Print this page

شهد شهر كانون الثاني 2026 تحولات استراتيجية أعادت رسم خارطة السيادة السورية، بدءاً من انكسار مشروع "قسد" ميدانياً وعبر تفاهم سياسي يعيد دمج مناطق شرق وغرب الفرات في مؤسسات الدولة، مروراً بنجاحات أمنية في تفكيك خلايا "داعش" والقبض على ضباط كبار من مرتكبي الانتتهاكات بحق المدنيين. ورغم محاولات التصعيد الخارجي على الجبهة الجنوبية؛ إلا أن المشهد المتداخل يؤكد استعادة دمشق لزمام المبادرة كضامن للأمن الإقليمي.

من الشيخ مقصود والأشرفية إلى دير حافر ومسكنة: انهيارات "قسد" المتسارعة

شهدت مناطق سيطرة "قوات سوريا الديموقراطية" تحولات عسكرية جذرية ومتسارعة خلال الفترة الممتدة من 14 إلى 20/1/2026، بدأت بتصعيد مفاجئ بين "قسد" المتمركزة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية والجيش السوري، تطور لإرسال الجيش حشوداً عسكرية ضخمة باتجاه الحيين، واستهداف "قسد" عدة أحياء في مدينة حلب كالميدان والسريان والخالدية بوابل من قذائف الهاون، موقعة عدداً من الضحايا المدنيين بينهم نساء وأطفال، ثم صعّدت موقفها أكثر مستخدمة المسيرات الانتحارية ضد منشآت حيوية في المدينة مثل مشفى الرازي وكازية "تتان"، الأمر الذي دفع الجيش السوري للرد الفوري بتدمير مستودعات صواريخ "غراد" ومنصات إطلاق تستخدمها "قسد" داخل الحيين.

وقد أعلنت وزارة الدفاع عن مهلة إنسانية لخروج المقاتلين بسلاحهم الفردي عبر طريق الكاستيلو، لكن رفض عدد من القيادات والعناصر؛ أدى لاشتباكات مع قوافل الإجلاء والفرق الأمنية ثلاث مرات متتالية أوقعت إصابات بين عناصر الأمن الداخلي، وإعلان الجيش الحيين "منطقة عسكرية مغلقة"، وبدء عملية اقتحام شاملة من جميع المحاور تخللتها اشتباكات عنيفة، مما تسبب بانهيار سريع بين صفوف "قسد" ومقتل قيادات محورية مثل "بولات قامشلو" و"زياد حلب"، تلاها بسط السيطرة الكاملة على الحيين وتفكيك الألغام والمفخخات التي خلفتها "قسد" في الشوارع.

تلا ذلك انتقال الثقل العسكري إلى ريف حلب الشرقي، وقد شكلت مدينة دير حافر نقطة الحسم السياسي والميداني، إذ شن الجيش السوري ضربات مركزة بالمسيرات استهدفت غرف عمليات "قسد" ومخازن سلاحها في مطار الجراح وثكنة معمل السكر، ودمر رتلا مصفحاً تابعاً لها قرب سد تشرين. وبعد دخول وفد من التحالف الدولي للقاء قيادات في "قسد" أصدرت الأخيرة قرارها بالانسحاب الكامل من المنطقة لعدم قدرتها على المواجهة. ومع تنفيذ الانسحاب، تم تأمّين خروج آلاف المدنيين عبر ممرات فرعية وآمنة، وبسط سيطرة الجيش السوري على دير حافر ومسكنة، وصولاً إلى مطار الطبقة العسكري وحقول نفط صفيان والثورة، مما أنهى وجود "قوات سوريا الديموقراطية" في غرب الفرات بشكل كامل، رغم محاولات الأخيرة عرقلة تقدم الجيش عبر تفجير الجسور الواصلة بين ضفتي الفرات ،جسر تل ماعز، إبراهيم الخليل، وأم تينة، لعزل المنطقة ومنع خروج المدنيين لأسباب تفاوضية.

انكسار "قسد" في الجزيرة السورية: العشائر المحلية وقلب موازيين السيطرة

تزامن انهيار "قسد" غرب الفرات مع انفجار الأوضاع في الجزيرة السورية (شرق الفرات)، حيث قاد أبناء العشائر العربية (العكيدات، البكارة، والولدة) انتفاضة مسلحة كبرى، واستهدفوا نقاط تمركز "قسد" في ذيبان والشحيل والطيانة بضربات مباغتة، مما ساعد الجيش السوري على بسط سيطرته الواسعة على كامل محافظتي الرقة ودير الزور. وبحلول 20 كانون الثاني، كان الجيش قد استعاد أكثر من 85% من الأراضي السورية شرق وغرب الفرات بما فيها أهم منشآت الطاقة.

ورغم صدور بيان من "قوات سوريا الديمقراطية" يدعو لاستمرار القتال و"المقاومة"؛ إلا أن تغير موازين القوى على الأرض فرض "هدوءاً حذراً" برعاية دولية، حيث توقف التقدم العسكري عند تخوم القامشلي ونهر دجلة ومنطقة عين العرب "كوباني"، بينما بقيت تل تمر وجبل عبد العزيز مناطق تماس شهدت اشتباكات متقطعة.

من جهتها، أعلنت الرئاسة السورية عن "تفاهم إطاري"، يركز على دمج القوى العسكرية والأمنية التابعة لـ "قسد" في هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية، وإلحاق المؤسسات المدنية بكيان الدولة الرسمي، وتمثيل المكون الكردي في السلطة التنفيذية، بعد إصدار المرسوم 13 الذي يمنح الجنسية السورية للأكراد غير المجنسين والاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية للكرد. إلا أن تعقيدات الملفات اللوجستية استدعت تمديد المهلة 15 يوماً إضافية بدءاً من 24 كانون الثاني، ليبقى المشهد بحالة ترقب حول ما ستفضي إليه الأمور خلال تلك الفترة.

الجبهة الجنوبية بين التوغل الإسرائيلي والاستعصاء المحلي

لا يزال الجنوب السوري في حالة من اللااستقرار المرتبط بالضغوط الخارجية والاضطرابات المحلية، حيث نفذ الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 15 خرقاً جغرافياً مباشراً، شملت توغلات برية مدرعة في نقاط استراتيجية منها: تلة أبو قبيس وبئر عجم وقرية بريقة، وإقامة حواجز تفتيش عسكرية على طرق حيوية مثل أوفانيا وجباتا الخشب وطريق أم العظام. وفرضت قوات الاحتلال حظر تجوال قسرياً، ونفذت اعتداءات بالقذائف استهدفت بلدة الرفيد ومنازل المدنيين في الحميدية، وصولاً إلى تفجير مشفى الجولان الوطني في مدينة القنيطرة المهدمة؛ في خطوة وُصفت بأنها محاولة لفرض وقائع أمنية تسبق تفعيل "خلية التنسيق المشتركة" المنبثقة عن البيان الثلاثي بين دمشق وتل أبيب وواشنطن.

على جبهة السويداء، لا تزال حالة استعصاء المضهد سمة عامة، حيث يستمر تجميد الجبهات مع محاولات إبقاء قنوات التفاوض الاجتماعي مفتوحة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة تهدد السلم الأهلي. بينما سُجلت خروقات شبه يومية لوقف إطلاق النار شملت محاور: تل حديد والثعلة ورساس والمجادل وبلدة المزرعة، واستَخدمت الفصائل المحلية المسلحة الأسلحة الثقيلة لاستهداف الأمن، مما أدى لوقوع قتلى من قوى الأمن العام وإصابات بين المدنيين، رد عليها الجيش بضربات مركزة لتثبيت خطوط التماس. كما نفذت الأجهزة الأمنية عملية أسفرت عن تحرير 3 مواطنين مختطفين داخل المدينة.

ملف "داعش" بين التفكيك الاستخباراتي والاعتراف بأهلية الدولة

شهد ملف "داعش" تحولات مفصلية على الصعيدين الدولي والداخلي تهدف لإضعاف قدرة التنظيم على إعادة بناء نفسه. فعلى الصعيد الدولي، بدأت تحركات ميدانية تمثلت في بدء الولايات المتحدة عمليات واسعة النطاق لنقل 7000 عنصراً من قيادات وعناصر "داعش" من مراكز الاحتجاز في سورية إلى العراق بمعدل 500 عنصر يومياً، بالتوازي مع ضربات جوية بريطانية فرنسية استهدفت منشآت التنظيم المحصنة تحت الأرض شمال تدمر. أما سياسياً، فحمل تصريح المبعوث الأمريكي لسورية دلالات عميقة خلف اعترافه "بأهلية دمشق" لتولي مسؤولية الأمن والسيطرة على مراكز احتجاز عناصر "داعش"، وهو ما يعكس الأولويات الحالية لواشنطن المتمثلة في التعامل مع دولة موحدة تمكنها من تقليص وجودها العسكري وقادرة على تسلم ملفات "داعش" الشائكة.

على الصعيد الداخلي، كثفت الأجهزة الأمنية السورية نشاطها عقب هروب نحو 120 عنصراً متهماً بالانتماء لـ"داعش" من سجن الشدادي الخاضع لسيطرة "قسد"، وتمكنت وحدات الجيش وقوى الأمن الداخلي من استعادة السيطرة الميدانية والقبض على 90 عنصراً منهم.  كما نجحت الاستخبارات السورية بإلقاء القبض على العسكري العام لولاية الشام الملقب بـ"جابر" في حلب، وتفكيك خلايا نائمة في مناطق استراتيجية كجديدة الشيباني بوادي بردى والكسوة بريف دمشق، والقبض على المسؤولين عن تفجير مسجد الإمام علي بوادي الذهب في حمص. وخلال محاولة تطهير الجيوب المتبقية لـ"داعش"؛ اشتبك الجيش مع خلايا التنظيم في باديتي السخنة والرصافة، بينما أسفرت عمليات مداهمة في ريف دمشق وحلب عن ضبط أسلحة ووثائق كشفت عن مخططات لتنفيذ موجة عمليات انغماسية واغتيالات بهدف زعزعة استقرار العاصمة والمراكز الحيوية.

تفكيك خلايا وشبكات الفوضى

شهد شهر كانون الثاني أكثر من 12 استهدافاً متنوع الأساليب والأهداف، في محافظات حلب وحمص وحماة وإدلب ودرعا ودير الزور، كان أكثرها دموية تصفية كوادر طبية قرب مشفى الكندي في حي عكرمة بحمص، وعمليات استهدفت قيادات محلية وأجنبية أبرزهم التونسي "عصام التونسي" وقيادات سابقة في "حراس الدين"، وصولاً إلى استهداف حواجز عسكرية بكواتم الصوت في السلمية وعين النسر.

في المقابل، تكثّف النشاط الأمني في الساحل والوسط والجنوب للقبض على  رؤوس عسكرية وأمنية ذات رتب عالية من مرتكبي مجازر بحق المدنيين خلال حكم الأسد، أبرزهم: العقيد "عصام طلاس"، و"محمود منصور" المرتبط بماهر الأسد، و"وسيم حمدان" مسؤول مفرزة كفر ناسج، و"نضال دنورة" و"شادي ميهوب" المتورطين في مجازر الحفة وداريا. كما تم تفكيك خلايا مستحدثة كانت تخطط لإحداث الفوضى، أبرزها "سرايا الجواد" في جبلة والقرداحة، وخلية "الملازم عباس" المرتبطة بـ "درع الساحل" في اللاذقية، حيث ضُبط بحوزتها أسلحة وعبوات ناسفة. كذلك، أحبطت الأجهزة الأمنية محاولات تحريض طائفي قادها عناصر سابقون مقربون من آل الأسد، مثل "حيدر علي عثمان" المقرب من عماد الأسد، و"علي مصعب رجوح". ترافق ذلك مع إجراءات حازمة لضبط الحدود مع لبنان، حيث دفع الجيش بتعزيزات ضخمة إلى تلكلخ والزبداني وبلودان لمنع تسلل الضباط الهاربين من الملاحقات، مع ضبط مستودعات أسلحة ثقيلة في مغاور ريف حماة.

وعلى الصعيد الجنائي، فككت مديريات الأمن الداخلي وفروع المباحث الجنائية أكثر من 10 شبكات إجرامية منظمة، مما مكنها من تحرير المنتج الفني "محمد قبنض" في دمشق، والشاب "حسين ديب" في حلب، و3 مخطوفين في عمليات متزامنة بين ريف دمشق ودرعا. وفي ملف مكافحة المخدرات، وجرى التنسيق مع العراق لضبط ملايين حبات الكبتاغون، كما دمرت الجهات المعنبة معامل تصنيع في حماة. وفيما يخص حماية البنية التحتية والممتلكات، فككت الجهات المختصة خلايا لسرقة الكوابل الكهربائية في نوى ودوما، واستردت 24 قطعة أثرية مسروقة من المتحف الوطني بدمشق.