التقارير

لم يكد يُعلن نبأ التوصل إلى تفاهم بين أنقرة وموسكو مؤخراً بخصوص محافظة إدلب حتى سادت حالة من الهدوء النسبي في جميع أرجائها. وبعيداً عن النتائج المتمخضة عن هذا الاتفاق في بعديها السياسي والعسكري؛ شكل البعد الإنساني الوجه الأبرز لهذا الاتفاق في تمكنه من الحؤول دون وقوع كارثة إنسانية كانت ستعد الأكبر في تاريخ النزاع الدائر في سورية عبر الأعوام السبع الماضية. بعد أن باتت المحافظة موئلاً أخيراً للنازحين والمهجرين داخلياً ممن ركبوا موجة النزوح لأكثر من مرة إلى أن استقر بهم المطاف في هذه البقعة من الأرض السورية مبتغين الحفاظ على أرواحهم وعائلاتهم بعد أن اختبروا أهوال الحرب وقسوة الحياة في مناطق سيطرة نظام الأسد، وليشكلوا فيها كتلة بشرية يقترب عددها من مليوني شخص.

تعد قضية النازحون في إدلب من القضايا الشائكة ذات البعد الإنساني والاجتماعي والسياسي، وهم الذين تبلغ نسبتهم 41% من السكان الحاليين في المحافظة، ويتوطن نصفهم تقريباً في مخيمات منتشرة على طول الشريط الحدودي مع تركيا يربو عددها على 280 مخيم، وتمثل المخيمات العشوائية القسم الأكبر منها بنسبة تقارب 86%. ولم يعد يخفى على المتابع لمجريات النزاع في سورية الظروف الإنسانية الصعبة التي يقاسيها سكان هذه المخيمات بمختلف جوانبها الصحية والاجتماعية والتعليمية والمعيشية والنفسية التي أفرزت وستفرز العديد من التداعيات السلبية عليهم.

فقد شكلَّ طول أمد وجودهم في هذه المخيمات وأعدادهم المرتفعة والمتزايدة عاملاً أثقل كاهل المنظمات الإغاثية والإنسانية عن تلبية الاحتياجات المتنوعة لهذه الكتلة البشرية الضخمة، إلى جانب غياب أي رؤية مستقبلية لمصيرهم من قبل الجهات الدولية والمحلية. وما سيشكله ذلك من تحدي مستقبلي في توطينهم وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لهم بعد أن أضحت عودتهم إلى مناطقهم الأصلية مثار تخوف وريبة على مصيرهم، بعد أن بسط النظام وحلفائه سيطرتهم عليها وهم في غالبيتهم من المحسوبين على الفئات المعارضة للنظام في شقيها العسكري والسياسي. وليخلق هذا بالتالي أزمة إنسانية كبيرة تتفاقم تبعاتها وتأثيراتها السلبية يوماً بعد يوم على النازحين أنفسهم وعلى السكان المحليين في مناطق نزوحهم. 

يبقى مستقبل النازحون في محافظة إدلب رهناً للاتفاقات الدولية والإقليمية والتي غالباً ما تخضع لتفاهمات بين الفواعل الرئيسية في الملف السوري. لذا فمع استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه ووجود حالة من الاستقرار النسبي في مناطق مخيمات النزوح؛ يبدو من الأهمية بمكان قيام الجهات ذات الصلة بالنظر في مستقبل قضية النازحين وآليات التعاطي معها من مختلف الجوانب، ووضع تصور مستقبلي حول ذلك يتضمن الإجابة على مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي باتت تؤرق النازحين فضلاً عن السكان المحليين.

وتدور هذه التساؤلات حول حقهم في العودة إلى مناطقهم الأصلية التي نزحوا منها بعد تعرضهم للتهجير القسري، وما هي الضمانات الأمنية والاجتماعية المقدمة لهم في حال عودتهم. وهل سيتم وضع خطط لإدماج النازحين ضمن مجتمعاتهم المحلية الجديدة وما هي متطلبات ذلك وفرص نجاحه، وإلى أي مدى ستتمكن المنظمات الإنسانية من الاستمرار في توفير الدعم اللازم لهذه الكتلة البشرية من النازحين مع عدم وجود أفق واضح بشأن حل قضيتهم وتضاءل الدعم الإنساني المقدم من قبل الجهات المانحة.

ويبقى التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا السياق متمحوراً حول مدى أولوية قضية النازحين في إدلب بالنسبة للدول الضامنة للملف السوري وقيامهم بإدراجها في أي تسوية سياسية قادمة. حيث سترسم الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها من التساؤلات الأخرى ذات الصلة صورة أكثر وضوحاً عن مستقبل النازحين، وما يتطلبه ذلك من وضع آليات للتعامل مع هذا الملف الشائك.  

رغم الغموض الذي لا يزال يحيط بمصير محافظة إدلب وعدم حسمه بشكلٍ نهائي، ستبقى قضية النازحين فيها من التحديات الكبيرة في حاضرها ومستقبلها، مع ما يتطلبه ذلك من الإسراع في وضع حلول مستدامة لها وتحديد مصير هذه الكتلة البشرية الضخمة داخل وخارج مخيمات النزوح. والتي يبدوا أن استمرارها بالشكل الحالي لم يعد مقبولاً لا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية الأخلاقية، بعد أن تردى الوضع الإنساني فيها إلى مستوى لا يمكن تصوره، ناهيك عن الإفرازات الاجتماعية السلبية ضمن هذه المخيمات والتي تتطلب لحظها من جميع الجهات ذات الصلة والتنبيه إلى تداعياتها السلبية على حاضر ومستقبل السكان أنفسهم وعلى مناطق تواجد هذه المخيمات. وذلك في ظل وجود بيئة أمنية غير مستقرة يمكن أن تسَّهِل من عملية استقطاب الأفراد داخل وخارج هذه المخيمات من قبل بعض التنظيمات التي لا تزال فلولها منتشرة في هذه المناطق مستغلة الظروف المادية القاسية لهم وغياب أفق واضح يحدد مصيرهم. 

 

المصدر السورية نت: https://goo.gl/EC59Tf

التصنيف مقالات الرأي

ملخص تنفيذي

  • تعد قضية النازحين في محافظة إدلب من القضايا الشائكة ذات البعد الإنساني والاجتماعي والسياسي. وهم الذين بلغ عددهم (1.621.077) نسمة وما نسبته 41%، في حين شكلَّ عدد السكان القاطنين في مخيمات النزوح (791.640) نسمة وما نسبته 20% من العدد الكلي لسكان المحافظة.
  • يعاني النازحون من تردي الوضع الإنساني والاجتماعي بشكل كبير وعدم القدرة على تلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم، في ظل تفشي البطالة بشكل مرتفع وانعدام سبل المعيشة لدى نسبة كبيرة منهم ووقوعهم تحت خط الفقر المدقع. أضف إلى ذلك المشكلات المرتبطة بانهيار البنية التحتية والوضع الصحي المتردي وغياب المأوى وارتفاع الأسعار والظروف الأمنية الخطرة التي يعيشون ضمنها.
  • جنَّبَ التفاهم الأخير الذي توصلت إليه روسيا وتركيا بخصوص محافظة إدلب من وقوع كارثة إنسانية كبيرة تعد الأكبر في سياق النزاع السوري عبر الأعوام السبع الماضية، نظراً لكون هذه المحافظة تحتضن في ثناياها العدد الأكبر من المهجرين قسرياً والنازحين داخلياً عبر هذه الأعوام من مختلف بقاع الجغرافيا السورية.
  • تسلط الورقة الضوء على البعد الإنساني في محافظة إدلب، وبشكل أكثر تحديداً التركيز على واقع ومصير النازحين بغية وضع حلول استباقية لما يمكن أن تؤول إليه أوضاعهم وفقاً للتطورات المستقبلية المحتملة لمصير المحافظة.
  • تبقى قضية النازحين في محافظة إدلب من التحديات الكبيرة في حاضرها ومستقبلها، وتتطلب وضع حلول مستدامة لهذه الكتلة البشرية داخل وخارج مخيمات النزوح. إذ أنَّ استمرارها بالشكل الحالي لم يعد مقبولاً لا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية الأخلاقية، بعد أن تردى الوضع الإنساني فيها إلى مستوى لا يمكن تصوره، ناهيك عن الإفرازات الاجتماعية السلبية ضمن هذه المخيمات، والتي تتطلب التنبيه من تداعياتها السلبية على حاضر ومستقبل السكان أنفسهم وعلى مناطق تواجدها.

مدخل

تعد قضية النازحين في محافظة إدلب من القضايا الشائكة ذات البعد الإنساني والاجتماعي والسياسي، وهم الذين تبلغ نسبتهم 41% من السكان الحاليين في المحافظة، ويتوطن نصفهم تقريباً في مخيمات منتشرة على طول الشريط الحدودي مع تركيا يربو عددها على 280 مخيم، وتمثل المخيمات العشوائية القسم الأكبر منها بنسبة تقارب 86.4%([1]). في حين تمثل النسبة الباقية مجموعة من المخيمات المخططة ومخيمات الاستقبال والمراكز الجماعية. وعلى امتداد الأعوام الماضية بدأت الكثير من هذه المخيمات تنحو تدريجياً نحو الاستقرار والاستدامة بعد أن تحولت الكثير من الخيم إلى أبنية اسمنتية وتحولت المدن إلى ما يشبه القرى الكبيرة بمسميات أصبحت معروفة من قبل جميع سكان هذه المناطق. أضف إلى ذلك الكثافة السكانية المرتفعة ضمن هذه المخيمات بفئاتها العمرية المتنوعة، ولتشكل مجتمعات جديدة خلقتها ظروف الحرب واضطرار الأهالي للإقامة داخلها.

تعيش محافظة إدلب اليوم حالة من الهدوء النسبي على وقع نتائج الاتفاق الذي جمع كل من أنقرة وموسكو لإنهاء الحراك العسكري عليها. وقد عدً هذا الاتفاق وفقاً للمراقبين بمثابة تسوية سلمية مؤقتة لملف المحافظة يختبر من خلالها بنك الأهداف الأمنية المتفق عليه بين كل من روسيا وإيران وتركيا وفقاً لتفاهمات معينة فيما بينها. ومجنباً بالتالي المحافظة معركة عسكرية كبيرة كانت تهدد في حال وقوعها بكارثة إنسانية يمكن أن تتسبب بأعداد كبيرة من القتلى والجرحى من المقيمين والنازحين، فضلاً عن موجات نزوح جديدة ستعد الأكبر منذ اندلاع النزاع في سورية بداية عام 2011.

وعليه تحاول هذه الورقة قراءة واقع ومصير النازحين داخل محافظة إدلب في ظل المتغيرات العسكرية على الأراضي السورية بعد سيطرة نظام الأسد على الجنوب السوري والغوطة الشرقية التي أدرجت سابقاً ضمن ما يسمى مناطق خفض التصعيد، وما تبع ذلك من عودتها لسيطرة النظام نتيجة للتوافقات بين الفواعل الإقليمين والدوليين ذوي الصلة، وليطرح ذلك تساؤلاً عن مصير محافظة إدلب المندرجة حالياً ضمن مناطق خفض التصعيد. وذلك سعياً لمعرفة أثر التطورات العسكرية المحتملة على مستقبل النازحين فيها، وسط تعقيد وتشابك مصالح اللاعبين الدوليين والإقليمين فيها.

أولاً: النازحون في إدلب ... الواقع والتحديات

لم تهدأ الحملة العسكرية على محافظة إدلب من قبل النظام وحلفائه منذ خروجها عن سيطرته، وشهدت العديد من بلداتها حملات قصف جوي ومدفعي واشتباكات على أطرافها([2]). وبهدف تخفيض حدة التصعيد ووقف إطلاق النار قامت كل من تركيا وروسيا وإيران بالاتفاق على إدراج المحافظة ضمن مناطق خفض التصعيد في اجتماع الاستانة السادس في 15 أيلول من عام 2017. حيث تم تقاسم الأدوار والنفوذ بين هذه الدول لتطبيق ذلك، إلا أن القصور الذي شاب بعض نقاط الاتفاقية وخاصة ما تعلق منه بالملف الأمني، منح الفرصة للنظام والمليشيات الموالية له لاقتحام مناطق جنوب شرق المحافظة في كانون الأول/ديسمبر من عام 2018. ليسيطر على مساحة تقدر بـ 17.5%([3]).  

شهدت المحافظة خلال الأعوام الماضية استقبال موجات كبيرة من النازحين من شتى بقاع الجغرافية السورية بعد تحررها من قبضة النظام السوري، ومشَّكِلة مقصداً اجتذب مئات الآلاف من النازحين إليها فيما بعد، متضمنة حملات التهجير القسري التي اتبعها نظام الأسد على مدار هذه الأعوام لنقل معارضيه من مناطقهم الأصلية لتوطينهم فيها. حيث استقر قسم منهم في مدنها وبلداتها وداخل المخيمات؛ بينما فضَّل البعض الآخر منهم العبور إلى الأراضي التركية. وقد أدى قيام تركيا بإغلاق حدودها في وجه تدفق النازحين إليها مؤخراً إلى ارتفاع الكثافة السكانية فيها بشكل كبير مفاقماً بالتالي من تردي الوضع الإنساني والاجتماعي للسكان، وعدم القدرة على تلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم، في ظل تفشي البطالة بشكل مرتفع وانعدام سبل العيش لدى نسبة كبيرة من النازحين ووقوعهم تحت خط الفقر المدقع، أضف إلى ذلك المشكلات المرتبطة بانهيار البنية التحتية والوضع الصحي المتردي وغياب المأوى وارتفاع الأسعار والظروف الأمنية الخطرة. وليخلق هذا بالتالي أزمة إنسانية كبيرة تتفاقم تبعاتها وتأثيراتها السلبية يوماً بعد يوم على النازحين أنفسهم وعلى السكان المحليين في مناطق نزوحهم.  

وفقاً للعديد من التقارير والإحصاءات الميدانية، بلغ عدد السكان في محافظة إدلب وريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي في شهر آب من عام 2018 ما يقارب من (3.867.663) نسمة. يمثل السكان المقيمين فيها نسبة 58% أي ما يقارب (2.226.736) نسمة، في حين بلغ عدد السكان النازحين (1.621.077) نسمة وما نسبته 41%. كذلك يشكل عدد السكان القاطنين في مخيمات النزوح (791.640) نسمة وما نسبته 20% من العدد الكلي لسكان المحافظة([4]). ويقيمون في المخيمات المنتشرة في مناطق المحافظة القريبة من الحدود التركية، والتي تفتقد غالبيتها لأدنى مقومات العيش الكريم، ويقاسي سكانها مرارة العيش وعوز الحاجة وقسوة الفقر والمرض والجهل. ولتمثل هذه المخيمات الوجه الأبرز لمعاناة النازحين داخلياً، فسكانها هم من النازحين الأشد فقراً ومن بين الفئات الاجتماعية الأشد ضعفاً من النساء وكبار السن والأطفال، والذين يشكلون بمفردهم نصف عدد سكان هذه المخيمات. أضف إلى ذلك أن النسبة الأكبر من هذه المخيمات هي من المخيمات العشوائية التي تشكل نسبة تزيد عن 86% منها كما ذكرنا سابقاً، والتي بناها النازحون بأنفسهم، والتي لا يتم لحظها غالباً من قبل المنظمات الإغاثية نظراً لكثرة عددها وانتشارها العشوائي واكتظاظها الكبير بالسكان مُشَّكِلة مستوطنات واسعة الامتداد يزداد أعداد النازحين فيها يوماً بعد آخر([5]).

لم يعد يخفى على المتابع لمجريات النزاع في سورية الظروف الإنسانية الصعبة التي يقاسيها سكان هذه المخيمات بمختلف جوانبها الصحية والاجتماعية والتعليمية والمعيشية والنفسية التي أفرزت وستفرز العديد من التداعيات السلبية عليهم. فقد شكلَّ طول أمد وجودهم في هذه المخيمات وأعدادهم المرتفعة والمتزايدة عاملاً أثقل كاهل المنظمات الإغاثية والإنسانية عن تلبية الاحتياجات المتنوعة لهذه الكتلة البشرية الضخمة، إلى جانب انتشار حالات الفساد في العديد من هذه المخيمات والعراقيل المرتبطة بإيصال المساعدات إليها مع تنوع الفصائل العسكرية المسيطرة على مناطق هذه المخيمات خلال الأعوام الماضية، وغياب إدارة مركزية موحدة معترف بها للإشراف عليها. أضف إلى ذلك غياب أي رؤية مستقبلية لمصير النازحين داخل وخارج المخيمات من قبل الجهات الدولية والمحلية. وما سيشكله ذلك من تحدي مستقبلي في توطينهم وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لهم بعد أن أضحت عودتهم إلى مناطقهم الأصلية مثار تخوف وريبة من قبل غالبيتهم على مصيرهم، بعد أن بسط النظام وحلفائه سيطرتهم عليها وهم في غالبيتهم من المحسوبين على الفئات المعارضة للنظام في شقيها العسكري والسياسي.

ثانياً: النازحون بين معاناة الحاضر وهواجس المستقبل   

في حين يُنظر إلى التفاهم الذي توصلت إليه كل من أنقرة وموسكو يوم 17 أيلول/سبتمبر الجاري بكونه مجرد اتفاق مرحلي ولا يمكن اعتبار بنوده إلا حلاً مؤقتاً بانتظار التفاهم الجديد أو النهائي بين أنقرة وموسكو([6])، إلا أنه أسهم في تفادي اندلاع معركة كبرى على محافظة إدلب. والتي وصفها الكثير من المراقبين بأنها لو وقعت لكانت من بين أكثر المعارك تأثيراً على الوضع الإنساني في سياق النزاع السوري على مدار الأعوام السبع الماضية، نظراً لما تحمله هذه المعركة من دلالة رمزية لهذه المحافظة التي تحتضن في ثناياها العدد الأكبر من المهجرين قسرياً والنازحين داخلياً عبر هذه الأعوام من مختلف بقاع الجغرافيا السورية([7]). وهم الذين ركبوا موجة النزوح لأكثر من مرة إلى أن استقر بهم المطاف في هذه البقعة من الأرض السورية مبتغين الحفاظ على أرواحهم وعائلاتهم بعد أن اختبروا أهوال الحرب وقسوة الحياة في مناطق سيطرة النظام. لذا فإن تسليط الضوء على واقع ومصير النازحين يعد من الأهمية بمكان بغية وضع تصور لما يمكن أن تؤول إليه أوضاعهم وفقاً للتطورات المستقبلية المحتملة التي يمكن رسمها بناءً على المعطيات المتغيرة المرتبطة بمصير المحافظة.  

على مدار الأعوام الماضية لم يسلم النازحون في محافظة إدلب داخل وخارج مخيمات النزوح من استهداف قوات النظام وحلفاؤه لهم بالقصف الجوي والمدفعي والطائرات المسيرة التي أودت بحياة مئات المدنيين ضمن هذه المخيمات([8]). ولتشكل هذه الهجمات دليلاً إضافياً على المجزرة التي يرتكبها النظام وحلفاؤه بحق المدنيين العزل، على الرغم من النداءات المتكررة التي أطلقتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعدم استهداف هذه المخيمات واحترام الطبيعة المدنية والإنسانية لسكانها. لذا كان هناك تخوفاً من سكان هذه المخيمات فيما لو تمكنت قوات النظام من دخول المحافظة لكانت التكلفة مرتفعة للغاية على المستوى الإنساني، لأنها لن تتوانى عن استعمال سياسة الأرض المحروقة كما فعلت في مناطق أخرى سابقاً. وستعمد إلى استهداف هذه المخيمات، سيما وأنها تعد الحاضنة الشعبية للكثير من المعارضين للنظام السوري. من خلال قيامها بحملات اعتقال واسعة وملاحقات أمنية ضمنها وزج الذكور المتواجدين داخلها للالتحاق بها، وغيرها من الممارسات اللاإنسانية.

وأشارت المعطيات الواردة من داخل هذه المخيمات إلى وجود حالة من الترقب والتخوف الكبير لدى السكان مع اقتراب قوات النظام والمليشيات المساندة له من المحافظة للسيطرة عليها. مما كان سيفرض على النسبة الأكبر من النازحين والقاطنين في هذه المخيمات ركوب موجة نزوح جديدة، يشاركهم فيها السكان المقيمين الذين سيشكلون كتلة جديدة من النازحين. إلا أن هذه الموجة لو حصلت لكانت أصعب من سابقاتها على النازحين القدامى الذين عانى الكثير منهم من تجربة النزوح لأكثر من مرة نظراً لانعدام مقاصد النزوح المتاحة أمامهم وانسداد أفق الحركة لديهم باتجاهاتها المختلفة، وما سيحمله ذلك من مخاطر عليهم في حال تم المجازفة بالتوجه إليها. وفيما يلي توضيح لأبرز هذه الاتجاهات المحتملة:  

1.   التوجه نحو منطقتي درع الفرات وعفرين

تعد منطقة درع الفرات وعفرين من بين الوجهات الأهم التي كان من المتوقع أن يقصدها العدد الأكبر من النازحين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، إلى أي مدى ستكون هذه المناطق قادرة على استقبال هذه الموجات الكبيرة من النازحين داخل وخارج المخيمات والتي تقدر بأكثر من مليوني نازح كما يبين الشكل. وهي المناطق التي كانت مقصداً للنازحين بعد وقوعها تحت إشراف الجانب التركي منذ عام 2016، واحتوائها على العديد من النازحين داخل وخارج المخيمات الذين يتجاوز عددهم 400000 نازح تقريباً. ناهيك عن ظروفها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تحتاج الكثير من الوقت والجهد والكلفة المادية لتحسينها من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني لسكانها بعد تحريرها من تنظيم داعش وتنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD). أضف إلى ذلك أن استقبال هذه الموجة الكبيرة من النازحين سيفاقم من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للسكان والنازحين الموجودين داخلها. ناهيك عن وجود توجه لدى الحكومة التركية لتسهيل عودة اللاجئين السوريين لديها إلى هذه المناطق. لذا فإن هذه الموجة الكبيرة من النازحين كانت ستتسبب في أزمة إنسانية كبيرة من حيث عدم القدرة على تأمين المأوى والمستلزمات الأساسية لهذا العدد الكبير منهم وهم في غالبيتهم من الأطفال والنساء وكبار السن([9]).

 

الشكل رقم 1: يبين أعداد النازحين في محافظة إدلب ومقاصد النزوح المحتملة

المصدر: صُممت الخريطة بواسطة مركز عمران وتم الاستناد على الأرقام الصادرة عن منسقو الاستجابة في الشمال السوري.

 

 2.   التوجه نحو دخول الأراضي التركية

تعد محافظة إدلب إحدى المناطق الحيوية الهامة لتركيا لتوضعها على حدودها، وتفرض أنقرة في الوقت الحاضر إجراءات مشددة للدخول إلى أراضيها على جانب حدودها مع سورية، وهي التي تستضيف ما يقارب من أربعة ملايين لاجئ سوري لديها وفق الأرقام غير الرسمية. مما يجعل من احتمالية عبور هذا العدد الكبير من النازحين إلى الأراضي التركية أمراً مستبعداً في الوقت الحاضر بناءً على المعطيات الحالية في تركيا لعدم استقبال المزيد من اللاجئين السوريين. في وقت تتعرض فيه الحكومة التركية لضغوط داخلية وأوروبية للحد من تدفق اللاجئين اليها، ومعاناة أنقرة من تحديات اقتصادية هي الأكبر على الاطلاق منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002([10]). إلى جانب وجود تخوف لدى أنقرة من أن يتم ممارسة ضغوط عليها لفتح حدودها أمام النازحين استجابة للحالة الإنسانية التي ستحدث على حدودها لو تم اندلاع هذه المعركة. ومن جانب آخر فإن توجه النازحين للخروج من سورية يتعارض مع جهود موسكو التي تسعى جاهدة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم من دول الجوار، والذي قد يمثلَّ أحد عوامل التوافق بين البلدين لوقف هذه المعركة. لذا تسعى أنقرة جاهدة لمنع انفجار موجة نزوح وتهجير جديدة لسكان هذه المحافظة.

3.   التوجه نحو مناطق نظام الأسد

قبيل توجه قواته إلى محافظة إدلب، بدأ النظام يروج لفكرة المصالحات والممرات الإنسانية ومراكز إيواء النازحين، وهو نفس السيناريو الذي عمل عليه سابقاً في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي ودرعا تحت إشراف روسيا. ومع استمرار زخم قدوم معركة إدلب بدأت آلة إعلام النظام تروج لقيامه بتجهيز مراكز إيواء لاستقبال النازحين من محافظة إدلب في حال توجههم إلى مناطقه عبر فتح الممرات الإنسانية([11]). وهو الطرح الذي تبناه مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا مؤخراً، من أجل إجلاء السكان المدنيين قبيل هجوم وشيك يعد له النظام وحلفاؤه([12]). ولا تختلف تصريحات المبعوث الدولي كثيراً عن روسيا وافتتاحها ما يسمى "المعبر الإنساني في أبو الظهور" وهو مشاركة حقيقية في عمليات التهجير القسري التي تمارسها روسيا وقوات النظام في مختلف أرجاء سورية. إلا أن هذا الطرح لم يلقَ قبولاً لدى نسبة كبيرة من السكان المقيمين والنازحين، لعدم ثقتهم بمصيرهم ضمن هذه المراكز التي تعد أشبه بمراكز أو معسكرات اعتقال كبيرة، وتخوفهم من ردود فعل انتقامية من مقاتلي ومؤيدي النظام السوري. هذه الحقيقة التي تجسدت بشكل حقيقي في مراكز الإيواء التي أقامها النظام للنازحين من الغوطة الشرقية والتي تحولت لمراكز اعتقال للنازحين داخلها بعد أن فرض النظام عليها حصاراً مطبقاً مانعاً الدخول والخروج إليها إلا بموافقات رسمية من قبله وبعد أن جرَّدَ الداخلين إليها من بطاقاتهم الشخصية بهدف إجراء عملية التدقيق الأمني عليها. إلى جانب كون هذه المراكز غير مهيأة لاستقبال المدنيين بسبب نقص التجهيزات والمستلزمات المعيشية ضمنها التي لا تفي والأعداد الكبيرة للمقيمين داخلها([13]). ومن جانب آخر فإن مصير العديد من الشباب ممن هم في سن الخدمة العسكرية ضمن هذه المراكز يبقى مجهولاً في ظل وجود إشاعات تفيد بقيام النظام بتجنيدهم إجبارياً ضمن قواته أو اعتقالهم في فروعه الأمنية([14]).   

يبقى مستقبل النازحون داخل وخارج مخيمات النزوح في محافظة إدلب رهناً للاتفاقات الدولية والإقليمية والتي غالباً ما تخضع لتفاهمات بين الفواعل الرئيسية في الملف السوري. وقد أرسى التفاهم الروسي التركي الأخير حول مصير المحافظة جواً من الاستقرار النسبي للسكان في مرحلته الأولى. وما سيتبع ذلك من مراحل قادمة ستعمل فيها أنقرة على التفرغ لضبط المحافظة أمنياً وعسكرياً، في حين من المتوقع أن يكون هناك ترتيبات وتوافقات مع الفواعل المحلية لكيفية إدارة المحافظة على غرار ما هو حاصل في منطقة درع الفرات. أو قد يتم الاتفاق على سيناريو يتضمن عودة مؤسسات الدولة السورية لتقلد الجانب الإداري في هذه المحافظة وبقاء الجانب الأمني بيد أنقرة وفقاً لصيغ إدارة مشتركة بين الجانبين.    

لذا فمع استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه في محافظة إدلب ووجود حالة من الاستقرار النسبي في مناطق مخيمات النزوح، يبدو من الأهمية بمكان قيام الجهات ذات الصلة بالنظر في مستقبل هذه المخيمات وآليات التعاطي معها من مختلف الجوانب. وهذا الدور يقع جزء كبير منه على الحكومة التركية لوضع تصور مستقبلي حول ذلك بالتعاون ما بين الأطراف الدولية والمحلية ذات الصلة. ومن المفترض أن يتضمن هذا التصور جملة من التساؤلات حيال النازحين داخل وخارج المخيمات، والتي يمكن حصرها بما يلي:

  • هل سيتم وضع خطط لإدماج سكان هذه المخيمات ضمن مجتمعاتهم المحلية الجديدة وما هي متطلبات ذلك وفرص نجاحه؟
  • ماذا عن حق النازحين في العودة إلى مناطقهم الأصلية التي نزحوا منها بعد تعرضهم للتهجير القسري، وهل سيتم تقديم الضمانات الأمنية والاجتماعية لهم في حال عودتهم إليها؟
  • إلى أي مدى ستتمكن الجهات الداعمة من توفير الدعم اللازم لهذه الكتلة البشرية من النازحين مع عدم وجود أفق واضح بشأن حل قضيتهم؟
  • هل سيتم لحظهم في أي تسوية سياسية قادمة بين الدول الضامنة للملف السوري؟

سترسم الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها من التساؤلات الأخرى ذات الصلة صورة أكثر وضوحاً عن مستقبل النازحين داخل وخارج المخيمات، وما يتطلبه ذلك من وضع آليات للتعامل مع هذا الملف الشائك.   

خاتمة

مع التوصل إلى تفاهم أولي بين أنقرة وموسكو على محافظة إدلب، يؤجل فصل جديد من فصول المأساة الإنسانية على بقعة جغرافية أخرى من الأرض السورية، إلا أن هذا الفصل كان من المتوقع أن يكون الأكثر إيلاماً في حال وقوعه مخلفاً أزمة إنسانية غير مسبوقة، نظراً لتكدس ما يقارب من أربعة ملايين نسمة في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة التي تعد آخر معاقل المعارضة السورية. غير أن الوجه الأكثر إيلاماً في هذه الأزمة هم الأفراد النازحين داخل وخارج المخيمات، وهم من الفئات الاجتماعية الهشة من النساء والأطفال وكبار السن الذي اضطرتهم ظروف الحرب عبر الأعوام الماضية للنزوح من مدنهم وقراهم من مختلف بقاع الجغرافية السورية قاصدين هذه البقعة هرباً من بطش الآلة العسكرية للنظام وحلفائه.

لذا فإن التحديات الإنسانية كانت ستمثل الوجه الأبرز لهذه المعركة في حال وقوعها، وهو ما يفرض على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تحمل مسؤولياتهم اتجاه النازحين، وقيامهم بوضع الخطط الإغاثية للتخفيف من حجم المعاناة الإنسانية لهم. مع ما يتطلبه ذلك من فاعلية مدنية تعمل على تحييد المدنيين بوجود قوات فصل أو منظمات دولية لحمايتهم، أو بالدفع باتجاه تشكيل مناطق محايدة منزوعة السلاح يشرف عليها – أمنياً وإدارياً – فعاليات محلية للتخفيف من حدة موجات النزوح الداخلي للسكان المدنيين باتجاه مناطق بعيدة في حال اندلاع أي مواجهات عسكرية، والعمل على تأمين مستلزماتهم المعيشية بالتعاون والتنسيق مع المنظمات الإغاثية.      

رغم الغموض الذي لا يزال يحيط بمصير محافظة إدلب وعدم حسمه بشكلٍ نهائي، ستبقى قضية النازحين فيها من التحديات الكبيرة في حاضرها ومستقبلها، مع ما يتطلبه ذلك من الإسراع في وضع حلول مستدامة لهذه القضية وتحديد مصير هذه الكتلة البشرية الضخمة داخل وخارج مخيمات النزوح. والتي يبدوا أن استمرارها بالشكل الحالي لم يعد مقبولاً لا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية الأخلاقية، بعد أن تردى الوضع الإنساني فيها إلى مستوى لا يمكن تصوره، ناهيك عن الإفرازات الاجتماعية السلبية ضمن هذه المخيمات والتي تتطلب لحظها من جميع الجهات ذات الصلة والتنبيه إلى تداعياتها السلبية على حاضر ومستقبل السكان أنفسهم وعلى مناطق تواجد هذه المخيمات. وذلك في ظل وجود بيئة أمنية غير مستقرة يمكن أن تسَّهِل من عملية استقطاب الأفراد داخل وخارج هذه المخيمات من قبل بعض التنظيمات التي لا تزال فلولها منتشرة في هذه المناطق مستغلة الظروف المادية القاسية لهم وغياب أفق واضح يحدد مصيرهم. 


([1]) Humanitarian Response,  CCCM Cluster: IDP Sites Integrated Monitoring Matrix (ISIMM), July, 2018: https://goo.gl/LukmBf

([2])  تقع محافظة إدلب في أقصى الشمال الغربي لسورية المحاذي للحدود التركية، وتحيط بها محافظة حلب شرقاً ومن الجنوب محافظة حماة ومحافظة اللاذقية من الغرب. وتبلغ مساحة المحافظة 6100 كم2، وتقسم المحافظة إلى خمس مناطق إدارية وهي مركز المحافظة (مدينة إدلب)، ومعرة النعمان، وجسر الشغور، وأريحا وحارم. وبلغ عدد سكان المحافظة عند تاريخ 31-12-2010 (2.071) مليون نسمة بحسب سجلات الأحوال المدنية. وقدر عدد السكان المقيمين بنحو (1.535) مليون نسمة. وكانت محافظة إدلب من أولى المحافظات التي شهدت مظاهرات ضد حكومة نظام الأسد وخرجت عن سيطرتها في آذار من عام 2015.

([3])  عمار قحف، فرص الاحتواء والسيطرة على إدلب في مسارات الأزمة السورية، 24-05-2018، مركز الجزيرة للدراسات. م

([4])  منسقو الاستجابة في شمال سورية، 12-08-2018.

([5])  أوضاع معيشية مأساوية للنازحين في إدلب، موقع ديارنا، 10-09-2018: https://goo.gl/LG6ARL

([6])  قراءة ميدانية في التفاهم الروسي – التركي: هدنة بانتظار حل، جريدة الشرق الأوسط، 22-09-2018: https://goo.gl/awzWWa

([7])  التكلفة الإنسانية للهجوم على إدلب.. هل تدخل في الحساب؟، هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، 31-08-2018: https://goo.gl/kncCEt

([8])  قصف يوقع مجزرة في مخيم للنازحين جنوبي إدلب، جريدة عنب بلدي، 20-03-2018: https://goo.gl/i2tzie

([9])  يونيسف: الهجوم على إدلب يضع مليون طفل سوري في خطر، وكالة رويترز للأنباء، 31-08-2018: https://goo.gl/nPiBcG

([10]) علي باكير، لماذا تعارض تركيا عملية إدلب؟، 06-09-2018، جريدة القبس الإلكتروني: https://goo.gl/U92icU

([11])  ساعات ما قبل معركة إدلب... افتتاح معبر أبو الضهور يوم الخميس لخروج المدنيين، وكالة سبوتنيك، 15-08-2018: https://goo.gl/AvWoBx

([12])  دي مستورا يعرض الذهاب إلى إدلب لتأمين ممر إنساني، جريدة الحياة، 30-08-2018: https://goo.gl/LvgLHM

([13])  الأمم المتحدة: "وضع مأسوي" في مراكز إيواء نازحي الغوطة الشرقية، إذاعة مونت كارلو الدولية، 21-03-2018، https://goo.gl/d9Hiuw  

([14]) مراكز إيواء نازحي الغوطة .. “احتجاز مؤقت، جريدة عنب بلدي، 28-03-2018: https://goo.gl/Fsc3sj

التصنيف أوراق بحثية

أجرت الجزيرة نت حواراً صحفياً مع الدكتور عمار قحف المدير التنفيذي لمركز عمران، بعنوان: "هل يفلح اتفاق إدلب بإنهاء حالة الحرب؟

 حيث أشار القحف: إلى إن تركيا تملك وبشكل عام القدرة على تنفيذ بنود الاتفاق من طرفها أكثر من الروس الذين تقف أمامهم تحديات أكبر تتعلق بالقدرة على ضبط عناصر النظام السوري أو المليشيات الداعمة له التي ترتبط بجهات مختلفة.

وتوقع خلال حديثه للجزيرة نت أن تحاول إيران تعطيل تنفيذه رغم التصريحات السياسية المغايرة لذلك، لأن الاتفاق سيؤخر إضفاء الشرعية على النظام السوري الذي سيحاول الالتفاف على بنود الاتفاق دائماً، وأضاف القحف أن نجاح الاتفاق يعتمد على مراحل تنفيذه التي ستكون صعبة جداً بالنظر إلى مدى قدرة أطرافه على التعامل مع الجهات المختلفة الرافضة له، وعلى تأسيس منظومة حكم محلي في إدلب تتوافق مع التفاهمات الدولية أو على الأقل لا تتناقض معها.

وحول مستقبل المنطقة في المدى البعيد رأى القحف أن الجانب التركي تلقى تفويضاً بإدارة المنطقة من الجانبين الأمني والعسكري لكنه تساءل عن الجانب الإداري والحوكمي.

وقال إنه ثمة نماذج كثيرة يمكن أن تطبق في إدلب منها نموذج درع الفرات أو نموذج آخر يعطي إدلب استقلالاً إدارياً بحيث ترتبط المحافظة مع النظام بمعزل عن الأمور الأمنية والعسكرية، ولم يستبعد تطبيق نموذج قبرص الشمالية في إدلب أيضاً.

 

المصدر الجزيرة نت: https://bit.ly/2DheRDi

 

أجرى موقع السورية نت، لقاءً مع مدير وحدة المعلومات بمركز عمران؛ نوار أولفير حول "الوضع الحالي في إدلب والسيناريوهات المحتملة"، قال فيه نوار: هنالك اختلاف وتوافق في ذات الوقت بين تركيا وروسيا وهو ما أرجئ الهجوم على إدلب. وأشار إلى أن جميع الأطراف الفاعلة بملف إدلب تسعى للتوصل إلى حل يرضي الجميع، معرباً عن اعتقاده في احتمال التوصل إلى "نقطة تحقق لروسيا مطالبها في إدلب، لا سيما تأمين قاعدة حميميم من هجمات الطائرات المسيّرة، والقضاء على تحرير الشام، وبنفس الوقت تُرضي تركيا، عبر تجنيب إدلب هجوماً واسعاً النظام، يؤدي إلى هجرة جديدة نحو أراضيها، وينهي اتفاق أستانة، ودور نقاط المراقبة التركية في إدلب".

وفي إجابته على سؤال "السورية نت" عن مدى صمود احتواء الخلافات، واستمرار التوافق بين تركيا وروسيا حيال إدلب، أجاب نوار إلى أن الأمر منوط باستمرار التصعيد الروسي على المحافظة، وقال إنه "في حال واصلت الطائرات الروسية استهداف المنشآت الحيوية بإدلب، دون مراعاة لمطالب الأتراك بالتهدئة، فذلك قد يؤدي إلى انهيار كل شيء".

ورأى أوليفر أن استمرار التصعيد من الروس والنظام، قد يدفع بالنهاية فصائل المعارضة إلى الرد، الأمر الذي سيخلق مبرراً للنظام وميليشياته بالتصعيد مجدداً، وهو ما سيؤدي إلى انفجار الوضع واحتمال خروجه عن سيطرة الروس والأتراك.

المصدر السورية نت: https://goo.gl/fhGkHn

شارك الباحث معن طلاع من مركز عمران بتقرير أعده موقع سوريا 24، بعنوان: "إدلب معادلة معقدة بين أطراف الصراع على الأرض السورية"، والذي استطلع فيه أراء عدد من الشخصيات الغربية والسياسية العربية فيما يخص تطورات الوضع في إدلب.


حيث رأى طلاع بقراءته للتطورات الأخيرة (بدء القصف الروسي على مناطق في جسر الشغور؛ وزيادة التمترس التركي في قواعده، وكثرة الحديث عن ضغوطات تمارسها أنقرة تجاه هيئة تحرير الشام، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية؛ والتصريحات الغربية والأمريكية المحذرة من استخدام الكيماوي) دلالات على أن هناك توافقاً غير مكتمل الأركان حول إدلب، فالمؤشرات العسكرية توضح أن خطوط التفاهم الأمني قد أنجزت، وهي تحديد خارطة الأهداف المتعلقة “بتحرير الشام” و”حراس الدين” بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون،؛ ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي أن لا يخضع لسلطة الأسد.

المصدرموقع سوريا 24 : https://bit.ly/2xg5wFj

 

السيناريوهات الميدانية المتوقعة لمناطق سيطرة المعارضة في إدلب وشمال حماة وغرب حلب:

يمكن تقسيم مناطق سيطرة المعارضة الممتدة من غرب حلب إلى محافظة إدلب وصولاً إلى شمال حماة إلى ثلاثة محاور أساسية، وذلك اعتماداً على المؤشرات الميدانية من حيث طبيعة الحشود والاستهداف العسكري:

  1. محاور يحشد لها عسكرياً.
  2. محاور تستهدف بشكل دائم من قبل الطيران الحربي والمدفعية.
  3. محاور تم اختبار قدراتها العسكرية من خلال عمليات عسكرية محدودة.


  • لا يتوقع أن يُشن هجوم شامل على مناطق سيطرة المعارضة لاعتبارات موضوعية من أبرزها:
  1. عدم قدرة الإيرانيين على الحشد بما يكفي لشن هجوم شامل على هذه المناطق، علاوةً على رغبتها في تلافي الخسائر الكبيرة المتوقعة على ميليشياتها في حال شن مثل هكذا عمل عسكري.
  2. عدم حماسة الروس لهكذا عمل رغبة منهم في الحفاظ على علاقتها بتركيا وتطويرها سيما في ظل توتر علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
  • لا يلغي احتمال نشوب عمل عسكري شامل على مناطق سيطرة المعارضة، من احتمال جدي لتعرض مناطق محددة تتضمن؛ ريف إدلب الجنوبي-الغربي وكذلك ريف حماة الشمالي، لعمل عسكري متوقع في الفترة القادمة، حيث تم الحشد بدايةً على هذه المناطق من قبل ميليشيات تتبع لإيران، ليصار إلى استبدالها بقوات تتبع لسهيل الحسن الملقب بالنمر والمدعوم من روسيا، وهو ما يمكن اعتباره مؤشر جدي على رعاية موسكو لهكذا عمل عسكري متوقع، إضافة إلى تكثيف انخراط موسكو الميداني من خلال تسلمها لإدارة معبري مورك وقلعة المضيق من قوات الفرقة الرابعة، وما أحدثه ذلك من توتر بين الطرفين أدى إلى إغلاق المعبر من طرف مناطق سيطرة النظام السوري، علاوةً على استهداف الطيران الحربي والمدفعية بشكل مكثف لمناطق جنوب غرب إدلب وصولاً إلى سهل الغاب بالقرب من قاعدة جورين.
  • تظهر الحشود البرية القائمة الأهداف الميدانية المتوقعة للعمل العسكري والتي تشمل؛ مناطق تلحديا الواقعة جنوب غرب إدلب وكذلك جبهات صوران وقمحان، بمعنى التقدم نحو محور اللطامنة وتلحديا (الحمدانية، عطشان) حيث تتواجد هنالك نقطة روسية مقابل النقطة التركية القائمة في صرمان، باتجاه الخوين والبلدات المجاورة لها.
  • لا يتوقع أن يشمل العمل العسكري خان شيخون ومعرة النعمان راهناً، كما لا يتوقع أن يكون هنالك عمل عسكري بري على مناطق غرب حلب مثل كفرة حمرة وحريتان رغم استهدافها بالمدفعية والطيران نظراً لغياب حشود برية على تلك المناطق.
  • يهدف الروس من وراء شن عمل عسكري على هذه المناطق إلى تفريغها من أي تواجد لقوات الفصائل أو تلك المصنفة على أنها إرهابية، أي تفريغ المنطقة الواقعة بين طريق M5 وصولاً لسكة القطار.
  • لا يتوقع لهذا الهجوم أن يتوقف إلا بصيغة ما لتفاهم دولي-إقليمي يشمل هذه المنطقة، ولعل ما يؤخر الهجوم الروسي إفساح موسكو الوقت لمبادرة تركية تستهدف التعامل مع خطر القوى المصنفة إرهابياً في هذه المنطقة، بالاعتماد على فصائل المعارضة ذات التوجه الوطني، بما يقلل من كلف التدخل على الجانب الروسي وحلفائه الميدانيين.
  • لا تبدو ردة فعل فصائل المعارضة على المستوى المطلوب منها، حيث تفتقد إلى استراتيجية ميدانية وسياسية متكاملة للتعامل مع هكذا هجوم وما سينجم عنه من تبعات، كما يسود اعتقاد لدى عدد من هذه الفصائل باستحالة شن مثل هكذا عمل عسكري في الفترة القادمة.

 

التصنيف تقارير خاصة

وضَّح مدير وحدة المعلومات بمركز عمران نوار أوليفر في حديثه مع صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 3 آب/ أغسطس 2018، ضن مادة نشرتها الأخيرة على موقعها بعنوان: "ألغام كثيرة أمام أي هجوم لقوات النظام على إدلب".

أن الدول الثلاث الضامنة لخفض التصعيد «لن تسمح بأي نوع من الحرب الواسعة النطاق في الشمال»، كما رجح أوليفر خلال المرحلة المقبلة، أن تقوم تركيا تزامناً مع عملها على توحيد صفوف الفصائل المعارضة، «بعملية عسكرية داخل إدلب للقضاء على الجزء المتشدد من (هيئة تحرير الشام) وبعض المجموعات المتطرفة» لتجنب هجوم دمشق وحلفائها.

 

للمزيد انقر الرابط التالي: https://bit.ly/2vJBoCs

تحظى محافظة إدلب بأهمية خاصة في مسار الأزمة السورية؛ إذ هي الملاذ الأساس للمهجَّرين والمعقل الأساس لهيئة تحرير الشام. وتتجه المحافظة نحو عدة مسارات تعتمد على سياسات عدة دول فاعلة، خاصة تركيا التي تريد استيعابها، في حين يتحين النظام الفرص لإخضاعها لسلطته.

مقدمة 

يقف المشهد السوري العسكري اليوم على مفترق طرق نحو تشكيل ترتيبات أمنية جديدة، وذلك بعد إنهاء النظام وحلفائه لجيوب عسكرية لقوى المعارضة في مناطق "سوريا المفيدة" واستحكام قبضتهم فيها، مقابل اتفاقيات تجميد الصراع أو خفض التصعيد في إدلب ودرعا. وتوجد أيضًا مناطق خارج سيطرة النظام أكثر استقرارًا بحكم تواجد ضامن عسكري مباشر مثل مناطق شمال شرق سوريا (قوات قسد مع قوات أميركية) أو مناطق شمال وشمال غرب سوريا (الجيش التركي وقوات المعارضة). وفي هذه الأثناء، يحاول النظام السوري وحلفاؤه استثمار المرحلة الراهنة لإعادة ترتيب مناطقه أمنيًّا؛ حيث يسعى الروس إلى دمج بعض الفصائل القريبة منه في الفيلق الخامس والسادس والسابع كما يجهدون في إعادة هيكلة وزارة الدفاع وهيئة الأركان. في المقابل، تنخرط إيران مدنيًّا وإداريًّا في بنى محلية واجتماعية واقتصادية مع تنظيم قواتها العسكرية وإعادة تمركزها في المناطق الحدودية لسوريا عمومًا، ولإجراء مناوشات في مناطق التماسِّ مع القوات الأميركية خصوصًا. ويتضح من قراءة المشهد السوري العام أنه مُتجه نحو تفاهمات جديدة لم تتبلور معالمها بعد، وعنوانها العريض هي تفاهمات أمنية لفتح الطرق الرئيسية بين المدن وخطوط التجارة المحلية والخارجية. 

وفي ضوء هذا المشهد وتحولاته المحتملة، تبدو إدلب وكأنها "المعضلة المؤجلة" حاليًّا لاعتبارها المحطة الأخيرة في سلسلة إجراءات وتفاهمات لإنهاء الصراع العسكري، ففيها خزان بشري كبير لنازحين من مختلف المناطق السورية، وتوجد فيها مجموعات مسلحة كثيرة بما فيها "مجموعات متشددة" عصية على الاندماج مع باقي الفصائل، ومنها ما تجذَّر في البنى الإدارية والمجتمعية بما له من سيطرة مسلحة كهيئة تحرير الشام، فضلًا عن أن ترتيبات الآستانة في إدلب لم تنتهِ بشكل كامل ما يعطي النظام وحلفاءه فرصة للاستثمار في هذه المعضلة واستغلالها أيما استغلال. 

ونظرًا لأهمية معضلة إدلب في مسار الأزمة السورية، تُقيِّم هذه الورقة المشهد العسكري والإداري، وكذلك الترتيبات الأمنية من حيث التماسك أو الهشاشة في هذه المحافظة، لتخلص إلى مقاربة لفهم الواقع في إدلب كما تستطلع المآلات والسيناريوهات المستقبلية المحتملة. 

تحديات سكانية وتنموية متزايدة 

تقع محافظة إدلب في أقصى الشمال الغربي لسوريا، وتُحاذي جزءًا من الحدود السورية-التركية، وقد بلغ عدد سكانها في 2011 حوالي 2.072.266 نسمة، وبلغت مساحتها 5464 كم2 ([1]). شاركت المحافظة بالثورة منذ أيامها الأولى لتخرج عن سيطرة النظام بشكل كامل في مارس/آذار 2015، بعد سيطرة قوات معارضة ومجموعات أخرى على مركزها. وبقيت كل من كفريا والفوعة "الشيعيتين" المحاصَرَتَيْن تحت سيطرة النظام ورهنًا لاتفاقية "المدن الأربعة" (كفريا-الفوعة/الزبداني-مضايا) بين إيران وأحرار الشام وهيئة تحرير الشام في أبريل/نيسان 2017. ومع استكمال ترتيبات الآستانة في 15 سبتمبر/أيلول 2017 واتفاقيات خفض التصعيد في إدلب، تمكَّن النظام وحلفاؤه الروس من السيطرة على أجزاء شرق سكة الحديد جنوب شرقي المحافظة، وتقدر مساحة المناطق التي سيطر عليها بما معدله 17.5% من مساحة المحافظة (متضمنًا مساحة كفريا والفوعة). 

تبرز أهمية إدلب كونها كانت الملجأ الأساس في تهجير قسري ممنهج من كافة المناطق إليها، منذ تهجير مدينة حمص القديمة في مايو/أيار 2014، ثم حلب الشرقية، ثم ريف دمشق، وانتهاء بتهجير ريف حمص الشمالي في مايو/أيار 2018 (ينظر الجدول أدناه[2].  كما تضمنت الهجرات مدنيين وعسكريين ومنتمين لمجموعات مصنفة كإرهابية، مما عقَّد المشهد الديمغرافي ووضع عبئًا كبيرًا على المنظمات الإغاثية والاجتماعية بسبب اختلاط السكان بالمجموعات المسلحة. ويُشير تقرير وحدة تنسيق الدعم أنه وحتى تاريخ 23 أبريل/نيسان 2018 بلغ عدد النازحين إلى الشمال السوري عمومًا من الغوطة الشرقية والقلمون حوالي 75339. ([3])

الجدول رقم (1) يوضح تحول إدلب إلى موئل لتهجير قسري ممنهج من كافة المناطق

 

بالمقابل، ترافق مع هذه الزيادات السكانية سياسات استجابة طارئة، خلقت مشكلات تحتاج إلى حلول تنموية. وبسبب حجم المسؤولية الكبيرة والضاغطة على المحافظة لم تجد الفعاليات الإدارية المحلية سوى المنظمات الدولية والمحلية لمساعدتها في حل أزمة المهجرين، وحاولت تشكيل نموذج (إسعافي) في إدارة المهجرين من خلال "الهيئة العامة لإدارة المهجرين" التي كان لها أدوار أولية في تخفيف العشوائية والفساد الحاصل في توزيع المساعدات وضبط احتياجات المخيمات وتقديمها للمنظمات([4])، إلا أن تردي الواقع الاقتصادي والإداري في المحافظة أسهم في تنامي المؤشرات التي تنذر باتساع حجم التحدي وازدياد صعوبات المعالجة. وشهد المستوى العام للأسعار ارتفاعًا ملحوظًا رافقه انخفاض كبير في سعر صرف الليرة التي وصلت إلى حدود 500 ليرة أمام الدولار بانخفاض قارب 90% للقيمة الشرائية. كما ارتفعت معدلات الفقر؛ إذ بلغت نسبة الفقر في المحافظة حوالي 90.5% في ([5])2015، وهي من أعلى النسب في سوريا. وإذا ما أضفنا نسب العوائل النازحة والمهجرة المحتاجة (حتى نهاية عام 2017) فإن النسبة العامة للفقر ستصل لمستويات بالغة الخطورة حيث يبلغ مجموع تلك العائلات 119.696 عائلة فيهم 107.622 عائلة ذات دخل شهري أقل من 40 دولاراً.([6]

كما أسهم تدهور الأداء الاقتصادي على كافة المستويات في الانكماش في النشاطات الاقتصادية وبروز العديد من النشاطات غير الرسمية كانتشار العمل العشوائي وتنامي ظاهرة "تجار الأزمة"؛ مما أفسح المجال أمام اقتصاد مواز يحاكي الرسمي المفترض، بإيراداته وشبكاته وتعاملاته التجارية. كما أن سوء الأحوال الأمنية وتدخل "الجماعات المسلحة" في مفاصل الإدارة، والقصف العنيف، وانتشار الاغتيالات، شكلت عوامل رئيسية لهروب أصحاب الأموال للخارج وعدم استقبال المحافظة لأي نوع من الاستثمارات، فانتشرت على إثر ذلك البطالة في ظل حاجة المواطنين الماسة للعمل من أجل كسب المال. 

بالعموم، فإن تزايد التحديات الناجمة عن تنامي الكثافة السكانية جراء سياسات التهجير وحركية النزوح المحلي فرضت على الفعاليات المحلية الإدارية والتنموية تحديات متنامية تستوجب منها إجراءات تراعي البُعد التنموي والاقتصادي في المحافظة، وهو الأمر الذي لا يزال متعثرًا بحكم السيولة الأمنية والاقتتال الداخلي من جهة، وتغليب منطق الاستجابة الطارئة بحكم المتغيرات المتسارعة في ملف المهجرين من جهة أخرى. 

مشهد عسكري وأمني مضطرب 

انخرطت محافظة إدلب -شأنها شأن معظم المحافظات- في الحراك السلمي والمظاهرات الشعبية منذ مارس/آذار 2011، ثم دخلت خط "الكفاح العسكري" الدفاعي ثم الهجومي في 2012، ثم جاءت سيطرة غرفة عمليات "جيش الفتح" على مدينة إدلب في مارس/آذار 2015. بالمقابل، استمرت جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام كامتداد لها في قضم الفصائل الثورية المحلية والتمدد العسكري والإداري والمدني والتغلغل في مناطق إدلب. 

شكَّل تحرير مدينة إدلب في 2015 مُرتكزًا لنمو حركة النزوح لاحقًا إليها وإلى تمدد نشاط المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني ثم الحكومة المؤقتة ثم اقتحام "حكومة الإنقاذ" كأداة إدارية لهيئة تحرير الشام المصنفة على لوائح الإرهاب. وزادت الأحداث من تداخُل الوجود العسكري مع اكتظاظ السكان النازحين في المحافظة وبالتالي من شدة التحديات الأمنية والاقتصادية. 

خضعت محافظة إدلب لعدة محاولات لوقف إطلاق النار أو خفض التصعيد والتوتر كان آخرها في 15 سبتمبر/أيلول 2017 في اجتماع الآستانة السادس بين روسيا وتركيا وإيران، وتمخض عن "تقاسم للأدوار والنفوذ"، ولكن لم تُنجز الخرائط التفصيلية وبقي الخلاف على بعض النقاط خاصة من الجانب الإيراني الذي أصر على تواجد قوات قريبة منه على الحواجز الفاصلة ونقاط المراقبة، بينما أصرت تركيا على إمساك الملف الأمني بمفردها. وأدى عدم حسم الملف إلى استغلال النظام وإيران للوضع واقتحمت قواته مناطق جنوب شرق محافظة إدلب شرق سكة الحديد في الشهر الأول من 2018 واستعادت السيطرة عليها. 

يُذكر أن نسب السيطرة قبل هجوم النظام كانت على الشكل التالي: 98.5% قوى الثورة مع انتشار لجبهة النصرة، و1.5% ميليشيات ممولة من إيران وقوات النظام. أما بعد هجوم ميليشيات إيران وقوات النظام فقد استطاع النظام أن يُسيطر على منطقة واسعة وصلت نسبتها إلى 16%، فأصبح توزُّع نسب السيطرة على الشكل التالي: 82.5% قوى الثورة متنازعة مع فصائل أخرى كجبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، و 17.5% ميليشيات إيران وقوات النظام. ([7])

وإثر تقدم النظام السريع في جنوب شرق إدلب سارعت تركيا إلى تنفيذ بنود اتفاق الآستانة ونشرت عدة نقاط مراقبة عسكرية وصلت إلى عشر نقاط حتى 9 مايو/أيار 2018 (موضحة على الخريطة الرئيسية)، ويُتوقع أن تصل إلى 20 نقطة لتُحيط بكامل أنحاء المحافظة ثم التفرغ لضبطها أمنيًّا وعسكريًّا. ([8]) ويكمُن التحدي الأساسي في إدلب أمام الجيش التركي المنخرط في عمليات لمواجهة قوات الحماية الشعبية الكردية في سيولة المشهد أمنيًّا وانخراط هيئة تحرير الشام جغرافيًّا في أماكن المدنيين وتداخلها مع هيئات إدارية كحكومة الإنقاذ وبعض المجالس المحلية. 

 

خريطة تبين مناطق السيطرة والنفوذ بين القوى العسكرية المحلية والإقليمية في إدلب ومحيطها

أما فيما يتعلق بالمشهد الأمني في إدلب، فقد شهدت هيئة تحرير الشام إضعافًا لبنيتها وعلاقتها بالحاضنة المجتمعية من عدة أطراف منذ بداية دخول الجيش التركي إلى إدلب؛ فقد سعت تركيا لعدم الدخول في حرب مفتوحة لمواجهة الهيئة وتأسيس مراكز المراقبة لوقف إطلاق النار حسب اتفاق الآستانة مما أدى إلى انقسام صفوف الهيئة في الموقف تجاه الدخول التركي وانشقاق عدد من فصائلها ومرجعياتها. وقامت أطراف عديدة غير معروفة -يرى البعض أنها خلايا متبقية من تنظيم "الدولة الإسلامية" و"جند الأقصى"- ببث الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة الهيئة عبر تنفيذ سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات. ومن الملاحظ من خلال تحليل بيانات الاستهداف الأخيرة خلال شهري مارس/آذار، وأبريل/نيسان 2018 أن أغلب أماكن حدوث الاغتيالات كانت في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (انظر الشكل أدناه).

 

الشكل رقم (1) يوضح توزيع السيطرة العسكرية في "مناطق الاغتيالات" بإدلب

الشكل رقم (2) يبين توزيع الجهات التي استهدفتها حملة الاغتيالات الأخيرة في إدلب

وشهدت المحافظة في الآونة الأخيرة عدة تطورات أبرزها تشكيل تنظيم "حراس الدين" في 27 فبراير/شباط 2018 بقيادة أبوهمام الشامي القيادي في تنظيم "القاعدة"، وأعلن بيعته لتنظيم "القاعدة". وضم تنظيم "حراس الدين" الفصائل التالية: حراس الشام، وسرايا الساحل، وسرية كابل، وجند الشريعة، بالإضافة إلى قيادات "القاعدة" في مجلس الشورى الذي يضم: أبو حبيب طوباس، وأبو خديجة الأردني، وسامي العريدي، وأبو القسام، وأبو عبد الرحمن المكي، وعدد من القيادات السابقة في "جبهة النصرة" التي رفضت فك الارتباط بالقاعدة. بعد نحو أسبوع من إعلان تشكيل "حراس الدين"، أعلنت ثلاث فصائل أخرى انضمامها إليه، وهي: "جيش الملاحم"، و"جيش البداية"، و"جيش الساحل". التزم تنظيم "حراس الدين" الحياد في الاقتتال الذي اندلع بين "هيئة تحرير الشام" و"جيش تحرير سوريا" في ريفي حلب وإدلب، ولكن هذا لم يمنع من حدوث بعض الاشتباكات بين مقاتلي "هيئة تحرير الشام" ومقاتلي حراس الدين في منطقة ريف حماه الشمالي، وخاصة أن معظم المنتسبين لحراس الدين هم عناصر (محلية وأجنبية) سابقة في الهيئة وفي جند الأقصى، ومعظمهم باتوا على خلاف واضح مع التيار الأقل تشددًا في الهيئة، وعلى خلاف مع قوى الثورة السورية. وأعلن تنظيم "حراس الدين" التابع لتنظيم "القاعدة" وفصيل "أنصار التوحيد" (منشق سابقًا عن "جند الأقصى")، في 29 أبريل/نيسان 2018، اندماجهما ضمن حلف واحد حَمَل اسم "حلف نصرة الإسلام". وذكر بيان مشترك لـ "التنظيمين"، أن هدف اندماجهما "إقامة دين الله تعالى، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ودفع العدو الصائل"، وذلك مِن "باب التعاون على البر والتقوى"، طبقًا للبيان. 

تنحصر سيطرة حلف "نصرة الإسلام المُبايِع لتنظيم "القاعدة" الآن في ريف حماه الشمالي وفي الريف الجنوبي من جسر الشغور في إدلب، ولكن الثقل الأساسي يكمُن في شمال حماه. ويبلغ عدد مقاتلي الحلف حوالي 2500 منهم 1000 أجنبي([9]). ومن المتوقع أن يزداد عدد الأجانب في التشكيل، خاصة مع قبول "هيئة تحرير الشام" التهدئة مع "جيش تحرير سوريا" وعدم فتح جبهات جديدة من النظام سواء من قوى الثورة أو غيرها. هذه الأسباب تجعل من "حلف نصرة الإسلام" الخيار الأخير والوحيد للأجانب كي يحموا أنفسهم في إدلب. لذا، من المرجح أن نشهد معارك بين هذا الحلف وقوى الثورة من جهة ومع الهيئة من جهة أخرى. يُذكر أن فصيلي "حراس الدين" و"أنصار التوحيد" شنَّا هجومًا مباغتًا، في مطلع شهر مايو/أيار 2018، على مواقع قوات النظام في ريف حماه الشمالي، وتمكَّنا من السيطرة على بلدة الحماميات وتلَّتِها الاستراتيجية بريف حماه، قبل أن ينسحبوا منها نتيجة غارات الطيران الروسي. 

تفكيك الخارطة الإدارية 

حدَّد القرار رقم 1378 للعام 2011، والصادر عن وزارة الإدارة المحلية التابعة للنظام([10])، التقسيمات الجغرافية المركزية للمحافظة بـ6 مناطق تضم 26 ناحية فيما تُقسَّم المحافظة إداريًّا لا مركزيًّا إلى 157 وحدة إدارية توزع على 15 مدينة و47 بلدة و95 بلدية تتمتع بالشخصية الاعتبارية و304 تجمعات([11])، إضافة إلى العشرات من القرى والمزارع والتجمعات التي لا تحظى بالشخصية الاعتبارية ولا تشملها التقسيمات الإدارية([12]).  ويُقدر عدد المجالس المحلية التي سقطت بيد النظام بحوالي 17 مجلسًا محليًّا معتمدًا، مقابل 140 مجلسًا محليًّا تديره قوى المعارضة.

الشكل رقم (3) يوضح توزيع نسب السيطرة على الوحدات الإدارية في إدلب بين النظام والفصائل السورية

ويُعاني المشهد الإداري في محافظة إدلب من هشاشة وتشظٍّ كبيرين، أسهم فيهما التداخل بين الحالتين السياسية والعسكرية في المحافظة، الذي انعكس على المنظومة الـمُهيكلة للمجالس المحلية بنشوء مجالس محلية غير معتمدة من الحكومة المؤقتة، وتضاعفت أعدادها بشكل كبير. كما أن تشكيل "حكومة الإنقاذ" من قبل شخصيات مرتبطة بتنظيم "هيئة تحرير الشام" المصنف إرهابيًّا من أطراف دولية([13]) وبحماية وقوة تنفيذية منها زاد في تعقيد المشهد وتداخل الجهات العسكرية بالتنظيمات الإدارية المدنية، وأسهم في تعدد المرجعيات وتضاربها، ويُضاف إلى ذلك انفلات منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية من عقال الضبط الحكومي. 

وحسب تقرير أولي لمسح ميداني أجراه مركز عمران للدراسات مع وحدة المجالس المحلية([14])، جرى في الفترة من  8 أبريل/نيسان 2018 وحتى 15 مايو/أيار 2018 في محافظة إدلب، فإن 59% من المجالس المحلية تُصنِّف نفسها بأنها تتبع إداريًّا للحكومة المؤقتة مقابل 7% تُصنف نفسها تابعة لحكومة الإنقاذ. ومن الملاحظات وجود عدد من المجالس التي تتبع الحكومة المؤقتة لكنها مرغمة على التعاون مع حكومة الإنقاذ، فيما تصنف 16% من المجالس نفسها بأنها مستقلة عن حكومتي الإنقاذ والمؤقتة. ومن أهم الملاحظات لفريق المسح الميداني كان عدم تطابق مناطق النفوذ العسكري لهيئة تحرير الشام مع تبعية المجالس المحلية؛ حيثُ تشكل المجالس المحلية التي لها تبعية إدارية للحكومة المؤقتة، رغم أنها تقع في مناطق السيطرة العسكرية لهيئة تحرير الشام، ما مُعدله 22% من مجالس المحافظة الفرعية. ويُمكن عزو ذلك لكون المجالس المحلية مُنبثقة عن الحاضنة الاجتماعية وتُمثل بدرجة كبيرة طبيعة المزاج العام الرافض لممارسات هيئة تحرير الشام. ويؤكد هذا التحليل استعداد عدد من المجالس التي زارها فريق المسح الميداني لانتخابات جديدة لمجالسها مثل أريحا وكفر تخاريم.

 

الشكل رقم (4) يبين توزيع نسب تبعية المجالس المحلية في إدلب

ومن أهم عناصر استحواذ حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام هي قدرتها على توفير الغاز والتحكم بمعابر تجارية مع النظام وصيانة وتوفير خدمات المياه للمنازل وإدارة المعابر الدولية التي تدر عليها دخلًا توزعه على عدد من المجالس المحلية التي تتبع لها، كما تجري زيارات ميدانية مكثفة للرقابة على عمل المجالس. واستحوذت أيضًا على أي دعم أو تمويل مستقل يأتي للمجالس لمنعهم من امتلاك استقلالية مالية، فمثلًا، كان مجلس كفر يحمول يملك أرضًا زراعية يقوم بتأجيرها ويستفيد من مواردها، لكن منذ سبعة أشهر استولت عليها حكومة الإنقاذ. 

عمومًا، يمكن تسجيل عدة ملاحظات تجاه فاعلية المؤسسات السياسية والإدارية المحلية والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني في محافظة إدلب، إذ تصطدم سياساتها بالعديد من العراقيل التي تحد من خياراتها، ويعود سبب ذلك أولًا: إلى التعارض في أجندات الجهات المسيطرة على المحافظة، وثانياً: لتشتت الإدارات والهيئات المدنية التي لا تزال تفتقر لرؤية استراتيجية موحدة تُمكنها من امتصاص صدمة النزوح وابتداع أدوات إدارة سياسية واقتصادية واجتماعية تتواءم مع الوضع غير المستقر للمحافظة، وثالثًا: للاعتمادية المفرطة على المنظمات الدولية والمحلية في تقديم المساعدات للسكان ومخيمات المهجرين والمجالس المحلية. 

إدلب والترتيبات السياسية والعسكرية المتوقعة 

رغم إنجاز اتفاق خفض التصعيد في إدلب ضمن الاجتماع السادس في الآستانة، في 15 سبتمبر/أيلول 2017، فإن الخرائط والتفاصيل الجزئية حول آلية المراقبة لم تُحسَم بين الأطراف الثلاثة بشكل نهائي. ولكن يبدو أن التقارب الروسي-التركي حول إدلب أكثر من تقارب الاثنين مع إيران. حيث صرح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى في إيران، بأن "الخطوة القادمة لمحور المقاومة ستكون تحرير مدينة إدلب السورية([15]). وحذرت الأمم المتحدة عبر نائب المبعوث الدولي إلى سوريا للشؤون الإنسانية، يان إيغلاند، من اندلاع حرب في إدلب لكونها أصبحت أكبر مخيم للنازحين في العالم. كما حذر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، من انتقال القتال إلى إدلب وتعريض المدنيين إلى خطر كبير. وفي نفس الوقت، تؤكد تركيا عبر عدة تصريحات للرئيس أردوغان أن إدلب وضبطها سيكونان الهدف القادم بعد عفرين ومنبج. ودعا وزير الخارجية الفرنسي، لو دريان، إلى ضرورة تقرير مصير إدلب من خلال عملية سياسية تتضمن نزع سلاح الميليشيات فيها. 

بالمقابل، لا يمكن فك مصير إدلب عن معطيات المشهد العسكري العام وجنوحه باتجاه تبلور طموحات إقليمية ودولية ناشئة تجعل هذا المشهد يدخل في مرحلة إعادة تشكل وترتيب جديد، سواء بالاتكاء على فكرة ومفهوم الدول الضامنة أو عبر ترسيم جديد لحدود النفوذ الدولي. وسينعكس هذا الترتيب الجديد حُكمًا (سلبًا أو إيجابًا) على العملية السياسية التي دخلت مرحلة من السيولة المغرقة منذ جنيف 8 وما تبعها من تطورات ميدانية -مثل عملية غصن الزيتون، ومحاولات إعادة ترسيم حدود منطقة إدلب، ومعركة "إسقاط" الغوطة الشرقية، والنفوذ الإيراني في الجنوب السوري- وما رافقها أيضًا من هشاشة في بنى الفاعلين السوريين، سواء المعارضة التي باتت جسمًا سائلًا يصعب ضبط توجهاته، أو النظام الذي يجد نفسه غير قادر على إرفاق السيطرة العسكرية بسيطرة سياسية واجتماعية (كما يتخيل)، وغير مؤهل لمواجهة استحقاقات مرحلة البناء وإعادة الإعمار. 

وفقًا لهذه المعطيات، يمكن الاستدلال فيما يتعلق بالمحافظة على أنها تسير وفق عدة اتجاهات يتضح التموضع التركي الرئيسي منها جميعًا، فتركيا رأت في اعتماد الخيارات الصلبة المدخل الأكثر حسمًا في مواجهة المهددات الأمنية التي تتعاظم ضدها، وسيكون لها تأثير واضح في الشمال السوري خاصة بعد شبه اكتمال تحقيقها لأهداف غصن الزيتون واستحواذها شبه المكتمل على الأجزاء الشمالية، بالإضافة إلى أدوار تركية محتملة ضمن مسار الآستانة فيما يخص محاربة جبهة تحرير الشام سواء عبر سياسات تفكيك أم مواجهة مباشرة عبر فصائل المعارضة، وفي ذات الوقت يُتوقَّع أن يخضع اتفاق الآستانة لخروقات مستمرة من قوات تتبع إيران وتميل إليها روسيا أحيانًا عندما تريد الضغط على تركيا، ثم تعود لتدعم الموقف التركي في تحصين هذه المنطقة أمنيًّا وإدارتها مدنيًّا. 

بالمقابل، يسعى النظام إلى الدفع باتجاه استعادة "السيادة الوطنية" عبر مقاربات عسكرية أو سياسية عندما يعجز عن استخدام أدوات الروس أو الإيرانيين. وقد يلجأ إلى عدة خيارات بالتوالي أو التوازي، أهمها:

  1. إنهاك منطقة إدلب أمنيًّا بتيسير مرور "أطراف متشددة" وتنفيذ عمليات أمنية واستهداف للشخصيات الثورية القادرة على جمع الحاضنة الشعبية. وتهدف هذه السياسة إلى إضعاف بنى المعارضة وإيجاد الحجج السياسية لعودة "سيادة مؤسسات الدولة". كما يسعى النظام إلى إفشال نموذج الإدارة المحلية وتصويره على أنه يتبع لمنظمات مصنفة دوليًّا إرهابية.
  2. استثمار مسار الآستانة بين الدول الثلاث: روسيا وتركيا وإيران، لتوسيع دائرة الدول المشاركة فيه وإعادة تعريف أدوار الضامنين، كالمطالبة بدور إيراني أكبر بهدف استخدامه للولوج إلى منطقة إدلب سياسيًّا.
  3. الدفع نحو صفقات أمنية جزئية بشكل ثنائي ومباشر مع القوى الدولية المتواجدة في سوريا، كتركيا وأميركا والأردن لتحييد القوى العسكرية السورية والأجنبية والسماح للنظام بعودة مؤسساته تدريجيًّا لاستعادة تحكمه بمفاصل الخدمات، ومن ثم إعادة اختراق الحاضنة والعودة الأمنية كما فعل في مناطق المصالحات.
  4. عقد صفقات لتحييد الطرق البرية والرئيسية والمعابر التجارية والدولية عن الصراع، وتبدو هذه الخطوة الأسهل على النظام لكونها تحقق مصالح مشتركة لكافة القوى، إلا أن النظام يريد منها إعادة امتلاك وظائف الدولة الأساسية وأجزاء من المواقع السيادية. 

خاتمة 

تتجه إدلب نحو عدة مسارات تعتمد على سياسات وردود أفعال عدد من الدول الفاعلة، خاصة تركيا التي تبدو الفاعل الرئيسي فيها. في حين يبدو أن النظام سيسعى بداية إلى عقد صفقات لفتح الطرق الدولية الرئيسية في سوريا وبالتالي عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف المناطق مع تعزيز حالة الفوضى الأمنية في مناطق المعارضة في إدلب بشكل خاص. ويتوقع أن يخضع اتفاق الآستانة لمساومات ومنازعات من قوات تتبع النظام وإيران وتميل إليها روسيا أحيانًا عندما تريد الضغط على تركيا.

 

المصدر مركز الجزيرة للدراسات: https://bit.ly/2s95y01

 


 

([1])منظمة التنمية المحلية بالتعاون مع الحكومة السورية المؤقتة، "أطلس المعلومات الجغرافي، إدلب"، 17 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):

 https://drive.google.com/drive/folders/0B9mAVSIoeDcPNFRKY1MzejNxV3c

يُشار إلى أن المكتب المركزي للإحصاء التابع للنظام يُقدِّر عدد سكان محافظة إدلب في عام 2016 بـ1445000 نسمة، وهو رقم يبدو أنه لا يشمل النازحين إلى المحافظة، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):  http://www.cbssyr.sy/yearbook/2017/Data-Chapter2/TAB-4-2-2017.pdf

 ([2]) وحدة المعلومات، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تقرير غير منشور، 8 مايو/أيار 2018.

([3]) وحدة التنسيق والدعم، "الكارثة في سورية: التهجير القسري من الغوطة الشرقية والقلمون"، 3 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول 9 مايو/أيار 2018).

https://goo.gl/oHLb94

([4]) حيث عملت الهيئة على تقسيم المحافظة إلى قطاعات ضمن كل قطاع عدد معين من المخيمات بحيث يكون لكل قطاع مدير ولكل مخيم إدارة خاصة به تعمل على إحصاء أعداد المهجرين واحتياجاتهم المختلفة داخل المخيم من سلع وخدمات تشمل الصرف الصحي والتعليم والصحة والطعام...إلخ، وترفع هذه الحاجيات إلى إدارة القطاع الذي بدوره يوصلها للهيئة العامة حيث تجتمع لديه لوازم ونواقص المخيمات في قطاعات المحافظة كافة، فيتم توجيه المنظمات الإغاثية حسب تلك المعلومات.

([5]) المركز السوري لبحوث السياسات، "مواجهة التشظي"، 11 فبراير/شباط 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):

 https://goo.gl/b7ibW2

([6]) إحسان للإغاثة والتنمية، "تقييم الاحتياجات متعدد القطاعات في محافظة إدلب"، يناير/كانون الثاني 2017، تقرير غير منشور لدى المؤلف.

([7]) حسب تقدير وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، غير منشور، بالاعتماد على احتسابها باستخدام برنامج ال ArcGis بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2018.

([8]) حسب الموقع التركي: http://www.suriyegundemi.com/2018/05/09/9620/ تاريخ الدخول 9 مايو/أيار 2018.

([9])  حسب مقابلة مع مصدر خاص في إدلب لدى وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 8 مايو/أيار 2018.

([10])  اعتمد القرار 1378 على القانون الإداري 107 المتضمن معايير تقسيم الوحدات الإدارية بحسب عدد السكان في كل منطقة، كما اعتمد على الإحصاء السكاني للمكتب المركزي للإحصاء التابع لحكومة النظام للعام 2004 وتعديلاته للعام 2011 وفق معدل النمو السكاني في سوريا

([11]) يُقصد بالشخصية الاعتبارية تمتع الوحدة الإدارية بالذمة المالية المستقلة والأهلية القانونية للقيام بالتصرفات القانونية المختلفة كإبرام العقود وحق التقاضي أمام القضاء وإمكانية مقاضاتها من الغير، والموطن المستقل عن الأفراد المكونين لها، ووجود شخص يعبِّر عن إرادة هذه الوحدة ويتصرف باسمها ويمثلها، إضافة إلى تمتعها بالمسؤولية المدنية والإدارية الكاملة

([12]) منظمة التنمية المحلية، 17 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018): https://bit.ly/2s2Uv8H

([13]) تم تصنيف "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية من طرف الولايات المتحدة الأميركية بتاريخ 10 مارس/آذار 2017، موقع وزارة الخارجية، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018): https://www.state.gov/j/ct/rls/rm/273854.htm

وانظر موقع السفارة الأميركية في دمشق، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018) إضغط هنا.

([14]) التقرير الأولي غير منشور بتاريخ 8 مايو/أيار 2018.

([15]) إيران: هدفنا القادم إدلب والوجود العسكري الأميركي لن يبقى شرق الفرات، موقع روسيا اليوم، تاريخ النشر: 13 أبريل/نيسان 2018: goo.gl/xmrxxc

 

التصنيف أوراق بحثية

أصدرت "وزارة الإدارة المحلية والخدمات" في "حكومة الإنقاذ" المُشكّلة في إدلب، قراراً بحلّ المجلس المحلي لمدينة أريحا، معلنة في الوقت ذاته عن تشكيل مجلس جديد يتبع لها واعتباره الجهة الوحيدة الممثلة للمدينة، في حين أعلن المجلس المنحل في بيان رسمي رفضه للقرار، مؤكداً على شرعيته المستمدة من أهالي المدينة، بوصفهم الجهة الوحيدة المخولة بحلّ المجلس أو إيقاف عمله.

وتتخوف بقية المجالس المحلية في محافظة إدلب من المصير نفسه، خاصة في ظل ما يمارس عليها من ضغوط خدمية وأمنية ناجمة عن مساعي"حكومة الإنقاذ" لإحكام سيطرتها الخدمية والتنظيمية على محافظة إدلب، وما يعنيه ذلك من إنهاء التجربة الديموقراطية الناشئة، المُعبّر عنها بالمجالس المنتخبة محلياً.

وتشكلت "حكومة الإنقاذ" مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، كأحد مفرزات "المؤتمر السوري العام" الذي عُقِدَ في أيلول/سبتمبر، وتم اختيار محمد الشيخ لرئاسة الحكومة، ليقوم بدوره بالإعلان عن تشكيلته المكونة من 11 وزارة و4 هيئات مركزية، عقب نيلها الثقة من قبل "الهيئة التأسيسية" المكونة من 36 عضواً. الأسباب الدافعة لتشكيل "حكومة الانقاذ"، اختصرهما الشيخ في سببين سياسي وخدمي: فإما السياسي فيتمثل بالتصدي للمؤامرات التي تحاك لإجهاض الثورة السورية من خلال مؤتمرات أستانة وجنيف وسوتشي، وأما الخدمي فيقوم على تشكيل مرجعية خدمية مؤسساتية قادرة على تطوير القطاعات الخدمية وتنظيم عملها.

لذا، فقد سعت "حكومة الإنقاذ" منذ يومها الأول إلى احتكار القرار الخدمي والتنظيمي في محافظة إدلب وريفي حماة وحلب، من خلال تسلّمها إدارة الملف الخدمي من قبل "هيئة تحرير الشام"، وإصدارها قرارات لتنظيم الوضع الخدمي في المحافظة. هذا فضلاً عن إطلاقها لمبادرات سياسية. وتولت "حكومة الإنقاذ" ملفات الخدمات والقضاء والشرطة من "الإدارة المدنية للخدمات التابعة" لـ"هيئة تحرير الشام"، كما حدث في تسلّمها إدارة السجن المركزي في إدلب، وتوليها مسؤولية الإشراف على "القوة الأمنية" التابعة سابقاً لـ"جيش الفتح" و"الشرطة الإسلامية" التابعة لـ"هيئة ترحرير الشام"، مستفيدة من ايقاف الدعم عن "الشرطة الحرة" على خلفية اتهامات بعلاقتها مع فصائل إسلامية متشددة.

كما أصدرت الوزارات الخدمية التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" قرارات تنظيمية، كإلزام الصيدليات وأصحاب المستودعات الطبية الحصول على ترخيص من مديريات الصحة التابعة لـ"الانقاذ" تحت طائلة فرض عقوبات بحق المخالفين كإغلاق محلاتهم ومصادرة محتوياتها. كذلك أصدرت "الانقاذ" قراراً بضم "جامعة حلب الحرة" إلى "مجلس التعليم العالي" التابع لها، وما أحدثه ذلك القرار من موجة احتجاجات من قبل طلبة الجامعة. وإضافة لما سبق، أعلنت "الإنقاذ" في تعميم وزعته على المجالس المحلية بأنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن الممتلكات والمنشآت العامة، مطالبة المدنيين بإزالة التعديات تحت طائلة المساءلة القانونية.

ولكي تتمكن "الإنقاذ" من تنفيذ قراراتها وشرعنتها، فهي بحاجة إلى الاتكاء على المجالس المحلية. وفي هذا الصدد، كان رئيسها محمد الشيخ، قد قال عقب لقائه عدداً من ممثلي المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في محافظة إدلب، بأن حكومته لا تتدخل في عمل المجالس ويقتصر عملها على الإشراف على المشاريع الممولة من قبل حكومته، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة إجراء انتخابات للمجالس المحلية ومجلس المحافظة بحكم انتهاء مدة ولايتها القانونية.

وهو موقف فسره بعض أعضاء المجالس بأنه محاولة من قبل "حكومة الانقاذ" للهيمنة على المجالس المحلية غير التابعة لها، والتي يُقدر تعدادها في قطاع إدلب ب ـ22 مجلساً، في حين بلغ عدد المجالس التي تم العمل على إعادة هيكليتها أو تكليفها من قبل "الإدارة المدنية للخدمات" والتي أصبحت جزءاً من "حكومة الإنقاذ" 82 مجلساً كان أخرها مجلس مدينة أريحا المنتخب في نيسان/أبريل 2017.

وقد أحدث هذا القرار انقساماً داخل مدينة أريحا بين مؤيد ومعارض، واتهم بعض السكان المجلس المنحل بالفشل في إدارة الملف الخدمي للمدينة، مبدين تفاؤلهم بقدرة المجلس الجديد على التعامل مع الملف الخدمي نظراً لتبعيته لحكومة تمتلك السلطة والموارد، بينما أشاد قسم آخر من السكان بالمجلس المنحل وبأنه نتاج عملية انتخابية حقيقية، معربين عن امتعاضهم لطريقة حلّه.

وولّد قرار حلّ مجلس أريحا مخاوف لدى بقية المجالس المحلية المستقلة من أن تلقى المصير نفسه، خاصة مجالس سراقب ورام حمدان وبنش ومعرة النعمان باعتبارها الأكثر استهدافاً بالضغوط من قبل "حكومة الإنقاذ" في المرحلة المقبلة. وأمام مساعي "الانقاذ" لإحكام سيطرتها على القرار الخدمي والتنظيمي في محافظة إدلب وريفي حماة وحلب، تجد المجالس المحلية نفسها أمام تحدٍ كبير، يتصل بمدى قدرتها على الاستمرار كتجارب ديموقراطية ناشئة في بحر متلاطم من الصراعات.

 

المصدر جريدة المدن الإلكترونية: https://goo.gl/zz8xXH

 

التصنيف مقالات الرأي

ملخص تنفيذي

  • تُعتبر "هيئة تحرير الشام" نتاجاً للتحول التنظيمي للسلفية الجهادية العابرة للحدود "القاعدة" في البيئة المحلية السورية، وذلك بتفاعلها مع العناصر التالية: العلاقة المعقدة مع المجتمع الدولي، التجربة "الجهادية في العراق"، العلاقة مع "القاعدة"، علاقات التنافس الجهادية، الحاضنة الشعبية.
  • تنشط في محافظة إدلب عدة أجسامٍ خدمية من أبرزها: هيئة إدارة الخدمات التابعة لحركة "أحرار الشام الإسلامية"، الإدارة العامة للخدمات التابعة "لهيئة تحرير الشام"، الإدارة المدنية للخدمات التابعة "لجيش الفتح"، المجالس المحلية، منظمات المجتمع المدني.
  • يقدر تعداد المجالس المحلية في محافظة إدلب بـ 156 مجلس تتوزع وفق الآتي: 9% مجلس مدينة، 30% مجلس بلدة، 61% مجلس بلدية، يتواجد منها 81 مجلس محلي في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" موزعة حسب التقسيمات الإدارية وفق الآتي: 14% مجلس مدينة، 39% مجلس بلدة، 47% مجلس بلدية، إضافة لتواجد 43 مجلس قرية.
  • تسعى "هيئة تحرير الشام" لتحقيق التمكين بشكل تدريجي، وإقامة إحدى أنماط الحكم ذات الصبغة الإسلامية على المدى البعيد "الإمارة، الدولة، الخلافة"، مستغلةً خُلاصة تجارب التشكيلات التي ولدت منها، إضافةً لتوجيهات ومراجعات المركز وتجارب فروعه في ساحات الجهاد.
  • يعتمد نظام الحكم المحلي "لهيئة تحرير الشام" على ثلاثة أدوات: توفير الخدمات الاجتماعية، سياسات الإكراه، نشر الإيديولوجية، تتجسد بهياكل تنظيمية هي: الإدارة العامة للخدمات، الجناح العسكري والقوة الأمنية، مكتب الدعوة والإرشاد ودور القضاء.
  • تتبنى الهيئة مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية تتنوع أنماطها بين التعاون المصلحي والاحتواء فالاختراق والإقصاء. أما محددات اعتمادها لإحدى المقاربات السابقة فتتضمن:1) مستوى تمكن الهيئة ودرجة سيطرتها ومواردها، 2) الحاضنة الشعبية، 3) الدور المركزي للمجلس المحلي وشرعيته، 4) تواجد شركاء داعمين للمجلس المحلي.

مقدمة

تسعى الحركات الجهادية إلى حكم مناطق سيطرتها بما يمكنها من تحقيق أهدافها التي نشأت لأجلها، إلا أنها تختلف في مقاربتها لمسألة الحكم وما يستتبعه بالضرورة من تباينها في الهياكل التنظيمية والأدوات التنفيذية المستخدمة لإنفاذ رؤيتها في الحكم، حيث ركزت بعض الحركات الجهادية على ممارسة الإكراه وفرض إيديولوجيتها الشمولية على المجتمعات المحلية، وباهتمام أقل بتوفر احتياجات السكان ومطالبهم المعاشية ومراعاة منظورهم للحياة وللإسلام كما في تجربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، في حين اتبعت حركات أخرى مقاربة مصلحية قائمة على المزج بين الحوافز الإيجابية والسلبية في حكم مناطقها كما في مثال "هيئة تحرير الشام".

استندت الهيئة على تجارب الحكم المحلية للتشكيلات الجهادية التي انبثقت عنها، وخلاصة توجيهات المركز "القاعدة" وتجارب فروعه في ساحات "الجهاد العالمية"، لتؤسس تجربتها في الحكم المحلي وذلك بالمزواجة بين الأدوات التالية: توفير الخدمات الاجتماعية، فرض سياسات الإكراه، نشر الإيديولوجية، وبواسطة بُنية تنظيمية مركبة، بما يمنحها القدرة على تعزيز تواجدها في البيئة السورية على المدى الطويل.

وفي ظل دفع "هيئة تحرير الشام" لتجربتها في الحكم المحلي وما يتضمنه من مخاطر، تجد المجالس المحلية نفسها أمام تحدٍ وجوديٍ تفرضها تلك الجهود. واستناداً لما سبق، تتحدد إشكالية الدراسة في مناقشة الأثر المتوقع للحكم المحلي "لهيئة تحرير الشام" على المجالس المحلية ضمن مناطق سيطرتها في محافظة إدلب، والتي جاء اختيارها كنموذج باعتبارها المحافظة الوحيدة المحررة بشكل شبه كلي، فضلاً عن تمتعها بموقع جغرافي متميز يجعلها صلة الوصل بين المناطق الساحلية والوسطى والشمالية، إضافة لتصدرها قائمة مناطق سيطرة قوى المعارضة من حيث عدد المجالس المحلية العاملة فيها، علاوةً على كونها مركز الثقل الرئيسي "لهيئة تحرير الشام".

تعتمد الدراسة المنهج الوصفي في مقاربتها لسياق تشكل "هيئة تحرير الشام"، وعمل المجالس المحلية في مناطق سيطرتها، في حين تم اعتماد المنهج التحليلي لتفسير مقاربة الهيئة للحكم المحلي وطرق تعاطيها مع المجالس المحلية. أما الأدوات البحثية التي اعتمدها الباحث فتشمل المقابلات والملاحظة الموضوعية.

تأتي هذه الدراسة في سياق دراسة الواقع الحوكمي في مختلف مناطق السيطرة بهدف الوصول إلى رؤية وطنية للتعامل مع هذا الواقع الجديد أثناء وبعد عملية الانتقال السياسي. تتناول الدراسة الحكم المحلي "لهيئة تحرير الشام" في محافظة إدلب ومقاربتها للمجالس المحلية، بدءاً من توصيف سياق تشكل الهيئة، واستعراض مقاربتها للحكم المحلي، ثم التطرق للمجالس المحلية العاملة في مناطق الهيئة وأنماط تعاطي الأخيرة معها، لتنتهي الدراسة بعرض توصيات خاصة لتعزيز منظومة المجالس المحلية في مناطق سيطرة الهيئة.

تشكيل هيئة تحرير الشام: سياق مركب لبنية إشكالية

تتعدد القراءات المفسرة لبروز "هيئة تحرير الشام"، بين من يعتبرها تمظهراً جديداً لجبهة النصرة ضمن محاولاتها التهرب من الضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها سيما عقب انتكاسة حلب وانطلاق مسار الأستانة، وبين من يراها خطوة تؤكد التزام الفرع بتعليمات القيادة المركزية "للقاعدة" من حيث ضرورة الاندماج بالبيئة المحلية صوناً "للتجربة الجهادية"، في حين فسرها آخرون بأنها نتاج علاقات التنافس المحموم لاحتكار تمثيل "الجهاد السوري".

تُقدم القراءات السابقة تفسيرات جزئية لبنية إشكالية، في حين تميل الدراسة لتبني مقاربة تحليلية شمولية للهيئة باعتبارها، نتاجاً للتحول التنظيمي المستمر للحركة السلفية الجهادية العابرة للحدود "القاعدة" في البيئة المحلية السورية، وذلك بتفاعلها مع الاعتبارات التالية: العلاقة المعقدة مع المجتمع الدولي، "التجربة الجهادية في العراق"، العلاقة مع "القاعدة"، علاقات التنافس الجهادية، الحاضنة الشعبية. استناداً لما سبق، يمكن تقسيم مراحل تشكل هيئة تحرير الشام إلى ثلاث وفق الآتي:

  1. جبهة النصرة لأهل الشام "كانون الثاني 2012-تموز 2016"

تم الإعلان عن تأسيس جبهة النصرة في كانون الثاني 2012 ([1])، بدعم وإسناد من الفرع "العراقي للقاعدة"، وبمرجعية إيديولوجية متعددة الروافد ([2])، خضعت لمراجعات على مستوى القيادة المركزية "للقاعدة"، وكان واضحاً منذ البداية حرص القائد العام للجبهة أبو محمد الجولاني على تجنب أخطاء "الجهاد العراقي" والالتزام بالمنهج الجديد "للقاعدة" _دون الإعلان عن التبعية لها رغم حيازتها لمباركتها_ القائم على الاندماج بالشعوب من خلال الاهتمام بقضاياها العامة ومقارعة الاستبداد والظلم الذي تتعرض له، إضافةً لتجنب استثارة المجتمع الدولي وذلك بالتأكيد على طابعها السوري.

استغلت جبهة النصرة الثورة السورية للولوج إلى الجغرافية السورية وتعزيز حضورها، مستغلةً قوتها العسكرية وبراغماتيتها في تشكيل التحالفات المصلحية، إضافةً للدفعة المعنوية والتعبوية التي تلقتها من خلال إفراج النظام عن عدد من المعتقلين من ذوي الخلفيات الإسلامية "الجهادية" من سجونه([3]).

تعرضت جبهة النصرة خلال هذه الفترة لضغوط كثيرة أبرزها: 1) التصنيف الأمريكي "كانون الأول 2012" والأممي "أيار 2013" لها على أنها منظمة إرهابية، 2) الصراع مع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" على خلفية إعلان البغدادي "الدولة الإسلامية في العراق والشام" نيسان 2013" ثم "الخلافة" في أيار 2014"، 3) إظهار الجبهة بيعتها "للقاعدة" وما أحدثه من ردود فعل سلبية من قبل جمهور الثورة السورية، 4) التدخل العسكري الروسي "أيلول 2015".

تفاعلت جبهة النصرة مع المتغيرات الطارئة على المشهد السوري والضغوط المحلية والخارجية التي تتعرض لها، لتعلن عن ولادة جسم حركي جديد في تموز 2016 باسم "جبهة فتح الشام".

  1. جبهة فتح الشام "تموز 2016-كانون الثاني 2017"

أعلن الجولاني وبحضور قيادات لها وزنها في "الساحة الجهادية" إلغاء جبهة النصرة، وتشكيل كيان جديد بمسمى "جبهة فتح الشام" دون تبعيته "للقاعدة"، مبرراً هذه الخطوة بكونها استجابةً لرغبة أهل الشام في دفع ذرائع المجتمع الدولي من جهة، وحماية "الجهاد الشامي" وتحصينه من جهة أخرى ([4]).

أراد الجولاني من خلال التشكيل الجديد إدارة العلاقة المتوترة مع المجتمع الدولي، وذلك بإعلانه لكيان جديد مستقل عن "القاعدة" وأكثر محلية، فضلاً عن سعيه لترميم موقف الحاضنة الشعبية تجاه مشروعه الجهادي، والتي تضررت بحكم تصاعد استهداف مناطق قوى المعارضة بحجة تواجد النصرة ذات الارتباط القاعدي، ونتيجة لمنهجها في التغلب ولتدخلها الفج في شؤون السكان المحليين.

كذلك يمكن النظر "لجبهة فتح الشام" على أنها نتاج علاقات التنافس بين جبهة النصرة والأحرار ومسعى كل منهما لاحتكار تمثيل "الجهاد السوري"، حيث أراد الجولاني الضغط على الأحرار من خلال تشكيل تحالف جهادي لاستنزاف حركة الأحرار من جهة وإضعاف شرعيتها الجهادية من جهة أخرى. أما حضور الشيخان "أبو عبد الله الشامي وأبو الفرج المصري" في بيان الإعلان، فجاء لمنح الجبهة الغطاء الشرعي مع ضمان استمرارية الحضور الرمزي "للقاعدة" في التشكيل الجديد.

لم تعمر "جبهة فتح الشام" كثيراً، ليتم تجاوزها لصالح بنية حركية أطلق عليها مسمى "هيئة تحرير الشام" مطلع 2017، بما يظهر حجم وتسارع الضغوط الداخلية والخارجية، التي تعرضت لها قيادات "جبهة فتح الشام"، ومحاولاتهم الحثيثة لإيجاد مخرج حركي جديد.

  1. هيئة تحرير الشام "كانون الثاني 2017"

تشكلت "هيئة تحرير الشام" إثر اندماج عدد من الفصائل العاملة في الشمال السوري نهاية كانون الثاني 2017، في مقدمتهم: حركة نور الدين الزنكي، "جبهة فتح الشام"، جبهة أنصار الدين، جيش المهاجرين والأنصار، لواء الحق، كما انضم للتشكيل الجديد عدد من شيوخ ودعاة "السلفية الجهادية" كــ: عبد الرزاق المهدي، أبو الحارث المصري، أبو يوسف الحموي، عبد الله المحيسني، أبو الطاهر الحموي ومصلح العلياني ([5]).

تفاعلت "جبهة فتح الشام" مع الضغوط الداخلية والخارجية التي استهدفت عزلها ومحاولات تصفيتها، والتي تكثفت مع اتفاق حلب الشرقية (13-12-2016)، اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار (30-12-2016) ومؤتمر الأستانة (23-1-2017)، لتعلن الجبهة عن تشكيل "هيئة تحرير الشام" كمناورة اضطرارية للالتفاف على التصنيف الإرهابي لها، وبما يصعب عملية استهدافها عسكرياً من قبل المجتمع الدولي لضمها فصائل غير مصنفة إرهابياً ومقربة في وقت سابق من الغرب كحركة نور الدين الزنكي. كذلك ينظر للتشكيل الجديد بأنه نتاج استمرار علاقات التنافس المحمومة بين الجبهة والأحرار ([6])، حيث تمكنت الهيئة من استقطاب ما يزيد عن 25 فصيل فرعي من الفصائل المنافسة لها، وفي مقدمتهم حركة أحرار الشام التي خسرت 16 من الفصائل المنضوية لها لصالح "هيئة تحرير الشام" ([7])، كما خسرت حركة الأحرار عدداً من قياداتها البارزين لصالح الهيئة كأبو صالح الطحان وأبو يوسف المهاجر. 

علاوةً على ما سبق، جاء التشكيل الجديد ليؤكد رغبة الجولاني في تمكين مشروعه "الجهادي" في سورية وترميم شرعيته، وذلك بالتأكيد على مرونة الهيئة وتجسيد ذلك في الخطاب الإعلامي بقبولها المشروط بالعملية السياسية التفاوضية، وإدراجها قتال "الخوارج" لتأكيد اعتدالها، فضلاً عن استخدامها للشعارات التي تنتمي للخطاب الثوري المحلي ([8]) .

تضم "هيئة تحرير الشام" بين 19 و20 ألف منتسب بين مقاتل وإداري وشرعي، ويتباين نمط انتشار الهيئة في الجغرافية السورية بين تواجد مكثف يرتكز على مقرات وحواجز ثابتة تتبع للهيئة في مناطق محددة، أو انتشار خفيف يقوم على تسييرها لدوريات عسكرية عابرة، وعموماً تنتشر الهيئة وفق أحد النمطين السابقين في محافظة إدلب وجنوب وغرب حلب، وفي جرود القلمون والغوطة الشرقية، إضافةً لتواجدها المحدود في محافظتي درعا والقنيطرة كما توضح بذلك خريطة النفوذ التالية:

 

الرسم البياني رقم (1): خريطة توزع مناطق السيطرة في سورية

أما بخصوص هيكلية الهيئة، فيلحظ ومن خلال مقاطعة عدة مصادر من المعلومات، تمتعها بهيكلية إدارية تتوزع على عدد من الأقسام الرئيسية التي تغطي الجوانب التالية: العسكري، الأمني، الخدمي، الشرعي، القضائي، الإعلامي، الاقتصادي وكذلك السياسي، علماً أن لكل قسم مما سبق بنية وهيكلية تنظم عمله، مع ارتباطها جميعاً بمجلس الشورى كما يظهر بذلك الشكل التالي.

الرسم البياني رقم (2): الهيكلية المتوقعة لهيئة تحرير الشام

يلحظ من استعراض هيكلية هيئة تحرير الشام شموليتها وارتباطها بقيادة مركزية، بما يوضح مساعي الهيئة لإقامة حكم ذا طابع إسلامي على المدى البعيد، وبما يهدد المجالس المحلية التي تعتبر النواة الرئيسية لإعادة بناء الدولة الوطنية.

إدارة هيئة تحرير الشام لمناطقها ومقاربتها للمجالس المحلية: على طريق التمكن

تُجمع "الحركات الجهادية" ذات الطابع العسكري على ضرورة حكم مناطقها بالشكل الذي يمكنها من تحقيق أهدافها الموضوعة، إلا أنها تختلف في مقاربتها لمسألة الحكم وما يستتبعه بالضرورة من تباينها في الهياكل التنظيمية والأدوات التنفيذية المستخدمة لإنفاذ رؤيتها في الحكم المحلي، حيث تركز بعض "الحركات الجهادية" على توفير الخدمات الاجتماعية أكثر من ممارستها لسياسات الإكراه، مع ميلها للمواءمة بين إيديولوجيتها وتوجهات السكان المحليين تجنباً للصدام معهم، بينما يميل بعضها الآخر لممارسة سياسات الإجبار والإكراه وفرض إيديولوجيته لتحقيق التمكين، مع اهتمام أقل بتوفير الخدمات الاجتماعية. وأمام ما سبق يبدو من الأهمية تسليط الضوء على تجربة "هيئة تحرير الشام" في الحكم المحلي، من حيث مقاربتها لهذه المسألة، والنمط والأدوات المتبعة من قبلها لإنفاذ رؤيتها، وطرق تعاطيها مع المجالس المحلية القائمة في مناطقها في المرحلة الراهنة.

منظور هيئة تحرير الشام للحكم المحلي: خلاصة التجارب، وبراغماتية الأداء

تسعى "هيئة تحرير الشام" إلى تحقيق التمكين بشكل تدريجي، وإقامة إحدى أنماط الحكم ذات الصبغة الإسلامية "الإمارة، الدولة، الخلافة". وتعتبر تجربة الهيئة خلاصة تجارب التشكيلات التي ولدت منها، إضافةً لتوجيهات ومراجعات المركز وتجارب فروعه في "ساحات الجهاد" ([9]).

وفي مسعاها لتحقيق التمكين المُهيء لإقامة "الحكم الإسلامي"، تولي الهيئة السكان المحليين أهمية باعتبارهم فاعلاً رئيسياً يمتلك القدرة على دفع مشروعها أو إجهاضه. من هنا توظف الهيئة مجموعة من الحوافز لكسب الدعم من المجتمعات المحلية. أما أدواتها في ذلك فتتضمن: توفير الخدمات الاجتماعية، سياسات الإكراه، نشر الإيديولوجية. أما فيما يتصل بمفاضلتها لاستخدام أداة أكثر من غيرها فيعود إلى اعتبارات عدة أبرزها: مستوى تمكّنها وسيطرتها، الكلف المدفوعة والنتائج المتحققة، التيار المهمين على صنع القرار ومنفذيه.

  1. توفير الخدمات الاجتماعية: الإدارة العامة للخدمات

تعتبر الإدارة العامة للخدمات الذراع الخدمي لهيئة تحرير الشام في المناطق التي تنتشر فيها، وقد تشكلت من قبل جبهة النصرة في وقت سابق من عام 2013 على خلفية قرارها بالانفصال عن "الإدارة الإسلامية للخدمات" ([10])، وتتكون الإدارة العامة للخدمات من عدد من المؤسسات الخدمية على المستوى المناطقي العام "إدلب، حلب، حماة. إلخ" لتكون أشبه بوزارات خدمية، ترتبط بعدد من المديريات الخدمية على المستوى القطاعي "قطاع الحدود، قطاع البادية، قطاع حلب المدينة. إلخ"، التي ترتبط بدورها بالبلديات المشكلة من قبل الإدارة العامة للخدمات، والتي يمكن اعتبارها النواة المحلية الأصغر المسؤولة عن تنفيذ توجيهات مؤسسات وهيئات الإدارة العامة للخدمات ([11])، ومن خلالها يتم الاحتكاك بالسكان المحليين وتوفير الخدمات لهم كما في بلديات حارم وسلقين ودركوش وتلمنس. أما في المناطق التي لا تتوافر فيها بلديات تتبع للهيئة، فيتم العمل فيها بواسطة المؤسسات والمديريات الخدمية للإدارة العامة، وذلك بالتعاون أو بالاستقلالية عن الأجسام الخدمية القائمة ([12])، أو من خلال مجالس محلية تهيمن عليها الهيئة ([13]).

 

     الرسم البياني رقم (3): هيكلية الإدارة العامة للخدمات ([14])

تدرك الهيئة أهمية توفير الخدمات للسكان المحليين لكسب تأييدهم وتجنيد متطوعين جدد لمشروعها، كما تعلم أن التزامها بتوفير الخدمات الأساسية يضعف منافسيها "المجالس المحلية، هيئة إدارة الخدمات"، ويقلّل من مناهضة السكان لسياسات الإكراه المنفذة من قبلها، إلا أنها وعلى الجانب الآخر تدرك عجزها عن تحمل الكلف المرتفعة الناجمة عن توفير جميع الخدمات، الأمر الذي يفسر تركيزها على الخدمات الأكثر حيوية للسكان والتي من خلالها تستطيع التأثير أو التحكم بالمجالس المحلية كالمياه والكهرباء ([15])، في حين أنها ترهن توسيع نطاق خدماتها الأخرى بتوافر الموارد من جهة وحاجتها لتحقيق التمكين الكلي من جهة أخرى. 

تعمل الهيئة على شغر المناصب الخدمية بعناصر سوريين مدنيين يغلب عليهم المحلية، بما يمكنها من نسج علاقات إيجابية مع السكان المحليين ([16])، أما مصادر تمويل خدماتها، فتعتمد الهيئة بشكل أساسي على شبكات الدعم الخارجية سواءً تلك التي يوفرها المركز أو المتعاطفين معها، إضافة للضرائب المحلية المفروضة على السكان المحليين لقاء الخدمات التي توفرها الهيئة بشكل مباشر، والرسوم التي تفرضها على حركة المرور التجاري مستغلة سيطرتها على خطوط الإمداد والتموين في شمال غرب سورية( [17]) ، وكذلك الأتاوات المفروضة لقاء تأمين الحماية أو السماح للمنظمات بالعمل ضمن مناطقها ([18])، إضافةً لتحصيل الغرامات بحجة مخالفة أوامرها، علاوةً على الموارد المالية المتأتية من بيع أو استثمار الأملاك العامة.

  1. سياسات الإكراه والتغلب: تكتيكات عنفية وأخرى لاعنفية

تلجأ الهيئة لممارسة سياسات الإكراه ضد خصومها وتبرير ذلك أمام الحواضن المحلية بذرائع متعددة منها: الإفساد في الأرض، التعاون مع الغرب أو النظام، إقامة شرع الله...إلخ، وتتنوع أساليب الهيئة في ممارسة الإكراه بين أسلوب مباشر يتم بواسطة ذراعها العسكرية كما حصل في حملتها على عدد من الفصائل في الشمال السوري كالجبهة الشامية وتجمع فاستقم وصقور الشام وجيش الإسلام وجيش المجاهدين ([19])، أو من خلال ذراعها الأمنية ([20]) لفرض توجهاتها على السكان المحليين ومعاقبة الأفراد والهيئات المناهضة لها، أو بأسلوب غير مباشر من خلال اتباع تكتيكات لاعنفية تهدف إلى فرض رؤيتها على السكان المحليين أو تكوين رأي عام تجاه قضية معينة، ويتم ذلك من خلال ذراعيها الدعوي والإعلامي ومن أمثلة ذلك، تنظيم الحملات الشرعية في المساجد والمناطق العامة لفرض إيديولوجيتها، أو إخراج مظاهرات ضد خصومها([21]).

  1. الإيديولوجية: ثنائية القضاء والدعوة

اعتمدت "هيئة تحرير الشام" على تجارب "القاعدة المركزية" وفروعها فيما يتصل بضرورة التطبيق الانتقائي والتدريجي لأحكام الشريعة الإسلامية، وذلك لتجنب الصدام مع السكان المحلين ([22])، الأمر الذي أكده الجولاني في مناسبات متعددة. وتقوم الهيئة باعتماد ثنائية القضاء والدعوة لفرض نفوذها والتحصل على الدعم المجتمعي، فمن جهة ورثت الهيئة دُور القضاء التي شكلتها النصرة سابقاً في مناطق تواجدها كدور القضاء في سلقين وسرمدا ودركوش..إلخ، وتمنح دُور القضاء الهيئة نفوذاً داخل المجتمعات المحلية باعتبارها أداة لها مصداقية في فرض قانونها المبني على رؤيتها الخاصة للشريعة الإسلامية ([23])، إضافة لما تخولها إياها من صلاحيات وتبريرها كالاستيلاء على الأموال والممتلكات العامة ومصادرة ممتلكات خصومها بحجج شرعية([24]).

على الجانب الآخر، تعتمد الهيئة على مكتب الدعوة والإرشاد ([25])، للقيام بحملات التعبئة الإيديولوجية والحشد المجتمعي لمشروعها بين السكان المحليين، ويلاحظ في هذا الصدد أن قدرة الهيئة على الانتشار والتعبئة الإيديولوجية أكثر تأثيراً في المناطق الريفية منها في الحواضر المدنية الكبرى في محافظة إدلب كما في معرة النعمان وسراقب وكفرنبل، والتي تمتلك مجتمعات مدنية فعالة تحد من قدرة الهيئة على النفاذ إليها.

مقاربة هيئة تحرير الشام للمجالس المحلية: نهجٌ مصلحي يتهدد المجالس

تحظى إدلب بأهمية حيوية في سياق الصراع الدائر في سورية، وذلك باعتبارها المحافظة الوحيدة المحررة بشكل شبه كلي، فضلاً عن تمتعها بموقع جغرافي متميز يجعلها صلة الوصل بين المناطق الساحلية والوسطى والشمالية، إضافة لتصدرها قائمة مناطق سيطرة المعارضة من حيث عدد المجالس المحلية العاملة فيها، علاوةً على كونها مركز الثقل الرئيسي لهيئة تحرير الشام.

وبالنظر إلى الهيئات الخدمية العاملة في محافظة إدلب فتشتمل على: الإدارة المدنية للخدمات التابعة لجيش الفتح، هيئة إدارة الخدمات التابعة لحركة أحرار الشام الإسلامية، الإدارة العامة للخدمات التابعة لهيئة تحرير الشام، الحكومة المؤقتة والهيئات والمديريات والمجالس المحلية التابعة لها، منظمات المجتمع المدني. فيما يتعلق بالمجالس المحلية العاملة في محافظة إدلب فيقدر عددها بــ 156 مجلس فرعي بحسب مجلس محافظة إدلب الحرة، تتوزع إدارياً وفق الآتي: ([26]) الرسم البياني رقم (4): توزع المجالس المحلية في محافظة إدلب بحسب التقسيمات الإدارية

إضافة لما سبق يتواجد عدد من المجالس المحلية في القرى والمزارع التي لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية بحسب الأنظمة واللوائح المعمول بها من قبل وزارة الإدارة المحلية في الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة، وقد تشكلت تلك المجالس إما بمبادرة فردية من قبل وجهاء تلك القرى طلباً للدعم من المنظمات، أو بتوجيه من الفصائل العسكرية الساعية لتعزيز شرعيتها المحلية ([27]).

أما فيما يتعلق بالمجالس المحلية القائمة في مناطق التواجد المكثف لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، فيقدر عددها بــ 81 مجلس تتوزع بحسب التقسيمات الإدارية وفق الشكل رقم (5)، إضافة لتواجد 43 مجلس قرية.

الرسم البياني رقم (5): التقسيمات الإدارية للمجالس المحلية في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام

تتباين مرجعية تلك المجالس، حيث يتبع جزء كبير منها لمجلس محافظة إدلب الحرة الذي يعتبر بدوره جزء من الحكومة السورية المؤقتة ([28])، بينما لا يقر بعضها بالتبعية الإدارية لمجلس المحافظة، في حين يتبع عدد آخر من المجالس للإدارة العامة للخدمات تشكيلاً أو إشرافاً كما في حارم وسلقين.

تتفاوت المجالس المحلية فيما بينها من حيث فعاليتها وطبيعة دورها، ويعزى ذلك إلى عدة عوامل منها: الإمكانيات، الشرعية، حجم الوحدة الإدارية، العمليات العسكرية، العلاقة مع "هيئة تحرير الشام"، وتسعى تلك المجالس لتوفير الخدمات الأساسية لمجتمعاتها المحلية ما أمكنها ذلك، بما يتضمن عمليات الإغاثة وإصلاح البنية التحتية وتوفير خدمات الصحة والتعليم والدفاع المدني والأمن المحلي سواءً بمفردها أو بالتشارك مع الهيئات الخدمية "الشرطة الحرة والدفاع المدني" ومنظمات المجتمع المدني. أما مصادر الدعم المادي للمجالس، فمتعددة وفي مقدمتها الدعم الذي توفره الجهات المانحة عبر منح مالية أو مشاريع تشغيلية أو مواد عينية، في حين يعتبر الدعم المقدم من قبل الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة محدوداً من حيث الكم ومتقطعاً من حيث تواتره، كذلك تعتمد المجالس المحلية على مصادرها الذاتية كالجباية المحلية واستثمار الأملاك العامة وعوائد المشاريع التنموية، يضاف لما سبق الدعم المادي واللوجستي الذي توفره الإدارة العامة للخدمات لبعض المجالس سيما تلك التي تتبع لها([29]).

تدرك "هيئة تحرير الشام" الأهمية التي يحظى بها مشروع المجالس المحلية سواءً في الوقت الراهن لما تقوم به من أدوار خدمية وتمثيلية تقربها من السكان المحليين، أو بالنسبة للدول والجهات الداعمة باعتبارها قنوات أساسية لتمرير الدعم وتنفيذ مشاريع التدخل الإنساني والتنموي حالياً، وباعتبارها ركائز أساسية في تطبيق الحل السياسي مستقبلاً. لكن وعلى الجانب الآخر، تدرك الهيئة حالة التضاد القائمة بين مشروعها الرامي لبناء مقومات التمكين تدريجياً في مسعاها لإقامة "حكمها الإسلامي"، ومشروع المجالس المحلية الذي يعتبر تجسيداً لحالة الدولة ونواتها الأساسية. من هنا تتبنى الهيئة مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية محكومةً بالعوامل التالية: 1) مستوى تمكن الهيئة ونمط انتشارها، 2) توافر الموارد،3) موقف الحاضنة الشعبية، 4) الدور المركزي للمجلس وشرعيته، 5) تواجد شركاء داعمين للمجلس.

استناداً لما سبق، يمكن إيجاز المقاربات التي تتبناها الهيئة تجاه المجالس المحلية في ثلاث وفق الآتي:

  1. التعاون المصلحي: تميل الهيئة للتعاون المصلحي مع المجالس المحلية في قضايا محددة، خاصة فيما يتعلق بقطاعي الكهرباء والمياه نظراً لهيمنة الإدارة العامة للخدمات على خطوط إمداد الطاقة الكهربائية ومحطات المياه ([30])، ويتم ما سبق من خلال صيغ تفاوضية غير رسمية تحدد دور والتزامات كل طرف ([31])، وقد تطلب الهيئة لقاء خدماتها بدل مادي أو دعم إغاثي أو معدات لوجستية من المجلس المحلي ([32]). كما تقوم الهيئة عبر ذراعها الخدمي بتوفير الدعم اللوجستي ([33]) أو المادي للمجالس في تنفيذها لنشاط خدمي معين. تضطر الهيئة لتبني هذه المقاربة حينما لا تتحقق لها السيطرة المكانية بشكل كلي، لتكون جزء من تحالف أوسع من الفصائل المسيطرة على منطقة عمل المجلس كما في سراقب ([34])، كما تميل للتعاون المصلحي في مناطق المدن الكبرى والتي لا تحظى فيها بقبول شعبي كما في معرة النعمان ([35])، وتعتبر شرعية المجلس ودوره الخدمي المركزي وتوافر شركاء داعمين له من منظمات داعمة وشركاء محليين منافسين للهيئة "كهيئة إدارة الخدمات" ([36]) عوامل أساسية تجبر الهيئة على التعاون مع المجلس أو تجنب التدخل فيه تحاشياً لإثارة الحاضنة الشعبية ضدها ([37]).
  2. الاحتواء فالاختراق: تسعى الهيئة إلى احتواء واختراق المجالس المحلية وتوظيفها ([38]) بغية تمكين مشروعها محلياً على المدى البعيد، وتميل الهيئة إلى هذه المقاربة في المناطق التي تعتبر فيها مكوناً رئيسياً على الصعيد العسكري، كذلك في المناطق التي لا يتوافر فيها بنى إدارية تتبع لها ([39]) بسبب ضعف مواردها لتغطية هذه المنطقة خدمياً، إضافة للمناطق التي تحظى فيها بحاضنة شعبية تمكنها من الضغط على المجالس سيما في الريف الإدلبي، علاوةً على المناطق المخدّمة من قبل مجالس تفتقد للاستقرار الوظيفي والمجتمعي. تمارس الهيئة عملية الاحتواء واختراق المجالس بواسطة عدة أدوات مباشرة كتزكية بعض الأشخاص للعمل في المجلس ([40])، أو فرض شخصيات محسوبة عليها لعضوية المجلس أو الهيئات الناخبة له ([41])، أما الأدوات غير المباشرة للاحتواء والاختراق فمتعددة ومنها، التأثير في عملية اتخاذ القرار ([42]) أو تنفيذه ([43]).
  3. الإقصاء: تقوم الهيئة في هذه المقاربة بإقصاء المجالس المحلية وإنهاء عملها لصالح أجسام خدمية تقوم بتشكيلها هي ([44])، وتلجأ الهيئة لهذه المقاربة في المناطق التي لا تجد من ينافسها السيطرة عليها مكانياً، وكذلك في المناطق التي تعتبر حيوية لوقوعها على طرق الإمداد وخطوط النقل التجاري كما في مجالس قطاع الحدود كحارم ودركوش. كما تلجأ الهيئة لهذه المقاربة في مناطق المجالس ذات الشرعية المهتزة والدور الخدمي الضعيف، وكذلك في المناطق التي لا تقر بها مجالسها بشرعية الهيئة ودورها كما حصل في سنجار ([45]) وسلقين على سبيل المثال ([46]).

تعزيز منظومة المجالس المحلية: ثلاثية المجتمع المدني والإدارة الفعالة والموارد

تحظى المجالس المحلية في محافظة إدلب بأهمية باعتبارها معياراً لمدى نجاح التجربة وإمكانية البناء عليها مستقبلاً، وفي حين تواجه عموم مجالس المحافظة تحديات منبعها ضعف الموارد وعلاقات التنافس المحلية ذات الطابع السلبي، والسياسات المتضاربة للفاعلين المنخرطين في الصراع السوري، فإن المجالس العاملة في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" والتي لا تتبع لها، تواجه مخاطر جدية تستهدف استمراريتها بحكم دفع الهيئة لتجربتها في الحكم المحلي عبر سياسات التمكين والإكراه. وفي حين يمكن أن يوصى بسياسات عامة لدعم المجالس المحلية بغية تمكينها، فإنه يتوجب على الجهات الداعمة وضع مقاربة خاصة لدعم المجالس الواقعة ضمن مناطق الهيئة لدعمها بشكل استثنائي، وذلك بإدراكها أولاً لبيئة عمل المجلس وبما يجنبها إثارة ردود فعل سلبية تعرض المجالس للخطر من قبل القوى المحلية، إضافةً لأهمية عملها وفق سلم أولويات موجه لتمكين المجالس المحلية وعلى مراحل زمنية.

بناءً على ما سبق ولتعزيز منظومة المجالس الواقعة ضمن مناطق الهيئة ومنحها المناعة الكافية بما يُمكنها من تلافي الوقوع في ثلاثية الهيئة (التعاون المصلحي، الاحتواء فالاختراق، الاقصاء) فإنه يوصى بالعمل على ما يلي:

  1. المجتمع المدني الفعال: تفيد التجربة بأن تمتع المناطق بمجتمع مدني قوي داعم للمجلس المحلي، يعزز من قدرتها على التصدي لمحاولات الهيئة الاستحواذ على مجالسها أو إقصائها، من هنا يتوجب اتباع سياسات تستهدف بناء مجتمع مدني داعم للمجلس المحلي، وذلك عبر الخطوات التالية:
  • استكمال بناء قدرات منظمات المجتمع المدني من خلال دورات التدريب والتأهيل.
  • إنشاء منتديات للحوار المجتمعي مهمتها تعزيز التواصل ومأسسته بين المجالس ومنظمات المجتمع المدني.
  • الاستمرارية في دعم منظمات المجتمع المدني العاملة مع المجالس القائمة في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام".
  • العمل على آليات بناء الرأي العام وتفعيل مشاركته في قضايا المجتمعات المحلية بما في ذلك التصدي لمحاولات الفصائل ومن ضمنها "هيئة تحرير الشام" التدخل في عمل الهيئات المدنية، ويتم ذلك من خلال تأسيس إذاعات محلية أو جرائد محلية.
  1. الإدارة المحلية الفعالة: إن تمتع المجالس باستقرار بنيوي وبروابط تنظيمية متماسكة مع المنظومة الإدارية التي تعتبر جزء منها، يعزز من قدرتها على الاستمرارية في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام"، ومن هنا تتجلى أهمية بناء إدارة محلية قوية، ولتحقيق ذلك ينصح بالعمل على:
  • تعزيز تماسك المنظومة الإدارية التي تنتمي لها المجالس المحلية، وذلك بتوفير الدعم اللازم لمجلس محافظة إدلب، إضافة لحصر تعامل الجهات الداعمة معهما باعتبارهما قنوات رسمية للتواصل مع المجالس الفرعية.
  • استكمال بناء القدرات المؤسساتية للمجالس الواقعة ضمن مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، وتطوير أدائها وفق نتائج تقييم الأداء.
  • تحييد المجالس المحلية ومجتمعاتها الواقعة ضمن مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" عن عمليات الاستهداف العسكرية التي تشنها قوات النظام والميليشيات الموالية لها وروسيا بحجة تواجد الهيئة.
  1. بناء الموارد المحلية: من المهم العمل على مقاربة شاملة تستهدف بناء موارد المجالس المحلية المادية والبشرية على حد سواء، وبما يعزز من دورها المركزي في توفير الخدمات دون الحاجة إلى التعاون مع الجسم الخدمي التابع للهيئة، وفي سياق بناء الموارد المحلية ينصح بما يلي:
  • إتباع منهجية متكاملة لبناء الموارد البشرية للمجالس من خلال:
  • توفير التدريب النظري والعملي اللازم للكادر بناءً على نتائج تقييم الأداء والاحتياجات.
  • تأمين رواتب مستقرة لأعضاء المجالس.
  • إنعاش الاقتصاديات المحلية عن طريق تأمين مصادر مستقلة من الطاقة الكهربائية بعيداً عن سيطرة الهيئة.
  • تنمية الموارد الذاتية للمجالس المحلية من خلال:
  • تأسيس صندوق مالي لدعم المبادرات التنموية ذات المردود الاقتصادي.
  • تعزيز قدرات المجالس المالية والتنظيمية فيما يتصل بإدارة الأملاك العامة والجباية المحلية.

الخاتمة

تولي "هيئة تحرير الشام" أهمية لمسألة الحكم المحلي، حيث ترهن استمرارية مشروعها وتطوره الهادف لتحقيق رؤيتها للحكم الإسلامي، بمدى نجاحها في إدارة علاقاتها مع السكان المحليين ونيل دعمهم لمشروعها، وقد استفادت الهيئة من تجارب الحكم المحلية "للتشكيلات الجهادية" التي انبثقت عنها، وخلاصة توجيهات المركز "القاعدة" وتجارب فروعه في ساحات "الجهاد العالمية"، لتؤسس تجربتها في الحكم المحلي من خلال المزواجة بين مجموعة من الحوافز الإيجابية والسلبية لنيل دعم السكان المحليين، وبواسطة بنية تنظيمية مركبة ذات قدرة على التكيف مع المتغيرات الحاكمة للصراع السوري.

تدرك "هيئة تحرير الشام" تواجد عدة عقبات تعترض تمكين مشروعها في الحكم المحلي ومنها المجالس المحلية، حيث تُعتبر الأخيرة تجسيداً لحالة الدولة الوطنية ونواتها الأساسية، وعلى الرغم من حالة التضاد هذه بين مشروع الهيئة والمجالس من حيث طبيعة كل منهما وأهدافه، تدرك الهيئة القيمة الحيوية التي يمثلها مشروع المجالس المحلية لما تقوم به من أدوار خدمية وتمثيلية تمنحها الشرعية المحلية، أو بالنسبة للدول والجهات الداعمة باعتبارها قنوات أساسية لتمرير الدعم للمجتمعات المحلية وتنفيذ مشاريع التدخل الإنساني والتنموي راهناً ومستقبلاً. من هنا تتبنى الهيئة مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية تشتمل على التعاون المصلحي والاحتواء فالاختراق والإقصاء، الأمر الذي يتهدد استمرارية المجالس، والتي بمقدار ما تتمكن من تعزيز دورها الخدمي وتأكيد شرعيتها المحلية، إضافة لمأسسة شراكاتها مع القوى المحلية المؤمنة بمشروع الدولة الوطنية، وزيادة ترابط منظومتها الإدارية مع الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة، علاوةً على تعزيز استقلاليتها في توفير مواردها باعتمادية أقل على الداعمين، عندئذ تتمكن من تجاوز التحدي الذي تفرضه عليها "هيئة تحرير الشام"، وإعطاء دفعة للإدارة المحلية على طريق إعادة بناء الدولة الوطنية.

 


([1]) البيان التأسيسي لجبهة النصرة، موقع يوتيوب، تاريخ 25-5-2012، رابط إلكتروني https://goo.gl/YeBgbi

([2]) يقول الباحث محمد أبو رمان في هذا الصدد: تستند السلطة العلمية المرجعية لجبهة النصرة أساساً إلى السلفية الحركية التي نشأت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وتتبع المدرسة الجهادية التي وضع أصولها النظرية سيد قطب، وأخذ بها أيمن الظواهري زعيم جماعة الجهاد المصرية والقاعدة لاحقاً، وتبنّاها مروان حديد، مؤسس جماعة "الطليعة المقاتلة في سورية، وبلور أطروحاتها عبد الله عزام الأب الروحي للأفغان العرب في أفغانستان، وطوّر مستنداتها أبو مصعب السوري في الشتات. إذاً، ثمة روافد متعددة لأيديولوجيا النصرة، للمزيد مراجعة، محمد أبو رمان، "السلفية الجهادية": داعش والنصرة من إدارة التوحش إلى فقه الدماء، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، مجلد 26/ عدد 101، شتاء 2015، رابط إلكتروني https://goo.gl/0daqZC

([3]) Charles Lister, Profiling Jabhat al-Nusra, Brookings, Date: July 27, 2016. Link https://goo.gl/otk0JT

([4]) حدد الجولاني خمسة أهداف لتشكيل جبهة فتح الشام وهي: 1) إقامة دين الله وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين كل الناس، 2) التوحد مع الفصائل لرص صفوف المجاهدين وتحرير أرض الشام والقضاء على النظام وأعوانه، 3) حماية الجهاد الشامي والاستمرار فيه واعتماد كافة الوسائل الشرعية المعينة على ذلك، 4) السعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وأحوالهم والتخفيف من معاناتهم بكافة الوسائل الممكنة، 5) تحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس. للمزيد مراجعة: إعلان تشكيل جبهة فتح الشام -الشيخ الفاتح أبو محمد الجولاني، موقع يوتيوب، تاريخ 28-7-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/wDz7Os

([5]) هيئة تحرير الشام تشكيلها وقياداتها وسلسلة الانضمامات، شبكة شام الإخبارية، تاريخ 28-1-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/Y3lfFw

([6]) حول هذا الموضوع مراجعة، آرون لوند، الدوّامة الجهادية، مركز كارنيجي، تاريخ 28-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/8ShXrp

([7]) تكونت هيئة تحرير الشام من اندماج ما يقارب 67 فصيل متفاوتين من حيث القوة والعدد، وحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([8]) أحمد أبا زيد، التنافس الكبير: بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، موقع إدراك، رابط إلكتروني https://goo.gl/Efr7qu

([9]) حول هذا الموضوع يمكن مراجعة، دانيال غرين، استراتيجية القوة الناعمة لـ تنظيم «القاعدة» في اليمن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ 23-1-2013، رابط إلكتروني: https://goo.gl/L8SGqq

([10]) تحديات تواجه الإدارة العامة للخدمات بحلب، الجزيرة نت، تاريخ 31-3-2014، رابط إلكتروني https://goo.gl/GmzdYc

([11]) تعميم من الإدارة العامة للخدمات/ مديرية الخدمات الفنية بالحدود إلى بلدية حارم، الصفحة الرسمية لبلدية حارم، تاريخ 20-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/o8Yz6O

([12]) تعاون المجلس المحلي في كفردريان مع الإدارة العامة للخدمات لتوصل خطء الكهرباء، الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في كفردريان، تاريخ 19-10-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/iOXzgP، أيضاً، محطة كهرباء “سراقب” تغذي منازل قرية “معردبسة” بالتيار الكهربائي، راديو الكل، تاريخ 30-3-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/uO5bvg

([13]) أشار عضو في المجلس المحلي لبلدة سنجار إلى تبعية المجلس للإدارة العامة للخدمات، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع عضو من المجلس المحلي لبلدة سنجار، تاريخ 21-5-2017.

([14]) هيكلية بلدية حارم التابعة للإدارة العامة للخدمات، الصفحة الرسمية ‏للإدارة العامة للخدمات بلدية حارم‏ على الفيس بوك، تاريخ 21-5-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/NfRXBG

([15]) جانب من أعمال صيانة المحولة الرئيسية في محطة كهرباء "الزربة" وإعادتها للخدمة، الصفحة الرسمية للإدارة العامة للخدمات على الفيس بوك، تاريخ 1-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/lpDP2K

([16]) أشار الأستاذ فاضل برهان عمر رئيس المجلس المحلي لتلمنس إلى تواجد فروق في تعاطي النصرة سابقاً والهيئة مع المجالس المحلية، حيث كان يتم التعامل سابقاً من قبل العسكر أما حالياً فيتم من خلال مدنيين. حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماع مع الأستاذ فاضل برهان عمر رئيس المجلس في بلدة تلمنس، تاريخ 27-4-2017.

([17]) Charles Lister, Profiling Jabhat al-Nusra, Brookings, Date: July 27, 2016. Link https://goo.gl/otk0JT

([18]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أحد العاملين في المنظمات الناشطة في محافظة إدلب، تاريخ 22-5-2017.

([19]) أحمد أبا زيد، خطة الجولاني الأخيرة.... الحرب بحثاً عن السياسة، موقد إدراك، تاريخ 9-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/4sTImj

([20]) سلطان جلبي، سجون «هيئة تحرير الشام» تشبه سجون النظام... مع تعذيب «أيديولوجي»، الحياة، تاريخ 13-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/RWHsLq

([21]) مظاهرات في إدلب مؤيدة لـ"تحرير الشام" و رافضة لاتفاق "الأستانة4"، موقع MICRO SYRIA، تاريخ 12-5-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/cOJ6z7

([22]) دانيل غرين، حكومة الظل التابعة لـ تنظيم «القاعدة» في اليمن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تاريخ 12-12-2013، رابط إلكتروني https://goo.gl/qYjOeG  

([23]) دار القضاء تمنع بيع أو شراء العقارات من قبل الطوائف المسلمة حديثا، جريدة زيتون، تاريخ 1-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/ANWN6c

([24]) YASIR ABBASMAY, HOW AL QAEDA IS WINNING IN SYRIA. War on the Rocks. Date. 10-5-2016. Link https://goo.gl/kUSDvF

([25])  بريق الدعوة مكتب الدعوة والإرشاد جبهة النصرة، موقع يوتيوب، تاريخ 8-4-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/JeMqU8

([26])  حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ محمد خطاب مدير مديرية المجالس المحلية في مجلس محافظة إدلب الحرة، تاريخ 19-5-2017.

([27])  حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ محمد سليم خضر عضو المكتب التنفيذي في مجلس محافظة إدلب الحرة/ مكتب العلاقات العامة، تاريخ 19-5-2017.

([28]) أشار الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمدينة معرة النعمان إلى تبعية المجلس تنظيمياً لمجلس المحافظة وللحكومة المؤقتة، إلا أنه مستقل من الناحية العملية. حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمدينة معرة النعمان، تاريخ 22-5-2017.

([29]) شكر الإدارة العامة للخدمات لمساهمتها بتحمل بعض نفقات مد شبكة المياه في بلدة كللي، الموقع الرسمي لمجلس بلدة كللي على الفيس بوك، تاريخ 21-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/Zlaejz

([30]) سعيد غزول، "مجلس سرمدا" في إدلب يعاود ضخ المياه بعد عودة الكهرباء، وكالة سمارت للأنباء، تاريخ 21-7-2016، رابط إلكتروني https://goo.gl/Udyai6

([31]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أسامة الحسين الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب، تاريخ 21-5-2017.

([32]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي في معرة النعمان، تاريخ 22-5-2017.

([33])  قيام الإدارة العامة للخدمات بتقديم العدم للمجلس المحلي في بلدة أبو الظهور لفتح الطريق لمكب النفايات، الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في بلدة أبو الظهور، تاريخ 11-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/xtIATZ

([34]) أشار الأستاذ أسامة الحسين، الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب إلى تواجد عدة فصائل في مدينة سراقب وهي: لواء جبهة ثوار سراقب، أحرار الشام، ومقر لهيئة تحرير الشام، ويعتبر لواء جبهة ثوار سراقب المرجعية والمسؤول العسكري باعتباره فصيلاً محلياً، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أسامة الحسين الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب، تاريخ 21-5-2017. 

([35]) أشار الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمعرة النعمان إلى المحاولات التي قامت بها الهيئة والنصرة سابقاً للسيطرة على المجلس وإقصائه وفرض بلدية تتبع لهم كبديل عن المجلس المحلي، إلا أن شرعية المجلس وحيازته على دعم السكان وكذلك موقف منظمات المجتمع المدني المؤيدة له، أفشلا تلك المساعي، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع الأستاذ ناصر هزبر الرئيس السابق للمجلس المحلي لمعرة النعمان، تاريخ 22-5-2017.

([36])  YASIR ABBASMAY, HOW AL QAEDA IS WINNING IN SYRIA. War on the Rocks. Date. 10-5-2016. Link https://goo.gl/kUSDvF

([37]) أشار الأستاذ أسامة الحسين "الرئيس السابق لمجلس سراقب" إلى أن شرعية المجلس المستمدة من قبل المجتمع المحلي ودوره الخدمي المركزي، إضافة لقوة الحراك المدني في سراقب وتواجد أحزاب سياسية، عوامل أساسية تحد من تدخل الفصائل فيما فيها هيئة تحرير الشام في عمل المجلس، حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أسامة الحسين "الرئيس السابق للمجلس المحلي في سراقب. تاريخ 21-5-2017.

([38]) Aymenn Jawad Al-Tamimi. Hay’at Tahrir al-Sham and Civil Society in Jabal al-Summaq. Syria Comment. Date 4-4-2017. Link https://goo.gl/ackML9

([39]) حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع عضو من المجلس المحلي لبلدة أطمة، تاريخ 26-4-2017.

([40])  حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماع مع الأستاذ فاضل برهان عمر رئيس المجلس في بلدة تلمنس، تاريخ 27-4-2017.

([41]) Yasir Abbas. Another "State" of Hate: Al-Nusra's Quest to Establish an Islamic Emirate in the Levant. Hudson Institute, Date: 29-4-2016. Link https://goo.gl/NTA6Li

([42]) أشار أحد أعضاء المجلس المحلي لكفر تخاريم إلى ذلك حينما قال: تميل الفصائل ومنها هيئة تحرير الشام في حال أرادت التدخل في عمل المجلس، إلى الضغط عليه وذلك لتعديل بعض القرارات المتخذة. حديث أجراه الباحث على وسائل التواصل الاجتماعي مع أحد أعضاء المجلس المحلي في كفر تخاريم، تاريخ 29-4-2017.

([43]) اجتماع المجالس المحلية بقطاع المنسي للتشاور حول سبب توقيف المشروع المياه من قبل هيئة تحرير الشام، الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في قرية مجدليا، تاريخ 25-4-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/h5PyMF

([44]) عمر عبد الفتاح، "محلي" سنجار بإدلب: "فتح الشام" اعتقلت رئيس المجلس لعدم اعترافها فيه، وكالة سمارت للأنباء، تاريخ 3-1-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/6r18s0، كذلك، بعد رفضها تشكيل المجلس. هيئة تحرير الشام تلاحق أعضاء مجلس سلقين المدني وتعتقل بعضهم، شبكة شام الإخبارية، تاريخ 21-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/e8v1wz 

([45]) عمر عبد الفتاح، محلي" سنجار بإدلب: "فتح الشام" اعتقلت رئيس المجلس لعدم اعترافها فيه، وكالة سمارت للأنباء، تاريخ 3-1-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/6r18s0

([46]) تحرير الشام تداهم منازل أعضاء المجلس المحلي في سلقين وتعتقل بعضهم، جريدة زيتون، تاريخ 22-2-2017، رابط إلكتروني https://goo.gl/zejypf

التصنيف الدراسات
مركز عمران للدراسات الاستراتيجية
دون تأكيد من مصادر النظام؛ أشارت عدة تقارير إعلامية صادرة في الأسبوع الأول من شهر…
الثلاثاء تموز/يوليو 16
نُشرت في  أوراق بحثية 
بدر ملا رشيد
تعمل الوفود الأمريكية منذ بداية العام 2019 على الوصول لصيغةٍ توافقية حول مصير شمال شرق…
الأربعاء تموز/يوليو 03
نُشرت في  مقالات الرأي 
محمد منير الفقير
في منظور مختلف عن تعظيم مصاب السوريين في فقد أيقونة ثورية شعبية كعبد الباسط الساروت،…
الأربعاء حزيران/يونيو 26
نُشرت في  مقالات الرأي 
د.عمار القحف
واجه "النظام السوري" تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية عديدة منذ انقلاب البعث في 1963 وحتى اليوم،…
الإثنين حزيران/يونيو 03
نُشرت في  أوراق بحثية