيمية من جهة، وعلى فصائل المعارضة المسلحة في الشمال السوري من جهة أُخرى، إضافة إلى تلمس أثر العامل الإقليمي والدولي في توجيه هذا الصراع، مقابل استشراف ارتداداته المحتملة -حتى في حال تسويته-على الشمال السوري وشكل التوافقات الإقليمية الدولية ضمنه.

أولاً: فتح الشام (دوافع التحرك)

بعيداً عن رواية الطرفين حول بدء شرارة الاقتتال ومن يتحمل مسؤوليتها، إلا أنه من المؤكد أن كل ما سبق الاقتتال من حوادث توتر بين الجهتين، سواء الاعتداء المتبادل على مقرات وحواجز الطرفين، أو نكث اتفاق منطقة تل طوقان، أو رفع علم الثورة قرب معبر باب الهوى([3])؛ ليست كفيلة بإشعال اقتتال واسع يتجاوز حدود محافظة إدلب بسرعة كبيرة ليمتد إلى مناطق نفوذ الطرفين في ريف حماة الشمالي والشمالي الغربي و مناوشات في كل من درعا والبادية السورية ([4])، بل ويستدعي تجاوز "الفتاوى الشرعية" بالنسبة لجبهة "فتح الشام" واتخاذ قرار شبه فردي بمواجهة "أحرار الشام" وتجاوز إجماع الفصائل المنضوية تحت هيئة "تحرير الشام"([5]لذلك لا يبدو التحرك ارتجالياً لجهة الطرفين، وتحديداً جبهة "فتح الشام"، والتي على ما يبدو جاء تحركها العسكري في هذا الوقت بالذات وفقاً لعدة دوافع، أبرزها؛      

  1. التحرك التركي المحتمل: تشير جغرافية التحرك العسكري لهيئة "تحرير الشام" وعلى رأسها جبهة "فتح الشام" باتجاه المناطق الحدودية مع تركيا، إلى نية الهيئة في السيطرة على المعابر الحدودية، وذلك كعمل استباقي لأي تحرك تركي محتمل في إدلب يساهم في تقويض نفوذ الهيئة في الشمال ويشجع باقي الفصائل على قتالها، ويهيئ لمناطق "خفض توتر" بإدارة إقليمية ودولية، خاصة وأن التحرك التركي المحتمل بدأت تلوح بوادره؛ إن لم يكن من إدلب بشكل مباشر، فهو من ريف حلب الشمالي باتجاه إدلب، وذلك كجزء من أهداف عملية "سيف الفرات" المرتقبة في شمال حلب، والتي قد تؤمن في حال نجاحها فرصة لوصل ريف حلب بريف إدلب وفق تفاهمات (روسية تركية)، وهذا ما تؤكده تصريحات بعض القادة العسكريين في "درع الفرات" بأن "المرحلة اللاحقة لعملية "سيف الفرات" المرتقبة في شمال حلب هي إدلب، وتحديداً جبهة "فتح الشام" ضمنها([6])".
  2. انهيار تنظيم الدولة: تدرك جبهة "فتح الشام" تماماً بأن نهاية تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا باتت قاب قوسين أو أدنى، وأن المرحلة المقبلة للمجتمع الدولي هي استهداف الجبهة في إطار التحالف الدولي للحرب على الإرهاب، وأن السباق بين مختلف القوى سيبدأ لاحتكار نقاط اشتباك معها تمهيداً للمواجهة المؤجلة، كـ (السعي المحموم من قبل لاحتكار جبهات القتال مع تنظيم الدولة)، وربما في هذا السياق يمكن فهم السعي التركي المدعوم روسياً لعملية "سيف الفرات" المحتملة، والتي تهدف بجزء منها لقطع الطريق على محاولات قوات "سورية الديمقراطية" في عفرين ومحيطها لإقناع الولايات المتحدة بخوض معركة إدلب مع "النصرة" بعد الانتهاء من معارك تنظيم الدولة والوصول إلى المتوسط مروراً بإدلب بحجة قتال جبهة "فتح الشام". خصوصاً بعد تصريح عدد من قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عن نيتهم الوصول إلى الساحل السوري عبر إدلب بحجة محاربة جبهة "فتح الشام" بعد الانتهاء من داعش([7]).
  3. إزاحة المنافس: تعي جبهة فتح الشام بأن أي مواجهة محتملة بينها وبين فصائل المعارضة المسلحة، يتطلب جسم عسكري ضخم تلتف حوله تلك الفصائل كغطاء عسكري وشرعي لقتالها، وأن المرشح الأبرز للعب هذا الدور في إدلب تحديداً هو حركة "أحرار الشام"، لذلك يبدو أن الجبهة تعتقد بأن استهداف الحركة بهذا الوقت بالذات قد يقطع الطريق على أي تحالف محتمل ضدها محوره "أحرار الشام".
  4. رفع الغطاء الإقليمي: يبدو أن شعور هيئة "تحرير الشام" وتحديداً جبهة "فتح الشام" ضمنها؛ بأنها قد تكون ضحية لتفاهمات إقليمية ناتجة عن "الأزمات السياسية" التي تشهدها المنطقة، وبالتالي احتمالية رفع الغطاء عنها؛ عزز دوافعها بضرورة التحرك في هذا التوقيت.

تدرك جبهة "فتح الشام" بأنها تمثل العبء الأكبر على التفاهمات الإقليمية والدولية لأي تسوية سياسية محتملة في الشمال السوري، وعليه جاء تحركها وفق الدوافع أعلاه كإعادة تموضع استباقي وتوسيع مناطق نفوذ، تأهباً لأي مواجهة محلية مدعومة إقليمياً.

ثانياً: أحرار الشام (الفرص والعقبات)

على الرغم من قبول حركة "أحرار الشام" للمبادرة الشرعية الأولية المطروحة لوقف الاقتتال([8])؛ إلا أن رد فعل الحركة والتصعيد العسكري ضد الهيئة ضمن مناطق تداخل النفوذ المختلفة في كل من إدلب وريف حماة الشمالي والشمالي الغربي ودرعا، يشير إلى أن الحركة اتخذت قراراً بالمواجهة العسكرية، القرار الذي لم يبدو ارتجالياً أيضاً، بقدر ما استند إلى عدة عوامل ربما عولت عليها الحركة خلال هذا الوقت بالذات في تحركها العسكري ضد هيئة "تحرير الشام" وعلى رأسها جبهة "فتح الشام"، ولعل أبرز تلك العوامل:

  1. يبدو أن حركة "أحرار الشام" راهنت ضمن هذا الصراع المحلي على ما أفرزته مناطق خفض التصعيد من تحييد مفهوم "العدو الخارجي" المتمثل بالنظام وحلفائه، والذي لطالما تذرعت به جبهة "فتح الشام" لضبط عناصرها عقائدياً وضبط الفصائل من حولها وتوسيع نفوذها.
  2. قد يشكل تحرك "أحرار الشام" ضد الهيئة في هذا الوقت بالذات؛ "مخرجاً شرعياً" للعديد من الفصائل المنضوية تحت هيئة "تحرير الشام"، المخرج الذي إن لم يكن لصالح الأحرار فإنه لن يكون ضدهم، وذلك كخطوة أولى لعزل أكبر عدد ممكن من الفصائل عن جبهة "فتح الشام".
  3. بالمقابل تدرك الحركة لأهمية تحركها تحت غطاء شعبي ضد هيئة "تحرير الشام"، والتي تستند في هيكلها التنظيمي على العنصر المحلي السوري بأغلبها، ويبدو أن المظاهرات الأخيرة في مدينة سراقب وبعض قرى ريف إدلب، أمنت للأحرار غطاءً جيداً، لطالما تحركت جبهة "فتح الشام" (النصرة سابقاً) في هوامشه، ولكن بنفس الوقت لم يكن "التحرك الشعبي" لصالح الأحرار بقدر سقف توقعات الحركة، وذلك لعدة أسباب على رأسها توحش هيئة "تحرير الشام" في إدارة الصراع الحالي، بما في ذلك التعامل مع المدنيين.

لا يمكن فصل تصعيد حركة "أحرار الشام الإسلامية" عن محاولاتها التمايز عن القوى الخاضعة للتصنيف، وتوسيع مناطق نفوذها وتقديم نفسها كحركة قادرة على ضبط أمن الشمال ومحاربة "الإرهاب" بنفس الوقت، وبالتالي كطرف محلي مؤهل للانخراط ضمن أي توافقات سياسية محتملة حول مستقبل الشمال السوري.  ولكن على الرغم من تلك العوامل التي قد تمثل فرصاً لصالح الأحرار؛ إلا أن صراعها مع الهيئة وجبهة "فتح الشام" لن يكون بتلك السهولة، وعليه فإن "الأحرار" ينتظرهم عقبات عدة في إدارة هذا الصراع في حال تسويته أو اندلاعه من جديد، وعلى رأسها:

  • الضبط العقائدي: تعد حركة "أحرار الشام" من الحركات القلقة تنظيمياً، سواء لجهة تعدد الأجنحة المسيطرة على القرار العسكري داخل الحركة، أو لعدم سهولة ضبط عناصرها عقائدياً وتحديداً في الصراعات مع فصائل إسلامية، خاصة وأن الحركة تمتلك تاريخاً طويلاً في هذا السياق، بدءاً من خسارتها الرقة على يد تنظيم الدولة مروراً بعدة معارك متفرقة في مخيم اليرموك وغيره من المناطق، ما يشير إلى احتمالية حدوث انزياحات كبيرة لمجموعات داخل جسد الحركة إن لم تكن باتجاه جبهة "فتح الشام" فإنها قد تلتزم الحياد، وهذا ما حدث بالفعل في عدة قطاعات تسيطر عليها الحركة.
  • توحد الأجانب: على الرغم من انشقاق كتلة "القوقاز" عن الهيئة؛ إلا أن الظروف الخاصة لتلك الكتلة بالذات لا يمكن تعميمها على باقي المجموعات الأجنبية المقاتلة في الشمال السوري، خاصة مع إحساس المقاتلين الأجانب باقتراب نهايتهم ضمن أي تسوية في الملف السوري، الأمر الذي قد يدفع بتلك المجموعات إلى الالتفاف حول جبهة "فتح الشام" ضمن الصراع الدائر، والتي تمثل الملاذ الأوسع بالنسبة للأجانب المقاتلين بعد تنظيم الدولة.
  • استمالة الفصائل المحايدة: مع اندلاع الاقتتال بين الطرفين التزمت العديد من فصائل المعارضة العاملة في إدلب الحياد، تبعاً لأسباب مختلفة، لعل المسؤول الأول عنها "أحرار الشام"، وذلك بسبب تعاطي الأخيرة سابقاً مع بعض الفصائل بصيغة "الحياد" أثناء صراعهم مع النصرة، الأمر الذي يجعل من إقناع تلك الفصائل بالانخراط في الاقتتال تحدياً كبيراً أمام "أحرار الشام"، خاصة الفصائل ذات الثقل في إدلب والتي من الممكن أن يشكل دخولها ترجيحاً لأحد كفتي الصراع. بالمقابل فإن الفصائل الحيادية تدرك بأن تضعضع "الأحرار" أمام "فتح الشام" قد يمثل بشكل أو بآخر انهياراً لخط الدفاع الأول، وبالتالي التفرغ لهم في مرحلة لاحقة وفق استراتيجية النصرة المتبعة، وعلى الرغم من ذلك فإن اتخاذهم لأي خطوة تكسر الحياد لصالح حركة الأحرار "بشكلها الحالي" لا يبدو وارداً، إلا إذا استطاعت الحركة التوجه لتلك الفصائل بمشروع جديد وغير إقصائي قد يستدعي تغيير اسم الحركة وبعض توجهاتها.

ثالثاً: الارتدادات المحتملة للصراع

تمثل حركة "أحرار الشام" وهيئة "تحرير الشام"، إحدى أكثر القوى العسكرية نفوذاً في الشمال السوري وعدد من الجبهات المختلفة، لذلك فإن تحديد طبيعة وشكل العلاقة بين الطرفين، سواء عبر اندلاع الصراع من جديد أو تسويته؛ سيرتب لتداعيات لن تقتصر آثارها على التنظيمين، وإنما ستتجاوزهما لتطال عدة جوانب في الملف السوري، ولعل أبرز تلك التداعيات المحتملة:

  1. التدخل الإقليمي: سيزيد سعي هيئة "تحرير الشام" المحموم للسيطرة على المعابر مع تركيا وفرض نفوذها في الشمال من فرص التدخل العسكري التركي، والذي قد يأتي بصيغة مباشرة أو عن طريق نقل حشود عسكرية من "درع الفرات" إلى حدود محافظة إدلب أو مناطق في ريف حلب الغربي، خاصة أن سعي الهيئة لقطع الطريق على أي تدخل تركي محتمل "سيف الفرات" لن يقتصر على إدلب فقط، وإنما قد يمتد إلى ريف حلب الغربي عبر عناصرها هناك أو خلاياها، الأمر الذي قد يزيد من فرص اندلاع صراع بين الهيئة و"درع الفرات" وتوسيع رقعته، إضافة إلى تأثيره على جبهة ريف حلب الشمالي والمهددة من قبل عناصر وحدات الحماية YPG، والتي تعد امتداداً لحزب "العمال الكردستاني" PKK.
  2. فراغ الجبهات: قد تؤثر احتمالية اندلاع الاقتتال من جديد على عدة جبهات عسكرية ينشط فيها الطرفان ضد نظام الأسد، وعلى رأسها جبهتي (ريف حماة، والساحل) ما سيؤمن للنظام السوري إمكانية التقدم، أو نقل حشود عسكرية من تلك الجبهات باتجاه جنوب الرقة والبادية السورية. واللافت أن القوى الضاربة للنظام التي كانت تقاتل على جبهات حماة (صقور الساحل، قوات النمر) انسحبت قبل فترة قصيرة من حماة باتجاه ريف حمص الشرقي لتخوض معارك جديدة ضد تنظيم الدولة باتجاه منطقة السخنة، وربما يفهم هذا التحرك ضمن توافقات إقليمية دولية لاستكمال ترسيم مناطق النفوذ.
  3. تفكيك الهيئة: على الرغم مما أبدته هيئة "تحرير الشام" من "تماسك تنظيمي" بالقياس مع حركة "أحرار الشام"؛ إلا أن هذا الصراع سيمثل بشكل أو بآخر بداية لتفكيك الهيئة وعزل القدر الأكبر من الفصائل عنها، وربما تكون هذه المرحلة الأولى، لعزل جبهة "فتح الشام" ومن ثم استهدافها كمرحلة ثانية، الأمر الذي قد تواجهه الهيئة بمحاولات استمالة فصائل جديدة وتشكيل كيان جديد، معتقدة أنها بذلك تستطيع فرضه في الشمال "كأمر واقع" للتعامل معه إقليمياً.
  4. تطويع الأحرار: قد يمثل الصراع بين الطرفين واحتمالية تجدده، فرصة مهمة للضغط على حركة "أحرار الشام" وتطويعها ضمن التصورات الدولية والإقليمية للشمال السوري، ولعل حياد بعض الفصائل التابعة لمشاريع إقليمية وعدم دعمها للأحرار في صراعها مع الهيئة يمكن تفسيره في هذا السياق. الأمر الذي قد يدفع بانزياحات كبيرة داخل جسم الأحرار باتجاه هيئة "تحرير الشام"، والتي قد تصل إلى حد الاندماج مع الهيئة بشكل مفاجئ وغير متوقع.
  5. تفريغ إدلب: إن حجم الانشقاقات المتوقع داخل حركة "أحرار الشام" سواء باتجاه هيئة "تحرير الشام" أو باتجاه التزام الحياد؛ قد يخلق صراع بيني عسكري داخل جسد الحركة (بين بقايا الحركة والعناصر المنشقة عنها)، مقابل صراعها الأساسي مع الهيئة، ما قد يجعل من احتمالية تفكك الحركة وارداً جداً، وسيمنح هيئة "تحرير الشام" الفرصة للضغط عليها وطردها خارج إدلب وعلى الأرجح باتجاه سهل الغاب، وذلك لتفريغ محافظة إدلب وإخضاعها بشكل كامل لسيطرة هيئة "تحرير الشام". وعطفاً على نقطة (تطويع الأحرار) إقليمياً، فضمن هذا السيناريو قد تتلقى حركة "أحرار الشام" عروضاً إقليمية لنقل عناصرها إلى مناطق "درع الفرات" أو حتى الالتحاق به.
  6. بروز قوى جديدة: إن احتمالية اندلاع الصراع من جديد ستؤدي إلى إضعاف "الأحرار" من جهة وبداية تفكيك الهيئة من جهة أخرى، ما قد يفسح المجال لتشكيل قوى جديدة تتجاوز حركة "أحرار الشام" وتحارب جبهة "فتح الشام" وتُقدَم كضامن لإدارة الشمال أمنياً وعسكرياً، وربما تكون تلك القوى هي "درع الفرات" أو تشكيلات عسكرية جديدة عبر اندماجات وغرف عمليات مشتركة بتوافقات إقليمية ودولية؛ تمهد لتسوية جديدة في إدلب تقوم على إعلان منطقة "خفض تصعيد" بإدارة إقليمية دولية.

خلاصة

يدرك طرفا الاقتتال أن تحديد طبيعة العلاقة بينهما، هو المرحلة الحاسمة في رسم مستقبل الشمال السوري وما ينتظره من سيناريوهات محتملة، ففي ظل تصنيف جبهة "فتح الشام" وعدم قبولها دولياً وإقليمياً؛ فإنّ حركة "أحرار الشام" باتت تعي أن وجود قوى محلية خارج المشاريع الإقليمية والدولية لم يعد متاحاً على الأقل ضمن التوافقات التي تتم للتهيئة لحل سياسي شامل، فالنظام السوري مرتبط بالمشروع الإيراني الروسي، ووحدات الحماية الكردية تعد ضمن المشروع الأمريكي، إضافة إلى فصائل الجنوب المنخرطة ضمن الغطاء الأردني، مقابل بعض فصائل الشمال المطوعة ضمن الرؤية التركية؛ وعليه فإن "أحرار الشام" أمام خيارين في هذا الصراع، فإما الانخراط ضمن التصورات الإقليمية الدولية التي تُعدّ للشمال والمحافظة على بقايا الحركة، وهنا قد تكون أي تسوية مناورة من الحركة لإعادة ترتيب صفوفها واندلاع الصراع من جديد، أو أنّ الحركة ستسير خلف  مشروع الهيئة وعلى رأسها جبهة "فتح الشام"؛ الخيار  الذي قد يرسم سيناريو أكثر تعقيداً للشمال، ربما يقترب بشكله العام من سيناريو الرقة والموصل. وما بين هذين الخيارين فإن التفكير بخلق أي هوامش جديدة خارجهما؛ يتطلب تغييراً بنيوياً حقيقياً وجريئاً داخل حركة "أحرار الشام"، التغيير الذي لطالما اختُبِرَت فيه الحركة ضمن محطات عدة، إلا أنها لم تنجح على ما يبدو إلى الآن.


([1]) للاطلاع بشكل أوسع على بداية شرارة الاقتتال بين هيئة "تحرير الشام" وحركة "أحرار الشام"، راجع الرابط التالي: https://goo.gl/grLuBW

([2]) للاطلاع بشكل أوسع على محطات الصراع السابقة بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام، راجع الروابط التالية: https://ii6.me/VFuu!Rh، https://ii6.me/yCs1!h5، https://ii6.me/XxgV!la.  

([3]) "تحرير الشام" لعنب بلدي: "أحرار الشام" هي من أعلنت الحرب، للتعرف أكثر على رواية الطرفين حول بدأ الاقتتال، راجع: الرابط التالي: https://goo.gl/grLuBW

([4]) توسع رقعة المواجهات بين هيئة "تحرير الشام" وحركة "أحرار الشام"، تقرير منشور على الموقع الإلكتروني للمرصد السوري لحقوق الإنسان، للاطلاع على تفاصيل أوسع، راجع الرابط التالي: https://goo.gl/piR3U5

([5]) أصدر جزء من حركة نور الدين الزنكي بياناً، يوم الخميس، أكدت من خلاله انفصالها عن هيئة تحرير الشام معللة ذلك بعدة أسباب. على رأسها: “عدم تحكيم الشريعة التي بذلنا مهجنا والغالي والنفيس لتحكيمها، من خلال تجاوز لجنة الفتوى في الهيئة وإصدار بيان عن المجلس الشرعي دون علم أغلب أعضائه"، إضافة إلى"تجاوز مجلس شورى الهيئة وقرار قتال أحرار الشام، علمًا أن تشكيلها بني على أساس عدم البغي على الفصائل". للاطلاع على البيان راجع الرابط التالي: https://goo.gl/4ZCpeF.

([6]) انظر تصريحات مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، موقع جيرون، 7 تموز 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/FwK2XF

([7]) سوريا.. الأكراد يخططون لإقامة منفذ على المتوسط مقابل دعم واشنطن في عملية الرقة، موقع الخليج الجديد، 7/5/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/NFVjmJ

([8])مبادرة وقف اقتتال إدلب تنتظر موافقة "تحرير الشام"، تقرير صحفي منشور على الموقع الإلكتروني لصحيفة عنب بلدي، للاطلاع على المزيد راجع الرابط التالي: https://goo.gl/Hdw6LL

الملخص التنفيذي

  • لا يمكن فصل التصعيد التركي في الشمال السوري عما يجري من تفاهمات دولية وإقليمية حول تجزئة المسار العسكري في سورية إلى مناطق خفض توتر؛ تفضي إلى مناطق نفوذ معترف بها من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
  • تبدو العملية التركية هذه المرة هجومية تعكس تسميتها "سيف الفرات" ثقة تركية بأنها ستكون أكثر نجاعة من سابقتها، وذلك لتحقيق عدة أهداف على رأسها: تنظيف ريفي حلب الشمالي والغربي من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وإنهاء أي إمكانية لربط شرق الفرات بغربه.
  • بعد أن حققت موسكو هدفها باستمالة أنقرة إلى جانبها وإنشاء مسار مشترك بينهما " الأستانة"، يبدو أنها باتت على استعداد للتخلي جزئياً عن الورقة الكردية لأنقرة في إطار تفاهمات أوسع تصب باتجاه تهيئة الظروف الميدانية لإرساء حل سياسي تلعب فيه الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري دور الضامن على الأرض للفصائل؛ مقابل اعتراف القوى الدولية (روسيا-أمريكا) بحقها في حماية أمنها القومي من أي مهددات ناجمة عن الأزمة السورية.
  • رسمت الورقة ملامح سيناريوهات محتملة لانطلاق عملية سيف الفرات وحدودها وفقاً لثلاثة سيناريوهات تتراوح بين: المواجهة أو العرقلة الأمريكية أو التأجيل مقابل الضمانات.
  • خلصت الورقة إلى أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية في حالة سباق مع الزمن لإعادة ترتيب أوراقها في سورية قبل نهاية الحرب على الإرهاب، ومن بينها تركيا، والتي وإن أخرجتها موسكو والولايات المتحدة من دائرة المكاسب في الملف السوري، إلا أن باب تخفيف الخسائر لازال مفتوحاً، وعليه فإن إمكانية تراجع أنقرة عن حماية عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري وقطع الطريق على أي احتمال لإقامة كيان كردي في سورية تكاد تكون معدومة، سواء أتم ذلك بعمل عسكري أو عبر تفاهمات دولية.

مدخل

بعد مرور أربعة أشهر على إعلان تركيا الرسمي عن توقف عملية درع الفرات التي تمكنت خلالها القوات التركية بالتعاون مع مجموعات المعارضة السورية المسلحة من تحرير 2300كم2 في الشمال السوري وطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" منها؛ تعود أنقرة من جديد للتلويح باحتمالية عمل عسكري جديد في شمال حلب، يستهدف "وحدات حماية الشعب الكردية" YPG الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD في عدة مناطق ممتدة من قرية مريمين حتى سد الشهباء، بحسب الإعلان التركي، وهي منطقة تضم ما يزيد عن 11 قرية وبلدة أبرزها تل رفعت ومنغ، مع احتمالية التهديد المباشر لمدينة عفرين التي تمثل المعقل الرئيسي لوحدات الحماية الكردية في المنطقة.

وعلى الرغم من أن الحكومة التركية لم تصدر أي بيان رسمي يحدد طبيعة العملية وملامحها؛ إلا أن مؤشرات هذا العمل العسكري تتزايد بشكل شبه رسمي وعلى عدة مستويات، بدءاً من تصريحات بعض المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى، مروراً باستقدام تعزيزات عسكرية تركية إلى الشريط الحدودي مع سورية، وتمركز 7 آلاف عنصر من الوحدات الخاصة التركية على الحدود، بالإضافة إلى تأهب مقاتلي المعارضة السورية في غرفة عمليات درع الفرات للمشاركة في العملية المرتقبة، انتهاءً بالحملة التي يقودها الإعلام التركي في الحديث عن العملية وأبعادها العسكرية([1]).

تأتي التحضيرات للعملية التركية المرتقبة وسط مناخات إقليمية ودولية معقدة بالنسبة لأنقرة، سواء لجهة الفتور الذي يسود علاقات الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية أو لجهة التصعيد مع الاتحاد الأوربي، إضافة إلى الأزمة الخليجية التي تكاد تكون تركيا طرفاً فيها لصالح قطر. يقابل تلك المناخات واقع ميداني سوري لا يقل تعقيداً؛ لناحية احتدام معارك مكافحة الإرهاب التي تقودها أمريكا في الرقة اعتماداً على وحدات حماية الشعب YPG، والنفوذ الروسي في شمال حلب والذي يمثل مسرح العملية التركية المرتقبة، إضافة إلى السباق المحموم للفاعلين في البادية السورية، بالتوازي مع التفاهمات الإقليمية والدولية على تقاسم مناطق نفوذ بصيغة "خفض توتر"، وما أفرزته من مسار روسي أميركي جديد في الجنوب.

وعليه تحاول هذه الورقة تحليل المناخات السياسية والظروف العسكرية المرافقة للعملية المرتقبة "سيف الفرات"، وذلك كمدخل لفهم التحرك التركي في هذا الوقت بالذات وسط صراع النفوذ وتضارب المصالح في الشمال السوري، والذي سيكون له الأثر الأكبر على مسار العملية العسكري، مقابل استشراف السيناريوهات المتوقعة للعملية وتداعياتها المحتملة على صياغة شكل التفاهمات الإقليمية والدولية في سورية وشمالها بالتحديد.

أولاً: تركيا (التحرك والدوافع)

حققت عملية "درع الفرات" التي خاضتها تركيا بالتعاون مع فصائل الجيش الحر هدفها ذو الطابع الدفاعي، وهو المعنى الذي حمله اسم العملية، حيث تم قطع التواصل بين الكانتونات الكردية في الشمال والشمال الشرقي السوري وتأمين الحدود مع سورية والسيطرة على مساحة جغرافية واسعة؛ إلا أن الهواجس التركية من تمدد وحدات الحماية الكردية في سورية وتأثيرها على النفوذ التركي وتهديدها لأمنها القومي لاتزال قائمة، حيث حالت الظروف الدولية والإقليمية وتوتر العلاقات الأمريكية التركية من ناحية والروسية التركية من ناحية أخرى دون تحقيق أنقرة لكامل أهدافها من عملية درع الفرات، والتي يبدو أن ذات الظروف اليوم قد أصبحت مواتية لتحقيقها عبر عملية هجومية هذه المرة تعكس تسميتها "سيف الفرات" ثقة تركية بأنها ستكون أكثر نجاعة من سابقتها، وذلك لتحقيق عدة أهداف، أبرزها:

  1. تأمين محيط (منغ، تل رفعت، دير جمال، حربل، الشيخ عيسى، وكل القرى المحيطة بتل الشهباء) والتي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وذلك لإنهاء أي إمكانية لربط شرق الفرات بغربه.
  2. تنظيف ريفَي حلب الشمالي والغربي من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، الأمر الذي قد يتيح لتركيا مستقبلاً ووفق تفاهمات معينة إعادة ربط ريف حلب بريف إدلب، مما سيوسع مساحة النفوذ التركي في شمال سورية، ويتيح لها المجال للسيطرة على جبهة إدلب مع جبهة "فتح الشام" النصرة سابقاً، وهي على ما يبدو من تصريحات قادة الفصائل المشاركة في عملية سيف الفرات قد تكون العملية اللاحقة في الشمال السوري([2])، وبالتالي استعادة أنقرة لدورها السياسي الفاعل في الملف السوري والضامن لأي عملية سياسية لاحقة.
  3. تُشكل العملية بالنسبة لأنقرة ضربة استباقية للمطامع الكردية بالوصول إلى البحر المتوسط انطلاقاً من عفرين باتجاه إدلب بحجة حرب جبهة "فتح الشام"، وذلك بعد معركة الرقة([3]).
  4. إعادة النازحين العرب من أهالي المنطقة، والذين تم تهجيرهم على يد قوات سوريا الديمقراطية، حيث أصبحوا ورقة للضغط الإنساني على أنقرة بأعدادهم التي تجاوزت الـ 300 ألف([4]) بالإضافة إلى النازحين العراقيين، ويشكلون عبئاً على الحكومة التركية التي تتولى رعاية مخيماتهم على حدودها.

إضافة إلى تلك الأهداف؛ يبدو أن عدة متغيرات محلية ودولية وإقليمية ساهمت في تعزيز دوافع أنقرة نحو ضرورة العمل العسكري في الشمال السوري ضمن هذه المرحلة بالذات، ولعل أبرز تلك المتغيرات:

  1. إقصاء تركيا عن المشاركة في معارك مكافحة الإرهاب المتمثلة في قتال تنظيم الدولة في سورية والعراق، واعتماد الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية وعلى رأسها وحدات حماية الشعب الكردية YPG كرأس حرب في معارك الرقة، ما أدى إلى تقويض الدور التركي في معارك شمال شرق سورية، وبالتالي تقويض فاعليتها في المسارات السياسية التي قد تترتب على معارك مكافحة الإرهاب.
  2. عدم وضوح السياسة الخارجية الأمريكية فيما يخص التعامل مع وحدات الحماية الكردية في سورية ما بعد داعش، إذ تتزايد الهواجس التركية مع انهيار تنظيم الدولة في العراق واقتراب نهايته في سورية من دور وحدات حماية الشعب وسلاحها، خاصة وسط تضارب المواقف الأمريكية في سحب السلاح منها أو استمرارية التسليح لمرحلة ما بعد داعش.
  3. يقابل الفتور في العلاقة الأمريكية التركية فتور آخر في العلاقات الأوربية التركية، خاصة بعد بدء ألمانيا سحب قواتها من قاعدة إنجرليك([5])، ما دفع الأتراك على ما يبدو لتعزيز التحالف مع موسكو، والذي يتطلب تنسيق أكبر على الأرض السورية، وربما تأتي صفقة منظومة الدفاع الجوي S400 في هذا السياق([6])، مقابل تفاهمات في الشمال السوري لتنسيق أي عمل عسكري تركي محتمل.
  4. تبدو الأزمة الخليجية، عاملاً هاماً في زيادة هواجس الطرف التركي من وحدات الحماية الكردية، خاصة بعد دخول أنقرة كطرف مباشر في الأزمة عبر موقفها الداعم لقطر، حيث تخشى أنقرة على ما يبدو من اللعب بالورقة الكردية في سورية ضد تركيا خلال هذه الأزمة، خاصة وأن الإمارات تمتلك علاقات مميزة مع حزب الاتحاد الديمقراطيPYD.

كل تلك العوامل عززت على ما يبدو شعور أنقرة بضرورة العمل العسكري في الشمال السوري، كعملية استباقية لسيناريوهات متعددة تتوقعها وسط تلك المتغيرات، خصوصاً في الظرف الحالي الذي يبدو مناسباً لناحية التوقيت؛ وسط انشغال الولايات المتحدة في معركة الرقة، والذي يمنح لأنقرة هامشاً أوسع للتحرك والضغط على واشنطن.

 

خريطة رقم (1)

ثانياً: تركيا وموسكو (تقاطع المصالح)

 تدرك موسكو أهمية الدور التركي في نجاح مساعيها الرامية إلى إرساء حل سياسي يخدم مصالحها في سورية، وعليه سعت منذ بداية تدخلها العسكري في سورية لتطويع الرؤية التركية باتجاه رؤيتها الخاصة، حيث كانت أبرز الأوراق التي استخدمتها موسكو في هذا الإطار الورقة الكردية على حدود تركيا. ولكن اليوم وبعد أن حققت موسكو هدفها باستمالة أنقرة إلى جانبها وإنشاء مسار مشترك بينهما "الأستانة"؛ فيبدو أنها باتت على استعداد للتخلي جزئياً عن الورقة الكردية لأنقرة في إطار تفاهمات أوسع تصب باتجاه تهيئة الظروف الميدانية لإرساء حل سياسي تلعب فيه الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري دور الضامن للفصائل على الأرض؛ مقابل اعتراف القوى الدولية (روسيا- أمريكا) بحقها في حماية أمنها القومي من أي مهددات ناجمة عن الأزمة السورية، وحصر دورها في المناطق الحدودية فقط، وهذا ما يؤكده اتفاق مناطق "خفض التوتر"، والذي قسّم سورية إلى مناطق نفوذ تخضع لتفاهمات (إقليمية- دولية) تقع فيها المنطقة المرشحة لتكون مسرح عمليات "سيف الفرات " ضمن الحصة (الروسية التركية)، وهو ما تؤكده عدة مؤشرات، يمكن الاستدلال من خلالها على أن "سيف الفرات" هي من نتائج تلك التفاهمات الدولية الجديدة في الملف السوري، ولعل أبرز تلك المؤشرات:

  • إن المناطق التي تعتزم عملية سيف الفرات استعادتها تم الاستيلاء عليها من قبل قوات "سوريا الديمقراطية" بدعم جوي روسي، هذا بالإضافة إلى وجود قوات روسية في مدينة عفرين، الأمر الذي يجعل من العملية التركية مستحيلة بدون التفاهم مع موسكو.
  • إن استبعاد الولايات المتحدة لتركيا من حرب تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور من جهة، وإخراجها وموسكو المنطقة الجنوبية من مسار الأستانة، والذي أصبح مساراً خاصاً بالشمال السوري من جهة أخرى، لا يمكن أن يمر بدون صفقة مُرضية بالنسبة لتركيا تضمن السماح لها بتأمين حدودها.
  • اعتبرت تصريحات عدة قيادات في قوات "سوريا الديمقراطية" أن النية التركية لشن عملية "سيف الفرات" هي نتاج "مؤامرة" روسية تركية([7])، وتصريحات أخرى حول وضع موسكو قوات "سوريا الديمقراطية" أمام خيارين، وهما: إما تسليم عفرين للنظام، أو مواجهة عملية عسكرية للجيش التركي([8]).
  • الموقف الأمريكي الصامت إلى الآن حيال الحشود التركية، وتصريحات قادة قوات "سوريا الديمقراطية" حول وجود تفاهم روسي أمريكي؛ بأن مناطق غرب الفرات تقع ضمن النفوذ الروسي، وليس الأمريكي([9]).

مقابل تلك المؤشرات فإن المصالح الروسية التركية قد تتقاطع في جملة من النقاط، والتي تُعزز من دوافع موسكو للتخلي عن تحالفها مع الكرد غرب الفرات، وأبرز تلك النقاط:

  1. معركة الرقة: تشترك موسكو مع أنقرة في سعي الولايات المتحدة الأمريكية لعزلهما عن معركة الرقة، وذلك بعد إسقاط الولايات المتحدة لمقاتلة حربية تابعة لنظام الأسد وقطع الطريق عليه في جنوب الرقة، برسالة واضحة إلى موسكو بأنه لا دور لها في معركة الرقة، ما قد يدفع موسكو لتأييد العمل العسكري التركي في شمال حلب لتقويض النفوذ الأمريكي المتمثل بمناطق وحدات حماية الشعب الكردية غرب الفرات، كما أن بوادر الاشتباك مع تركيا قد تدفع قوات "سوريا الديمقراطية" إلى سحب بعض قواتها التي تقاتل في الرقة، وهو ما حدث بالفعل حيث تم سحب 500 مقاتل من جيش "الثوار" إلى عفرين للدفاع عنها([10])، وهذا ما قد يؤثر على سير معركة الرقة وإمكانية توجه قوات "سوريا الديمقراطية" إلى دير الزور، وبالتالي سيمنح روسيا والنظام هامشاً للمناورة والتقدم أكثر باتجاه جبهات دير الزور.
  2. تأمين الساحل: على الرغم من تحالف موسكو المصلحي مع وحدات الحماية الكردية في عدة معارك في سورية؛ إلا أن روسيا تدرك جيداً بأن تلك الوحدات لا تخرج عن الخانة الأمريكية، لذلك يبدو أن رؤية موسكو تتقاطع مع أنقرة في خطورة بقاء جيب كردي في شمال حلب وتحديداً عفرين، وذلك لقربه من الساحل السوري، وبالتالي القرب من قاعدة "حميميم" العسكرية الروسية، فبالنسبة لروسيا أي اقتراب كردي من تلك المنطقة يعني اقتراباً أمريكياً لمناطق نفوذها الأكثر حيوية في سورية، ما قد يدفع موسكو لتأييد عمل عسكري تركي في تلك المنطقة يبدد أي احتمال مستقبلي للتمدد الكردي نحو الساحل، خصوصاً بعد تصريح عدد من قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عن نيتهم الوصول إلى الساحل السوري عبر إدلب بحجة محاربة جبهة "فتح الشام" بعد الانتهاء من داعش([11]).
  3. حرب الإرهاب: ستمثل سيطرة القوات التركية ومجموعات الجيش السوري الحر على تلك المناطق في حال نجاح العملية؛ فرصة لوصل ريف حلب بريف إدلب وفق تفاهمات (روسية تركية إيرانية)، وهو تفصيل قد يرتبط بخطة أنقرة المشتركة مع موسكو بخصوص إدلب والتوافق التركي -الروسي على احتكار جبهة إدلب المقبلة مع جبهة "فتح الشام" في إطار حرب الإرهاب، كبديل عن استثناء تركيا من حرب تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور ، وقطع الطريق على محاولات قوات "سوريا الديمقراطية" لإقناع الولايات المتحدة بخوض معركة إدلب مع النصرة بعد الانتهاء من معارك تنظيم الدولة .
  4. مكاسب مجانية: تراهن موسكو من خلال تصعيد التوتر حول عفرين بين تركيا وقوات "سوريا الديمقراطية" على قدرتها على اللعب على هوامش الخلاف بين الطرفين لفرض سيناريو منبج، والذي سيمثل مخرجاً للطرفين من مواجهة دامية لن تكون سهلة بالنسبة لهما، وذلك عبر تسليم المدينة لقوات النظام، الأمر الذي سيمثل استعادة مجانية لمساحة واسعة من الأرض في الشمال السوري بالنسبة للنظام.

على الرغم من التقاطعات المصلحية التي قد تدفع موسكو لتأييد عملية عسكرية تركية في الشمال، والعديد من المؤشرات الدالة على وجود تفاهمات روسية تركية في شمال حلب، ومنها اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوزير الدفاع الروسي، والذي أكدت بعض الصحف التركية والروسية أنه تركز حول عمل عسكري محتمل لتركيا على شمال حلب([12])، مقابل صفقة صواريخ S400 لتركيا، والتي لا يمكن فصلها عن سياق التفاهمات الروسية التركية في سورية ؛ إلا أن موسكو لا تزال تراوغ في موضوع سحب قواتها من عفرين، حيث ذكرت تصريحات صادرة عن قوات سوريا الديمقراطية بأن موسكو أبلغتهم بعدم سحب قواتها من عفرين وأبلغت الأتراك أنها سحبتها([13])، وهو ما أكده أيضاً رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، حيث أشار بأن موسكو لم تنفذ بعد وعودها بسحب قواتها([14])، الأمر الذي قد يفسر برغبة روسية لاستخدام الحشود التركية للضغط على قوات سوريا الديمقراطية لتسليم عفرين للنظام، وحصر العملية التركية في استرجاع القرى والبلدات المشار إليها سابقاً.

ثالثاً: رد الفعل الكردي والسيناريوهات المحتملة

يبدو أن التطورات الحاصلة في الملف السوري لجهة خلق تفاهمات جديدة حول تقاسم مناطق النفوذ بين القوى الكبرى قد أثارت هلع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD من إمكانية وقوعه من جديد "ضحية" للتفاهمات الدولية والإقليمية، لذلك جاء رد الفعل الكردي على الحشود التركية مرتبكاً ومنقسماً؛ فتصريحات القيادة العسكرية لقوات "سوريا الديمقراطية" حاولت أن تكون تصعيدية تهدد بمواجهة كبرى إذا ما حاولت القوات التركية اجتياح عفرين، بالإضافة إلى التهديد بضرب العمق التركي عبر عناصر الـ PKK في تركيا، أما على المستوى السياسي فتراوحت التصريحات بين التهديد بالانسحاب من معركة الرقة إذا تم الهجوم على عفرين، والتلويح بإمكانية تسليمها للنظام، وذلك في محاولة للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لوقف العملية التركية، و على المستوى الشعبي فقد أصدر عدد ممن أسموا أنفسهم مثقفين أكراد من أبناء المنطقة بياناً طالبوا فيه وحدات الحماية الكردية بالانسحاب من عفرين وتجنبيها ويلات الحرب أو الحصار([15]). وفي إطار النوايا التركية للمضي قدماً في عملية سيف الفرات، والارتباك الكردي الناتج عن ضبابية موقف الحليف الأمريكي، وموافقة "حليف الأمس" الروسي على العملية؛ فيمكن رسم ملامح سيناريوهات محتملة لانطلاق عملية سيف الفرات وحدودها على الشكل التالي:

السيناريو الأول: (المواجهة)

يتمثل السيناريو الأول في الإعلان عن المعركة بشكل رسمي والبدء بالعملية العسكرية جدياً، وفي هذه الحالة فمن الممكن أن تقوم أنقرة بتقسيم العملية إلى مرحلتين:

الأولى: وهي استعادة القرى والبلدات التي سيطرت عليها وحدات حماية الشعب بدعم روسي (منغ، تل رفعت، دير جمال، حربل، الشيخ عيسى، وكل القرى المحيطة بتل الشهباء) بما فيها مطار منغ العسكري، وربط ريف حلب الغربي بإدلب وهو ما يتطلب تفاهمات مع حلفاء موسكو للمرور بمحاذات نبل والزهراء الخاضعتين لميليشيات محلية ممولة من إيران، وبذلك تكون تركيا نجحت في تحقيق أهداف عملية درع الفرات، والتي لم تتمكن من تحقيقها في المرحلة الأولى بسبب الدعم الروسي الأمريكي للأكراد، والمتمثلة بتنظيف غرب الفرات من قوات "سوريا الديمقراطية"، وقطع أي إمكانية لاتصالها مع شرقه، وتوسيع مناطق سيطرة قوات المعارضة وتأمينها، إضافة لضرب حصار على عفرين.

الثانية: وهي ضرب حصار على عفرين، وتأجيل الهجوم المباشر عليها لحين وضوح الموقف الأمريكي، ولفسح المجال أمام مساعي موسكو لتطبيق سيناريو منبج فيها.

ويرجح ذلك ما نقلته الصحف التركية حول أهداف عملية سيف الفرات، والتي لا تبدو فيها عفرين على رأس الأولويات التركية، خاصة أن الحشود التركية والتي قد تصل مع قوات المعارضة السورية في درع الفرات إلى 20 ألف([16]) تعتبر غير كافية حالياً لاجتياح عفرين، والتي يتواجد فيها ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل من وحدات حماية الشعب والأسايش وبعض الفصائل العربية الموالية لها مدعومين بسلاح جيد([17])، إضافة إلى أن الهجوم على عفرين قد يترافق مع عمليات لحزب العمال الكردستاني لضرب الداخل التركي، وهذا ما ليست تركيا بوارده الآن، لذا فإن أنقرة التي وضعت مدة تقديرية للعملية لا تتجاوز الـ70 يوماً([18])، مما يشير إلى أنها تريد القيام بعملية محدودة على الأقل في المرحلة الأولى منها.

وفي أي من مرحلتي هذا السيناريو سيكون أمام قوات الحماية الكردية أحد الخيارين التاليين:

الأول: إما المقاومة والدخول بمعركة مفتوحة مع الأتراك سيكونون الخاسر الأكبر فيها وفق المعطيات الحالية، إذ أن القوات الكردية المتواجدة في عفرين على الرغم من عددها؛ إلا أنها أقل خبرة واحترافية عسكرية من تلك المتواجدة في شرق الفرات، مقابل الجيش التركي الذي يصنف كثاني قوة عسكرية في حلف الناتو مدعوماً بعدد كبير من مقاتلي المعارضة وقوة نارية كبيرة.

الثاني: قد تلجأ وحدات حماية الشعب في حال التهديد الحقيقي إلى المفاضلة بين الاشتباك مع القوات التركية وتسليم مناطق سيطرتها إلى نظام الأسد المتواجدة في ريف حلب الشرقي، الخيار الذي لجأت إليه في منبج.

السيناريو الثاني: (العرقلة الأمريكية)

قد تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية أمام التفاهم الروسي التركي إلى محاولة عرقلة العملية العسكرية التركية في شمال حلب، السيناريو الذي يبدو أضعف من سابقه، وذلك لمحدودية الخيارات العسكرية للولايات المتحدة في شمال سورية، واستحالة التورط الأمريكي في مواجهة عسكرية مع موسكو، في ظل التفاهمات الجديدة بين الطرفين في الملف السوري، واللقاء الإيجابي الذي جمع بوتين وترامب على هامش مؤتمر قمة العشرين في هامبورغ.

وفي هذا السياق قد يلجأ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD إلى محاولات الضغط على الولايات المتحدة للتحرك، كما هدد بعض القيادات بتعليق العملية العسكرية في الرقة، إلا أن هذا الإعلان لا يتجاوز كونه تصريحات إعلامية، إذ أن تعليق العملية يستوجب وجود طرف قابل للتفاوض، وفي حال تعليق العملية من المؤكد أن تنظيم الدولة لن يقف متفرجاً إلى أن تنهي وحدات الحماية تعليقها، ناهيك عن أن الولايات المتحدة لن تسمح بهذا الخيار، خاصة بعد الشوط الذي قطعته العملية في الرقة والمرحلة الحساسة التي تمر بها.

السناريو الثالث: (التأجيل والضمانات)

قد تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية لمحاولة التفاوض مع الجانب التركي لتأجيل العملية إلى ما بعد الانتهاء من معارك الرقة؛ وذلك مقابل ضمانات معينة قد تقدمها أمريكا تهدئ من الهواجس التركية، إلا أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً أيضاً، وذلك بسبب أزمة الثقة التي تمر بها العلاقات التركية الأمريكية، حيث تم اختبار الضمانات الأمريكية سابقاً في منبج، والأتراك لن يقعوا في فخ الوعود الأمريكية مرتين، خصوصاً بعد تراجع الولايات المتحدة عن وعودها بسحب سلاح المليشيات الكردية بعد معارك تنظيم الدولة وإعلانها استمرار التسليح، لذا فإن الحشود التركية والتحضيرات لعملية سيف الفرات تُظهر جدية الأتراك في تأمين عمقهم الاستراتيجي عبر التدخل المباشر، ولعل أي ضمانات أمريكية لن تثنيهم عن عزمهم؛ إلا إذا تضمنت تسليم قوات "سوريا الديمقراطية" طوعاً للمناطق التي تستهدفها عملية سيف الفرات، وهذا السيناريو وقدرة واشنطن على تبريد السخونة العسكرية غرب الفرات، والوصول إلى حل يحافظ على علاقتها الجيدة بحليفيها الكردي والتركي، والحيلولة دون تعميق التحالف الروسي التركي؛ تبقى رهناً بما سينتج عن زيارة قادة سوريا الديمقراطية إلى واشنطن([19])، والتي دعا لها المبعوث الأمريكي إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش، بريت ماكغورك، ومن المقرر أن تكون خلال الشهر الحالي أي قبل الموعد المحدد من قبل الأتراك لبدء عملية سيف الفرات في نهاية تموز الجاري.

الخاتمة

لا يمكن فصل التصعيد التركي في الشمال السوري عما يجري من تفاهمات دولية وإقليمية حول تجزئة المسار العسكري في سورية إلى مناطق "خفض توتر" تفضي إلى مناطق نفوذ معترف بها للفاعلين الإقليميين والدوليين، بشكل يسمح بتركيز جهود الأطراف المتناحرة على الأرض (المعارضة، النظام، مليشيات PYD) حول حرب الإرهاب، و حصر صراعها في حدود امتلاك جبهات مع تنظيم الدولة وملء الفراغ الذي سيتركه، الأمر الذي يدل على أن تلك التفاهمات مؤقتة ريثما يتم الفراغ من حرب الإرهاب، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع على تركة التنظيم، والتي ستحسم شكل الحل السياسي في سورية ، ومصير طموحات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في استغلال الفرصة التاريخية المتمثلة في المأساة السورية للفوز بإقليم، ولذلك فجميع الأطراف الإقليمية والدولية في حالة سباق مع الزمن لإعادة ترتيب أوراقها في سورية قبل نهاية الحرب على الإرهاب، ومن بينها تركيا، والتي وإن أخرجتها موسكو والولايات المتحدة من دائرة المكاسب في الملف السوري، إلا أن باب تخفيف الخسائر لازال مفتوحاً، وعليه فإن إمكانية تراجع أنقرة عن حماية عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري وقطع الطريق على أي احتمال لإقامة كيان كردي في سورية تكاد تكون معدومة، سواء أتم ذلك بعمل عسكري أو عبر تفاهمات دولية، فأنقرة بحجمها الإقليمي من غير المرجح أن تكون الخاسر الأكبر في هذه اللعبة الدولية، وإنما تثبت الحتمية التاريخية بأن الخاسر دائماً هم الأدوات المستخدمة في لعبة الكبار .


([1])  أنظار تركيا نحو عفرين و”قسد” تنتظر مساعدة روسيا، جريدة عنب بلدي، 2/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/esgbom

([2]) انظر تصريحات مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، موقع جيرون، 7 تموز 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/FwK2XF

([3]) صحيفة بريطانية: الأكراد يشقون طريقهم إلى الرقة ومياه البحر المتوسط، موقع ترك برس، 8 مايو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/Cqbx8e

([4]) محود عثمان، عملية "سيف الفرات" إذ تشكل المرحلة الثانية من درع الفرات، موقع ترك برس، 3تموز 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/92XrEb

([5])  ألمانيا تسحب قواتها من قاعدة أنجرليك التركية، وكالة سبوتنيك الروسية للأنباء، 7/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/tRf8Ny

([6]) روسيا تبيع تركيا أنظمة صواريخ إس 400، موقع i24 الشرق الأوسط، 29/6/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/Zhfjke

([7]) قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين، صحيفة الشرق الأوسط، 5 يوليو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/UYC1sr

 ([8])روسيا تخيّر (ب ي د) بين تسليم عفرين للنظام أو الاجتياح التركي، موقع كلنا شركاء، 5/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/h2AiJt

([9])  قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين، مرجع سبق ذكره.

 ([10]) المرجع السابق.

([11]) سورية.. الأكراد يخططون لإقامة منفذ على المتوسط مقابل دعم واشنطن في عملية الرقة، موقع الخليج الجديد، 7/5/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/NFVjmJ

([12]) مصادر روسية وتركية متطابقة تتحدث عن عملية "سيف الفرات" ضد "ب ي د" بسورية، موقع أخبار تركيا، 4/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/AN4YMm

([13]) قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين، مرجع سبق ذكره.

([14])  انظر تصريحات مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم المشارك في عملية سيف الفرات، موقع جيرون، مرجع سبق ذكره.

([15]) أنظار تركيا نحو عفرين و”قسد” تنتظر مساعدة روسيا، جريدة عنب بلدي، 2/7/2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/esgbom

([16]) محاور وتفاصيل عملية "سيف الفرات" التركية في سورية، موقع نون بوست، 7 يوليو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/xSw31m

([17]) إحصاءات خاصة بوحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([18]) المرجع السابق.

([19]) واشنطن تستدعي قادة قوات سوريا الديمقراطية، موقع ترك برس، 6 يوليو 2017، متوافر على الرابط: https://goo.gl/jxEeMH

شارك مركز عمران للدراسات الاستراتيجية من خلال الباحث معن طلاع، في ندوة "الوجود الإيراني في سورية ... الواقع والمستقبل" نظمها مركز الدراسات الإيرانية في أنقره "إيرام Iram" بحضور مجموعة من الباحثين والأكاديميين العرب والأتراك المختصين بالشأن الإيراني على مدار يوم الإثنين 10 تموز 2017، وتركزت ورقة الباحث معن طلاع حول "السياسة العسكرية الإيرانية في سورية".

ضمن برنامجها "سوريا الآن" استضافت فضائية القناة التاسعة بتاريخ 3 تموز/ يوليو 2017، الأستاذ معن طلاع الباحث في مسار السياسة والعلاقات الدولية في مركز عمران، للحديث عن الجولة الخامسة من مباحثات الآستانة وملفاته المطروحة، كما تم التطرق إلى الغايات الروسية وراء هذا السعي للاستثمار السياسي في مسار الآستانة، وناقش البرنامج في ختامه أطروحات التقسيم والفدرلة في سورية التي يفرضها المشهد العسكري الميداني.

ملخص تنفيذي

  • تُعتبر "هيئة تحرير الشام" نتاجاً للتحول التنظيمي للسلفية الجهادية العابرة للحدود "القاعدة" في البيئة المحلية السورية، وذلك بتفاعلها مع العناصر التالية: العلاقة المعقدة مع المجتمع الدولي، التجربة "الجهادية في العراق"، العلاقة مع "القاعدة"، علاقات التنافس الجهادية، الحاضنة الشعبية.
  • تنشط في محافظة إدلب عدة أجسامٍ خدمية من أبرزها: هيئة إدارة الخدمات التابعة لحركة "أحرار الشام الإسلامية"، الإدارة العامة للخدمات التابعة "لهيئة تحرير الشام"، الإدارة المدنية للخدمات التابعة "لجيش الفتح"، المجالس المحلية، منظمات المجتمع المدني.
  • يقدر تعداد المجالس المحلية في محافظة إدلب بـ 156 مجلس تتوزع وفق الآتي: 9% مجلس مدينة، 30% مجلس بلدة، 61% مجلس بلدية، يتواجد منها 81 مجلس محلي في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" موزعة حسب التقسيمات الإدارية وفق الآتي: 14% مجلس مدينة، 39% مجلس بلدة، 47% مجلس بلدية، إضافة لتواجد 43 مجلس قرية.
  • تسعى "هيئة تحرير الشام" لتحقيق التمكين بشكل تدريجي، وإقامة إحدى أنماط الحكم ذات الصبغة الإسلامية على المدى البعيد "الإمارة، الدولة، الخلافة"، مستغلةً خُلاصة تجارب التشكيلات التي ولدت منها، إضافةً لتوجيهات ومراجعات المركز وتجارب فروعه في ساحات الجهاد.
  • يعتمد نظام الحكم المحلي "لهيئة تحرير الشام" على ثلاثة أدوات: توفير الخدمات الاجتماعية، سياسات الإكراه، نشر الإيديولوجية، تتجسد بهياكل تنظيمية هي: الإدارة العامة للخدمات، الجناح العسكري والقوة الأمنية، مكتب الدعوة والإرشاد ودور القضاء.
  • تتبنى الهيئة مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية تتنوع أنماطها بين التعاون المصلحي والاحتواء فالاختراق والإقصاء. أما محددات اعتمادها لإحدى المقاربات السابقة فتتضمن:1) مستوى تمكن الهيئة ودرجة سيطرتها ومواردها، 2) الحاضنة الشعبية، 3) الدور المركزي للمجلس المحلي وشرعيته، 4) تواجد شركاء داعمين للمجلس المحلي.

مقدمة

تسعى الحركات الجهادية إلى حكم مناطق سيطرتها بما يمكنها من تحقيق أهدافها التي نشأت لأجلها، إلا أنها تختلف في مقاربتها لمسألة الحكم وما يستتبعه بالضرورة من تباينها في الهياكل التنظيمية والأدوات التنفيذية المستخدمة لإنفاذ رؤيتها في الحكم، حيث ركزت بعض الحركات الجهادية على ممارسة الإكراه وفرض إيديولوجيتها الشمولية على المجتمعات المحلية، وباهتمام أقل بتوفر احتياجات السكان ومطالبهم المعاشية ومراعاة منظورهم للحياة وللإسلام كما في تجربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، في حين اتبعت حركات أخرى مقاربة مصلحية قائمة على المزج بين الحوافز الإيجابية والسلبية في حكم مناطقها كما في مثال "هيئة تحرير الشام".

استندت الهيئة على تجارب الحكم المحلية للتشكيلات الجهادية التي انبثقت عنها، وخلاصة توجيهات المركز "القاعدة" وتجارب فروعه في ساحات "الجهاد العالمية"، لتؤسس تجربتها في الحكم المحلي وذلك بالمزواجة بين الأدوات التالية: توفير الخدمات الاجتماعية، فرض سياسات الإكراه، نشر الإيديولوجية، وبواسطة بُنية تنظيمية مركبة، بما يمنحها القدرة على تعزيز تواجدها في البيئة السورية على المدى الطويل.

وفي ظل دفع "هيئة تحرير الشام" لتجربتها في الحكم المحلي وما يتضمنه من مخاطر، تجد المجالس المحلية نفسها أمام تحدٍ وجوديٍ تفرضها تلك الجهود. واستناداً لما سبق، تتحدد إشكالية الدراسة في مناقشة الأثر المتوقع للحكم المحلي "لهيئة تحرير الشام" على المجالس المحلية ضمن مناطق سيطرتها في محافظة إدلب، والتي جاء اختيارها كنموذج باعتبارها المحافظة الوحيدة المحررة بشكل شبه كلي، فضلاً عن تمتعها بموقع جغرافي متميز يجعلها صلة الوصل بين المناطق الساحلية والوسطى والشمالية، إضافة لتصدرها قائمة مناطق سيطرة قوى المعارضة من حيث عدد المجالس المحلية العاملة فيها، علاوةً على كونها مركز الثقل الرئيسي "لهيئة تحرير الشام".

تعتمد الدراسة المنهج الوصفي في مقاربتها لسياق تشكل "هيئة تحرير الشام"، وعمل المجالس المحلية في مناطق سيطرتها، في حين تم اعتماد المنهج التحليلي لتفسير مقاربة الهيئة للحكم المحلي وطرق تعاطيها مع المجالس المحلية. أما الأدوات البحثية التي اعتمدها الباحث فتشمل المقابلات والملاحظة الموضوعية.

تأتي هذه الدراسة في سياق دراسة الواقع الحوكمي في مختلف مناطق السيطرة بهدف الوصول إلى رؤية وطنية للتعامل مع هذا الواقع الجديد أثناء وبعد عملية الانتقال السياسي. تتناول الدراسة الحكم المحلي "لهيئة تحرير الشام" في محافظة إدلب ومقاربتها للمجالس المحلية، بدءاً من توصيف سياق تشكل الهيئة، واستعراض مقاربتها للحكم المحلي، ثم التطرق للمجالس المحلية العاملة في مناطق الهيئة وأنماط تعاطي الأخيرة معها، لتنتهي الدراسة بعرض توصيات خاصة لتعزيز منظومة المجالس المحلية في مناطق سيطرة الهيئة.

تشكيل هيئة تحرير الشام: سياق مركب لبنية إشكالية

تتعدد القراءات المفسرة لبروز "هيئة تحرير الشام"، بين من يعتبرها تمظهراً جديداً لجبهة النصرة ضمن محاولاتها التهرب من الضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها سيما عقب انتكاسة حلب وانطلاق مسار الأستانة، وبين من يراها خطوة تؤكد التزام الفرع بتعليمات القيادة المركزية "للقاعدة" من حيث ضرورة الاندماج بالبيئة المحلية صوناً "للتجربة الجهادية"، في حين فسرها آخرون بأنها نتاج علاقات التنافس المحموم لاحتكار تمثيل "الجهاد السوري".

تُقدم القراءات السابقة تفسيرات جزئية لبنية إشكالية، في حين تميل الدراسة لتبني مقاربة تحليلية شمولية للهيئة باعتبارها، نتاجاً للتحول التنظيمي المستمر للحركة السلفية الجهادية العابرة للحدود "القاعدة" في البيئة المحلية السورية، وذلك بتفاعلها مع الاعتبارات التالية: العلاقة المعقدة مع المجتمع الدولي، "التجربة الجهادية في العراق"، العلاقة مع "القاعدة"، علاقات التنافس الجهادية، الحاضنة الشعبية. استناداً لما سبق، يمكن تقسيم مراحل تشكل هيئة تحرير الشام إلى ثلاث وفق الآتي:

  1. جبهة النصرة لأهل الشام "كانون الثاني 2012-تموز 2016"

تم الإعلان عن تأسيس جبهة النصرة في كانون الثاني 2012 ([1])، بدعم وإسناد من الفرع "العراقي للقاعدة"، وبمرجعية إيديولوجية متعددة الروافد ([2])، خضعت لمراجعات على مستوى القيادة المركزية "للقاعدة"، وكان واضحاً منذ البداية حرص القائد العام للجبهة أبو محمد الجولاني على تجنب أخطاء "الجهاد العراقي" والالتزام بالمنهج الجديد "للقاعدة" _دون الإعلان عن التبعية لها رغم حيازتها لمباركتها_ القائم على الاندماج بالشعوب من خلال الاهتمام بقضاياها العامة ومقارعة الاستبداد والظلم الذي تتعرض له، إضافةً لتجنب استثارة المجتمع الدولي وذلك بالتأكيد على طابعها السوري.

استغلت جبهة النصرة الثورة السورية للولوج إلى الجغرافية السورية وتعزيز حضورها، مستغلةً قوتها العسكرية وبراغماتيتها في تشكيل التحالفات المصلحية، إضافةً للدفعة المعنوية والتعبوية التي تلقتها من خلال إفراج النظام عن عدد من المعتقلين من ذوي الخلفيات الإسلامية "الجهادية" من سجونه([3]).

تعرضت جبهة النصرة خلال هذه الفترة لضغوط كثيرة أبرزها: 1) التصنيف الأمريكي "كانون الأول 2012" والأممي "أيار 2013" لها على أنها منظمة إرهابية، 2) الصراع مع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" على خلفية إعلان البغدادي "الدولة الإسلامية في العراق والشام" نيسان 2013" ثم "الخلافة" في أيار 2014"، 3) إظهار الجبهة بيعتها "للقاعدة" وما أحدثه من ردود فعل سلبية من قبل جمهور الثورة السورية، 4) التدخل العسكري الروسي "أيلول 2015".

تفاعلت جبهة النصرة مع المتغيرات الطارئة على المشهد السوري والضغوط المحلية والخارجية التي تتعرض لها، لتعلن عن ولادة جسم حركي جديد في تموز 2016 باسم "جبهة فتح الشام".

  1. جبهة فتح الشام "تموز 2016-كانون الثاني 2017"

أعلن الجولاني وبحضور قيادات لها وزنها في "الساحة الجهادية" إلغاء جبهة النصرة، وتشكيل كيان جديد بمسمى "جبهة فتح الشام" دون تبعيته "للقاعدة"، مبرراً هذه الخطوة بكونها استجابةً لرغبة أهل الشام في دفع ذرائع المجتمع الدولي من جهة، وحماية "الجهاد الشامي" وتحصينه من جهة أخرى ([4]).

أراد الجولاني من خلال التشكيل الجديد إدارة العلاقة المتوترة مع المجتمع الدولي، وذلك بإعلانه لكيان جديد مستقل عن "القاعدة" وأكثر محلية، فضلاً عن سعيه لترميم موقف الحاضنة الشعبية تجاه مشروعه الجهادي، والتي تضررت بحكم تصاعد استهداف مناطق قوى المعارضة بحجة تواجد النصرة ذات الارتباط القاعدي، ونتيجة لمنهجها في التغلب ولتدخلها الفج في شؤون السكان المحليين.

كذلك يمكن النظر "لجبهة فتح الشام" على أنها نتاج علاقات التنافس بين جبهة النصرة والأحرار ومسعى كل منهما لاحتكار تمثيل "الجهاد السوري"، حيث أراد الجولاني الضغط على الأحرار من خلال تشكيل تحالف جهادي لاستنزاف حركة الأحرار من جهة وإضعاف شرعيتها الجهادية من جهة أخرى. أما حضور الشيخان "أبو عبد الله الشامي وأبو الفرج المصري" في بيان الإعلان، فجاء لمنح الجبهة الغطاء الشرعي مع ضمان استمرارية الحضور الرمزي "للقاعدة" في التشكيل الجديد.

لم تعمر "جبهة فتح الشام" كثيراً، ليتم تجاوزها لصالح بنية حركية أطلق عليها مسمى "هيئة تحرير الشام" مطلع 2017، بما يظهر حجم وتسارع الضغوط الداخلية والخارجية، التي تعرضت لها قيادات "جبهة فتح الشام"، ومحاولاتهم الحثيثة لإيجاد مخرج حركي جديد.

  1. هيئة تحرير الشام "كانون الثاني 2017"

تشكلت "هيئة تحرير الشام" إثر اندماج عدد من الفصائل العاملة في الشمال السوري نهاية كانون الثاني 2017، في مقدمتهم: حركة نور الدين الزنكي، "جبهة فتح الشام"، جبهة أنصار الدين، جيش المهاجرين والأنصار، لواء الحق، كما انضم للتشكيل الجديد عدد من شيوخ ودعاة "السلفية الجهادية" كــ: عبد الرزاق المهدي، أبو الحارث المصري، أبو يوسف الحموي، عبد الله المحيسني، أبو الطاهر الحموي ومصلح العلياني ([5]).

تفاعلت "جبهة فتح الشام" مع الضغوط الداخلية والخارجية التي استهدفت عزلها ومحاولات تصفيتها، والتي تكثفت مع اتفاق حلب الشرقية (13-12-2016)، اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار (30-12-2016) ومؤتمر الأستانة (23-1-2017)، لتعلن الجبهة عن تشكيل "هيئة تحرير الشام" كمناورة اضطرارية للالتفاف على التصنيف الإرهابي لها، وبما يصعب عملية استهدافها عسكرياً من قبل المجتمع الدولي لضمها فصائل غير مصنفة إرهابياً ومقربة في وقت سابق من الغرب كحركة نور الدين الزنكي. كذلك ينظر للتشكيل الجديد بأنه نتاج استمرار علاقات التنافس المحمومة بين الجبهة والأحرار ([6])، حيث تمكنت الهيئة من استقطاب ما يزيد عن 25 فصيل فرعي من الفصائل المنافسة لها، وفي مقدمتهم حركة أحرار الشام التي خسرت 16 من الفصائل المنضوية لها لصالح "هيئة تحرير الشام" ([7])، كما خسرت حركة الأحرار عدداً من قياداتها البارزين لصالح الهيئة كأبو صالح الطحان وأبو يوسف المهاجر. 

علاوةً على ما سبق، جاء التشكيل الجديد ليؤكد رغبة الجولاني في تمكين مشروعه "الجهادي" في سورية وترميم شرعيته، وذلك بالتأكيد على مرونة الهيئة وتجسيد ذلك في الخطاب الإعلامي بقبولها المشروط بالعملية السياسية التفاوضية، وإدراجها قتال "الخوارج" لتأكيد اعتدالها، فضلاً عن استخدامها للشعارات التي تنتمي للخطاب الثوري المحلي ([8]) .

تضم "هيئة تحرير الشام" بين 19 و20 ألف منتسب بين مقاتل وإداري وشرعي، ويتباين نمط انتشار الهيئة في الجغرافية السورية بين تواجد مكثف يرتكز على مقرات وحواجز ثابتة تتبع للهيئة في مناطق محددة، أو انتشار خفيف يقوم على تسييرها لدوريات عسكرية عابرة، وعموماً تنتشر الهيئة وفق أحد النمطين السابقين في محافظة إدلب وجنوب وغرب حلب، وفي جرود القلمون والغوطة الشرقية، إضافةً لتواجدها المحدود في محافظتي درعا والقنيطرة كما توضح بذلك خريطة النفوذ التالية:

 

الرسم البياني رقم (1): خريطة توزع مناطق السيطرة في سورية

أما بخصوص هيكلية الهيئة، فيلحظ ومن خلال مقاطعة عدة مصادر من المعلومات، تمتعها بهيكلية إدارية تتوزع على عدد من الأقسام الرئيسية التي تغطي الجوانب التالية: العسكري، الأمني، الخدمي، الشرعي، القضائي، الإعلامي، الاقتصادي وكذلك السياسي، علماً أن لكل قسم مما سبق بنية وهيكلية تنظم عمله، مع ارتباطها جميعاً بمجلس الشورى كما يظهر بذلك الشكل التالي.

الرسم البياني رقم (2): الهيكلية المتوقعة لهيئة تحرير الشام

يلحظ من استعراض هيكلية هيئة تحرير الشام شموليتها وارتباطها بقيادة مركزية، بما يوضح مساعي الهيئة لإقامة حكم ذا طابع إسلامي على المدى البعيد، وبما يهدد المجالس المحلية التي تعتبر النواة الرئيسية لإعادة بناء الدولة الوطنية.

إدارة هيئة تحرير الشام لمناطقها ومقاربتها للمجالس المحلية: على طريق التمكن

تُجمع "الحركات الجهادية" ذات الطابع العسكري على ضرورة حكم مناطقها بالشكل الذي يمكنها من تحقيق أهدافها الموضوعة، إلا أنها تختلف في مقاربتها لمسألة الحكم وما يستتبعه بالضرورة من تباينها في الهياكل التنظيمية والأدوات التنفيذية المستخدمة لإنفاذ رؤيتها في الحكم المحلي، حيث تركز بعض "الحركات الجهادية" على توفير الخدمات الاجتماعية أكثر من ممارستها لسياسات الإكراه، مع ميلها للمواءمة بين إيديولوجيتها وتوجهات السكان المحليين تجنباً للصدام معهم، بينما يميل بعضها الآخر لممارسة سياسات الإجبار والإكراه وفرض إيديولوجيته لتحقيق التمكين، مع اهتمام أقل بتوفير الخدمات الاجتماعية. وأمام ما سبق يبدو من الأهمية تسليط الضوء على تجربة "هيئة تحرير الشام" في الحكم المحلي، من حيث مقاربتها لهذه المسألة، والنمط والأدوات المتبعة من قبلها لإنفاذ رؤيتها، وطرق تعاطيها مع المجالس المحلية القائمة في مناطقها في المرحلة الراهنة.

منظور هيئة تحرير الشام للحكم المحلي: خلاصة التجارب، وبراغماتية الأداء

تسعى "هيئة تحرير الشام" إلى تحقيق التمكين بشكل تدريجي، وإقامة إحدى أنماط الحكم ذات الصبغة الإسلامية "الإمارة، الدولة، الخلافة". وتعتبر تجربة الهيئة خلاصة تجارب التشكيلات التي ولدت منها، إضافةً لتوجيهات ومراجعات المركز وتجارب فروعه في "ساحات الجهاد" ([9]).

وفي مسعاها لتحقيق التمكين المُهيء لإقامة "الحكم الإسلامي"، تولي الهيئة السكان المحليين أهمية باعتبارهم فاعلاً رئيسياً يمتلك القدرة على دفع مشروعها أو إجهاضه. من هنا توظف الهيئة مجموعة من الحوافز لكسب الدعم من المجتمعات المحلية. أما أدواتها في ذلك فتتضمن: توفير الخدمات الاجتماعية، سياسات الإكراه، نشر الإيديولوجية. أما فيما يتصل بمفاضلتها لاستخدام أداة أكثر من غيرها فيعود إلى اعتبارات عدة أبرزها: مستوى تمكّنها وسيطرتها، الكلف المدفوعة والنتائج المتحققة، التيار المهمين على صنع القرار ومنفذيه.

  1. توفير الخدمات الاجتماعية: الإدارة العامة للخدمات

تعتبر الإدارة العامة للخدمات الذراع الخدمي لهيئة تحرير الشام في المناطق التي تنتشر فيها، وقد تشكلت من قبل جبهة النصرة في وقت سابق من عام 2013 على خلفية قرارها بالانفصال عن "الإدارة الإسلامية للخدمات" ([10])، وتتكون الإدارة العامة للخدمات من عدد من المؤسسات الخدمية على المستوى المناطقي العام "إدلب، حلب، حماة. إلخ" لتكون أشبه بوزارات خدمية، ترتبط بعدد من المديريات الخدمية على المستوى القطاعي "قطاع الحدود، قطاع البادية، قطاع حلب المدينة. إلخ"، التي ترتبط بدورها بالبلديات المشكلة من قبل الإدارة العامة للخدمات، والتي يمكن اعتبارها النواة المحلية الأصغر المسؤولة عن تنفيذ توجيهات مؤسسات وهيئات الإدارة العامة للخدمات ([11])، ومن خلالها يتم الاحتكاك بالسكان المحليين وتوفير الخدمات لهم كما في بلديات حارم وسلقين ودركوش وتلمنس. أما في المناطق التي لا تتوافر فيها بلديات تتبع للهيئة، فيتم العمل فيها بواسطة المؤسسات والمديريات الخدمية للإدارة العامة، وذلك بالتعاون أو بالاستقلالية عن الأجسام الخدمية القائمة ([12])، أو من خلال مجالس محلية تهيمن عليها الهيئة ([13]).

 

     الرسم البياني رقم (3): هيكلية الإدارة العامة للخدمات ([14])

تدرك الهيئة أهمية توفير الخدمات للسكان المحليين لكسب تأييدهم وتجنيد متطوعين جدد لمشروعها، كما تعلم أن التزامها بتوفير الخدمات الأساسية يضعف منافسيها "المجالس المحلية، هيئة إدارة الخدمات"، ويقلّل من مناهضة السكان لسياسات الإكراه المنفذة من قبلها، إلا أنها وعلى الجانب الآخر تدرك عجزها عن تحمل الكلف المرتفعة الناجمة عن توفير جميع الخدمات، الأمر الذي يفسر تركيزها على الخدمات الأكثر حيوية للسكان والتي من خلالها تستطيع التأثير أو التحكم بالمجالس المحلية كالمياه والكهرباء ([15])، في حين أنها ترهن توسيع نطاق خدماتها الأخرى بتوافر الموارد من جهة وحاجتها لتحقيق التمكين الكلي من جهة أخرى. 

تعمل الهيئة على شغر المناصب الخدمية بعناصر سوريين مدنيين يغلب عليهم المحلية، بما يمكنها من نسج علاقات إيجابية مع السكان المحليين ([16])، أما مصادر تمويل خدماتها، فتعتمد الهيئة بشكل أساسي على شبكات الدعم الخارجية سواءً تلك التي يوفرها المركز أو المتعاطفين معها، إضافة للضرائب المحلية المفروضة على السكان المحليين لقاء الخدمات التي توفرها الهيئة بشكل مباشر، والرسوم التي تفرضها على حركة المرور التجاري مستغلة سيطرتها على خطوط الإمداد والتموين في شمال غرب سورية( [17]) ، وكذلك الأتاوات المفروضة لقاء تأمين الحماية أو السماح للمنظمات بالعمل ضمن مناطقها ([18])، إضافةً لتحصيل الغرامات بحجة مخالفة أوامرها، علاوةً على الموارد المالية المتأتية من بيع أو استثمار الأملاك العامة.

  1. سياسات الإكراه والتغلب: تكتيكات عنفية وأخرى لاعنفية

تلجأ الهيئة لممارسة سياسات الإكراه ضد خصومها وتبرير ذلك أمام الحواضن المحلية بذرائع متعددة منها: الإفساد في الأرض، التعاون مع الغرب أو النظام، إقامة شرع الله...إلخ، وتتنوع أساليب الهيئة في ممارسة الإكراه بين أسلوب مباشر يتم بواسطة ذراعها العسكرية كما حصل في حملتها على عدد من الفصائل في الشمال السوري كالجبهة الشامية وتجمع فاستقم وصقور الشام وجيش الإسلام وجيش المجاهدين ([19])، أو من خلال ذراعها الأمنية ([20]) لفرض توجهاتها على السكان المحليين ومعاقبة الأفراد والهيئات المناهضة لها، أو بأسلوب غير مباشر من خلال اتباع تكتيكات لاعنفية تهدف إلى فرض رؤيتها على السكان المحليين أو تكوين رأي عام تجاه قضية معينة، ويتم ذلك من خلال ذراعيها الدعوي والإعلامي ومن أمثلة ذلك، تنظيم الحملات الشرعية في المساجد والمناطق العامة لفرض إيديولوجيتها، أو إخراج مظاهرات ضد خصومها([21]).

  1. الإيديولوجية: ثنائية القضاء والدعوة

اعتمدت "هيئة تحرير الشام" على تجارب "القاعدة المركزية" وفروعها فيما يتصل بضرورة التطبيق الانتقائي والتدريجي لأحكام الشريعة الإسلامية، وذلك لتجنب الصدام مع السكان المحلين ([22])، الأمر الذي أكده الجولاني في مناسبات متعددة. وتقوم الهيئة باعتماد ثنائية القضاء والدعوة لفرض نفوذها والتحصل على الدعم المجتمعي، فمن جهة ورثت الهيئة دُور القضاء التي شكلتها النصرة سابقاً في مناطق تواجدها كدور القضاء في سلقين وسرمدا ودركوش..إلخ، وتمنح دُور القضاء الهيئة نفوذاً داخل المجتمعات المحلية باعتبارها أداة لها مصداقية في فرض قانونها المبني على رؤيتها الخاصة للشريعة الإسلامية ([23])، إضافة لما تخولها إياها من صلاحيات وتبريرها كالاستيلاء على الأموال والممتلكات العامة ومصادرة ممتلكات خصومها بحجج شرعية([24]).

على الجانب الآخر، تعتمد الهيئة على مكتب الدعوة والإرشاد ([25])، للقيام بحملات التعبئة الإيديولوجية والحشد المجتمعي لمشروعها بين السكان المحليين، ويلاحظ في هذا الصدد أن قدرة الهيئة على الانتشار والتعبئة الإيديولوجية أكثر تأثيراً في المناطق الريفية منها في الحواضر المدنية الكبرى في محافظة إدلب كما في معرة النعمان وسراقب وكفرنبل، والتي تمتلك مجتمعات مدنية فعالة تحد من قدرة الهيئة على النفاذ إليها.

مقاربة هيئة تحرير الشام للمجالس المحلية: نهجٌ مصلحي يتهدد المجالس

تحظى إدلب بأهمية حيوية في سياق الصراع الدائر في سورية، وذلك باعتبارها المحافظة الوحيدة المحررة بشكل شبه كلي، فضلاً عن تمتعها بموقع جغرافي متميز يجعلها صلة الوصل بين المناطق الساحلية والوسطى والشمالية، إضافة لتصدرها قائمة مناطق سيطرة المعارضة من حيث عدد المجالس المحلية العاملة فيها، علاوةً على كونها مركز الثقل الرئيسي لهيئة تحرير الشام.

وبالنظر إلى الهيئات الخدمية العاملة في محافظة إدلب فتشتمل على: الإدارة المدنية للخدمات التابعة لجيش الفتح، هيئة إدارة الخدمات التابعة لحركة أحرار الشام الإسلامية، الإدارة العامة للخدمات التابعة لهيئة تحرير الشام، الحكومة المؤقتة والهيئات والمديريات والمجالس المحلية التابعة لها، منظمات المجتمع المدني. فيما يتعلق بالمجالس المحلية العاملة في محافظة إدلب فيقدر عددها بــ 156 مجلس فرعي بحسب مجلس محافظة إدلب الحرة، تتوزع إدارياً وفق الآتي: ([26]) الرسم البياني رقم (4): توزع المجالس المحلية في محافظة إدلب بحسب التقسيمات الإدارية

إضافة لما سبق يتواجد عدد من المجالس المحلية في القرى والمزارع التي لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية بحسب الأنظمة واللوائح المعمول بها من قبل وزارة الإدارة المحلية في الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة، وقد تشكلت تلك المجالس إما بمبادرة فردية من قبل وجهاء تلك القرى طلباً للدعم من المنظمات، أو بتوجيه من الفصائل العسكرية الساعية لتعزيز شرعيتها المحلية ([27]).

أما فيما يتعلق بالمجالس المحلية القائمة في مناطق التواجد المكثف لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، فيقدر عددها بــ 81 مجلس تتوزع بحسب التقسيمات الإدارية وفق الشكل رقم (5)، إضافة لتواجد 43 مجلس قرية.

الرسم البياني رقم (5): التقسيمات الإدارية للمجالس المحلية في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام

تتباين مرجعية تلك المجالس، حيث يتبع جزء كبير منها لمجلس محافظة إدلب الحرة الذي يعتبر بدوره جزء من الحكومة السورية المؤقتة ([28])، بينما لا يقر بعضها بالتبعية الإدارية لمجلس المحافظة، في حين يتبع عدد آخر من المجالس للإدارة العامة للخدمات تشكيلاً أو إشرافاً كما في حارم وسلقين.

تتفاوت المجالس المحلية فيما بينها من حيث فعاليتها وطبيعة دورها، ويعزى ذلك إلى عدة عوامل منها: الإمكانيات، الشرعية، حجم الوحدة الإدارية، العمليات العسكرية، العلاقة مع "هيئة تحرير الشام"، وتسعى تلك المجالس لتوفير الخدمات الأساسية لمجتمعاتها المحلية ما أمكنها ذلك، بما يتضمن عمليات الإغاثة وإصلاح البنية التحتية وتوفير خدمات الصحة والتعليم والدفاع المدني والأمن المحلي سواءً بمفردها أو بالتشارك مع الهيئات الخدمية "الشرطة الحرة والدفاع المدني" ومنظمات المجتمع المدني. أما مصادر الدعم المادي للمجالس، فمتعددة وفي مقدمتها الدعم الذي توفره الجهات المانحة عبر منح مالية أو مشاريع تشغيلية أو مواد عينية، في حين يعتبر الدعم المقدم من قبل الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة محدوداً من حيث الكم ومتقطعاً من حيث تواتره، كذلك تعتمد المجالس المحلية على مصادرها الذاتية كالجباية المحلية واستثمار الأملاك العامة وعوائد المشاريع التنموية، يضاف لما سبق الدعم المادي واللوجستي الذي توفره الإدارة العامة للخدمات لبعض المجالس سيما تلك التي تتبع لها([29]).

تدرك "هيئة تحرير الشام" الأهمية التي يحظى بها مشروع المجالس المحلية سواءً في الوقت الراهن لما تقوم به من أدوار خدمية وتمثيلية تقربها من السكان المحليين، أو بالنسبة للدول والجهات الداعمة باعتبارها قنوات أساسية لتمرير الدعم وتنفيذ مشاريع التدخل الإنساني والتنموي حالياً، وباعتبارها ركائز أساسية في تطبيق الحل السياسي مستقبلاً. لكن وعلى الجانب الآخر، تدرك الهيئة حالة التضاد القائمة بين مشروعها الرامي لبناء مقومات التمكين تدريجياً في مسعاها لإقامة "حكمها الإسلامي"، ومشروع المجالس المحلية الذي يعتبر تجسيداً لحالة الدولة ونواتها الأساسية. من هنا تتبنى الهيئة مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية محكومةً بالعوامل التالية: 1) مستوى تمكن الهيئة ونمط انتشارها، 2) توافر الموارد،3) موقف الحاضنة الشعبية، 4) الدور المركزي للمجلس وشرعيته، 5) تواجد شركاء داعمين للمجلس.

استناداً لما سبق، يمكن إيجاز المقاربات التي تتبناها الهيئة تجاه المجالس المحلية في ثلاث وفق الآتي:

  1. التعاون المصلحي: تميل الهيئة للتعاون المصلحي مع المجالس المحلية في قضايا محددة، خاصة فيما يتعلق بقطاعي الكهرباء والمياه نظراً لهيمنة الإدارة العامة للخدمات على خطوط إمداد الطاقة الكهربائية ومحطات المياه ([30])، ويتم ما سبق من خلال صيغ تفاوضية غير رسمية تحدد دور والتزامات كل طرف ([31])، وقد تطلب الهيئة لقاء خدماتها بدل مادي أو دعم إغاثي أو معدات لوجستية من المجلس المحلي ([32]). كما تقوم الهيئة عبر ذراعها الخدمي بتوفير الدعم اللوجستي ([33]) أو المادي للمجالس في تنفيذها لنشاط خدمي معين. تضطر الهيئة لتبني هذه المقاربة حينما لا تتحقق لها السيطرة المكانية بشكل كلي، لتكون جزء من تحالف أوسع من الفصائل المسيطرة على منطقة عمل المجلس كما في سراقب ([34])، كما تميل للتعاون المصلحي في مناطق المدن الكبرى والتي لا تحظى فيها بقبول شعبي كما في معرة النعمان ([35])، وتعتبر شرعية المجلس ودوره الخدمي المركزي وتوافر شركاء داعمين له من منظمات داعمة وشركاء محليين منافسين للهيئة "كهيئة إدارة الخدمات" ([36]) عوامل أساسية تجبر الهيئة على التعاون مع المجلس أو تجنب التدخل فيه تحاشياً لإثارة الحاضنة الشعبية ضدها ([37]).
  2. الاحتواء فالاختراق: تسعى الهيئة إلى احتواء واختراق المجالس المحلية وتوظيفها ([38]) بغية تمكين مشروعها محلياً على المدى البعيد، وتميل الهيئة إلى هذه المقاربة في المناطق التي تعتبر فيها مكوناً رئيسياً على الصعيد العسكري، كذلك في المناطق التي لا يتوافر فيها بنى إدارية تتبع لها ([39]) بسبب ضعف مواردها لتغطية هذه المنطقة خدمياً، إضافة للمناطق التي تحظى فيها بحاضنة شعبية تمكنها من الضغط على المجالس سيما في الريف الإدلبي، علاوةً على المناطق المخدّمة من قبل مجالس تفتقد للاستقرار الوظيفي والمجتمعي. تمارس الهيئة عملية الاحتواء واختراق المجالس بواسطة عدة أدوات مباشرة كتزكية بعض الأشخاص للعمل في المجلس ([40])، أو فرض شخصيات محسوبة عليها لعضوية المجلس أو الهيئات الناخبة له ([41])، أما الأدوات غير المباشرة للاحتواء والاختراق فمتعددة ومنها، التأثير في عملية اتخاذ القرار ([42]) أو تنفيذه ([43]).
  3. الإقصاء: تقوم الهيئة في هذه المقاربة بإقصاء المجالس المحلية وإنهاء عملها لصالح أجسام خدمية تقوم بتشكيلها هي ([44])، وتلجأ الهيئة لهذه المقاربة في المناطق التي لا تجد من ينافسها السيطرة عليها مكانياً، وكذلك في المناطق التي تعتبر حيوية لوقوعها على طرق الإمداد وخطوط النقل التجاري كما في مجالس قطاع الحدود كحارم ودركوش. كما تلجأ الهيئة لهذه المقاربة في مناطق المجالس ذات الشرعية المهتزة والدور الخدمي الضعيف، وكذلك في المناطق التي لا تقر بها مجالسها بشرعية الهيئة ودورها كما حصل في سنجار ([45]) وسلقين على سبيل المثال ([46]).

تعزيز منظومة المجالس المحلية: ثلاثية المجتمع المدني والإدارة الفعالة والموارد

تحظى المجالس المحلية في محافظة إدلب بأهمية باعتبارها معياراً لمدى نجاح التجربة وإمكانية البناء عليها مستقبلاً، وفي حين تواجه عموم مجالس المحافظة تحديات منبعها ضعف الموارد وعلاقات التنافس المحلية ذات الطابع السلبي، والسياسات المتضاربة للفاعلين المنخرطين في الصراع السوري، فإن المجالس العاملة في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" والتي لا تتبع لها، تواجه مخاطر جدية تستهدف استمراريتها بحكم دفع الهيئة لتجربتها في الحكم المحلي عبر سياسات التمكين والإكراه. وفي حين يمكن أن يوصى بسياسات عامة لدعم المجالس المحلية بغية تمكينها، فإنه يتوجب على الجهات الداعمة وضع مقاربة خاصة لدعم المجالس الواقعة ضمن مناطق الهيئة لدعمها بشكل استثنائي، وذلك بإدراكها أولاً لبيئة عمل المجلس وبما يجنبها إثارة ردود فعل سلبية تعرض المجالس للخطر من قبل القوى المحلية، إضافةً لأهمية عملها وفق سلم أولويات موجه لتمكين المجالس المحلية وعلى مراحل زمنية.

بناءً على ما سبق ولتعزيز منظومة المجالس الواقعة ضمن مناطق الهيئة ومنحها المناعة الكافية بما يُمكنها من تلافي الوقوع في ثلاثية الهيئة (التعاون المصلحي، الاحتواء فالاختراق، الاقصاء) فإنه يوصى بالعمل على ما يلي:

  1. المجتمع المدني الفعال: تفيد التجربة بأن تمتع المناطق بمجتمع مدني قوي داعم للمجلس المحلي، يعزز من قدرتها على التصدي لمحاولات الهيئة الاستحواذ على مجالسها أو إقصائها، من هنا يتوجب اتباع سياسات تستهدف بناء مجتمع مدني داعم للمجلس المحلي، وذلك عبر الخطوات التالية:
  • استكمال بناء قدرات منظمات المجتمع المدني من خلال دورات التدريب والتأهيل.
  • إنشاء منتديات للحوار المجتمعي مهمتها تعزيز التواصل ومأسسته بين المجالس ومنظمات المجتمع المدني.
  • الاستمرارية في دعم منظمات المجتمع المدني العاملة مع المجالس القائمة في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام".
  • العمل على آليات بناء الرأي العام وتفعيل مشاركته في قضايا المجتمعات المحلية بما في ذلك التصدي لمحاولات الفصائل ومن ضمنها "هيئة تحرير الشام" التدخل في عمل الهيئات المدنية، ويتم ذلك من خلال تأسيس إذاعات محلية أو جرائد محلية.
  1. الإدارة المحلية الفعالة: إن تمتع المجالس باستقرار بنيوي وبروابط تنظيمية متماسكة مع المنظومة الإدارية التي تعتبر جزء منها، يعزز من قدرتها على الاستمرارية في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام"، ومن هنا تتجلى أهمية بناء إدارة محلية قوية، ولتحقيق ذلك ينصح بالعمل على:
  • تعزيز تماسك المنظومة الإدارية التي تنتمي لها المجالس المحلية، وذلك بتوفير الدعم اللازم لمجلس محافظة إدلب، إضافة لحصر تعامل الجهات الداعمة معهما باعتبارهما قنوات رسمية للتواصل مع المجالس الفرعية.
  • استكمال بناء القدرات المؤسساتية للمجالس الواقعة ضمن مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، وتطوير أدائها وفق نتائج تقييم الأداء.
  • تحييد المجالس المحلية ومجتمعاتها الواقعة ضمن مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" عن عمليات الاستهداف العسكرية التي تشنها قوات النظام والميليشيات الموالية لها وروسيا بحجة تواجد الهيئة.
  1. بناء الموارد المحلية: من المهم العمل على مقاربة شاملة تستهدف بناء موارد المجالس المحلية المادية والبشرية على حد سواء، وبما يعزز من دورها المركزي في توفير الخدمات دون الحاجة إلى التعاون مع الجسم الخدمي التابع للهيئة، وفي سياق بناء الموارد المحلية ينصح بما يلي:
  • إتباع منهجية متكاملة لبناء الموارد البشرية للمجالس من خلال:
  • توفير التدريب النظري والعملي اللازم للكادر بناءً على نتائج تقييم الأداء والاحتياجات.
  • تأمين رواتب مستقرة لأعضاء المجالس.
  • إنعاش الاقتصاديات المحلية عن طريق تأمين مصادر مستقلة من الطاقة الكهربائية بعيداً عن سيطرة الهيئة.
  • تنمية الموارد الذاتية للمجالس المحلية من خلال:
  • تأسيس صندوق مالي لدعم المبادرات التنموية ذات المردود الاقتصادي.
  • تعزيز قدرات المجالس المالية والتنظيمية فيما يتصل بإدارة الأملاك العامة والجباية المحلية.

الخاتمة

تولي "هيئة تحرير الشام" أهمية لمسألة الحكم المحلي، حيث ترهن استمرارية مشروعها وتطوره الهادف لتحقيق رؤيتها للحكم الإسلامي، بمدى نجاحها في إدارة علاقاتها مع السكان المحليين ونيل دعمهم لمشروعها، وقد استفادت الهيئة من تجارب الحكم المحلية "للتشكيلات الجهادية" التي انبثقت عنها، وخلاصة توجيهات المركز "القاعدة" وتجارب فروعه في ساحات "الجهاد العالمية"، لتؤسس تجربتها في الحكم المحلي من خلال المزواجة بين مجموعة من الحوافز الإيجابية والسلبية لنيل دعم السكان المحليين، وبواسطة بنية تنظيمية مركبة ذات قدرة على التكيف مع المتغيرات الحاكمة للصراع السوري.

تدرك "هيئة تحرير الشام" تواجد عدة عقبات تعترض تمكين مشروعها في الحكم المحلي ومنها المجالس المحلية، حيث تُعتبر الأخيرة تجسيداً لحالة الدولة الوطنية ونواتها الأساسية، وعلى الرغم من حالة التضاد هذه بين مشروع الهيئة والمجالس من حيث طبيعة كل منهما وأهدافه، تدرك الهيئة القيمة الحيوية التي يمثلها مشروع المجالس المحلية لما تقوم به من أدوار خدمية وتمثيلية تمنحها الشرعية المحلية، أو بالنسبة للدول والجهات الداعمة باعتبارها قنوات أساسية لتمرير الدعم للمجتمعات المحلية وتنفيذ مشاريع التدخل الإنساني والتنموي راهناً ومستقبلاً. من هنا تتبنى الهيئة مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية تشتمل على التعاون المصلحي والاحتواء فالاختراق والإقصاء، الأمر الذي يتهدد استمرارية المجالس، والتي بمقدار ما تتمكن من تعزيز دورها الخدمي وتأكيد شرعيتها المحلية، إضافة لمأسسة شراكاتها مع القوى المحلية المؤمنة بمشروع الدولة الوطنية، وزيادة ترابط منظومتها الإدارية مع الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة، علاوةً على تعزيز استقلاليتها في توفير مواردها باعتمادية أقل على الداعمين، عندئذ تتمكن من تجاوز التحدي الذي تفرضه عليها "هيئة تحرير الشام"، وإعطاء دفعة للإدارة المحلية على طريق إعادة بناء الدولة الوطنية.

 


([1]) البيان التأسيسي لجبهة النصرة، موقع يوتيوب، تاريخ 25-5-2012، رابط إلكتروني https://goo.gl/YeBgbi

([2]) يقول الباحث محمد أبو رمان في هذا الصدد: تستند السلطة العلمية المرجعية لجبهة النصرة أساساً إلى السلفية الحركية التي نشأت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وتتبع المدرسة الجهادية التي وضع أصولها النظرية سيد قطب، وأخذ بها أيمن الظواهري زعيم جماعة الجهاد المصرية والقاعدة لاحقاً، وتبنّاها مروان حديد، مؤسس جماعة "الطليعة المقاتلة في سورية، وبلور أطروحاتها عبد الله عزام الأب الروحي للأفغان العرب في أفغانستان، وطوّر مستنداتها أبو مصعب السوري في الشتات. إذاً، ثمة روافد متعددة لأيديولوجيا النصرة، للمزيد مراجعة، محمد أبو رمان، "السلفية الجهادية": داعش والنصرة من إدارة التوحش إلى فقه الدماء، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، مجلد 26/ عدد 101، شتاء 2015، رابط إلكتروني https://goo.gl/0daqZC

([3]) Charles Lister, Profiling Jabhat al-Nusra, Brookings, Date: July 27, 2016. Link https://goo.gl/otk0JT

([4]) حدد الجولاني خمسة أهداف لتشكيل جبهة فتح الشام وهي: 1) إقامة دين الله وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين كل الناس، 2) التوحد مع الفصائل لرص صفوف المجاهدين وتحرير أرض الشام والقضاء على النظام وأعوانه، 3) حماية الجهاد الشامي والاستمرار فيه واعتماد كافة الوسائل الشرعية المعينة على ذلك، 4) السعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وأحوالهم والتخفيف من معاناتهم بكافة الوسائل الممكنة، 5) تحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس. للمزيد مراجعة: إعلان تشكيل جبهة فتح الشام -الشيخ الفاتح أبو محمد الجولاني، موقع يوتيوب، تاريخ 28-7-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/wDz7Os

([5]) هيئة تحرير الشام تشكيلها وقياداتها وسلسلة الانضمامات، شبكة شام الإخبارية، تاريخ 28-1-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/Y3lfFw

([6]) حول هذا الموضوع مراجعة، آرون لوند، الدوّامة الجهادية، مركز كارنيجي، تاريخ 28-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/8ShXrp

([7]) تكونت هيئة تحرير الشام من اندماج ما يقارب 67 فصيل متفاوتين من حيث القوة والعدد، وحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([8]) أحمد أبا زيد، التنافس الكبير: بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، موقع إدراك، رابط إلكتروني https://goo.gl/Efr7qu

([9]) حول هذا الموضوع يمكن مراجعة، دانيال غرين، استراتيجية القوة الناعمة لـ تنظيم «القاعدة» في اليمن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ 23-1-2013، رابط إلكتروني: https://goo.gl/L8SGqq

([10]) تحديات تواجه الإدارة العامة للخدمات بحلب، الجزيرة نت، تاريخ 31-3-2014، رابط إلكتروني https://goo.gl/GmzdYc

([11]) تعميم من الإدارة العامة للخدمات/ مديرية الخدمات الفنية بالحدود إلى بلدية حارم، الصفحة الرسمية لبلدية حارم، تاريخ 20-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/o8Yz6O

([12]) تعاون المجلس المحلي في كفردريان مع الإدارة العامة للخدمات لتوصل خطء الكهرباء، الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في كفردريان، تاريخ 19-10-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/iOXzgP، أيضاً، محطة كهرباء “سراقب” تغذي منازل قرية “معردبسة” بالتيار الكهربائي، راديو الكل، تاريخ 30-3-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/uO5bvg

([13]) أشار عضو في المجلس المحلي لبلدة سنجار إلى تبعية المجلس للإدارة العامة للخدمات، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع عضو من المجلس المحلي لبلدة سنجار، تاريخ 21-5-2017.

([14]) هيكلية بلدية حارم التابعة للإدارة العامة للخدمات، الصفحة الرسمية ‏للإدارة العامة للخدمات بلدية حارم‏ على الفيس بوك، تاريخ 21-5-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/NfRXBG

([15]) جانب من أعمال صيانة المحولة الرئيسية في محطة كهرباء "الزربة" وإعادتها للخدمة، الصفحة الرسمية للإدارة العامة للخدمات على الفيس بوك، تاريخ 1-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/lpDP2K

([16]) أشار الأستاذ فاضل برهان عمر رئيس المجلس المحلي لتلمنس إلى تواجد فروق في تعاطي النصرة سابقاً والهيئة مع المجالس المحلية، حيث كان يتم التعامل سابقاً من قبل العسكر أما حالياً فيتم من خلال مدنيين. حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماع مع الأستاذ فاضل برهان عمر رئيس المجلس في بلدة تلمنس، تاريخ 27-4-2017.

([17]) Charles Lister, Profiling Jabhat al-Nusra, Brookings, Date: July 27, 2016. Link https://goo.gl/otk0JT

([18]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أحد العاملين في المنظمات الناشطة في محافظة إدلب، تاريخ 22-5-2017.

([19]) أحمد أبا زيد، خطة الجولاني الأخيرة.... الحرب بحثاً عن السياسة، موقد إدراك، تاريخ 9-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/4sTImj

([20]) سلطان جلبي، سجون «هيئة تحرير الشام» تشبه سجون النظام... مع تعذيب «أيديولوجي»، الحياة، تاريخ 13-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/RWHsLq

([21]) مظاهرات في إدلب مؤيدة لـ"تحرير الشام" و رافضة لاتفاق "الأستانة4"، موقع MICRO SYRIA، تاريخ 12-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/cOJ6z7

([22]) دانيل غرين، حكومة الظل التابعة لـ تنظيم «القاعدة» في اليمن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ 12-12-2013، رابط إلكتروني https://goo.gl/qYjOeG  

([23]) دار القضاء تمنع بيع أو شراء العقارات من قبل الطوائف المسلمة حديثا، جريدة زيتون، تاريخ 1-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/ANWN6c

([24]) YASIR ABBASMAY, HOW AL QAEDA IS WINNING IN SYRIA. War on the Rocks. Date. 10-5-2016. Link https://goo.gl/kUSDvF

([25])  بريق الدعوة مكتب الدعوة والإرشاد جبهة النصرة، موقع يوتيوب، تاريخ 8-4-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/JeMqU8

([26])  حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ محمد خطاب مدير مديرية المجالس المحلية في مجلس محافظة إدلب الحرة، تاريخ 19-5-2017.

([27])  حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ محمد سليم خضر عضو المكتب التنفيذي في مجلس محافظة إدلب الحرة/ مكتب العلاقات العامة، تاريخ 19-5-2017.

([28]) أشار الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمدينة معرة النعمان إلى تبعية المجلس تنظيمياً لمجلس المحافظة وللحكومة المؤقتة، إلا أنه مستقل من الناحية العملية. حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمدينة معرة النعمان، تاريخ 22-5-2017.

([29]) شكر الإدارة العامة للخدمات لمساهمتها بتحمل بعض نفقات مد شبكة المياه في بلدة كللي، الموقع الرسمي لمجلس بلدة كللي على الفيس بوك، تاريخ 21-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/Zlaejz

([30]) سعيد غزول، "مجلس سرمدا" في إدلب يعاود ضخ المياه بعد عودة الكهرباء، وكالة سمارت للأنباء، تاريخ 21-7-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/Udyai6

([31]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أسامة الحسين الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب، تاريخ 21-5-2017.

([32]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي في معرة النعمان، تاريخ 22-5-2017.

([33])  قيام الإدارة العامة للخدمات بتقديم العدم للمجلس المحلي في بلدة أبو الظهور لفتح الطريق لمكب النفايات، الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في بلدة أبو الظهور، تاريخ 11-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/xtIATZ

([34]) أشار الأستاذ أسامة الحسين، الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب إلى تواجد عدة فصائل في مدينة سراقب وهي: لواء جبهة ثوار سراقب، أحرار الشام، ومقر لهيئة تحرير الشام، ويعتبر لواء جبهة ثوار سراقب المرجعية والمسؤول العسكري باعتباره فصيلاً محلياً، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أسامة الحسين الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب، تاريخ 21-5-2017. 

([35]) أشار الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمعرة النعمان إلى المحاولات التي قامت بها الهيئة والنصرة سابقاً للسيطرة على المجلس وإقصائه وفرض بلدية تتبع لهم كبديل عن المجلس المحلي، إلا أن شرعية المجلس وحيازته على دعم السكان وكذلك موقف منظمات المجتمع المدني المؤيدة له، أفشلا تلك المساعي، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمعرة النعمان، تاريخ 22-5-2017.

([36])  YASIR ABBASMAY, HOW AL QAEDA IS WINNING IN SYRIA. War on the Rocks. Date. 10-5-2016. Link https://goo.gl/kUSDvF

([37]) أشار الأستاذ أسامة الحسين "الرئيس السابق لمجلس سراقب" إلى أن شرعية المجلس المستمدة من قبل المجتمع المحلي ودوره الخدمي المركزي، إضافة لقوة الحراك المدني في سراقب وتواجد أحزاب سياسية، عوامل أساسية تحد من تدخل الفصائل فيما فيها هيئة تحرير الشام في عمل المجلس، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أسامة الحسين "الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب. تاريخ 21-5-2017.

([38]) Aymenn Jawad Al-Tamimi. Hay’at Tahrir al-Sham and Civil Society in Jabal al-Summaq. Syria Comment. Date 4-4-2017. Link https://goo.gl/ackML9

([39]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع عضو من المجلس المحلي لبلدة أطمة، تاريخ 26-4-2017.

([40])  حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماع مع الأستاذ فاضل برهان عمر رئيس المجلس في بلدة تلمنس، تاريخ 27-4-2017.

([41]) Yasir Abbas. Another "State" of Hate: Al-Nusra's Quest to Establish an Islamic Emirate in the Levant. Hudson Institute, Date: 29-4-2016. Link https://goo.gl/NTA6Li

([42]) أشار أحد أعضاء المجلس المحلي لكفر تخاريم إلى ذلك حينما قال: تميل الفصائل ومنها هيئة تحرير الشام في حال أرادت التدخل في عمل المجلس، إلى الضغط عليه وذلك لتعديل بعض القرارات المتخذة. حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أحد أعضاء المجلس المحلي في كفر تخاريم، تاريخ 29-4-2017.

([43]) اجتماع المجالس المحلية بقطاع المنسي للتشاور حول سبب توقيف المشروع المياه من قبل هيئة تحرير الشام، الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في قرية مجدليا، تاريخ 25-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/h5PyMF

([44]) عمر عبد الفتاح، "محلي" سنجار بإدلب: "فتح الشام" اعتقلت رئيس المجلس لعدم اعترافها فيه، وكالة سمارت للأنباء، تاريخ 3-1-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/6r18s0، كذلك، بعد رفضها تشكيل المجلس. هيئة تحرير الشام تلاحق أعضاء مجلس سلقين المدني وتعتقل بعضهم، شبكة شام الإخبارية، تاريخ 21-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/e8v1wz 

([45]) عمر عبد الفتاح، محلي" سنجار بإدلب: "فتح الشام" اعتقلت رئيس المجلس لعدم اعترافها فيه، وكالة سمارت للأنباء، تاريخ 3-1-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/6r18s0

([46]) تحرير الشام تداهم منازل أعضاء المجلس المحلي في سلقين وتعتقل بعضهم، جريدة زيتون، تاريخ 22-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/zejypf

ضمن تغطيتها الإخبارية، حاورت قناة الرافدين بتاريخ 20 حزيران 2017، الباحث معن طلاع من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية حول التصريحات الروسية الأخيرة باستهداف أي طائرة للتحالف تُرصد غرب النهر ضمن مناطق عملياتها العسكرية.