Print this page

مدخل

لا يبدو التصعيد العسكري المباشر في حلب وانفجار الأوضاع بين قوات "سوريا الديمقراطية" والحكومة السورية مُستغرباً، بقدر ما بدا متوقعاً وفقاً للمعطيات السياسية والعسكرية الأخيرة، خاصة بعد مناوشات وحوادث متفرقة من الطرفين تخلّلها اتهامات متبادلة. مقابل استعصاء وتعثُّر مسارات التفاوض، سواء على مستوى التفاهمات الأمنية الجزئية كـ (اتفاق 1 نيسان) الذي شمل تسوية أمنية للمجموعات العسكرية التابعة لـ"قسد" في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، أو مسار المفاوضات السياسية الأشمل المرتبط بدمج الهياكل العسكرية والإدارية التابعة لـ"قسد" و"الإدارة الذاتية" في بُنية الدولة السورية (اتفاق 10 آذار).

شكّل تعثّر تطبيق الاتفاق الأخير الجذر الفعلي للتصعيد الحالي، فرغم أنه جاء كحاجة فُرِضَت على الطرفين في ظرف سياسي مُلِّح (الحكومة/أحداث الساحل، "قسد"/ضغط أمريكي)، إلا أنه فتح أفقاً لتسوية سياسية محتملة كبديل عن الحلول العسكرية، والتي باتت مطروحة اليوم مع استمرار تعثّر تطبيق الاتفاق. فمنذ نهاية العام 2025، كان من المفترض أن السقف الزمني لتطبيق الاتفاق انتهى، ولكن دون أي نتائج فعلية، ليبدأ عام جديد استُهلَّ بجولة مفاوضات جديدة في دمشق بين الطرفين بحضور ووساطة أمريكية، انتهت بإعلان شبه فشل الاجتماع وعدم التوصل لتفاهم وترحيل الخلافات. وقد تزامن فشل هذه الجولة السياسية مع تصعيد عسكري بدأته "قسد" من ريف حلب/دير حافر، قبل أن يمتد إلى داخل المدينة في 6 من الشهر الجاري، متسبباً في يومه الأول بمقتل عدة مدنيين وإصابة آخرين.

سبق ومهّد لهذا التصعيد حوادث عدة من اشتباكات متقطعة أو قصف متبادل أو أحداث أمنية متفرقة بين الطرفين، خاصة في حلب؛ والتي يبدو أن "قسد" اختارتها بشكل مقصود لتكون ساحة تصعيد تدريجية مع الحكومة، عبر أعمال استفزازية شهدت تبادل اتهامات من الطرفين. إذ تعتقد "قسد" أن حلب بأهميتها السياسية والاقتصادية تعد ساحة قابلة للتصعيد بأكبر نتائج وأقل تكاليف، وإن ارتدادات التصعيد فيها أكثر أمناً من الجزيرة السورية القابلة للانفجار باتجاهات عكسية ضد "قسد"، خاصة مع احتقان أغلبية مجتمعاتها المحلية العربية. كما أن أي تصعيد غير محسوب من قبل الحكومة في حلب قد يأخذ أبعاداً سياسية أكبر، ناهيك عن أنها منطقة تهم الفاعل التركي على الحدود والتصعيد فيها قد يوصل رسائل مختلفة.

كل تلك الحسابات التي يبدو أنها دفعت "قسد" لاختيار حلب ساحة تصعيد دون مناطق الجزيرة السورية، قد تكون خاطئة وتأتي بنتائج عكسية؛ إذ تكاد تلك الحسابات تودي اليوم إلى خسارة استراتيجية لمناطق نفوذها داخل حلب المدينة، كخطوة أولى قد تفتح الباب لخسارات أكبر لاحقاً. إذ أن التصعيد المتواصل في حلب بالذات منح الحكومة السورية فرصة لشن عملية عسكرية "شرعية" لناحية الرأي العام في محافظة حلب أو أغلبية المناطق السورية، خاصة أن سلسلة العمليات الاستفزازية من قبل "قسد" أدت إلى تهيئة المجتمع المحلي تدريجياً لتقبل عملية عسكرية من قبل الحكومة، بل وإلى تشجيعها، بعد زعزعة الأمن في المحافظة وتهديد استقرارها.

أمام هذا التصعيد الذي تقول الحكومة السورية إنه بدأ من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في 6 الشهر الجاري، وأدى إلى مقتل عدد من المدنيين (بلغ العدد حتى الآن بحسب مديرية صحة حلب 4 شهداء، إضافة لأكثر من 33 إصابة منهم عدد من عناصر الجيش والأمن الداخلي، ناهيك عن نزوح قرابة 140 ألف نسمة من الحيين، بحسب مديرية الشؤون الاجتماعية في حلب). أعلنت الحكومة السورية عن إجراءات عسكرية–أمنية بدت جدية في محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، اللذين تسكنهما غالبية كردية إضافة إلى مكوّنات أخرى من العرب والتركمان والسريان وغيرهم، ويحيط بهما أحياء حضرية مركزية في مدينة حلب.

وقد تُرجِمت إجراءات الطرف الحكومي عبر الانتشار العسكري في محيط الحيين، وإنذار السكان قبل محاولة اقتحامهما وسط اشتباكات متبادلة وقصف من قبل المجموعات المتمركزة داخل الحيين، أو عبر فتح معابر إنسانية خرج عبرها حتى هذه اللحظة عشرات آلاف المدنيين. كما تم إعلان المنطقة عسكرية وفرض حظر تجول فيها من الطرف الحكومي، رغم أنها لا تخضع لسيطرته حتى الآن، إذ يتمركز فيها مجموعات عسكرية محلية تتبع لـ"قسد"، إضافة إلى قيادات وعناصر من  PKK، وقد كانت بعض تلك المجموعات على صلات سابقة مع نظام الأسد، كما تمتعت قياداتها باستقلالية (أمنية، إدارية، مالية) خارج إطار "الإدارة الذاتية". وبعد إسقاط النظام والسيطرة بشكل كامل على محافظة حلب، تم التوصل إلى اتفاق بين فصائل المعارضة بقيادة "تحرير الشام" وقوات "قسد" في مدينة حلب على شبه تسوية أمنية–عسكرية للحيين عرفت باتفاق "1 نيسان"، والذي أرسى آنذاك تفاهمات أمنية قضت ببقاء قوات شرطة محلية وإدارة مدنية، مقابل انسحاب القوات العسكرية التابعة لـ"قسد" من الحيين. بينما تقول الحكومة السورية إن "قسد" أيضاً لم تلتزم بهذا الاتفاق الجزئي.

مقابل تبريرات الحكومة السورية لشن هذا الضغط العسكري، اعتبر بيان قوات "سوريا الديمقراطية" الصادر في 7 الشهر الجاري؛ أن التصعيد من حكومة دمشق "انتهاك غير مبرّر للعملية السياسية وتهديد للمدنيين، وأن قواتها انسحبت من حي الشيخ مقصود والأشرفية بموجب اتفاق نيسان، وأشار البيان إلى أن من يتواجد في الحيين هم "قوات الأمن الداخلي وليس قسد"، متهماً الحكومة بالكذب لتبرير هجومها". وقد اعتُبر هذا البيان بمثابة خلط أوراق وخطوة إلى الخلف؛ إذ حمّل المسؤولية للحكومة، كما حرّر قيادة "قسد" من عبء الرد أو الاستهداف خارج نطاق حلب، رغم أن البيان لوّح مهدداً بارتدادات خارج المحافظة.

المناخات الدولية والإقليمية المرافقة للتصعيد

يأتي التصعيد العسكري من قبل الحكومة السورية وسط تطوّرات محلية وأخرى إقليمية ودولية لا يبدو أنها تخدم "قسد"؛ فقبل أيام أعلَنت أجهزة الأمن السورية عن اختراقات أمنية واسعة في صفوف فلول النظام وإطلاق حملات مضادة لملاحقتهم. وعلى مستوى آخر، أُعلِن في 6 كانون الثاني 2026 عن تفاهمات سورية–إسرائيلية بوساطة أمريكية وحضور تركي. ورغم ضبابية هذا الإعلان وهشاشته، إلا أنه يوحي بمسار حذر بدأ يتبلور نحو "خفض تصعيد" على الحدود الجنوبية، المسار الذي لايزال قيد الاختبار من قبل الطرفين، خاصة مع قيام إسرائيل بانتهاك جديد إثر إعلان الاتفاق تمثّل بتوغل بري في القنيطرة واعتقال 4 شبان، بحسب وكالة "سانا"، إضافة إلى إدانة وزير الدفاع الإسرائيلي، جدعون ساعر، لتحركات الحكومة في حلب ضد "الأقلية الكردية" عبر منصة "إكس"، معتبراً إياها "جسيمة وخطرة وتناقض وعود الحكومة السورية الجديدة".

 بالمقابل، سبق هذا التطور بيومين إعلان آخر عن خرق في ملف العلاقات السورية–المصرية عبر بوابة الطاقة، أعلنت خلاله مصر عن اتفاقيات لتوريد الغاز والبترول إلى سورية. ومع أن هذا التطور يشمل ما هو أكبر من ملف "قسد"، إلا أنه قد يرسم جزءاً من طريق استقرار سياسي داعم لرؤية الحكومة السورية عبر استقطاب شركاء جدد كمصر. وفي سياق منفصل، قد يؤدي التوتر الإماراتي–السعودي الأخير في اليمن وما نتج عنه إلى انعكاسات لاحقة وغير مباشرة على سورية، إذ سيرسّخ في الذهنية السعودية أهمية إدارة شراكاتها بما يتوافق مع مصالحها ولايهددها، ما قد يعطي رسائل ضمنية لبعض الدول المعنية؛ بأن زعزعة الأمن في مناطق تسعى فيها السعودية للاستقرار ستواجه بموقف رافض، ما قد ينسحب على سورية وأي محاولات لدعم "قسد" وزعزعة الأمن فيها حالياً، خاصة بعد تعبير السعودية، بحسب CNN، عن مخاوف من التدخل الإماراتي المحتمل في سورية والقرن الإفريقي.

كل تلك المناخات وما يتفرّع عنها من تفاصيل ومواقف دولية؛ تقلّص فرص "قسد" والمُتغيرات التي تراهن عليها، كما تقلّص مساحة داعميها المحتملين. إذ تعمل "قسد" في مواجهة الأمر الواقع الذي فُرِضَ عليها منذ 8 ديسمبر 2024 بسياسة كسب الوقت والمراوغة في انتظار حدوث مُتغير ما! استمرت تلك السياسة بعد اتفاق "العاشر من آذار"، وواصلت معها "قسد" الرهان على حدوث متغيرات طارئة؛ منها ما يتعلق باحتمالية سقوط السُلطة الجديدة في دمشق، أو تصاعد خلافاتها الدولية وعدم قبولها وشرعنتها، أو عبر التنسيق مع جهات محلية في غرب البلاد وجنوبها وضم جزء من فلول النظام إلى صفوفها في محاولة لبلورة مطالب مشتركة تتعلق بالحكم المحلي والمطالبة بتغيير نظام إدارة الدولة، إلخ.

وخلال هذا المسار، لا يبدو أن القيادة السياسية لـ"قسد" تملك رؤية واضحة حول ماذا تنتظر أن يحدث بالضبط! إلا أنها تنتظر فقط وتسعى سياسياً وعسكرياً لتعطيل المسارات التفاوضية المتاحة، وذلك  بهدف إعادة التموضع ساسياً في المفاوضات من جهة، والمساهمة في نفس الوقت بخلق حالة استعصاء قد تتفاعل مع ثغرات الحكومة وتتقاطع مع معارضيها، بشكل ينقل الاستعصاء الجزئي في هذا الملف إلى مشكلة وأزمة على مستوى البلاد.

إزاء هذه السياسة، لا يبدو الموقف الأمريكي واضحاً بما يكفي لحسم ملف "قسد" على مستوى سورية؛ فمنذ اتفاق "العاشر من آذار" رسمت تصريحات المبعوث الأمريكي، توماس بارّاك، ملامح الموقف الأمريكي الداعم لمسار المفاوضات ومتوسطه والمشجّع على الدمج، والذي يذكّر دائماً بأن وجهة هذا المسار دمشق. لكن بالمقابل، لا يبدو أن الجانب الأمريكي يبذل جهوداً أو ضغوطاً استثنائية تدفع "قسد" للانخراط في رؤية الحكومة السورية، أو ربما لا تستعجل واشنطن ذلك. وقد يتعلق هذا بعدة عوامل مختلفة ترتبط بالعلاقات الأمريكية–التركية من جهة، والأمريكية–السورية من جهة أخرى.

لكن اليوم في حلب، يوحي الصمت الأمريكي، حتى الآن، أن العملية غير مقلقة لواشنطن، وبالتالي محدودة، ولا يستبعد أن يكونوا على علم بأهدافها. كما ينسجم هذا الصمت مع حدود الحماية الأمريكية المُختبرة سابقاً خلال محطات مختلفة من تطورات الملف العسكري في الثورة السورية؛ إذ طالما رُفِعَت تلك الحماية عن "قوات سوريا الديمقراطية" خاصة غرب الفرات، عبر تفاهمات أمريكية–روسية–تركية سابقاً؛ أفضت إلى خسارة مناطق مختلفة منها عفرين، ما قد يرسم حدود الحماية الأمريكية في مناطق الاشتباك الحالية/مدينة حلب.

أما لناحية الجانب التركي، والذي كان حاضراً في زيارة الشرع إلى البيت الأبيض، وأيضاً في اجتماع باريس مع الطرف الأمريكي والإسرائيلي والسوري، فموقفه يكاد يكون الأوضح إذا حدّد مطالبه بتفكيك أي كيانات على حدوده تهدد أمنه القومي، وانسجم مع رؤية الحكومة السورية في الدمج العسكري لـ"قسد" كأفراد وليس كتل. ورغم تشجيعه لهذا المسار، فقد لوّح بالقوة ونفاذ الصبر أمام مراوغة "قسد"، خاصة بعد أن أنجزَ خطوات في التسوية السياسية مع حزب العمال الكردستاني في تركيا بقيادة عبد الله أوجلان، الذي طالب من سجنه عناصر الحزب بإلقاء السلاح. وبالتالي، نزع الشرعية عمن يحمله مستقبلاً، بل وتأمين شرعية لاستهدافه لاحقاً. ومن الطبيعي وفقاً لهذا الموقف، أن تكون أنقرة داعمة لإنهاء هذا الملف في حلب كمرحلة أولى، وإن لم يبرز حضورها المباشر خلال التصعيد الأخير.

أما عن مواقف الدول الغربية الفاعلة، والتي أبدى بعضها قلقه إزاء ما يحدث، كبريطانيا وغيرها من الدول الغربية الداعمة لمسار التفاوض السياسي والاندماج بين "قسد" والحكومة السورية؛ ورغم هذا الدعم وتشجيعها لمسار الدمج، إلا أنها لا تبدو عاملاً حاسماً فيه؛ بل لا يمتلك أغلبها رؤية لمسار الدمج التقني بين الجهتين.

أهداف الحكومة وحدود التصعيد..سيناريوهات محتملة

بالنسبة للحكومة السورية، المعني الأول بهذا التطور، فإن موقفها الحالي وأهدافها هي ما قد يرسم حدود عمليتها العسكرية، والتي أطلقت عليها "إجراءات أمنية" لفرض الأمن والسيادة في الحيين وإنهاء مصادر التوتر والقصف وتهديد المدنيين. كما يحكُم موقفها طبيعة المنطقة/حلب وسكانها الذين تضرّرت أنشطتهم الاقتصادية بزعزعة الوضع الأمني، مقابل التململ في الشارع من حالة تعليق الملف، ناهيك عن سقوط وإصابة العديد من المدنيين والعسكريين منذ بداية الاشتباكات. كل هذا يدفع الحكومة السورية لتحمّل مسؤولياتها ويطالبها برد الفعل والتحرّك، خاصة وأنها اتبعت سياسة الاحتواء خلال الاستفزازات السابقة من قبل "قسد".

كما أن إدارة هذه العملية تعد تحت الاختبار كنموذج لاستخدام العنف المقونّن وحدوده العملياتية من قبل أجهزة الدولة، سواء بالنسبة للشارع أو للشركاءها وداعميها، خاصة بعد الأحداث الدامية في الساحل وما تلاها لاحقاً في السويداء. بالمقابل، تُدرك الحكومة السورية أن الاستجابة والتحرّك المحدود؛ قد يكون فرصة لإحداث خرق سياسي أبعد عبر التصعيد العسكري المحسوب. بناءً على ذلك، تبدو أهداف العملية محدودة؛ تسعى إلى إنهاء ملف "قسد" داخل مدينة حلب بأقل تكلفة عسكرية وأمنية، إضافة لتوليد ضغط سياسي أكبر ينعكس على مسار التفاوض وتطبيق اتفاق" 10 آذار"، كما ينعكس بآثاره على المجموعات المحلية العسكرية المعارضة لحكومة دمشق غرب البلاد وجنوبها.

أما عن السيناريوهات المتوقعة؛ فمن خلال المعطيات وطبيعة تحركات القوات الحكومية؛فإن سيناريو استمرار الضغط العسكري الأمني يمكن أن يستمر في الحيين إلى حين تحقيق أهدافه، والتي من الممكن أن تتمثل باتفاق لإجلاء العسكريين وعناصر الأمن الداخلي المرتبطة بـ"قسد" وحزب العمال باتجاه مواقع سيطرة "قسد" في ريف حلب أو "شرق الفرات". أما عن الكُلفة والوقت المتوقع للوصول إلى مثل هذا الاتفاق؛ فيتوقف على مستوى وطبيعة الضغط العسكري الحكومي ومقاومة الطرف الآخر، إضافة إلى الضغط الدولي.

بالمقابل، فإن توسُّع الصراع إلى مناطق أخرى وتعقيده لا يبدو سيناريو مُستبعداً من الطرفين، سواء من قبل حزب العمال عبر نقل المواجهات واستخدام العمليات الأمنية خارج حدود حلب، وربما تصل إلى دمشق والجزيرة، أو من قبل حكومة دمشق إذا اضطرت إلى ذلك عبر أوراق عدة. إلا أنه يبدو غير مرجّح خلال هذا الظرف، كما تبدو مقدماته غير ناجزة ولا حسابات ارتداداته على مستوى سورية وتهديد الأمن الوطني.

أما عن احتمالية التوصل إلى اتفاق جديد قد يبقي على عناصر "قسد" أو عناصر من حزب العمال في الحيين، فإن ذلك يعدّ سيناريو مستبعداً، وفي حال حدوثه سيكون خطأً أمنياً كبيراً بالنسبة للحكومة السورية، والتي خلقت اليوم مشهد نزوح كبير أفرغت من خلاله أحياء وأعلنت أخرى كمناطق عسكرية. وإن تكلفة إعادة خلق هذا المشهد مرة أخرى تبدو كبيرة على المستوى السياسي والإنساني والشعبي/الشرعي. لذلك، فإن إضاعة فرصة حسم الملف بالنسبة للحكومة تبدو سيناريو غير مرجّح.

تشير المعطيات المتاحة بأن العمليات الجارية ذات طبيعة أمنية–عسكرية محدودة الهدف؛ تسعى أولاً إلى إعادة فرض السيطرة والسيادة الحكومية على الحيين وإنهاء هذا الملف أمنياً في مدينة حلب، دون التقليل من احتمالية ارتدادات متفرقة أو لاحقة، سواء في المحافظة أو خارجها. ومن ثم تحويل هذا التصعيد العسكري إلى ضغط سياسي على مستوى المسار الأشمل المتمثل بتطبيق اتفاق "10 آذار". إلا أن تلك الأهداف في هذا المشهد المصغّر في حلب، والذي لا يبدو أنه الأخير سواء في المواجهات مع "قسد" أو غيرها، لا بد أن تراعي بعض النقاط الاستراتيجية:

  • إن إحراز تقدم عسكري–أمني في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لصالح الحكومة، سيكون منقوصاً إذا لم يترافق مع نموذج إداري–أمني فوراً؛ المقصود هنا لجان إدارية ناجزة لاستلام إدارة الحيين، يشغل أعضاؤها الأغلبية من الكرد السوريين المقربين من الحكومة والمقبوليين اجتماعياً، إضافة إلى الزجّ بكوادر أمنية–عسكرية كردية على الحواجز وفي نقاط الاحتكاك مع المدنيين، والعمل على تصدير هذا النموذج لنشر الطمأنينة مع المكوّن الاجتماعي الكردي وتخفيف الاحتقان والتخوّف. وهنا يمكن الاستفادة من الدفعات التي تم ضمها وتطويعها من عفرين. المقصود أن حلب كانت في بداية عملية ردع العدوان نموذجاً/ pilotساهم بشكل كبير في تسهيل العملية، واليوم كذلك الأمر، خاصة وأن "قسد" تلعب على العامل العرقي وشد العصب القومي. أما الدولة فمطالبة بتقديم نموذج مطمئن على المستوى الأمني–الاجتماعي.
  • النقطة السابقة تقود إلى حقيقة على الحكومة السورية أن تدركها، ومفادها؛ أن إنهاء "قسد" عسكرياً، سواء في حلب أو غيرها، لا يعني إنهاء المسألة الكردية في البلاد. خلاصة القول هنا؛ أنه لا يكفي أن تسبق الحكومة "قسد" بخطوات عسكرية–أمنية، بقدر ما يجب أن تسبقها سياسياً أيضاً، وأن تسعى لفصل التوأمة التي فرضها حزب العمال بين "قسد" والمسألة الكردية قسراً، عبر احتواء المطالب المحقّة ومعالجة وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية على قاعدة قانون الإدارة المحلية 107 مع تطويرات وتعديلات جدية تساهم في توسيع صلاحيات الإدارة المحلية، وبالتالي التنمية وتمكين المجتمعات المحلية من المساهمة في إدارة شؤونها.

المطلب السابق الذي باتت "قسد" تستثمره وغيرها من فلول النظام، يشكّل بمكان ما حاجة أساسية باتت مناطق عدة من الأكثرية تعبّر عنها بشكل لا يهدد أبداً قراراً سياسياً وأمنياً مركزياً. المقصد هنا، أن على الحكومة بالمقابل أن تسبق تلك المطالب السياسية وتتلقفها وتعيد طرحها ضمن إطار وطني منضبط، وألا تبالغ في مركزية دمشق وحلب على حساب باقي المناطق السورية. وفي هذ السياق، لا يستبعد أن يتحوّل تحرّك الحكومة في حلب بعد أيام إلى حنق محلي في الجزيرة السورية؛ إذ سيعتبر جزء كبير من الجمهور المحلي أن تصعيد الحكومة مرتبط باهتمامها بحلب كمركز اقتصادي، بينما يقابله تجاهل لممارسات "قسد" في الجزيرة، والتي تبقي سكانها خارج المشهد الوطني بعد عام على سقوط الأسد.

  • إن هذه الجولة من المواجهات بين "قسد" والقوات الحكومية ليست إلا جزءاً من موجة عنف ضمن موجات سابقة ولاحقة؛ لا تتعلق مُحرّكاتها بالعوامل الطائفية والعرقية بقدر ما ترتبط بتغيير خارطة الصراع العسكري بعد الأسد، وحسمها لصالح طرف لا تزال باقي الأطراف تنافسه في إطار إعادة توزيع الثروة والسُلطة؛ ويكاد لايخرج عن هذا الإطار تحرّك بقايا قوات النظام في الساحل، أو بعض الجهات السياسية–العسكرية ممن تنسق مع إسرائيل في السويداء.

ختاماً، تكشف المواجهات في حلب أن الصراع بين الحكومة السورية و"قسد" لم يعد صراع نفوذ ميداني فحسب، بل بات اختباراً سياسياً لحدود وأدوات إعادة بناء الدولة بعد سقوط النظام، ولمدى قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على الانتقال من إدارة الصراع إلى تسويته. وضمن هذا السياق، يبدو أن "قسد" تعيد تعريف نفسها كفاعل محلي مهدّد للأمن والاستقرار وللتفاهمات الإقليمية-الدولية الناشئة حوله. بالمقابل، تسعى السُلطات السورية الجديدة في دمشق إلى تبني مقاربات أكثر حذراً تُظهرها كطرف دولتي، وتحقق أهدافها في توظيف هذا الضغط العسكري كأداة سياسية محدودة الكلفة وواسعة الأثر، تهدف إلى فرض مسار تفاوضي أكثر  واقعية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وفي ظل تراجع هوامش المناورة الإقليمية والدولية، وتبدّل أولويات الفاعلين الخارجيين، تبدو فرص "قسد" في إعادة إنتاج شروط تفاوضية مغايرة محدودة، بينما تزداد مسؤولية الحكومة في تحويل أي تقدم أمني-عسكري إلى نموذج إداري وسياسي مطمئن، يعالج جوهر المسألة الكردية ضمن إطار وطني جامع.