تمهيد

يُشكل ملف التهجير والنزوح المحلي واللجوء الخارجي عبئاً وتحدياً على البُنية الأمنية في سورية. فمن جهة أولى ما يزال التعثر دون استراتيجية متكاملة سمة سلوك الفاعلين الرئيسيين (المعنيين بدفع العملية السياسية) في تذليل أسباب هذه الهجرة سواء تلك المتعلقة بغياب المناخات الآمنة للوجود أم المرتبطة بانتفاء مساحات التفاعل والتمكين والأمان المحلي. ومن جهة ثانية ما استلزمه هذا الملف من تحديات أمنية مرتبطة بتوفير بيئات خدمية آمنة تستجيب لمتطلبات المهجرين، أو لجهة ثالثة مرتبطة بعدم توحيد الجهود المحلية أو الدولية في إطار العملية السياسية لتبني حزم إجراءات تدفع باتجاه برامج "العودة الكريمة".  وفي حين أنه ما تزال أيضاً تغيب تلك الاستراتيجيات عن الفواعل الأمنيين بحكم التحديات والمهددات المتنوعة التي تشهدها تلك المناطق، أو بحكم تدخلهم السلبي وغير الداعم لجهود الإغاثة والتنمية والاستجابة المبكرة والتعافي الأمني.

وإذا ما ربطنا مدى ارتباط الاستقرار الأمني بنجاعة الأدوار التي يلعبها "القطاع الأمني"، الذي تأثر بشكل بنيوي ووظيفي بتعدد أنماط الحكم الأمني في سورية من جهة، وتفاوت الأداء الحوكمي فيها من جهة ثانية، وأثر كل ذلك على عودة اللاجئين والنازحين؛ فإنه تبرز إشكالية هذه الورقة والمتمثلة بتلمس كافة المعطيات الدالة على البيئة الآمنة الدافعة باتجاه إبراز التحديات وإنجاز الاستحقاقات الوطنية بالطريقة المانعة لعودة تأجيج الصراع. ومن هذه الإشكالية تتبلور أسئلة عدة تحاول الورقة الإجابة عنها مثل: ما واقع البيئات الأمنية المتشكلة، وما مقاربة النظام وحلفائه لاستحقاق البيئة الآمنة، وصولاً لسؤال متعلق بملامح الرؤية العامة والوطنية لمفهوم البيئة الآمنة ضمن السياق السوري.

يمكن عد هذه الورقة خلاصة مشروع بحثي كامل أطلقه المركز في هذا الخصوص منذ بداية عام 2020، سعى من خلاله إلى تسليط الضوء على هذه الإشكالية من زوايا عدة؛ ترتبط الأولى بمنظور اللاجئين لقضية العودة وارتباطاتها الأمنية، وتتعلق الزاوية الثانية بمفهوم العلاقات المدنية الأمنية باعتباره الناظم القانوني والمؤسساتي والحوكمي للبيئة المستقرة والآمنة، بينما تم التركيز في الزاوية الثالثة على المؤشرات الأمنية التي تؤثر على حياة المواطن بشكل عام، فتم رصد كافة العمليات الأمنية المتعلقة بالاغتيالات والتفجيرات والاعتقالات والخطف في عموم سورية. كما استندت الورقة إلى مجموعتي تركيز تم عقدهما في الداخل السوري، في مناطق استردها النظام بعد عام 2018، وذلك لاختبار مقاربته حول الاستحقاقات الوطنية إضافة لورشة حوارية ومقابلات فردية في تركيا.

لقراءة المادة انقر هنا