Omran Center

Omran Center

ملخصٌ تنفيذيّ

  • عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام الأسد أكثر منه تدميرياً، إذ يبدو أن المضامين السياسية للضربة تجاوزت نظام الأسد، والذي بدا كصندوق بريد توضع فيه الرسائل الموجهة إلى حليفته موسكو.
  • الضربات حملت رسائل سياسية على عدة مستويات منها ما يتعلق بسلوك موسكو في الملف السوري بشكل مباشر، ومنها ما يتجاوزه إلى ملفات دولية تتعلق بأزمات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا.
  • يبدو أن الأوروبيين كانوا يكظمون غيظهم من سلوك موسكو، خاصة أثناء إدارة أوباما، والتي غاب فيها الظهير الأمريكي بشكل انعكس على تقويض الفاعلية الأوروبية في العديد من الملفات وسمح لموسكو بهوامش أوسع ضمنها، ولعل عودة هذا الظهير مع إدارة ترامب التي تقاطعت مصالحها مع الأوربيين تجاه موسكو، شكلت فرصة على ما يبدو لإثبات فاعلية أوروبية جديدة.
  • استهدفت الضربة الثلاثية إفراغ التقدم العسكري الأخير لروسيا والنظام من مضامينه السياسية التي كانت تطمح موسكو إلى ترجمتها على مسار التفاوض بشكل إحراز تقدم سياسي على حساب المعارضة، والتأكيد على أن الحل السياسي للأزمة السورية لن يتم دون موافقة المجتمع الدولي وبعيداً عن المسار الأممي المرسوم لذلك (جنيف)، ولا يمكن لأي طرف فرضه بشكل منفرد.
  • حملت الضربة الثلاثية رسائل أمريكية لطهران تتعلق بنفوذها العسكري في سوريا تحديداً والمنطقة عموماً، والأهم من ذلك إبراز نوع من توزيع الأدوار في مواجهة هذا النفوذ وتمدده، وتحديداً الدور الإسرائيلي ودعمه أمريكياً في هذه المهمة.
  • لم تكن تركيا بمنأى عن الرسائل السياسية للضربة الثلاثية، خاصة فيما يتعلق بسياسة التوازن التي تحاول أنقرة انتهجها في الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى. وذلك في محاولة لعزلها عن تحالفها مع روسيا وإيران، في سياق إدراك أوروبي أميركي أن أي جهد حقيقي من قبلهم في الملف السوري لابد وأن يمر عبر البوابة التركية، وأن أي سعي روسي مضاد لابد وأن يمر من المدخل نفسه.
  • لابد من فهم الضربات في سياق "التحريك" وليس "التحرير"، أي تحريك مسار الحل السياسي بعيداً عن سعي موسكو لتجميده وفقاً لرؤيتها، وأنها قد تمثل نهجاً جديداً قائماً على استخدام العمل العسكري المحدود لتحريك المسار السياسي التفاوضي.
  • إن احتمال تكرار مثل تلك الضربات والتصعيد الناتوي عسكرياً في سورية سيكون مرهوناً بمرونة موسكو التفاوضية وقدرتها على فهم رسائل الناتو وجر حليفها الأسد نحو المسار الأممي للحل وتقديم التنازلات في العملية التفاوضية.

مقدمة

وجّهت الولايات المتحدة الأمريكية بالاشتراك مع بريطانيا وفرنسا ضربات عسكرية للنظام السوري بتاريخ 14 نيسان/أبريل، إثر استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين في مدينة دوما ضمن غوطة دمشق الشرقية بتاريخ 7 نيسان/أبريل خلال حملة عسكرية للنظام وحلفائه أفضت إلى السيطرة على المدينة وإخراج مقاتلي المعارضة إلى الشمال السوري. الأمر الذي استدعى تنديداً دولياً وإقليمياً واسعاً باستخدام الأسلحة المحضورة دولياً ما لبث أن تطور إلى حراكٍ دولي تقوده الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية على رأسها بريطانيا وفرنسا، الحراك الذي أخذ يتصاعد بشكل اتهام لروسيا وتحميلها المسؤولية عن استخدام حليفها للأسلحة المحضورة دولياً؛ باعتبارها منخرطة بشكل مباشر في دعم نظام الأسد عسكرياً على الأرض منذ العام 2015، وتحديداً قيادتها للعملية العسكرية في الغوطة الشرقية والتي وقع خلالها الهجوم الكيميائي، إضافة لكون موسكو المسؤولة عن "التزام" نظام الأسد بتسليم مخزونه الكيميائي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في العام 2013، ليشهد الأسبوع الذي تلا الهجوم الكيميائي وسبق الضربات تصاعداً لتهديدات أمريكية أوروبية بالتحرك عسكرياً ضد النظام السوري، قابلها تحذيرات روسية وحراك دبلوماسي لم ينجح في تجنيب نظام الأسد الضربات العسكرية الأمريكية الأوروبية.

استهدفت الضربات مواقع عسكرية ومراكز بحوث علمية لنظام الأسد في دمشق وريفها وحمص، عبر صواريخ انطلقت من بوارج أمريكية في المتوسط، إضافة إلى صواريخ من طائرات أمريكية وفرنسية وبريطانية شاركت في الضربات، التي اعتبرتها أمريكا وأوروبا بمثابة عقاب للنظام على استخدامه السلاح الكيميائي، واكتفت بأهدافها كفعل عسكري قابل للتجديد في حال العودة إلى استخدام هذا السلاح،  بينما اعتبرتها وزارة الدفاع الروسية إهانة مباشرة للرئيس فلاديمير بوتين، في حين هددت إيران بأن محور الممانعة سيرد على هذا "العدوان"، وما بينهما تراوحت المواقف الإقليمية والدولية تجاه الضربة الثلاثية ما بين مؤيد وداعم، وبين مندد. 

 وعلى الرغم من المحدودية العسكرية للضربة الثلاثية، واعتبارها غير ذات فاعلية على مستوى إحداث أي تغيير على الخارطة العسكرية السورية أو إلحاق أي ضرر حقيقي مباشر بنظام الأسد؛ إلا أنها حملت مضامين سياسية على عدة مستويات؛ لكونها محطة جديدة للصراع الدولي على الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وحلفائها على الأرض السورية من جهة أخرى، وما قد يحمله هذا الصراع من أثر على مسار الملف السوري ومستقبل الحل السياسي. وعليه تسعى هذه الورقة لقراءة المضامين السياسية للضربة العسكرية الثلاثية على مواقع نظام الأسد، وتحليل الرسائل السياسية التي حملتها على عدة مستويات، وما قد يترتب عليها من آثار وانعكاسات على مستوى الملف السوري ومساره السياسي.

 

 خريطة (1) المواقع التي استهدفتها الضربة الثلاثية في 14 نيسان 2018

المصدر: وحدة المعلومات بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية

 

أولاً: الضربات الثلاثية (محدودية عسكرية ومضامين سياسية)

عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام الأسد أكثر منه تدميرياً، بهدف إلزامه بالخطوط الحمراء التي رسمها المجتمع الدولي تجاه استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، وإظهار جدية التحرك إزاء أي استخدام من هذا النوع، في حين يبدو أن الرسائل السياسية التي حملتها تلك الضربات تجاوزت نظام الأسد، والذي بدا كصندوق بريد توضع فيه الرسائل الموجهة إلى حليفته موسكو. ولعل توقيت الضربات وشكلها يؤكد أن موسكو المعني الأول بتلقي رسائلها السياسية، إذ إن تنفيذ الضربات جاء قبل صدور نتائج لجنة تقصي الحقائق المكلفة بالتحقيق في استخدام الكيماوي في دوما، والتي لم تكن قد وصلت إلى دمشق أساساً، وإنما اعتمدت على معلومات خاصة وصفها الأمريكيون وحلفاؤهم بالاستخبارتية؛ فيما بدى أنه تحدي واضح لموسكو، ناهيك عن شكل الضربة التي لم تقتصر هذه المرة على أمريكا التي سبق وأن ضربت مطار الشعيرات منفردة، وإنما شهدت مشاركة بريطانية فرنسية، في الوقت الذي تتصاعد فيه أزمة دولية بين بريطانيا وموسكو ، إضافة إلى تفاعل عدة إشكاليات على المستوى الناتوي تتعلق بسلوك روسيا تجاه الأوروبيين. كما أن اللافت في طريقة تنفيذ الضربة العسكرية أنها لم تقتصر أيضاً على إطلاق صواريخ من البوارج المستقرة في المتوسط، بل شهدت اختراقاً للأجواء السورية عبر طائرات أمريكية وفرنسية وبريطانية بشكل تحدي لموسكو التي سبقت الضربة بتهديدات بالرد، إذ يبدو أن الضربات حملت رسائل سياسية على عدة مستويات منها ما يتعلق بسلوك موسكو في الملف السوري بشكل مباشر، ومنها ما يتجاوزه إلى ملفات دولية تتعلق بأزمات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا. وتتوزع أبرز المضامين والرسائل السياسية التي حملتها الضربة الثلاثية وفق مستويين:

1.     المستوى الدولي (فاعلية أوروبية وظهير أمريكي)

مثّلت الضربات الثلاثية بشكل أو بآخر إحدى محطات التصعيد الأمريكي الأوروبي تجاه روسيا، كنتيجة لتفاعل سلسلة من القضايا المتعلقة بحلف الناتو ومتصلة بالسلوك الروسي تجاهه، بدءاً من أزمة أوكرانيا مروراً بالنشاط العسكري الروسي في البلطيق، والذي مثّل تهديداً للدول الاسكندنافية، وصولاً إلى بريطانيا وأزمة العميل المزدوج سكريبال، إذ يشير تفاعل كل تلك الملفات على المستوى الناتوي؛ بأن الأوروبيين كانوا يكظمون غيظهم من سلوك موسكو، خاصة أثناء إدارة أوباما، والتي غاب فيها الظهير الأمريكي بشكل انعكس على تقويض الفاعلية الأوروبية في العديد من الملفات وسمح لموسكو بهوامش أوسع ضمنها، ولكن يبدو أن عودة هذا الظهير مع إدارة ترامب، والتي تقاطعت مصالحها مع الأوربيين تجاه موسكو، سواء فيما يتعلق بملف التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية و غيرها من القضايا المتعلقة بسلوك موسكو على المستوى الاستراتيجي الأمريكي؛ فكان أن شكّلت عودة الظهير فرصة على ما يبدو لإثبات فاعلية أوروبية، الفاعلية التي بدأت تتجلى ملامحها بشكل واضح بدءاً من مؤتمر ميونخ للأمن وما برز خلاله من تصاعد دولي حازم تجاه موسكو وإيران، مروراً بأزمة العميل سكريبال وما تخللها من تصعيد أوروبي أمريكي في طرد السفراء، والذي تطور لاحقاً إلى عقوبات اقتصادية أمريكية طالت شركات سلاح روسية والدائرة الضيقة للرئيس بوتين، وصولاً إلى الحملة العسكرية التي قادتها موسكو والنظام على غوطة دمشق الشرقية وما ارتكب فيها من مجازر كان آخرها استخدام السلاح الكيماوي، والذي وضع موسكو على ما يبدو بين فكي كماشة أمريكي أوروبي، ومثل فرصة للحلف الأخير للرد على تمادي روسيا في مختلف الملفات العالقة بين الطرفين، بما فيها الملف السوري، واستخدام العمل العسكري المحدود تجاه نظام الأسد لإيصال رسائل سياسية لموسكو، وإعلان عودة فاعلية أمريكية أوروبية  مفتوحة على كل الخيارات بما فيها العسكري.

2.   مستوى الملف السوري (العودة للمسار الأممي)

حملت الضربات العسكرية عدة رسائل سياسية على المستوى الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف السوري، والذي أضحى دولياً بامتياز، وعلى رأسهم موسكو التي كادت أن تتفرد في إدارة هذا الملف وفق سياسة دعم الأسد عسكرياً في قضم مناطق المعارضة الواحدة تلو الأخرى والانقلاب على اتفاقات "خفض التصعيد" ومسار أستانة الذي فرضته، مقابل سعيها لخلق مسار سياسي موازي لترجمة هذا التقدم العسكري إلى نتاج سياسي يفرض وجهة نظر موسكو بالحل ويقترب من طموحها في الحسم العسكري، فيبدو أن الضربات العسكرية جاءت لإيصال عدة رسائل سياسية لموسكو وحلفائها ضمن هذا الإطار، ولعل أبرز ما يمكن قراءته من مضامين تلك الرسائل يتوزع وفق التالي:

موسكو: (الرسائل المباشرة)

  • نهاية التفويض: يبدو أن نشوة "الانتصارات" التي حققها تدخل موسكو العسكري في سورية قد غيّبت عن العقل الاستراتيجي الروسي حقيقة مفادها أنَّ؛ لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظةً حاسمةً ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار آثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على "أس الصراع" أي المواجهة بين النظام السوري وشعبه. وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حملَ ضمناً رسالةً مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران. ولعل المضامين السياسية للضربات العسكرية لا يمكن فصلها عن سياق النقطة الأخيرة؛ فعلى الرغم من تنفيذ الضربات من مدخل استخدام السلاح الكيماوي؛ إلا أنها حملت رسالة وفق هذا المدخل بأن موسكو لن تبقى وحيدة في إدارة الملف السوري بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، فالضربات مثّلت فعلاً تأديبياً لنظام الأسد ورقابياً ومحاسبياً بالنسبة لموسكو، حيث عكست بشكل أو بآخر نهاية التفويض الأمريكي لموسكو في إدارة الملف السوري بشكل منفرد.
  • العودة إلى المسار الأممي: بالمقابل حملت الضربات الأمريكية الأوروبية رسالة مهمة تتعلق بطبيعة الحل السياسي الذي تحاول روسيا فرض رؤيتها الخاصة فيه، ولعل الضربات في هذا الإطار استهدفت إفراغ التقدم العسكري الأخير لموسكو والنظام في الغوطة وإدلب ودير الزور من مضامينه السياسية التي كانت تطمح موسكو إلى ترجمتها على مسار التفاوض بشكل إحراز تقدم سياسي على حساب المعارضة، فجاءت الضربات العسكرية برسالة سياسية أوروبية أمريكية واضحة لموسكو بأن الحل السياسي للأزمة السورية لن يتم دون موافقة المجتمع الدولي وبعيداً عن المسار الأممي المرسوم لذلك (جنيف)، ولا يمكن لأي طرف فرضه بشكل منفرد، وتجلّت هذه الرسالة بالذات بشكل أوضح في جلسة مجلس الأمن التي دعت إليها موسكو عقب الضربة، حيث ركزت كلمات مندوبي الدول المنفذة للضربة على استعراض خطوات إجرائية للخروج من الأزمة ووقف التصعيد، كان على رأسها العودة إلى مسار جنيف الأممي كحل سياسي ومخرج للأزمة السورية، فيما بدى أنه أول ترجمة سياسية للضربات العسكرية والإيحاء بأن الضربات لم تكن ارتجالية، وإنما تمت وفق استراتيجية بدأت بالضربات كفعل عسكري تحذيري وستستمر كضغط سياسي للعودة إلى المسار الأممي كخارطة طريق للخروج من الأزمة السورية.
  • إيران (توزيع الأدوار) استهدفت الضربات العسكرية على الأقل موقعين إيرانيين ضمن بنك الأهداف، الأول مقر لحزب الله في جنوب حمص، والآخر تمثل، بحسب معلومات خاصة بـ"الفوج41 قوات خاصة"، والذي يعتبر مقراً للتواجد الإيراني، ولم يعترف أي من إيران أو النظام أو الروس باستهدافه إلى الآن، ويمكن فهم هذا الاستهداف المحدود لإيران بكون الأوربيين مشاركين في الضربات، في الوقت الذي يسعون فيه بشكل أو بآخر للحفاظ على علاقات وسط مع طهران ومعارضة إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الذي تلوح به الولايات المتحدة، وبالتالي عدم الرغبة في توسيع العملية العسكرية المحددة بهدف ردع استخدام السلاح الكيماوي، إلا أن ذلك لم يمنع من توجيه ضربات محدودة لمواقع إيران وأذرعها، بدت الغاية منها توجيه رسائل أمريكية لطهران تتعلق بنفوذها العسكري في سوريا تحديداً والمنطقة عموماً، والتأكيد على إبراز نوع من توزيع الأدوار في مواجهة هذا النفوذ وتمدده، وتحديداً الدور الإسرائيلي ودعمه أمريكياً في هذه المهمة،  فاللافت أن إسرائيل سبقت الضربات الأمريكية الأوروبية بأيام قليلة في استهداف مطار "التياس" (تي فور) العسكري  وضرب مواقع كانت تستخدمها إيران لتخزين طائراتها المسيرة "درون" موقعة سبعة قتلى من الحرس الثوري أربعة منهم خبراء في سلاح الجو الإيراني باختصاص تطوير الطائرات المسيرة عن بعد، كما أُتبعت الضربات الأمريكية الأوروبية بعد يوم واحد فقط بتفجيرات مجهولة استهدفت مواقع إيرانية في جبل عزان بريف حلب الجنوبي، ليتم بعد يومين أيضاً استهداف قاعدة إيرانية شرق قرية "الحمرات" قرب مطار الشعيرات في ريف حمص الجنوبي. وعلى الرغم من عدم تبني إسرائيل للهجومين الأخيرين بشكل مباشر؛ إلا أن طبيعة الاستهداف يشير بشكل أو بآخر إلى بصمات إسرائيل، والتي غالباً ما تتبع أسلوب تنفيذ ضربات وعدم تبنيها أو الاعتراف بها بعد فترة طويلة.

 

خريطة (2) المواقع الإيرانية التي استهدفت في نفس الفترة الزمنية للضربة الثلاثية في 14 نيسان 2018

المصدر: وحدة المعلومات بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية

  • تركيا (رسائل التذكير والعزل)

على الرغم من إعلان تركيا دعمها للضربات العسكرية الأمريكية الأوروبية تجاه النظام السوري كمحاسبة على استخدامه الأسلحة المحرمة دولياً؛ إلا أن ذلك لم يُخفِ موقفاً متخبطاً لأنقرة في التعامل معها، بين دعمها تارة والتشكيك في فعاليتها تارة أخرى أو طرح الوساطة بين موسكو وواشنطن قبيل الضربات، ولا يبدو هذا التخبط غريباً في موقف أنقرة التي تمثل جزءاً من حلف الناتو وما يترتب على ذلك من التزامات، مقابل إدراكها لمضمون الرسائل السياسية الموجهة لحليفتها موسكو في الملف السوري. حيث وضّح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في تصريحات تلت الضربة بأن جزءاً من هدفها كان ضرب التحالف الثلاثي بين أنقرة وموسكو وطهران. وعليه فإن الضربة حملت رسائل سياسية لأنقرة أيضاً تمثلت بتذكيرها بكونها جزء من حلف الناتو الذي تتصاعد إشكالياته مع موسكو، وأن سياسة التوازن التي تحاول تركيا انتهجها في الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى لن تستوي، وتحديداً وسط الخلافات التي تتصاعد بين أنقرة وبعض الدول الأوروبية (فرنسا)، إضافة إلى توجس أنقرة من سياسة إدارة ترامب في مناطق شرق الفرات وما يتعلق منها بالتعاطي مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، ولعل هذه الرسائل التي تحاول عزل أنقرة عن تحالفها مع روسيا وإيران، تأتي في سياق إدراك أوروبي أميركي أن أي جهد حقيقي من قبلهم في الملف السوري لابد وأن يمر عبر البوابة التركية، كما يدركون أيضاً أن أي سعي روسي مضاد لابد وأن يمر من المدخل نفسه،

 ثانياً: احتمالات الرد (التصعيد غير المباشر)

عقب الضربات العسكرية هددت إيران بأن محور "الممانعة" سيرد على ما اعتبرته "العدوان الثلاثي" على سورية، بينما اعتبرت وزارة الدفاع الروسية الضربات بمثابة إهانة مباشرة للرئيس فلاديمير بوتين، وعلى الرغم من صدور تلك التهديدات من قوى متحالفة على الأرض السورية (روسيا، إيران)؛ إلا أن احتمالات الرد وأسلوبه قد يختلفان من فاعل إلى آخر وفق ما يلي:

  • على المستوى الروسي

لم تُقدم روسيا إثر الضربة العسكرية الثلاثية على أي رد مباشر، وهي التي كانت تهدد به قبل وقوعها، فقد كان مستبعداً أن تلجأ موسكو إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، ولو كان هناك أي نية صدام لاعترضت موسكو الطائرات التي دخلت الأجواء السورية أو لجأت للرد على مصادر النيران المتمثلة بالبوارج المستقرة في المتوسط، ولكنها اكتفت على مستوى الإعلان والإعلام بالتصريح حول "تصدي دفاعات جوية سوفيتية قديمة يمتلكها النظام للصواريخ وإسقاط معظمها وحرف مسار بعضها الآخر"، الإعلان الذي نفاه البنتاغون بعد ساعات موضحاً أن أي من الصواريخ لم يتم اعتراضها. ومن المتوقع أن تعتبر موسكو تلك الضربات لم تقترب من مواقعها وقواعدها العسكرية وأماكن تواجد جنودها في سوريا، وذلك يساعدها في التنصل من الرد المباشر والملزم، وهو ذات السلوك الذي اتبعته في شرق الفرات حيال مجموعات المرتزقة الروس الذين قتلوا بعد استهدافهم من قوات التحالف بشكل مباشر واعتبرتهم موسكو يتبعون لشركات خاصة. وعلى الرغم من تجنب روسيا الرد المباشر؛ إلا أن ذلك قد لا يمنعها من التصعيد غير المباشر عبر استهداف بعض جبهات المعارضة التي تعتبرها محسوبة على الولايات المتحدة، لذلك قد تلجأ موسكو وحلفائها خلال الفترة المقبلة إلى التصعيد العسكري على عدة جبهات، ربما يكون الجنوب السوري ليس بمنأى عنها، خاصة بعد فراغ النظام وموسكو من جنوب دمشق والقلمون الشرقي.

  • على مستوى إيران وأذرعها

على الرغم من استهداف الضربات الأوروبية الأمريكية لمواقع إيرانية محدودة؛ إلا أن الإيرانيين بادروا بالتهديد والتوعد بالرد، وذلك يفهم في سياق إدراك إيران أنها معنية بالضربات العسكرية من قبل الولايات المتحدة، خاصة بعد استكمالها تجاه مواقع إيرانية في سورية وفق لعبة توزيع الأدوار بين إسرائيل وأمريكا، واستشعارها لتصاعد تهديدات حقيقية يدفع بها تخوف إسرائيلي أمريكي وتشنج خليجي تجاه سلوكها في سوريا والمنطقة، وفي هذا الإطار تبدو خيارات الرد الإيراني المباشر ضيقة، سواء عبر اللجوء إلى الاستهداف المباشر للقوات الأمريكية المتواجدة في شرق الفرات أو الرد على إسرائيل عبر سوريا أو لبنان، إذ تدرك إيران أن الخيار الأول قد يترتب عليه تصعيد مباشر في استهداف مواقعها في سوريا بشكل أكبر وسط التوتر الدولي تجاهها في الملف السوري، كما من المستبعد أيضاً أن تلجأ إلى تصعيد مباشر مع إسرائيل، الأمر الذي قد يترتب عليه تصعيد مضاد ربما يتطور إلى توغل إسرائيلي بري في جنوب لبنان أو الجنوب السوري، وهذا ما أكدته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن مصادر مسؤولة في جيش الاحتلال الإسرائيلي قولهم: "إذا اتخذ الإيرانيون عملاً ضد إسرائيل من الأراضي السورية، فإن من سيدفع الثمن سيكون الأسد ونظامه"، وأضافوا أن "نظام الأسد والأسد نفسه سيختفيان عن الخريطة وعن العالم إذا حاول الإيرانيون بالفعل المس بإسرائيل أو بمصالحها من الأراضي السورية". وأمام تلك الخيارات الضيقة للرد المباشر فقد تلجأ طهران إلى الرد غير المباشر والذي يتناسب وطبيعة أذرعها وميلشياتها المنتشرة في المنطقة، وقد يتجاوز هذا الرد الأراضي السورية، وربما قد يأتي عبر العراق، هناك حيث تتبع إيران سياسية الإطباق الكامل وتعتمد في الآونة الأخيرة على تدريب مليشيات سنية لمقاومة الوجود الأمريكي، وهذا الرد قد يكون عبر التحرش عسكرياً بالقواعد الأمريكية أو التفجيرات والمفخخات، إضافة إلى أنها قد تلجأ إلى تنشيط مجموعات الحوثي على الحدود السعودية وتكثيف إطلاق الصواريخ على المملكة، وهو ما أشار إليه عبد الملك الحوثي عقب الضربات الأمريكية الأوروبية للنظام، حيث صرح بشكل رسمي بأن  "العدوان الأمريكي على سورية يستوجب الرد تجاه السعودية".

خلاصة

إن النظر إلى الضربة الثلاثية التي تلقاها نظام الأسد من منظور عسكري بحت متعلق بالأزمة السورية فقط؛ يُعتبر اجتزاءً خاطئاً يفضي إلى أن الضربة كانت استعراضية ودون مضمون، وهو أمرٌ  يحيد بدرجةٍ كبيرة عن الصواب، فلم تعلن يوماً الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفاؤها في الناتو نيّة لإسقاط الأسد عسكرياً، وإنما كان دأبهم الإعلان عن أن الحل في سورية سياسي، لذلك لابد من فهم الضربات في سياق "التحريك" وليس "التحرير"، أي تحريك مسار الحل السياسي بعيداً عن سعي موسكو لتجميده وفقاً لرؤيتها، وأنها قد تمثل نهجاً جديداً قائماً على استخدام العمل العسكري المحدود لتحريك المسار السياسي التفاوضي، وربما تُشكل مُقدمة لما يبدو أنه سيكون سلسلة من الضربات العسكرية للأسد والمليشيات الإيرانية المتواجدة في سوريا عبر الثلاثي الناتوي لناحية الأسد، وعبر إسرائيل لناحية إيران، وذلك لإجباره وحليفه الروسي على تقديم تنازلات سياسية على طاولة المفاوضات باتجاه بدء عملية انتقال سياسي، حيث تُشكل مثل هذه الضربات العسكرية المحدودة الوسيلة الوحيدة أمام الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للضغط وكسب نفوذ  تحتاجه في مسار جنيف المُعطل، والذي حولته موسكو إلى مجرد غطاء للأسد للاستمرار بقتل السوريين، ولذلك فإن احتمال تكرار مثل تلك الضربات والتصعيد الناتوي عسكرياً في سوريا سيكون مرهوناً بمرونة موسكو التفاوضية وقدرتها على فهم رسائل الناتو وجر حليفها الأسد نحو تقديم التنازلات في العملية التفاوضية، إذ أن التصريحات المتوالية بعد الضربة على لسان منفذيها تُشير بوضوح إلى أن المرحلة القادمة هي مرحلة تحريك مسار الحل السياسي وفق الرؤية الدولية، وليس الروسية، وما تبع تلك التصريحات من إعلان ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن التراجع عن قرار الانسحاب من سوريا وإمكانية توجيه ضربات أخرى للأسد في حال استخدم الكيماوي مجدداً، يُعتبر التزاماً أمريكياً بالاستراتيجية الجديدة التي أعلنها وزير خارجيتها السابق تيليرسون، والتي تحمل ضمناً خيارات مفتوحة لمواجهة نفوذ طهران وموسكو في سورية.

لقاء الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، على تلفزيون العربي للحديث عن المضامين السياسية للضربة الأمريكية الأوروبية لنظام الأسد، وما قد يترتب عليها من آثار محتملة على المسار السياسي للملف السوري.

 

الأربعاء, 11 نيسان/أبريل 2018 17:56

"ندوة أكاديمية بعنوان "مآلات الثورة السورية

شارك مركز عمران  للدراسات الاستراتيجية ممثلاً بباحثيه أيمن الدسوقي ومعن طلاع بالندوة الأكاديمية التي عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والتي حملت عنوان "مآلات الثورة السورية"، وذلك يومي 7 و8 نيسان 2018، في العاصمة القطرية الدوحة.

في اليوم الأول تناول الباحث الدسوقي في ورقته التي جاءت تحت عنوان: "مقاربة الحركات الجهادية للحكم المحلي وأثرها في الثورة السورية: مقارنة بين تنظيم الدولة وهيئة تحرير الشام" أنماط الحكم المحلي التي أفرزتها الثورة السورية، وخصوصاً تلك التي نشأت بظهور الحركات الجهادية كـ "تنظيم الدولة الإسلامية" و"هيئة تحرير الشام".  في المنطقة، مبرزاً نقاط الاختلاف بينهما في ظل تفاوت الأدوات والمسميات المستخدمة والهياكل التنظيمية في إدارة وحكم كلً منهما.

في حين ركزت مشاركة الباحث طلاع في اليوم الثاني من الندوة في ورقته التي جاءت تحت عنوان: "تحولات البنية الأمنية للنظام السوري خلال الثورة"، على أهم التحولات التي شهدتها البنية الأمنية للنظام، والمتمثلة بعدم تماسك البيئة الأمنية في مناطق النظام وعدم خضوعها "إداريًا" أو "وظيفيًا" لقوة أمنية مركزية مضبوطة، مدللاً على تدهور مؤشرات الاستقرار الأمني بتدفق الميليشيات الأجنبية الحليفة للجغرافيا السورية من جهة، وبقرار تكوين مجموعات عسكرية محلية يشرف عليها كبار رجال النظام من جهة ثانية. مما عزز من نتائج الفشل الوظيفي والسيولة الأمنية وتعارض الأجندة الأمنية للفواعل الأمنية في مناطق سيطرة النظام.

ومن الجدير بالذكر أن الندوة حضرها العديد من الشخصيات السورية الفاعلة في الثورة السورية من سياسيين وناشطين وباحثين.

الأربعاء, 04 نيسان/أبريل 2018 15:31

التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية

ملخص تنفيذي

  • تمكنت طهران من خلال تموضعها الاقتصادي الجديد بعد الثورة من رفع سوية علاقاتها الاقتصادية مع سورية بعدما كانت تعاني من مشاكل هيكلية واستثمارات منخفضة بالرغم من كثرة الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، حيث تحسن الميزان التجاري من 361 مليون دولار في العام 2010/2011 إلى 869 مليون دولار في 2014 وأدى ارتفاع الصادرات الإيرانية إلى سورية بشكل مطرد إلى تحول سورية لسوق تصريفية للمنتجات الإيرانية لتصبح الشريك التجاري الأول لسورية.
  • حصلت إيران على استثمارات سيادية وسريعة الربح مثل رخصة خط الجوال الثالث، واستثمارات استراتيجية في مناجم الفوسفات بخنيفيس، وعقود لبناء مصفاة نفط كبرى قرب مدينة حمص بطاقة تكريرية 140 ألف برميل يومياً. كما ساهمت الشركات الإيرانية بشكل كبير في المعارض المقامة في دمشق لأغراض إعادة الإعمار ووقعت عقوداً مهمة في هذا المسار إذ بلغت القيمة المالية للعقود الموقعة بين شركة "مبنا غروب" الإيرانية في 2016 مع وزارة الكهرباء السورية حوالي تريليون ليرة سورية. كما دعمت طهران النظام السوري مالياً عبر فتح خطوط ائتمانية بلغ إجمالي ما قدمته أكثر من 5.6 مليار دولار لدعم العجز المالي في الموازنة المالية لسورية وتجنب توقف المؤسسات عن العمل.
  • يتباين التموضع الإيراني في الاقتصاد السوري مع السياسات الاقتصادية الروسية التي تحاول الاستئثار بالقسم الأكبر من الاستثمارات لاسيما فيما يتعلق بالنفط والغاز وإعادة الإعمار دون مراعاة لمصالح الإيرانيين والاتفاقات الموقعة مع الجانب السوري، وقد تؤدي التداخلات في الاتفاقيات والعقود في بعض القطاعات بين إيران وروسيا إلى تحول هذا التباين لأشكال خلافية بين البلدين على اقتسام التركة، ومن التداخلات بين البلدين في مجال الطاقة اتفاقيات روسيا مع النظام السوري التي تتيح لروسيا الاستكشاف والتنقيب عن النفظ والغاز في المياه الإقليمية السورية، كما ستحصل روسيا على ربع الإنتاج النفطي السوري مقابل تحرير مناطق تحتوي على آبار ومنشآت نفطية، وسيتم إنشاء شركة للفوسفات تحت إشراف روسيا في منجمي الشرقية وخنيفيس، إضافة لذلك فإن روسيا تسعى للحصول على الحصة الأكبر من إعادة الإعمار.
  • يواجه النفوذ الإيراني في الاقتصاد السوري مستقبلاً سيناريوهين، الأول: متنامي؛ ستكون فيه إيران بـ"أمان" بفضل تزايد فرص فرض رؤية الحل الروسية بسورية، وبالتالي حماية النفوذ الإيراني وتنفيذ الاتفاقيات والعقود المبرمة بين الجانبين، وهو أمر يستوجب صده وعدم تناميه ووصوله لمناطق المعارضة التي ليس لها – رغم تعدد الصعوبات- سوى منطق اللامركزية وسياسات الحوكمة الرشيدة، والسيناريو الثاني: متضائل؛ يأتي عبر حلحلة الأزمة السورية من خلال تطبيق كافة القرارات الدولية ذات الشأن كالقرار رقم 2254 والذي يُفضي إلى حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة، وهو أمر سيعزز من مناخات محاصرة النفوذ الإيراني على الاقتصاد السوري وعرقلته.

مدخل

أدى طول أمد النزاع في سورية وتغول النظام في سياساته العسكرية التدميرية إلى تدهور الاقتصاد السوري على المستوى الكلي والجزئي، إذ تضرر الناتج المحلي الإجمالي على مدار السبع سنوات الماضية لتصل الخسائر المتراكمة 226 مليار دولار حسب تقديرات البنك الدولي في تقرير يونيو/حزيران 2017 وهبوط قيمة الليرة بنحو 90%، كما أصبح قرابة 85% من السكان تحت خط الفقر إضافة إلى معدلات بطالة فاقت الـ53% في العام 2014 عدا عن التقارير التي أشارت ببقاء نحو مليار دولار من مخزون القطع الأجنبي في المركزي السوري هبوطاً من 17 مليار دولار قبل الأزمة.

أمام هذا الوضع الاقتصادي الصعب؛ طلب النظام من حلفاءه الروس والإيرانيين إضافة إلى المساعدات العسكرية والسياسية الدعم المالي والاقتصادي مقابل الحصول على امتيازات واستثمارات وتوقيع اتفاقيات عديدة في مجالات مختلفة وهو ما أفرز تموضعاً اقتصادياً واضحاً للحلفاء في الاقتصاد السوري واستحقاقاته القادمة، وستركز هذه الورقة على طبيعة التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية، موضحةً بالبداية نوعية العلاقة الاقتصادية بين دمشق وطهران وكيفية استغلالها من قبل ايران بهدف تحويلها لتحكمٍ بخيارات الدولة الاقتصادية، ثم تستعرض أدوار ايران المتوقعة في استحقاق إعادة الإعمار وأهم المجالات والقطاعات التي تحاول طهران الاستحواذ عليه وأهم القضايا التي تتنافس فيها مع موسكو، لتقف الورقة في نهايتها عند المآلات المتوقعة لهذا التموضع وفق السيناريوهات السياسية المحتملة، مقدمة حزمة من التوصيات لتحجيم هذا التموضع.

قبل الثورة: علاقاتٍ اقتصاديةٍ متواضعة

وصِفت العلاقات الإيرانية -السورية قبل 2011 بأنها علاقات استراتيجية في المجال السياسي والتعاون العسكري والأمني([1])، بينما لم ترق تلك العلاقات على المستوى الاقتصادي لذات الدرجة الاستراتيجية بالرغم من أهمية سورية الجيواستراتيجية بالنسبة لإيران الطامحة للاستحواذ على طريق إمداد يصل أراضيها بالأراضي السورية ليتم من خلاله نقل الغاز الإيراني إلى الأسواق الأوروبية عبر أنبوب يعبر الأراضي العراقية والسورية ويصل إلى موانئ البحر المتوسط.

إذ لم تكن التبادلات التجارية بين إيران وسورية مرتفعة كما خُطط لها من قبل المسؤولين الإيرانيين لتصل إلى 5 مليارات دولار؛ حيث احتلت سورية مرتبة متأخرة بين الدول التي تستورد منها إيران بحصولها على المرتبة 61 ويُعزى ذلك أن الأسواق الإيرانية لم تكن وجهة مهمة للصادرات السورية إذ لم تزد عن 0.3% عام 2007 وانخفضت إلى 0.1% لاحقًا، وقد أظهرت بيانات غرفة تجارة دمشق بعد النزاع حول العلاقات التجارية السورية الإيرانية أن سورية تصدر أقل من 6 مليارات ليرة أي بنسبة 1% من الصادرات إلى إيران وتستورد من إيران بقيمة نحو 16 مليار ليرة أي بنسبة 2% من المستوردات السورية وهذا مؤشر على "ضعف العلاقة التجارية بين البلدين وعدم تلاؤمها مع التصريحات المعلنة من الحكومتين حول أهمية تعزيز التبادل التجاري. ([2])

يعد الميزان التجاري بين البلدين ميزاناً متواضعاً شهد دوماً ميلاً لصالح إيران (أنظر الشكل أدناه) ([3]). إذ بلغ نحو 361.6 مليون دولار في العام 2010-2011 بينما أشارت مواقع اقتصادية متعددة أن الرقم وصل إلى 553 مليون دولار([4])؛ كما صدرت إيران إلى سورية في ذلك العام سلعاً بقيمة 524.48 مليون دولار، أما الواردات الإيرانية من سورية فقد بلغت في نفس الفترة ما قيمته 26 مليون دولار. وبلغت واردات إيران من سورية خلال الفترة بين 2007 -2017 متوسطاً سنوياً قدره 23 مليون دولار، كما يظهر حجم انخفاض هذه الأرقام إذا ما قورنت بعلاقات سورية التجارية مع تركيا في نفس الفترة، إذ بلغ التبادل التجاري ما قبل 2011 بين سورية وتركيا نحو 2 مليار دولار وصدرت سورية إلى تركيا في العام 2010 بنحو 629 مليون دولار واستوردت بقيمة مليار و 672 مليون دولار، كما احتلت تركيا في العام 2011 المرتبة الأولى من بين الدول المصدرة إلى سورية بنحو 77 مليار ليرة سورية ( مليار و 540 مليون دولار على سعر 50 ليرة للدولار)([5]) ([6]).

كما بلغت الاستثمارات والمشاريع الإيرانية في سورية في الفترة بين 2006 – 2010 نحو 7 مشروعات فقط، بقيمة 20 مليار ليرة سورية على الرغم من اتباع السطات السورية سياسات الانفتاح والتحرر الاقتصادي والتي أسهمت في تحسين بيئة الاستثمار عبر سن خفض الضرائب والرسوم، بينما بلغت الاستثمارات التركية في نفس الفترة 26 مشروعا([7]). وفي الفترة الممتدة بين 1991 -2005 بلغت عدد المشاريع التركية 14 مقابل 4 مشاريع لإيران([8])، وفي العام 2010 وافقت الحكومة السورية على 37 استثماراً أجنبياً استحوذت تركيا على 10 مشاريع منها ما جعلها في المرتبة الأولى من بين المشاريع الأجنبية المنفذة في سورية. ومن المشاريع الإيرانية في سورية، معمل إسمنت حماة المنفذ بين شركة "صنعت" الإيرانية والمؤسسة العامة السورية للإسمنت، وعقود شركة "بارسيان" الإيرانية مع المؤسسة العامة لتوزيع واستثمار الطاقة الكهربائية في سورية، ومشروع "سيامكو" وشركة "سيفكو" لإنتاج السيارات في سورية.

على الرغم من ارتباط البلدين بالعديد من الاتفاقيات في مجالات متعددة تجارية واستثمارية ([9])، إلا أنها لم تنعكس على تطور العلاقات التجارية بين البلدين، ويُعزى ذلك لعدة أسباب منها أن الاقتصاد الإيراني يعتمد على الاكتفاء الذاتي وتنتج إيران منتجات زراعية وصناعية تشابه ما تنتجه سورية، ناهيك عن معاناة إيران من العقوبات الأممية بسبب تطوير برنامجها النووي والتي حدّ بشكل كبير من تطور اقتصادها واستثماراتها في الخارج، بالإضافة إلى أن الاستثمارات والشركات الإيرانية في سورية لم تتمتع بالتنافسية العالية إذ أخلّت العديد من شركات القطاع الخاص الإيراني بالتزاماتها بتنفيذ مشروعاتها الموكلة لها ضمن الجدول الزمني المحدد وتسجيل حالات فساد في تنفيذ المشروعات([10])، ويضاف أيضاً  تنامي الروتين والبيروقراطية في البلدين واختلاف الأنظمة التجارية وتضاربها وضعف الثقافة التصديرية والمعلومات التجارية وعدم وجود خط بحري مباشر ومنتظم بين الموانئ التجارية الإيرانية والسورية أو مصارف وشركات صيرفة تحويلية لتسهيل عمليات السداد والتحويل([11]).

ووفقاً لأعلاه يمكن استخلاص نتائج عدة أهمها بقاء العلاقات الاقتصادية بين البلدين دون المستوى المأمول منها، ومعاناتها لعدة مشاكل هيكلية، مع التأكيد على البعد الطاقوي لسورية وأهميته بالنسبة لإيران؛ كما ارتبط البلدين بأكثر من 20 اتفاقية في مجالات متعددة معظمها كانت عرضة للتسكين أو التأخير أو الفشل في بعض الأحيان؛ تبدو العلاقات التجارية متواضعة بالمقارنة مع غيرها، إذ بلغ الميزان التجاري 361 مليون دولار في العام 2010-2011 مع ميله لصالح إيران على الدوام؛ وبقيت وتيرة الاستثمارات الإيرانية منخفضة مقارنة مع استثمارات الدول الأخرى في سورية بعد الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته سورية مطلع العام 2000.

الدعم الإيراني الاقتصادي وطموحات السيطرة على خيارات دمشق

تعاظم الدور الإيراني اقتصادياً في سورية في أواخر العام 2011 بعد مقاطعة دول عربية وأجنبية للنظام السوري جراء سياساته الأمنية المفرطة ضد المتظاهرين والتي فرضت عقوبات على النظام شملت وقف التعامل مع المصرف المركزي السوري ووقف المشاريع التجارية وتجميد أرصدة لمسؤولين سوريين، إذ دعمت إيران النظام السوري بعد توسع رقعة الاحتجاجات مدربين ومستشارين وعناصر من قوة النخبة "القدس" إلى سورية للمساعدة في قمع الاحتجاجات بإرسال مدربين ومستشارين وعناصر من قوة النخبة "القدس" إلى سورية للمساعدة في قمع الاحتجاجات وتقديم الدعم التدريبي واللوجستي والمخابراتي ومده بالأسلحة والعتاد وأجهزة المراقبة والتجسس([12]).

كثفت طهران (بالتوازي مع الدعم السياسي والعسكري) في العام 2012 من زيارات مسؤوليها إلى دمشق لدعمها واقتصادياً (الجدول التالي يظهر الزيارات الرسمية للمسؤولين الإيرانيين والسوريين)

على الصعيد التجاري؛ رسخت إيران وجودها في سورية لوجستياً عبر تدشين طريق طهران دمشق وتأمين خط بري يعبر وسط وشمال العراق وحتى دمشق وسواحل المتوسط في اللاذقية ولبنان([13])؛ يشكل الطريق نقطة تحول كبيرة لإيران في المنطقة إذ سيتيح لها لعب دور محوري في زيادة صادراتها من السلع غير النفطية إلى العراق وسورية ولبنان والأردن والمنطقة العربية عموماً ويقدم لمنتجاتها ميزة تنافسية عن المنتجات الأخرى بفضل خفض كلف النقل وسهولة الطريق.

كما أن تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة السورية الإيرانية في 21 مارس/آذار 2012 والتي خفضت بموجبها نسبة الرسوم الجمركية البينية للسلع المتبادلة بين البلدين بنسبة 96% وإضافة إلى الوفرة المالية الناجمة عن خط الائتمان والقروض،([14]) أدى إلى ارتفاع الصادرات الإيرانية إلى سورية بشكل مطرد (انظر الشكل المجاور والذي يبين التبادل التجاري بين البلدين من عام 2010 حتى 2014، وذلك استناداً إلى بيانات مؤسسة تنمية التجارة الإيرانية، القيمة: مليون دولار أمريكي) وأصبحت الأسواق السورية سوقاً تصريفية للمنتجات الإيرانية لتتربع طهران على قائمة الشريك التجاري الأول لسورية. وعلى إثر هذا تحسن حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 869 مليون دولار في عام 2014.([15])

 

أما على صعيد الطاقة؛ انطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية لسورية كممر للطاقة وشريان الغاز إلى الأسواق الأوروبية، فقد عززت إيران إمدادات الغاز للدول المحيطة بها كالعراق وسورية عبر الاستمرار بما بدأت به في يوليو/تموز 2010 من مفاوضات أولية مع كلا البلدين لمناقشة مشروع مد " الأنبوب الإسلامي"، وفي  يوليو/تموز 2011 تم عقد اتفاقية لمد الأنبوب وتم التوصل إلى اتفاق نهائي بين الدول الثلاثة في مارس/آذار 2013 بحيث يمتد من إيران ليعبر العراق وسورية ويصل إلى البحر المتوسط بتكلفة تصل إلى 10 مليارات دولار،([16]) وسيضخ الأنبوب نحو 110 مليون متر مكعب من الغاز يومياً تحصل سورية والعراق على احتياجاتهما من الغاز الإيراني البالغة نحو 30.25 مليون متر مكعب يومياً فيما سيحصل لبنان على احتياجاته من الغاز والبالغة 7.5 ملايين متر مكعب يومياً كما سيتم تزويد الأردن بالغاز الإيراني أيضاً عبر خط الغاز العربي، وتخطط إيران مستقبلا لشحن الغاز إلى أوروبا عبر ميناء في اللاذقية وقعت مذكرة تفاهم بشأنه مع النظام مطلع 2017([17]).

 

وضمنت إيران أيضاً في مجال الطاقة حصتها من سوق الطاقة السوري عبر مذكرات التفاهم الموقعة مع النظام للاستثمار في الغاز والنفط في مناطق عدة بسورية. فبموجب مذكرة تفاهم تم توقيعها في بداية العام 2017 أثناء زيارة لوفد الحكومة السورية إلى طهران، سيتم بموجبها إنشاء مصفاة نفط كبرى قرب مدينة حمص تبلغ طاقتها التكريرية 140 ألف برميل نفط يومياً وستقوم إيران بموجب الاتفاق بإعادة بناء وتجهيز مصفاتي حمص وبانياس بعد تضررهما بسبب الحرب، علمًا أن إنتاج كلا المصفاتين يكفي حاجات سورية الاستهلاكية([18]).

في المجال الصناعي، حصلت إيران بموجب مذكرات تفاهم تم توقيعها مع وفد الحكومة السورية الذي زار طهران مطلع العام 2017 على استثمارات استراتيجية في مناجم الفوسفات بخنيفيس في ريف حمص ويشمل العقد الموقع التنقيب عن الفوسفات واستخراجه واستثماره لمدة 50 عام، وبهذا حصلت طهران على احتياطي مهم بسورية إذ تعتبر مناجم الفوسفات بسورية من أكبر حقول الفوسفات في العالم ووفق أرقام الشركة العامة السورية للفوسفات والمناجم فقد بلغ احتياطي سورية من هذا الفوسفات 1.8 مليار طن خام في  2009 كما قدرت أرباح الشركة خلال 2008 بمليارين ومليوني ليرة سورية ( قرابة 40 مليون دولار على سعر صرف 50 ليرة للدولار) ([19]).

على الصعيد المالي، زوّدت إيران المؤسسات السورية بالمال اللازم لسد العجز الحاصل وتجنباً لتوقفها عن العمل حيث فتحت إيران خط ائتماني لدمشق في هذا الإطار ومنحتها العديد من القروض المالية. في يناير/كانون الثاني من العام 2013 قدمت إيران قرضها الأول بمقدار مليار دولار لدعم العجز المالي الذي عانت منه الحكومة السورية بعد هبوط إيراداتها بمقدار النصف عمَا كانت عليه في 2010 بسبب العقوبات التي فُرضت عليها من أوروبا وأمريكا ودول عربية([20])، حيث تراجعت الإيرادات العامة بين عام 2011 و2018 بنحو 63% وانخفضت العوائد النفطية بنسبة 93% بين 2010 –2016([21]). وفعّلت كل من طهران ودمشق في شهر آب/أغسطس 2013 منح القرض الثاني للحكومة السورية والبالغ 3.6 مليار دولار ليتم إنفاقه بشكل أساسي على استيراد المشتقات النفطية من إيران حصراً([22])، حيث من المقرر أن تمد طهران سورية بمعدل ناقلتي نفط شهرياً عبر الخط الائتماني الإيراني، في الوقت الذي وصلت إلى سورية في مايو/أيار 2017 ناقلتي نفط خام تحمل كل ناقلة مليون برميل نفط خام تسهم في تشغيل مصافي النفط في البلاد لإنتاج المشتقات النفطية وطرحها في السوق المحلية، وستسهم هذه الناقلات إضافة إلى عقود النفط المبرمة مع الشركات الإيرانية لتغطية السوق المحلية السورية من مواد الطاقة([23]).  وفي يوليو/تموز وقّع الرئيس السوري بشار الأسد على قانون يصادق على القرض الثالث البالغ مليار دولار مقدم من إيران بهدف تمويل الصادرات([24]).

في مجال الاتصالات، حصلت إيران على إحدى أهم الاستثمارات القومية التي ستدر عليها أموالاً سهلة، ففي زيارة الوفد السوري لإيران مطلع العام 2017 وقع الجانبين على منح إيران رخصة تشغيل الهاتف المحمول الثالث في البلاد علماً أن عائدات شركة النقال في سورية تقدر بنحو 12 مليار ليرة سورية سنويًا، على أن يبلغ حجم الاستثمار في المشغل الجديد نحو 300 مليون دولار، بحيث تكون حصة الجانب السوري 20%، في مقابل 80% لشركة إيرانية.

يبين الجدول أدناه توزع الاستثمارات الإيرانية في سورية:

 أما فيما يتعلق بإعادة الإعمار سورية، فقد تُرجمت دعوات النظام لإيران للمساهمة فيها عبر مشاركة الشركات الإيرانية في المعارض التي عُقدت في دمشق مؤخراً، إضافة إلى مجموعة من العقود التي أُبرمت بين الجانبين في عدة قطاعات في إطار إعادة الإعمار، حيث احتل الجناح الإيراني المساحة الأكبر في معرض إعادة الإعمار في دمشق في سبتمبر/أيلول 2017 بعنوان "عمّرها" الذي أُقيم بمشاركة نحو 40 شركة من بين 164 شركة جاءت من 23 دولة في مختلف المجالات؛ الإنشاء؛ ومواد البناء؛ إضافة إلى قطاع النفط؛ والطاقة الكهربائية؛ والنقل وغيرها. وكان للشركات الإيرانية أيضاً النصيب الأكبر في أول معرض تجاري تقيمه سورية في أغسطس/آب 2017 حيث شاركت فيه أكثر من 30 شركة إيرانية في مختلف التخصصات. كما تم الاتفاق في مطلع العام 2017 بين طهران ودمشق على التعاون في إنشاء محطات توليد كهرباء ومجموعات غازية على الساحل السوري، وإعادة تأهيل محطات الكهرباء في دمشق وحلب وحمص ودير الزور وبانياس وفق مذكرة تفاهم في سبتمبر/أيلول 2017([25])، وعدت فيها دمشق إيران بأنها ستقدم عقود إعمار لشركات إيرانية لإعادة بناء محطات وشبكات الكهرباء في كل أنحاء البلاد؛ إذ وقعت حكومة النظام مع شركة "مبنا غروب" الإيرانية عقداً لإعادة إنشاء خمس محطات توليد الطاقة الكهربائية في جزء من مدينة حلب مقابل 130 مليون يورو، وستستورد سورية من إيران وفق هذه المذكرة  540 ميغاوات من الكهرباء إلى محافظة اللاذقية. وبلغت القيمة المالية للعقود الموقعة مع إيران في العام 2016 مع وزارة الكهرباء السورية حوالي ترليون ليرة سورية (أكثر من 4.5 مليار دولار على سعر صرف 430 ليرة للدولار) تم توقيعها مع الشركة المذكورة لتوريد مجموعات لمحطات في حلب وبانياس([26]).

على ضوء ما سبق يمكن استخلاص مجموعة من المؤشرات حيال النفوذ الإيراني في سورية بعد 2011 لعل أهمها: تمكن إيران من تشكيل حلقة جغرافية ربطت العراق وسورية ولبنان، إضافة إلى تأمين الطريق البري الواصل بين هذه البلدان سيسهم في تعزيز صادرات إيران إلى الأسواق السورية والعراقية واللبنانية والأردنية من السلع غير النفطية؛ وتوقيع اتفاق مد "الأنبوب الإسلامي" الذي سيسمح لإيران بإيصال إمدادات الغاز إلى سورية والعراق ولبنان والأردن وإيصاله مستقبلا إلى الأسواق الأوروبية؛ ورفع أرقام التبادل التجاري بين البلدين إلى حدود مليار دولار، وأصبحت سورية سوقًا تصريفية للسلع الإيرانية؛ كما اعتبر عام 2017 كان عام قطف ثمار التدخل بالنسبة لإيران إذ وقعت خمس مذكرات تفاهم بين حكومتي دمشق وطهران في يناير/كانون الثاني تضمنت العديد من الاستثمارات السيادية في الطاقة والاتصالات والصناعة والزراعة والثروة الحيوانية([27])؛ ناهيك عن الحصول على استثمارات سيادية عبر توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات عدة منها خط المحمول الثالث، واستثمارات صناعية وزراعية؛

روسيا وإيران: عقدة المصالح

تعتبر سورية بالنسبة لروسيا أهم حليف استراتيجي في المنطقة منذ أكثر من 60 عاماً، فسورية منفذ روسيا الوحيد على المياه الدافئة عبر ميناء طرطوس وكان من دواعي تدخل روسيا في سورية منافسة الولايات المتحدة وإعادة أمجاد روسيا القيصرية سابقاً. فضلا عن الأهمية الاقتصادية لسورية بالنسبة لروسيا فهي مشتري للسلاح الروسي بوقوعها في المرتبة الخامسة بين 80 دولة تشتري السلاح الروسي، وقدرت الاستثمارات الروسية في سورية بحسب غرفة تجارة دمشق حتى العام 2011 بنحو 19 مليار دولار تتركز في مجال النفط والغاز([28]).

توصف العلاقة بين روسيا وإيران في سورية بأنها "تنسيق استراتيجي وليس تحالفاً استراتيجياً"([29]). وقد ظهرت تداخلاتهما في الجغرافية السورية تبايناً في المصالح حول الثروات الطبيعية والقطاعات الأكثر ربحية في الاقتصاد السوري بين إيران وروسيا، يبين الجدول التالي أبرزها:

 تُظهر تحركات الروس بسورية على الصعيد الاقتصادي محاولتهم الاستئثار على القسم الأكبر من الاستثمارات، بالأخص ما يتعلق بالنفط والغاز وإعادة الإعمار دون مراعاة مصالح الإيرانيين والاتفاقات الموقعة من جانبهم مع النظام السوري([30])، بل وقد تكون روسيا المهدد الحقيقي للنفوذ الإيراني في قطاعات النفط والغاز بسورية والعامل الأبرز في الحد من طموحاتهم بهذا الشأن. إذ وقعت شركة "يوروبوليس" الروسية مذكرة تعاون مع وزارة النفط والثروة المعدنية السورية مطلع 2017، تلتزم الشركة فيها بـ"تحرير مناطق تضم آبار نفط ومنشآت وحمايتها"، مقابل حصولها على ربع الإنتاج النفطي. وتسعى وزارة النفط السورية بمساعدة الشركات الروسية للوصول إلى إنتاج 219 ألف برميل نفط و 24.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً بحول نهاية 2019([31]).

كما بدأت شركة "سيوزنفط" الروسية بأعمال الحفر والتنقيب عن النفط في ريف مدينة اللاذقية والمياه الإقليمية السوريةبموجب الاتفاقية الموقعة بين الطرفين عام 2013 بعد الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية وبروتوكول العمل والتعاون الذي تم توقيعه في الدورة التاسعة للجنة المشتركة بين روسيا وسورية في أكتوبر/تشرين الأول 2014 التي نصت على زيارة التبادل التجاري وإزالة الحواجز وتسهيلات جمركية([32])، وتُوجت أخيراً بمنح حكومة النظام روسيا امتيازات اقتصادية بتوقيع اتفاقية تسهيل جمركية من المقرر العمل بها مطلع العام 2018([33]).

وحول الفوسفات، فإن موسكو ودمشق ستعملان على إنشاء شركة مشتركة لاستغلال المخزون السوري من الفوسفات تحت إشراف روسيا، وقد بدأت شركة روسية بأعمال الصيانة لأكبر مناجم الفوسفات في سورية في منجمي الشرقية وخنيفيس([34]). وكانت حكومة النظام قد صادقت في 23 إبريل/نيسان على اتفاقية بين المؤسسة السورية و “STNG logistic” بهدف تنفيذ أعمال الصيانة اللازمة للمناجم وتقديم خدمات الحماية والإنتاج والنقل إلى مرفأ التصدير "سلعاتا" بلبنان.

في موضوع إعادة الإعمار، فقد حرصت روسيا أن يكون لها حصة كبيرة من إعمار سورية كما وعد النظام السوري أن يكون للشركات الروسية الحصة الأكبر في إعادة الإعمار في الوقت الذي استبعدت إيران بشكل واضح في المباحثات الجارية في هذا الإطار إذ ترى طهران أن من حقها الحصول على حصة كبيرة من مشاريع إعادة الإعمار كـ “رد جميل من نظام الأسد". إذ دخلت الشركات الروسية على خط بناء السكك الحديدية في سورية، وتسعى كذلك شركة روسية أخرى لإنشاء معمل إسمنت في منطقة السلمية في حلب على أن يكون طاقة المعمل الإنتاجية 3 ملايين طن سنوياً، إضافة إلى تأهيل السدود المتأذية بسبب الحرب سد الفرات والبعث وتشرين وتأهيل محطة الخفسة في حلب ومحطتي تصفية المياه في اللاذقية وحماة. وبحث ملتقى رجال أعمال روس وسوريين مطلع مارس/آذار 2018 فرص الاسثتمار وإقامة مشاريع روسية في سورية وقد توصل الطرفان إلى اتفاق على خارطة تعاون اقتصادي يتيح إقامة مشاريع واستثمارات في سورية تحقق لها فائدة اقتصادية([35]).

ما ذُكر آنفًا من تداخل في المصالح بين روسيا وإيران في قطاعات النفط والغاز والفوسفات وإعادة الإعمار قد يؤدي إلى تطور التباين لخلافات بين البلدين على اقتسام التركة، وهذا من شأنه أن يقود بلا شك إلى حالة من عدم الاستقرار في الهيمنة الإيرانية على الاقتصاد السوري.

مآلات التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية

يبقى مستقبل النفوذ الاقتصادي لإيران في سورية أمام اتجاهين سياسيين، أحدهما متنامي والآخر متضائل مع ترجيح الاتجاه الأول على الثاني بسبب ما تشهده الأزمة السورية من تطورات أدت لتزعم روسيا المشهد وهندستها للحل على مقاس النظام السوري.

السيناريو الأول: الاتجاه المتنامي (مرجح): إذ تعتزم روسيا عبر سياساتها الداعمة للنظام بالذهاب بالحل العسكري إلى آخره لفرض سياسة أمر واقع على المعارضة وتخرجها من كافة دوائر التأثير المحتملة كما هو جرى في حلب ويجري في الغوطة، وتسير في نفس الوقت بالشق السياسي عبر رعاية مؤتمر "أستانة" الذي أقر اتفاقيات "خفض التصعيد" ومؤتمر " الحوار الوطني" الذي أقيم في سوتشي في 30 يناير/كانون الثاني 2018 بهدف تضمين شروطها في أي إطار سياسي محتمل للحل ومستقبل سورية.

 ووفقاً لهذا الاتجاه ستستمر طهران في تدعيم تموضعها الاقتصادي في سورية عبر عدة أدوات تمتلك القدرة على التكيف مع تطور أي مؤشرات من شأنه ضبط او تحجيم هذا التموضع، كمؤشر تحول التباينات الروسية الإيرانية إلى خلافات وتناقضات، او معطيات عدم القدرة على تجاوزها التحديات الاقتصادية التي تواجه سورية في المرحلة المقبلة بحكم اقتصادها المستنزف والمنهك من العقوبات الدولية والأزمات الإقليمية([36])، وتحسباً لتنامي مؤشرات دولية رامية لمحاصرة طهران. وتتمحور هذه الأدوات حول ثلاث سياسات، الأولى: تعميق شروط سيطرتها على طرق وشبكات الإمداد والمواصلات الحيوية في سورية عبر وكلاء محليين استطاعت تشميلهم بمسمى القوات المسلحة كاللواء 313 وقوات الدفاع المحلي، والسياسة الثانية تتركز على الاستثمار في النفوذ الإيراني ليكون نفوذاً إدارياً واقتصادياً واجتماعياً على كافة المناطق التي تسيطر عليها، عبر تشكيلها لمجالس محلية تدين بالولاء المطلق لها ودعمها بكافة استراتيجيات الاستجابة المستعجلة والتنمية المستقرة، والثالثة الاستمرار في محاولة المزاحمة على الاستثمار في القطاعات الكبرى في سورية.

وفي ظل تلك الأدوات المتفرعة، يبقى خيار "حُسن التمكين الاقتصادي المحلي" في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة أو تلك التي تشهد اتفاقات هدنة هو الخيار الأبرز لمواجهة هذا التموضع وحصره بمناطق النظام، وبالرغم ما تعيشه تلك المناطق من تحديات صعبة ومركبة إلا أنه السبيل الذي مهما تعثر فإنه يتوجب القيام به، وعليه يمكن الدفع بالآتي: أن تكون الإدارة هذه المناطق وفق نظام لا مركزي تُبقي أدوات التحكم بيد المجالس المحلية والهيئات الإدارية التابعة لأجسام المعارضة، وتعزيز سياسات الحكم الرشيد الأمر الذي سيعزز ثقة المجتمع الدولي كمؤسسات فاعلة قادرة على إدارة شؤونها وتلبية احتياجات السكان فيها؛ وتكوين نموذج سياساتي اقتصادي تقوم دعائمه على الآتي:

  • تبني سياسات اقتصادية على المدى القصير تضمن خلق فرص عمل في الأنشطة الاقتصادية المتنوعة تصب في فكرة الإنعاش المبكر وتنمية سبل العيش، وتوجيه الأموال الممنوحة من الهيئات والمنظمات والدول المانحة إلى مشاريع تنموية ذات نفع عام تعزز الإنتاج في القطاعات المختلفة وبالأخص الزراعة، للمساهمة في استقرار الأثمان الداخلية بالشكل الذي من شأنه تحسين مستويات المعيشة وخفض معدلات الفقر؛
  • تعزيز دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة للمساهمة في النشاطات الاقتصادية بالمجتمع عبر دعمها وتمويلها وتشجيعها للدخول في القطاعات المختلفة؛
  • تصميم برامج إعادة إعمار وفق حوافز جاذبة لرأس المال المحلي والأجنبي تتضمن أدوات استثمارية وعقود المختلفة من بينها العقود المتنوعة لـ (بناء، تشغيل، نقل) وتسويقها لدى الجهات المتخصصة للبدء في صيانة البنية التحتية والخدمات الأساسية المختلفة تضمن استقرار السكان في المناطق المعنية في المرحلة المقبلة؛
  • تطبيق سياسات اقتصادية للحد من تجار الأزمة واقتصاديات العنف عبر الحوافز السلبية التي تحد من نشاطات تلك الفئة من التجار؛
  • تبني استراتيجية اقتصادية بعيدة المدى تتضمن تأسيس مؤسسات متنوعة تقوم على مبادئ الشفافية والنزاهة لجذب رأس المال الأجنبي للاستثمار في الأنشطة المختلفة، ومن بين المؤسسات الاقتصادية الموصى بتأسيسها: سوق أوراق مالية، بنك مركزي، مكتب إحصاء مركزي، مكتب حماية المستهلك، مكتب المصدرين، هيئة الاستثمار؛
  • تعزيز التشاركية الاقتصادية بين الهيئات الإدارية والسكان تهدف لترسيخ أسس التعاون في البناء والتشغيل وتحميل مسوؤلية الاستقرار للجميع والاستثمار الأمثل للموارد، والعمل على اعتماد سياسات اقتصاد المعرفة الكفيلة بتمكين الفرد والاهتمام بالتعليم والصحة.

السيناريو الثاني: الاتجاه المتضائل (ضعيف): بمقتضى هذا الاتجاه ستؤدي المفاوضات المستمرة في جنيف وغيرها بين وفدي المعارضة والنظام السوري إلى اعتماد القرار 2254 المنبثق عن مجلس الأمن حول الأزمة السورية، والذي أكد على سيادة واستقلال ووحدة سورية انسجامًا مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة. والتأكيد على أن الحل في سورية يقوم فقط من خلال عملية سياسية شاملة بقيادة سوريّة تلبي تطلعات الشعب السوري المعني الوحيد بإقرار مستقبل بلاده ضمن التطبيق الشامل لبيان جنيف الصادر بتاريخ 30 يونيو/حزيران 2012 المتضمن قيام جسم انتقالي شامل، بصلاحيات تنفيذية كاملة يجري تشكيله على أساس التوافق المتبادل بالتوازي مع ضامن استمرار عمل المؤسسات الحكومية([37]). وعليه ستبقى النظم اللامركزية (إعادة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات ما بين الطرف والمركز) هي الإطار الأكثر مرونة لترميم الشروخات الحاصلة في كافة القطاعات والمستويات السورية، إلا أن افتراض ظهور جسم برلماني وحكومة مستقبلية يغلب عليها الدافع الوطني الرافض والمعارض للهيمنة الإيرانية على الاقتصاد والموارد السورية، يجابه عدة احتمالات منها:

  1. الرضوخ لإيران والامتثال للعقود والاتفاقات الموقعة بسبب "قانونية" تلك العقود من جهة، والديون والأعباء المترتبة على ذمة الدولة السورية من جهة ثانية؛ أو التعامل مع التموضع الإيراني في سورية بسياسة الأمر الواقع واتباع براغماتية في العلاقة معها عبر الوعي اللازم بضرورة التأثير على العقود والاتفاقيات الموقعة سابقاً من خلال إصدار قوانين وتشريعات معينة تحد من استنزاف الموارد الطبيعية. والتخلص من احتكار الشركات الإيرانية عبر فتح الأسواق وتشريع المنافسة وإدخال شركات أجنبية أو تأسيس شركات وطنية بغرض التضييق على المستثمر الإيراني وإضعافه. إضافة إلى تشريع رسوم وتعريفات جمركية جديدة على البضائع الإيرانية الداخلة إلى الأسواق كنوع من الالتفاف على الاتفاقيات التجارية الموقعة مع النظام السوري والتي خفضت الرسوم الجمركية على السلع الإيرانية إلى 4%، وكذلك زيادة الصادرات السورية إلى إيران لتعديل الميزان التجاري وجعله مائل لصالح سورية بشكل أو بآخر.
  2. أما الاحتمال الآخر مع كونه الأكثر ثورية على إيران إلا أنه يبدو مستحيلا في ظل التشبث الإيراني بسورية، ويكمن عبر إصدار تشريعات وقوانين تعارض التموضع الإيراني في الاقتصاد السوري بالمطلق برفض العقود والاتفاقات والامتيازات الممنوحة لها واعتبارها غير شرعية. وأن إيران استغلت ظروف الحرب للتعامل مع نظام متهم بأبشع وأكبر أزمة في التاريخ للحصول على تلك المكاسب. وإصدار تهم لإيران عبر محاكم وطنية تؤسس لهذا الغرض على جرائمها في سورية وجعلها ورقة لمقايضتها بعقودها واتفاقاتها المجحفة، ومن ثم جدولة الديون والفوائد المترتبة عليها على سنوات لسدادها بالطريقة المناسبة.

الخاتمة

تمكنت إيران عبر سياساتها الصلبة في سورية منذ 2011 من بسط هيمنتها على النظام السوري واستلاب اقتصاد الدولة عبر توقيع الاتفاقيات والعقود في قطاعات الإنتاج المختلفة، ضامنة حصص مهمة في الثروات السيادية لسورية لقاء دعمها المالي وديونها المترتبة على الدولة السورية. حيث نقلت إيران تموضعها الاقتصادي بسورية من علاقات مترهلة وضعيفة تعاني من مشاكل هيكلية عديدة قبل 2011 إلى سيطرة وتحكم بالاقتصاد السوري بعد انطلاق الثورة عززت من خلاله التبادل التجاري ورفعت من مساهمة الاستثمارات الإيرانية في مجالات الطاقة والاتصالات والتجارة. وتمكنت من وصل طهران بدمشق عبر طريق بري ستتمكن من الانفتاح على أسواق المنطقة وبالتالي تعزيز صادراتها غير النفطية، كما حصلت على نافذة بحرية على المياه الدافئة في المتوسط ستعمل من خلالها على إيصال الغاز الإيراني إلى الأسواق الأوروبية.

لقد كان العام 2017 عام قطاف ثمار تدخل إيران العسكري ومساندة النظام السوري. ففي مطلع العام 2017 وقعت طهران ودمشق خمس اتفاقات تضمنت استثمارات مهمة في الطاقة والصناعة والزراعة والثروة الحيوانية وميناء في اللاذقية، فضلا عن عقود إعادة الإعمار حيث كانت إيران أكبر المشاركين في معرض إعادة الإعمار والمعرض التجاري.

تُظهر مآلات التموضع الاقتصادي لإيران في سورية بعد تلمس ملامح المرحلة المقبلة وفق سيناريو متنامي ومرجح الحدوث تقوده الهندسة الروسية عسكرياً وسياسياً، أن الهيمنة الإيرانية بأضلاعها الثلاثة (سياسي، عسكري أمني، اقتصادي) في سورية قد اكتملت وستكون في مأمن ببقاء نظام الأسد على رأس أي سلطة مقبلة بفضل المساعي الروسية. ولكن على الرغم من هذا فلا يبدو أن المشروع الإيراني سيكون بدون منافس أو أن الساحة خالية تماماً لها، فروسيا الساعية إلى إعادة أمجادها عبر البوابة السورية استأثرت بحصة الأسد من أغلب الاستثمارات التي قد تتداخل جغرافياً مع إيران وهو ما قد يؤدي إلى احتدام التنافس بين البلدين على الثروات السورية، فضلا أن أي حل سياسي يخلو من استبعاد الأسد لن تشارك  الدول الغربية وأمريكا بموجبه في تمويل إعادة الإعمار( وفق لتصريحاتها حتى الآن)، وأمام ما يوجه إيران من أزمات اقتصادية وعقوبات أممية فإن قدرتها على تطبيق العقود والاتفاقيات الموقعة ستخلو من آليات التنفيذ، سيكون التوجه نحو تنوع أدوات السيطرة الاقتصادية لتغدو محلياتية شكلاً ولصالح طهران وظيفةً وتحصيل.


 

([1]) تعد سورية حليف إيران الثابت منذ العام 1979 ارتبطت بها عبر مشروع "المقاومة والممانعة" وهي رابط جغرافي حيوي مع حزب الله في لبنان، كما أنها الخط الأمامي لإيران كما اعتبر المسؤولون الإيرانيون وعلى رأسهم خامنئي الذي أقر أيضًا بأن سقوط نظام بشار الأسد سيحطم الجبهة الإقليمية والاستراتيجية للدفاع عن نظامه. انظر كريم سجادبور، "إيران حليف سورية الإقليمي الوحيد"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط،  9 يونيو/حزيران 2014. الرابط: https://goo.gl/fkVcGx

([2]) صحيفة الوطن السورية، "بدء تطبيق رسوم جمركية 4% على صادرات سورية إلى إيران"، 13 يونيو/حزيران 2016 رابط: https://goo.gl/6dffVb

([3])  تامر البدوي، "العلاقات الاقتصادية بين إيران والنظام السوري: مؤشرات الاختلال"، مركز الجزيرة للدراسات، 2 يوليو/تموز 2015. رابط: https://goo.gl/uVx38c

([4]) Trade balance between Syrian and Iran from 2007 to 2017, Financial Tribune, 28 November 2017 link: https://goo.gl/HaruUH

([5])   World Integrated Trade Solution, Syrian Arab Republic 2010 Export Partner Share in 2010, link  https://goo.gl/WVF2d4

([6])  سلام السعدي، "إيران وروسيا تغيران خارطة سورية الاقتصادية"، العربي الجديد، 15 مايو/أيار 2014. رابط: https://goo.gl/SNA4ZT

([7])  "الاستثمارات في سورية لعام 2008"، تقرر الاستثمار الثالث في سورية، رئاسة مجلس الوزراء، هيئة الاستثمارات السورية، عام 2008، صفحة رقم: 26

([8]) التقرير السنوي الخامس للاستثمار لعام 2010، مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر المشملة خلال الفترة بين 1991 – 2010، هيئة الاسثمار السورية، صفحة رقم 64

([9]) من بين تلك الاتفاقات: الاتفاق التجاري الموقع عام 1996 والذي دخل حيز التنفيذ في عام 2002 وينص على عدم التمييز بين سلع البلدين ذات المنشأ الوطني، واتفاق حول تجنب الازدواج الضريبي واتفاقية التجارة التفضيلية الموقعة في 2006 واتفاقية لتأسيس مصرف سوري إيراني مشترك، واتفاقية منطقة التجارة الحرة السورية الإيرانية 2010 التي تهدف إلى تخفيض الرسوم الجمركية والضرائب على كل السلع المتبادلة بين البلدين خلال مدة خمس سنوات وبشكل تدريجي.

([10]) كما حصل مع شركة "صنعت" لتنفيذ معمل الاسمنت في حماة في بداية استلامها العقد في العام 2006 وشركة أزراب لتجديد محطة بانياس الكهربائية، وتشييد 50 ألف شقة في عدرا بريف دمشق وإنشاء سكك حديد من إيران إلى سورية ومد خط أنابيبن يصل من العراق إلى سورية وتأسيس شركة ملاحة مشتركة بين البلدين وبناء مدينة صناعية قرب حمص، وتوريد شركة "أميران" 1200 حافلة نقل داخلي، زمان الوصل، ويكليكس: مشروعات إيران في سوريا... كثير من الوعود والاتفاقات، قليل من التنفيذ 26 أبريل/نيسان 2013، رابط: https://goo.gl/6R12GV

([11])جريدة الثورة السورية، 18 أغسطس/آب 2010، "100 مشـروع استثـماري ومصـرف وشركة طيران مشتركة واتفاقية للتجارة الحرة نهاية 2010"، رابط: https://goo.gl/Hi7kkZ

([12])  الجزيرة نت، "الكشف عن دور إيراني بسورية" 28/5/2011. رابط: https://goo.gl/n79SDK

([13]) تم تدشين الطريق البري بين إيران ولبنان، مرورًا بالعراق وسورية بعدما صار سالكًا في منتصف ديسمبر/كانون الأول على شكل خطين: طريق قصر شيرين الإيرانية ــ ديالى ــ البعاج العراقية وصولاً إلى دير الزور السورية وتحديدًا عبر نقطة البادي الحدودية مع العراق، ثم الطريق السوري البري مع شرقي لبنان لناحية منطقة الهرمل ــ القاع عبر معبر جوسية. العربي الجديد، 15 ديسمبر/كانون الأول 2017 رابط https://goo.gl/ufphCc

([14])  سيريا ستيبس، "الاتفاقية السورية الإيرانية تؤمن سوقًا لم يستثمره المصدرون السوريون من قبل"، 25 أبريل/نيسان 2012، رابط: https://goo.gl/Vv24wA

([15])   تامر البدوي، العلاقات الاقتصادية بين إيران والنظام السوري: مؤشرات الاختلال، مرجع سابق.

([16]) Naresh Amrit, Syria’s transit future: all pipelines lead to Damascus? Open Oil, 28 March 2012, Link: https://goo.gl/4bEwse

([17]) أنابيب الغاز الطبيعي.. أدوات الصراع الخفي في الشرق الأوسط، الخليج أونلاين، 28 شباط/فبراير 2016، رابط: https://goo.gl/vqseuy

([18]) كريمة عدنان، "الاستثمارات الإيرانية في سورية وأهمية القلق الأمريكي"، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017، صحيفة الحياة، رابط:   https://goo.gl/BCpyY2

([19]) تقع مناجم خنيفيس على بعد 60 كم جنوب غرب مدينة تدمر، وتعد من أكبر مناجم الفوسفات في سورية، إلى جانب مناجم الشرقية التي تقع على بعد 45 كم جنوب غرب تدمر. وقدرت الكثافة الإنتاجية للمنجمين، في 2009، حوالي 2650000 طن منها 800000 طن من منجم خنيفيس، و 1850000 طن من منجمي “الشرقية أ و ب”. يُشار أن سورية جاءت في المرتبة الخامسة على قائمة مصدري الفوسفات في العالم في 2011 ومن بين الدول المستورده للفوسفات السوري الهند وروسيا ولبنان ورومانيا واليونان. للمزيد حول ثروة الفوسفات في البادية السورية راجع الدراسة التالية https://goo.gl/PLfE8G

([20]) The Syrian Report, Iranian Credit Line to go to Power Sector, 21 January 2013, link: https://goo.gl/5Gpbeb

([21]) The world bank, The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria, 10 July 2017.

([22]) Reuters, Iran grants Syria $3.6 billion credit to buy oil products, 31 July 2013. Link: https://goo.gl/xqSd9o

([23]) عنب بلدي، إيران تورد مليوني برميل من النفط الخام إلى سورية، 7 مايو/أيار 2017 رابط: https://goo.gl/dKxecu

([24]) Reuters, Syria ratifies fresh $1 billion credit line from Iran, 8 July 2015, link: https://goo.gl/JH2RHT

([25]) Tasnim News Agency, Iran Signs MoU to Repair Syria’s Power Grid, 13 September 2017, link:  https://goo.gl/8Z511d

([26])  سيريانيوز، ترليونا ليرة قيمة مشاريع الكهرباء الموقعة مع روسيا وإيران في الـ2017، 19 ديسمبر/كانون الأول 2017، الرابط: https://goo.gl/UYp8wG

([27]) Reuters, Iran's Revolutionary Guards reaps economic rewards in Syria, 19 January 2017, link: https://goo.gl/vCNAxH

([28]) الاقتصادي، "استثمارات روسيا في سورية نحو 19 مليار دولار"، 5 مايو/أيار 2014. رابط: https://goo.gl/h1xNaD

([29])  الشرق الأوسط، "روسيا وإيران في سوريا... الصراع الخفي تحت سقف التحالف"، 22 ديسمبر 2016 رابط: https://goo.gl/EXsmEd  

([30]) أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري روغوزين أثناء زيارة لوفد اقتصادي روسي إلى سورية ولقاءه بالرئيس السوري بشار الأسد في 18 كانون الأول/ديسمبر 2017 إن روسيا الدولة الوحيدة التي ستعمل في قطاع الطاقة السوري وإعادة بناء منشآته التي تضررت جراء الصراع.

([31])  تراجع إنتاج النفط الذي يسيطر عليه النظام السوري من 380 ألف برميل عام 2010 إلى أقل من 10 آلاف برميل خلال سنوات الثورة.

([32]) اكتشفت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الساحل الشرقي للمتوسط يحتوي على مخزون هائل من الغاز يقدر بـ700 مليار متر مكعب إضافة إلى النفط الذي قدرت كميته بـ1.7 مليار برميل نفط. كما تم اكتشاف حقل غاز في منطقة قارة قرب حمص تقدر كميته بـ437 مليار متر مكعب.

([32]) سيرياستيبس، "الاتفاقية السورية الإيرانية تؤمن سوقًا لم يستثمره المصدرون السوريون من قبل"، 25 أبريل/نيسان 2012، رابط: https://goo.gl/Vv24wA

([33]) عبد الرزاق عدنان، حكومة بشار تمنح روسيا تسهيلات جمركية.. والتنفيذ بداية العام 2018، 19 ديسمبر/كانون الأول 2017، العربي الجديد، رابط: https://goo.gl/Lqfj1j

([34]) روسيا اليوم، ملياردير روسي يبدأ الاستثمار في فوسفات سوريا، 27 يونيو/حزيران 2017، رابط:  https://goo.gl/zDDJQK

([35])  السورية، مزيد من المشاريع الاقتصادية لروسيا في سورية يمنحها حضورا واسعا في إعادة الإعمار، 1/3/2018، رابط: https://goo.gl/xLUyp8

([36])  هناك عدة تحديات قد تواجه سورية في المرحلة المقبلة منها سياسية تتعلق بالتوافق بين الأطراف كافة والذي من شأنه أن ينهي القتال ويؤسس لمرحلة انتقالية بتم التوافق عليها بين النظام والمعارضة، وتحديات اقتصادية ناجمة عن ضخامة الأضرار الاقتصادية التي ألحقتها الحرب وتكاليف إعادة الإعمار المقدرة بين 200 -500 مليار دولار وفق ما أعلن في الملتقى السوري الروسي لرجال الأعمال ملطع مارس آذار 2018، وهناك تحديات أمنية متعلقة بنزع السلاح من الفصائل واستتباب الأمن ومنع تدحرج الأوضاع نحو الاقتتال مرة أخرى.

([37]) الجزيرة نت، قرار مجلس الأمن رقم 2254 بشأن سوريا، رابط: https://goo.gl/tqGtrx

الملخص التنفيذي

  • استطاعت موسكو أن تلغي "منطق السيطرة" من حسابات المعارضة ومكّنت نظام الأسد عسكرياً في معظم مناطق ما عرف بـ"سورية المفيدة".
  • ازداد تبلور مناطق سيطرة دولية واسعة تجعل "عنصر السيادة" الذي يبحث عنه النظام ومن خلفه الروس عنصراً بعيد المنال، فالتموضع الصلب والانخراط المتزايد للفواعل الدولية والإقليمية في سورية جعل أي مكتسب سياسي بعيداً بسبب تضارب الرؤى والتوجهات ما بين هذه الفواعل.
  • لم يستطع مسار الأستانة إنجاز اتفاقات خفض التصعيد بمفرده وعبر الاستناد على الحركية الأمنية فقط، على الرغم من مساهمته في تحجيم أدوار الصراع الوطني. ولم يفلح أيضاً في تحجيم حدود تأثير ونفوذ تلك الدول التي إن توافقت أمنياً في البداية لكنها أظهرت تباينات سياسية واضحة في أهدافها. كما لم يُقلل من خيارات المعارضة المسلحة بل ازدادت نتيجة توسع نفوذ تركيا التي اتكأت على الأستانة كإطار مرجعي لانخراطها الأخير في الشمال.
  • تُشكل الجبهة الجنوبية بما تحويه من تطورات محتملة اختباراً جدياً للترتيب العسكري العام في سورية. فبالإضافة إلى تعاظم أسباب "تحجيم طهران" وإبعادها عن هذه المنطقة، يُتوقع ظهور متغير في الجنوب مرتبط بتطور نوعي شهدته تفاعلات تلك الجبهة ألا وهو العبث الإيراني الأخير في معادلات أمن الإقليم وجرها لإرهاصات حرب كبرى مع إسرائيل. وبذات الوقت تتزايد التطورات العسكرية الدافعة لتجهيز عمل عسكري مرتقب من قبل فصائل المعارضة من أجل تغيير موازين القوى وإعادة ترتيب الأوراق خاصة مع تقدم قوات الأسد في الغوطة الشرقية وتوقع تحركه بعدها نحو درعا.
  • يمكن اعتبار منطقة شرق النهر منطقة تتصلب فيها التموضعات الأمريكية وتتعزز فيها مؤشرات استمرار المناوشات الروسية. إذ عملت واشنطن مؤخراً على تعزيز قدراتها العسكرية في عشرة مواقع بالمدفعية الثقيلة والمروحيات والمقاتلات والمدرعات تمهيداً لمواجهات محتملة على عدة جبهات أهمها دير الزور ومنطقة التنف شرقي سورية. بالمقابل لا تزال موسكو تنوي الاستمرار في تمكين سلطة الأسد على كامل الأراضي السورية ويستوجب هذا منها الاستمرار في المناوشات التي تهدف تجاوز اتفاق "شرق وغرب النهر" وجر الـPYD لمفاوضات مع النظام لإعادة ترتيب التفاهم على المنطقة وفق منطق "سيادة الدولة". والثابت من خلال هذه المناوشات هو استمرار فرضية الحرب الباردة بين الروس والأمريكان.
  • يُتوقع أن تحتوي معادلات فرضية وضرورة إعادة الترتيب على المعطيات التالية: استدامة التواجد الأمريكي في سورية وبقاء امتلاكها لعنصر تعطيل الحركية الروسية؛ واستمرار اختبار ضبط النفس في الجنوب السوري؛ وضوح طبيعة التموضع التركي في معادلة علاقتها مع واشنطن وموسكو؛ توفير أطر أمنية جديدة تستوعب هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية الأجنبية في سورية. وأمام هذا الافتراض يكون المشهد السوري قد اقترب من تجاوز "الصراع المحلي" ونقله كلياً للمستوى الإقليمي والدولي والذي وإن كان مرتباً أولياً بتفاهمات واتفاقات أمنية، إلا أنها شديدة القلق ولم تعد صالحة لضبط التحولات الجديدة.

مدخل

يشهد الميدان السياسي والعسكري في سورية منذ مطلع عام 2018 جملة من المتغيرات والتحولات الطارئة بشكل يجعله مرشحاً لجولات ومستويات صراع متزايدة. ويعود ذلك بشكل أساس إلى تنامي النفوذ الدولي والإقليمي واحتمالية تزايد انخراطها في صراعات عابرة للصراع المحلي. فبعد أن ظنّ الروس أن باستطاعتهم التسيّد المطلق وإعادة الهندسة السياسية والعسكرية بما يتفق مع استراتيجية الكرملين، وجدت موسكو نفسها أمام ملف سِمَتُه الرئيسية السيولة المتنامية. كما لا تستند عملية إدارته فقط على المشتركات الأمنية وإنما ترتبط بالتوافق السياسي وهو ما يزال غائباً كقاعدة عمل بين الفواعل. لقد أدى ذلك الأمر أن يكون ضبط المشهد عملية عابرة لمنطق المكاسب ومتوافقة مع إدراك جذر الصراع وأسبابه في سورية. وطالما تغيب عن أجندة موسكو الحلول غير الصفرية ستبقى أسيرة لنهج العرقلة الإقليمية والدولية والذي بات أغلب الفواعل يتبعونه. ومن جهة أخرى تساهم خارطة التفاعلات العسكرية الدولية في وضع المشهد العام أمام جملة من الصراعات المؤجلة والتي لم تستطع المقاربات السابقة من تذليل أسبابها، مما يعزز من احتمالية أن تساهم في بعثرة الترتيبات التي جهدت موسكو في تحقيقها في سورية عبر تدخلها([1]).

وفي ذات الوقت الذي استطاعت موسكو أن تلغي "منطق السيطرة" من حسابات المعارضة ومكّنت نظام الأسد عسكرياً في معظم مناطق ما عرف بـ"سورية المفيدة". وباتت تتبلور في الجغرافية العسكرية مناطق سيطرة دولية واسعة تجعل "عنصر السيادة" الذي يبحث عنه النظام ومن خلفه الروس عنصراً بعيد المنال كونه المدخل الرئيس لإعلان "إنهاء الأزمة" وعودة "التمكين الكامل". وبمعنى أخر لا يمكن للصراع المتعدد الأوجه في سورية أن ينتهي لصالح الروس ونظام الأسد بمجرد تحجيم قوة المعارضة العسكرية، فاختلالات النظام العسكرية قبيل التدخل الروسي؛ ومنطق "إدارة الأزمة"؛ وتنامي مهددات دول الجوار، ساهم في تموضع صلب وانخراط فعال للفواعل الدولية والإقليمية في سورية. ويُنذر هذا التطور بجعل أي مكتسب سياسي بعيد المنال طالما أن تضارب الرؤى والتوجهات ما بين هذه الفواعل هو سيد الموقف.

 تحاول هذه الورقة التحليلية أن تتكئ على معالم ومؤشرات المشهد العسكري الراهن لتبحث في طبيعة التحولات الناشئة وتختبر مقولة "انتهاء الصراع العسكري" بمعناه العابر للصراع الوطني. كما تهدف الورقة إلى قياس آثار تلك التحولات على مدى التماسك الهندسي الروسي من جهة، وعلى الأطر العامة الناظمة "للملف السوري" ببعديه العسكري والسياسي من جهة ثانية، وعلى الترتيبات العسكرية ومدى قدرتها على استيعاب تلك التحولات من جهة ثالثة.

اتفاقات خفض التصعيد: ما بين التآكل والثبات الشكلي

في شهر آيار من عام 2017 أعلنت وزارة الخارجية الروسية عن اتفاق "خفض التصعيد" في سورية الذي يقضي بإقامة أربع مناطق آمنة بسورية، وتشمل وفق الإعلان أكبر منطقة لخفض التصعيد -محافظة إدلب وأحياء مجاورة في محافظات حماة وحلب واللاذقية. وتقع المناطق الثلاث الأخرى شمال محافظة حمص والغوطة الشرقية شرقي العاصمة دمشق، وفي جنوب سورية على الحدود مع الأردن، إلا أنه والملاحظ وفق بوصلة الحركة العسكرية الروسية (والمبينة بالشكل المجاور) أن هذه الاتفاقات كانت تكتيكاً والتفافاً مدروساً حتى يتسنى للروس والنظام من زيادة مساحات السيطرة في مناطق التأثير الجيوسياسي في سورية والتي عرفت بـ “سورية المفيدة" وذلك عبر تغليب أداتي الضربات الجوية وآليات الحصار وما سيتبعه من إفراغ لجيوب ومناطق المعارضة.

من جهة أخرى وفيما يتعلق بالوصول لاتفاقات خفض التصعيد فإنه وبعد قرابة العام وبالاستناد على الحركية الأمنية الناظمة لتلك المناطق يمكن تصدير النتائج التالية:

أولاً: عدم استطاعة الأستانة -كإطار ناظم-لإنجاز معظم هذه الاتفاقات.  ففي حين تم بلورة خرائط منطقة إدلب وترتيبات التفاعل التركي فيها في إطار الدول الضامنة، إلا أن باقي المناطق يتطلب دخول دول ليست من ضمن الدول الضامنة لإنجازها، كمصر ولا سيما فيما يتعلق بشمال حمص والغوطة الشرقية. وكانت تلك المناطقتين آنذاك ضرورة روسية لكي تدفع بمساقاتها السياسية بناء على هذا التثبيت الميداني بهدف بلورة إطار سياسي ناظم للعملية السياسية يخفف التكلفة السياسية للتدخل العسكري من جهة ويخطف من مسار جنيف وظائفه السياسية وإعادة تعريفها بما يتفق مع الرؤية الروسية. المثال الثاني يتمثل في الأردن والولايات المتحدة فيما يرتبط بترتيبات الجبهة الجنوبية والتي لاتزال تلقى معارضة أمريكية واضحة حيال حدود تواجد الميليشيات الإيرانية في هذه الجبهة. كما لا تزال أيضاً تشهد عبثاً إيرانياً مقصوداً في المعادلات الأمنية في تلك الجبهة مما يرجح انفجار هذا الترتيب الأولي.

ثانياً: غياب الفاعل الوطني عسكرياً لصالح الإقليمي والدولي وتداعياته العابرة للأستانة. فبالاستناد على طبيعة الانخراط الروسي بعد الأستانة عسكرياً، يتمثل التكتيك الروسي في تخفيف وتثبيت حدود التدخل الإقليمي عبر تكريس مفهوم الضامنين، فكان بحاجة لدور تركي يدفع الأخير لربط توجهاته في الملف السوري من بوابة التفاهم البيني على حساب تفاهم أنقرة مع واشنطن. ويساهم ذلك أيضاً في ضبط المشهد في الشمال السوري الذي يكتنفه العديد من العناصر المعقدة (كفواعل متنوعة وقدرات عسكرية نوعية وكثافات سكانية). كما كان بذات الحاجة وأكثر فيما يتعلق بترتيب علاقته مع طهران والتي تستوجب من الروس الاستثمار بمواردها البشرية في سورية. وبذات الوقت توفر الاتفاقيات لموسكو انخراطاً ايجابياً في هذه المعادلات بما لا يزمن الصراع ويجعله مفتوحاً كديدن طهران في كافة سلوكياتها. إلا أن هذا التكتيك المستند على مبدأ التفاهم الأمني الثلاثي خطوة بخطوة، وبرغم مساهمته في تحجيم أدوار الصراع الوطني –كما أعلنها بوتين في خطاب النصر في حميميم آواخر العام المنصرم-فقد عظّم من حدود تأثير ونفوذ تلك الدول والتي إن توافقت أولياً أمنياً إلا أنها ستظهر تباينات واختلافات سياسية واضحة. أنظر الخريطة (1) والتي تدلل على تنامي النفوذ والسيطرة الدولية.

خريطة رقم (1): مواقع السيطرة والنفوذ المحلي والدولي والإقليمي حتى 15آذار 2018

ثالثاً: احتفاظ المعارضة بمروحة خيارات نتيجة توسع نفوذ تركيا التي اتكأت على الأستانة كإطار مرجعي لانخراطها الأخير في الشمال السوري. فبعد نجاح تركيا بالتعاون مع الجيش السوري الحر في بسط نفوذها على منطقة درع الفرات وجعلها منطقة آمنة، تعمل -عبر بوابة تذليل المهددات الأمنية المشتركة وبالتوافق والترتيب القلق مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية-على توسيع المساحات الآمنة. وتقوم بذلك عبر الانخراط الصلب في منطقة عفرين أو عبر البدء بترتيب المشهد العسكري والأمني في إدلب من خلال نقاط وقواعد مراقبة وسياسة مخلخلة في صفوف هيئة تحرير الشام. ومن المؤشرات التي تدعم هذه الاستراتيجية ما شهدته الساحة من اقتتال بين هيئة تحرير الشام وهيئة تحرير سورية. كما يدلل هذا بشكل واضح على تزايد مكاسب أنقرة سياسياً وبالتالي معها أيضاً تحسن خيارات المعارضة الفاعلة في تلك المناطق سواء من زاوية ابتعاد معارك الحسم مع النظام أو من خلال تطبيق نماذج حكم مستقرة وشفافة ورشيدة. وسينعكس هذا بطبيعة الحال على أي إطار سياسي ينظم علاقة المركز مع الأطراف في سورية.

الجبهة الجنوبية: الاختبار الأكثر جدية لأي ترتيب عسكري قادم

رغم عدم اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية على ترتيبات الأستانة كمقاربة روسية إلا أنه يمكن تفهم واشنطن لتلك المقاربة من بوابة التأييد لتفاهم شرق النهر وغربه والذي لم يعارضه منطق الأستانة بشكل عام. ولكن عند شمول المنطقة الجنوبية ضمن خطة خفض التصعيد، احتاجت موسكو ظهور ضامن أمريكي لتحقيق هذا الاتفاق الذي لايزال يلقى معارضة من "إسرائيل" بحكم هواجسها الأمنية حيال التوغلات الإيرانية في حدودها الشمالية من جهة وبحكم تطلعات الروس والإيرانيين بالاستحواذ على تلك المنطقة من جهة ثانية.

وبالإضافة إلى أسباب تحجيم طهران وإبعادها عن هذه المنطقة، يتوقع ظهور متغير في الجنوب يُسهم في إعادة تشكيل وترتيب المشهد العسكري في سورية. ويرتبط ذلك بتطور نوعي شهدته تفاعلات تلك الجبهة التي مورس فيها ضبط دولي وإقليمي شديد القلق، ألا وهو العبث الإيراني الأخير في معادلات أمن المنطقة وجره لإرهاصات حرب كبرى مع إسرائيل. ويظهر ذلك خصوصاً بعدما اخترقت طائراتها من دون طيار لأجواء فلسطين المحتلة والرد المباشر من قبل الطائرات الإسرائيلية والتي تعاملت معها منظومة الدفاع الجوي للنظام وأسقطت إحدى تلك الطائرات. ويعتبر ذلك حدثاً نوعياً لم تشهده طبيعة الاختراقات والتدخلات الإسرائيلية التي كانت مداخلها عابرة للأزمة المحلية لصالح جعل غايات هذا التدخل متعلقة بتحجيم النفوذ الإيراني في الجنوب السوري وضرب تحركات التسليح الخاصة بحزب الله. وللعلم يذكر أن عدد الضربات الإسرائيلية منذ بدء الثورة وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة قد بلغ 79 ضربة([2]).

إذاً أضحى حديث "التوسع والتأثير الإيراني المتزايد في سورية وخاصة تواجد الميليشيات الإيرانية القريبة من الحدود الإسرائيلية السورية" أولوية بالغة الأهمية على جدول أعمال معظم الزيارات والرسائل المتبادلة بين تل أبيب وواشنطن. وقد ازدادت وتيرة هذه الاتصالات في المطالبة بتفعيل الاستراتيجية الأميركية بخصوص إيران المعلنة من قبل ترامب نهاية عام 2017 والقاضية بزيادة الضغط على إيران والحرس الثوري بسبب زعزعتها للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وتواردت المعلومات من المخابرات الأميركية والصور الفضائية عن إقامة قاعدة جديدة للحرس الثوري وقوات القدس في سورية صالحة لنشر صواريخ متوسطة وقليلة المدى، ناهيك عن وجود أنباء عن إقامة مصنع للصواريخ في جنوب لبنان. وعلى الرغم من تزايد المؤشرات الدافعة باتجاه حرب كبرى تريدها طهران بالدرجة الأولى إلا أن ملامحها الكبرى لا تزال مرتبطة بتفاهمات روسية أمريكية قد تفضي إلى ترتيب عسكري جديد سيكون عنوانه الأبرز دفع موسكو لممارسة الضغط على طهران لتغيير استراتيجيتها وهو أمرٌ بالغ الصعوبة روسياً بحكم العلاقة المصلحية التي تجمعها مع إيران في سورية، وبحكم إدراكها لطبيعة التوغل الإيراني في سورية.

من جهة أخرى، يُتوقع أن يشهد الجنوب السوري تطورات عسكرية خلال المرحلة المقبلة، في ظل ما تشهده من تجهيزات لعمل عسكري مرتقب من قبل فصائل المعارضة. إذ تؤكد التصريحات العسكرية لقادة الجبهة الجنوبية عن احتمالية عن تجهيز الفصائل لعمل عسكري بعد أن أصبح الجميع على قناعة مطلقة بالحاجة لتحرك يُغير موازين القوى ويُعيد ترتيب أوراق المنطقة، وخاصة مع تقدم قوات الأسد في الغوطة الشرقية، وتوقع تحرك النظام بعدها نحو درعا.([3]) كما يرتبط الجنوب بمدلولات التعزيزات الأمريكية في "قاعدة التنف" وإرسال الجيش الأمريكي 200 جندي إليها ارتباطاً وثيقاً خاصة أنها تأتي في إطار يتوقع أنها ضمن عمليات عسكرية يخطط لها في الجنوب السوري ضد الميليشيات الإيرانية، مع احتمالية امتداد هذه العمليات إلى منطقة البادية. وتُنبئ هذه التطورات بإمكانية فتح معارك بنسبة معقولة وهو أمر قد يزيد من اشتعال المشهد العسكري.

شرق النهر: ما بين التصلب الأمريكي والمناوشات الروسية

تقوم الإدارة الأمريكية (التي تشهد تبدلات متسارعة في مراكز صنع القرار فيها) بإعادة نشر قواتها في شرق سورية وذلك لتحقيق عدة أهداف منها التصدي للنفوذ الإيراني والاستمرار في محاربة تنظيم الدولة، ودعم قوات سورية الديمقراطية شرق النهر([4]).

كما عملت واشنطن مؤخراً على تعزيز قدراتها العسكرية في عشرة مواقع (هي قاعدتيها الجويتين وثمان نقاط لوحدات حماية الشعب تمتد من عين دادا غربا إلى رميلان شرقاً) تماهياً مع تصريحات البنتاغون "الحازمة" بأن عمليات التحالف الدولي التي تحمل اسم "العزم الصلب" مستمرة. وكان من المقرر أن تُنشر قوة حرس الحدود على طول الحدود السورية التركية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شرق نهر الفرات، وعلى الضفة الشرقية للنهر وصولاً إلى مدخل النهر إلى العراق وفي منفذ البوكمال الحدودي لإقامة نقاط تفتيش ونشر فرق مكافحة العبوات التي خلفها تنظيم "الدولة" في المناطق التي خسرها، ومهام أخرى. ووفقاً لعدة تقارير، فإن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "مايك بومبيو" (المرشح لوزارة الخارجية بعد تيرلسون) يعمل على تعزيز القواعد الأمريكية شمالي سوريا والعراق بالمدفعية الثقيلة والمروحيات والمقاتلات والمدرعات، وذلك تمهيداً لمواجهات محتملة على عدة جبهات وهي([5]):

  1. دير الزور: حيث تعمل القوات الأمريكية على تعزيز قدرات قوات سوريا الديمقراطية، وتمكينها من تشكيل حائط صد أمام قوات النظام وميلشيا "حزب الله" ومنعهم ن التقدم باتجاه الحدود السورية-العراقية.
  2. الحدود السورية العراقية في إقليم الأنبار: حيث تعمل القوات الخاصة الأمريكية على تشكيل تحالف من عشائر المنطقة، حيث لا يوجد مقاتلون أكراد يمكن الاعتماد عليهم في تلك المناطق.
  3. منطقة التنف شرقي سوريا: حيث تتمركز وحدة من القوات الخاصة الأمريكية ووحدة مهام خاصة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لمنع النظام وحلفائه من تشكيل قوة في تلك المنطقة الاستراتيجية. وقد تم تنفيذ عمليات نوعية ضد عناصر من الميلشيات الموالية للنظام، والتي حاولت الاقتراب من القوات الأمريكية فتم استهدافها وقتل خمس من عناصرها على الفور.

بالمقابل لا تزال موسكو تنوي الاستمرار في تمكين سلطة الأسد على كامل الأراضي السورية ولا سيما في منطقة شرق النهر الغنية بالموارد النفطية والمائية والزراعية. ويستوجب هذا منها الاستمرار في المناوشات التي تهدف تجاوز اتفاق شرق وغرب النهر من جهة، وضرورة جر الـPYD لمفاوضات مع النظام لإعادة ترتيب التفاهم على المنطقة وفق منطق "السيادة السورية"([6]). إذ حاولت موسكو والنظام التخطيط لهجوم 7 شباط (فبراير) الفاشل ضد قوات سوريا الديموقراطية ومعهم جنود أميركيين في شرق سورية، والذي ردت واشنطن عليه بالدفاع عن قواتها وإسقاط مئتي قتيل من شركة «فاغنر» الروسية. وفي مطلع الشهر المنصرم، أعلن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة أنه شن ضربات جوية على قوات موالية للنظام السوري في الريف الشرقي لدير الزور بين قريتي خشام والطابية، شرق نهر الفرات، حيث توجد مواقع نفطية مهمة على مسافة نحو ثمانية كيلومترات شرق نهر الفرات، الخط الفاصل لمنع الاشتباك، بعد "هجوم دون مسوغ" على قيادة قوات سوريا الديمقراطية. وأدت تلك العمليات إلى مقتل أكثر من مائة مقاتل من قوات النظام.

والثابت من خلال هذه المناوشات هو استمرار فرضية الحرب الباردة بين الروس والأمريكان بغض النظر عن الحجة والادعاء، فموسكو التي تسيّدت المشهد العسكري، يشكل التواجد الأمريكي عثرة في طريق هندستها للحل السياسي([7]). وفي ظل تفاهمات هشة تنظم العلاقة بين الأميركيين والروس في سورية، فإن من الصعب التنبؤ بمآلات التنافس على ورقة النفط والمعابر الحدودية وغيرها في سورية. لكن موسكو في كل الأحوال لا تبدي ارتياحاً للسيطرة الأميركية غير المباشرة على حوالي 80% من احتياطيات النفط السورية وفق بعض التقديرات، وهذا يجعل المشهد العسكري لا يزال مرشحاً لمتغيرات جديدة.

انخراط روسي متنامي ومكسبٌ لم يكتمل بعد

أعلن بوتين نهاية عام 2017 من قاعدة حميميم في طرطوس "نصره" على "أقوى الجماعات الإرهابية العالمية". وأمر ببدء سحب القوات الروسية إلى قواعدها الدائمة في روسيا، مع الاحتفاظ بقاعدة حميميم الجوية الروسية في اللاذقية وعلى منشأة بحرية في طرطوس "بشكل دائم". إلا أنه وبحكم انتفاء عناصر السيولة في المشهد السوري الذي يتم التعاطي معه بإغفال الأسباب المولدة للصراع، فإن هذا الانسحاب يُشكل حالة دعائية أكثر منها واقعية، وذلك وفقاً للمؤشرات أدناه:

أولاً: الاستمرار في الانخراط العسكري وبكثافة عالية. إذ يُدلل الانخراط الكثيف والنوعي للسلاح الروسي في سورية على أن الأمر لا يتعلق فقط باستعراض فائض القوة وتجريب تلك الأسلحة في الميدان السوري بغية جلب عقود بيع لتلك الأسلحة([8])، وإنما يدلل بشكل واضح أيضاً على عدم قدرة موسكو على تثبيت المشهد الميداني. وهذا تطلب منها زيادة مستوى الانخراط كما كان واضحاً في طلعاتها الجوية في الجبهات الشمالية ولاسيما في ريف حماه وإدلب والغوطة الشرقية كما هو موضح في الجداول أدناه:

ثانياً: التدخل المتزايد في بُنية "الجيش النظامي". لقد بَدت ملامح السيطرة الروسية على مفاصل النظام وقواته، أكثر وضوحاً في الشهور الأخيرة، بعد تدخلهم في إعادة هيكلة وزارة الدفاع وقيادة الأركان، وبعض الأجهزة الأمنية. وفي حين تبدو بعض التحركات الروسية مدفوعة بما يوصف بمكافحة "قضايا الفساد" لمعالجة الهدر الكبير في مخصصات القوات المسلحة السورية، فإن بعضاً آخر منها لا يبدو مفهوماً إلا في سياق تثبيت شبكة من الضباط السوريين الموالين لروسيا في أبرز المواقع العسكرية والأمنية الحساسة. ولعل الهدف الأبرز وراء هذا الانخراط هو ما نجم إبان حركية التدخل الروسي عبر افتقاد هذا الجيش لأهم عناصر التماسك والحفاظ على المكاسب وتلاشي آليات "المبادأة الاستراتيجية"، وبمعنى آخر تنامي الارتكاسات البنيوية داخل هذا الجيش وهو ما يجعل تكلفة التدخل الروسي سياسياً وعسكرياً في ارتفاع مستمر([9]).

رابعاً: رسوخ الحل الصفري في المخيال الروسي. على الرغم من نجاح موسكو بحرف اتجاه العملية السياسية في سورية من كونها عملية انتقال سياسي حقيقي إلى ترتيبات سياسية شكلية، إلا أن تعثر مسار سوتشي نسبياً كمسار أريد له أن يكون حوار سورياً يُفضي حلاً سياسياً يكون انعكاساً للمفهوم الصفري، وتحول هذا المسار الذي هوَّل له الروس إلى لجنة دستورية مقترحة أعادهم إلى مطلب الحسم العسكري. ويتضح ذلك خاصة بعد ظهور "اللاورقة" التي اعتمدتها الدول الخمسة قبيل المؤتمر، وهي وإن اتفقت مع الطرح الروسي في ترتيب خطوات العملية (كدستور وانتخابات) إلا أنها حرمت موسكو من السيادة المطلقة عبر ربط أي مخرج سياسي بدور فعّال للأمم المتحدة([10]). كما يدل هذا الأمر على أن الترتيب العسكري للمشهد السوري لم يكن بالقدر الكافي الذي يؤمِّن لموسكو التحكُّم المطلق بالمشهد السياسي، مما دفعها للعودة مجدداً لتثبيت الحل الصفري ميدانياً. ويُشير هذا أيضاً بشكل واضح إلى ملامح عودة روسية عابرة للاتفاقات وخاضعة لمعيار بسط السيادة. ويعتري ذلك الكثير من المدخلات التي يجعل تلك العودة تورطاً وانخراطاً متزايداً. انظر الجدول أدناه والذي يوضح حجم الغارات الروسية المنفذة على الأحياء المدنية في المحافظات منذ تدخلها. ويوضح الجدول أن الزخم في مطلع هذا العام هو الأشد بالنسبة للأعوام السابقة.

عمليات إعادة الترتيب والفواتير المحتملة

تؤكد معطيات المشهد العسكري على تبلور طموحات إقليمية ودولية ناشئة (انظر الجدول أدناه الذي يبين انتشار القواعد الأجنبية في سورية) تجعل هذا المشهد يدخل في مرحلة إعادة تشكل وترتيب جديد سواء بالاتكاء على فكرة ومفهوم الدول الضامنة أو عبر ترسيم جديد لحدود النفوذ الدولي. وسينعكس هذا الترتيب الجديد حُكماً (سلباً أو إيجاباً) على العملية السياسية التي دخلت مرحلة من السيولة المغرقة منذ جنيف 8 وما تبعها من تطورات ميدانية (عملية غصن الزيتون، محاولات إعادة ترسيم حدود منطقة إدلب، معركة "الإبادة" في الغوطة الشرقية، العبث الإيراني في الجنوب السوري)، وما رافقها أيضاً من هشاشة في بنى الفواعل السورية سواء المعارضة التي باتت جسماً مائياً يصعب ضبط توجهاته أو النظام الذي يجد نفسه غير قادر على رفق السيطرة العسكرية بسيطرة سياسية واجتماعية (كما يتخيل) وغير مؤهل لمواجهة استحقاقات مرحلة البناء وإعادة الإعمار.

 وفقاً لهذه المعطيات يمكن الاستدلال على تنامي فرضية وضرورة إعادة الترتيب، ويُتوقع أن تحتوي معادلاتها على المعطيات التالية:

  • استدامة التواجد الأمريكي في سورية وبقاء امتلاكها لعنصر تعطيل الحركية الروسية وهو ما سيفرض -بعد عدة محاولات روسية فاشلة في تحجيمه-مرحلة تطبيع وتكيُّف من قبل موسكو مع هذا المعطى ومحاولة جعله ذو آثار أمنية أكثر منها سياسية.
  • استمرار اختبار ضبط النفس في الجنوب السوري، وهو ما يتطلب تعاملات دولية حذرة وقلقة. وسيرتبط استقرارها المؤجل بمدى نجاح المجتمع الدولي في تنفيذ مهمته الصعبة في ضبط إيران التي استطاعت خلال سني الصراع من احتلال سورية أفقياً بشكل أتاح لها امتلاك عنصر العطالة.
  • وضوح طبيعة التموضع التركي في معادلة علاقتها مع واشنطن وموسكو، فتركيا التي بلغت مهدداتها الأمنية مبلغاً جعل الخيارات الصلبة هي المدخل الأكثر حسماً لتنامي تلك المهددات، ستكون ذات تأثير واضح في الشمال السوري خاصة بعد شبه اكتمال تحقيقها لأهداف غصن الزينون واستحواذها شبه المكتمل على الأجزاء الشمالية.
  • استمرار الثلاثي (موسكو وطهران والنظام) في منوال عمليات "بسط السيطرة" في مناطق دمشق ومحيطها وحمص وحماه وريف اللاذقية، وهو أمرٌ سيرتبط كثيراً بمدى ثبات التنافس الأمريكي الروسي وعدم تدحرجه لمربعات أكثر حدية، ويتعلق إلى حد ما بمدى تقبُّل بنى هذا الثلاثي لمعارك الاستنزاف.
  • توفير أطر أمنية جديدة تستوعب هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية الأجنبية في سورية. ويمكن لهذه الأطر أن تكون وفق الجبهات، لعل أبرزها نموذج لمنطقة غرب النهر في الشمال ويستوجب ترتيباً روسياً أمريكياً تركياً، ونموذج للجنوب السوري والبادية السورية ويستوجب ترتيبات أمريكية روسية بالدرجة الأولى وقد تطول بحكم التضارب المتنامي.

وأمام هذا الافتراض المستند على هذه المعطيات، يكون المشهد السوري قد اقترب من تجاوز "الصراع المحلي" ونقله كلياً للمستوى الإقليمي والدولي والذي وإن كان مرتباً أولياً بتفاهمات واتفاقات أمنية، إلا أنها شديدة القلق ولم تعد صالحة لضبط التحولات الجديدة. فبات هذا المشهد بحاجة لترتيب آخر وهذا ما سيؤثر حكماً على طبيعة المخرج السياسي العام من جهة، وأداور الفواعل المحلية وحدودها من جهة ثانية، وسيجد هذا المشهد نفسه أمام المعطيات التالية:

  • أدوار دولية متعاظمة في مرحلة ما بعد الصراع، واستحقاقاته المتعددة.
  • عدم قدرة تماسك النظم المركزية كأطر سياسية للدولة، وتبلور مفاهيم الحكم المحلي أو الذاتي.
  • هشاشة مستدامة في معادلات الاستقرار، التكيف مع مفهوم الدولة الفاشلة.

ختاماً

  بعد إمعان موسكو بترتيب وهندسة المشهد العسكري في سورية منذ أخرجت حلب الشرقية من معادلات الصراع وساهمت في بلورة مفهوم الدول الضامنة، ولايزال معيار الاختبار لمدى تماسك هذا الترتيب يشهد قلقاً متزايداً لم يفلح حتى الآن في ضبط المشهد العسكري وتخفيف عناصر السيولة التي تعتريه. فمن جهة أولى ورغم استطاعتها –بالتوافق مع عوامل أخرى- من إخراج الصراع من دوائره الوطنية وخلق مقاربات عسكرية جديدة خففت من قدرة قوى المعارضة المسلحة إعادة تبنيها لنهج السيطرة والاستحواذ، إلا أن الصراع الدولي بات أكثر وضوحاً ولايزال في مراحل ما قبل الترتيب النهائي لحدود التأثير والنفوذ، ومرجحاً لحقبة زمنية طويلة تتبلور فيها مظاهر الحرب الباردة على الأراضي السورية بشكل أكبر واحتمالية تحولها لصدامات مباشرة. ومن جهة ثانية عادت عوامل الاستعصاء لتظهر بقوة في أتون حركة العملية السياسية رغم نجاح موسكو في إعادة تعريف عناصرها الأولية بما يتفق مع مخيالها السياسي. ولم تستطع موسكو الاستفراد في هذا المجال وخطف مسار جنيف لصالح الأستانة أو سوتشي، بل تنامت مؤشرات عودة فعالية المجتمع الدولي عبر التأكيد على الدور الأممي كناظم رئيسي لهذا الحقل. كما يرتبط قياس "مؤشرات" انخفاض التكلفة السياسية والعسكرية للتدخل الروسي في سورية عبر تتبع مقدرة النظام وحلفائه على إرفاق السيطرة العسكرية بمفاهيم السيادة وتضمينها آليات عودة الحياة، باعتبارها الهدف المعلن وراء التدخل.


([1]) منذ 30 أيلول/سبتمبر 2015 (تاريخ بدء التدخل العسكري الروسي) تركزت معظم الضربات الجوية الروسية على مواقع المعارضة السورية بغية إخراجها من دوائر التأثير والفاعلية، كما عملت موسكو على إنشاء منطقة عدم تجوال في الأجواء السورية وإجبار طيران التحالف الدولي من التنسيق المباشر مع القوات الروسية قبل تنفيذ أي غارة، وذلك عبر نصب جهاز يعرف بـ Richag-AV الذي يتمتع بقدرة عالية على اعتراض الاتصالات والإشارات التي قد تُرسل إلى الصواريخ الذكية ومنها الباتريوت الأمريكي؛ كما قامت موسكو بإرساء سفينة حربية بالمياه السورية بالقرب من اللاذقية تحوي على مئات الصواريخ s300 العابرة للقارات ووفرت كمية كبيرة من الذخيرة والمستشارين والتقنيين لقوات النظام، وناهيك عن حماية وتثبيت المصالح المختلفة لدى روسيا بدءاً من الوجود العسكري وصولاً إلى الصفقات التجارية أو الدعم التقني لمشاريع غاز ونفط في البادية السورية، فقد حقق تدخلها تمكيناً عسكرياً للنظام في معظم مناطق (سورية المفيدة) وحصنت دفاعاته بالخط الساحلي من الشمال الى الجنوب.

([2])  موزعة على الشكل التالي (2012: 1، 2013: 6، 2014: 7، 2015: 16، 2016: 19، 2017: 26، 2018: 4)، آخر تلك الضربات كان فجر السبت 2018/2/10 على مطار "تي فور" إذ استهدفت الطائرات الإسرائيلية 6 أهداف إيرانية فقط، دون التعرض لأي من الاهداف داخل المطار سواء العائدة للنظام وهما "السرب 19 سوخوي24" و"السرب 827 سوخوي22م4" أو أي قطعة تتبع لقيادة اللواء الجوي "70" أو الدفاعات الجوية للنظام داخل المطار أو الأهداف التي تتواجد فيها بعض القوات الجوية الروسية. وحسب المصدر فإن الأهداف التي تعرضت للضربات الجوية الإسرائيلية: (-أربع عربات لإطلاق وقيادة -الطائرات المسيرة الإيرانية التي تمركزت في مطار "تي فور" في نهايات السنة الماضية 2017--المبنى الخاص بتواجد العناصر الإيرانية التي تعمل على هذه الطائرات-هنكار مبيت الطائرات المسيرة الإيرانية شمال شرق المطار-مستودع خاص بالقطع الفنية العائدة لهذه الطائرات المسيرة الإيرانية. للمزيد انظر: بالتفصيل.. الغارة الإسرائيلية استهدفت 6 مقرات إيرانية قبل إسقاط الطائرة، موقع زمان الوصل، تاريخ: 11/2/2018، الرابط: https://goo.gl/vWKAFE

([3])  ولعل العنصر الأكثر بروزاً في استراتيجية هذا التحرك يتمثل في معارك الطرق الرئيسية، إذ يخضع نحو 50% من مدينة درعا لسيطرة المعارضة، وكانت أحكمت سيطرتها على حي المنشية بمعظمه، لتنتقل المعارك إلى أطراف حي سجنة المجاور، خلال الأشهر التي سبقت اتفاق “تخفيف التوتر”، تموز 2017. وسيتركز العمل المرتقب على مناطق مختلفة من أوتوستراد درعا-دمشق، ساعية تلك الفصائل لحصار النظام في مدينة درعا، ثم التوجه نحو بلدة خربة غزالة، الواقعة تحت سيطرة النظام، ثم وصلها مع داعل والريف الغربي للمحافظة، وسط استعدادات للنظام الذي بدأت منذ السبت 10 من آذار، بتعزيز نقاطه الحدودية مع المعارضة داخل المدينة، وتحديداً في أحياء: شمال الخط، السحاري، المطار، الكاشف، السبيل، القصور. ويتوقع أن تمتد محاور العمل العسكري تمتد على طول أوتوستراد درعا-دمشق، من منطقة اللجاة باتجاه الوردات على أطراف بلدة محجة، من الجهة المقابلة للأوتوستراد، إضافة إلى منطقة البقعة على أطراف بلدة إزرع، والنجيح المتاخمة له، على أطراف اللجاة.

([4]) إجراء انتخابات برعاية أمريكية، وتوفير الدعم للسلطة المحلية من خلال تدريب الموظفين الحكوميين ودعم مشاريع إعادة الإعمار وتحسين قطاعات الخدمات العامة وإصلاح البنى التحتية، إنشاء جيش جديد قوامه 30 ألف مقاتل قوامه وحدات "قسد" التي تتشكل من الأكراد والعرب والسريان والتركمان الذين دربتهم الولايات المتحدة لشن العمليات الخاصة، وتكليفهم بمهام حفظ الحدود برعاية عسكرية أمريكية.

([5])  الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه سوريا تثير مخاوف إقليمية، موقع نور سورية /المرصد الاستراتيجي، تاريخ 18/2/2018، الرابط: https://goo.gl/FQht1A

([6])  للمزيد انظر: تطورات العلاقة بين الإدارة الذاتية والنظام وروسيا خلال عامي 2016 – 2017، ورقة بحثية صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 22/1/2018، الرابط: https://goo.gl/MGJNYR

([7]) قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن الوجود العسكري الأميركي في سوريا يمثل تحديا جديا في طريق التسوية السلمية للأزمة السورية والحفاظ على وحدة البلاد، للمزيد أنظر: هل بدأت روسيا وأميركا معركة شد الحبل بسوريا؟ موقع الجززيرة، تاريخ 8/2/2018، الرابط: https://goo.gl/FppXtC

([8])  14 ألف تجربة مختلفة لأنواع السلاح الروسي تمت في سوريا بعد التدخل العسكري لموسكو في سبتمبر 2015، فقد نفّذ هذا السلاح خلال سنتين 30 ألف طلعة جوية، شملت 90 ألف هجوم على الأرض، وخلال هذه الطلعات جربت مقاتلات (سوخوي 35) ومروحيات (مي-35) القتالية الحديثة، بدعم من منظومة الدفاع الجوي، واستخدمت لأول مرة طائرات (مي-8) و(مي-24) و(مي-28 أتس)، و(كا-25 التمساح)، وفي يونيو (حزيران) 2017، ظهرت مركبة الدعم الناري من طراز (BMPT-72)، لأول مرة خارج روسيا، وتحديدًا في قاعدة حميميم الروسية بسوريا، وكذلك جربت موسكو  منظومة دفاعها الجوي (إس-400 ترايمف)، ومنظومة (كراسوخا 4) المحملة على شاحنة كبيرة، كما سجلت طائرتا (أورلان وفوربوست)، دون طيار الروسية، أولى طلعاتهما الجوية القتالية في سوريا.

أما بالنسبة لسلاح البحرية، فقد استخدمت أحد أكثر السفن الحربية الروسية تقدمًا، وهي فرقاطة من نوع (بايرن كلاس 21631)، ووقعت تجربة هذا النوع من السفن الحربية في بحر قزوين، وحسب المعهد البولندي فقد «شاركت البحرية الروسية بأساطيلها المختلفة (المتوسط، الشمال، المحيط الهادئ، والبحر الأسود، والبلطيق)، وجرّبت للمرة الأولى حاملة الطائرات (أدميرال كوزنيتسوف) وغواصات (كيلو كلاس) وفرقاطات وسفن حربية. ومن خلال السفن الحربية الجديدة، جرّبت البحرية الروسية صاروخ (كاليبر) (إس إس إن 27) ومداه 2600 كليومتر، وأطلقت الغواصات صواريخ لتجربتها في الميدان السوري».

وجربت في سورية مقاتلات جديدة حديثة من طراز (سو- 35) و(سو- 34)، بالإضافة إلى (سو- 24) و(سو – 25) المزودة بمنظومات حديثة تعمل على زيارة مدى فعالية استخدام الأسلحة غير الموجهة، واختبرت روسيا صواريخ (كاليبر) المجنحة التي أطلقت من منصات إطلاق مختلفة بما في ذلك من غواصات (فارشافيانكا)، وكما أسلفنا أرسلت طائرات من الجيل الخامس المتطور (سو-57).

للمزيد انظر: ميرفت عوف: "وسط صمت دولي... كيف تحولت سوريا إلى حقل تجارب للأسلحة الروسية؟، موقع ساسة بوست، تاريخ:7/3/2018، الرابط: https://goo.gl/h2SZDX

([9])  رائد صالحاني:" الأركان والدفاع مع الروس... وحافظ مخلوف إلى الواجهة مجدداً"، موقع المدن، تاريخ 19/1/2018، الرابط: https://goo.gl/Dzuexx

([10]) ورقة غير رسمية بشأن إحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سورية”، كان هذا عنوان الورقة التي نتجت عن اجتماع باريس 23/1/2018 للدول الخمس: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، الأردن، وجرى تسريب مقصود للورقة صبيحة يوم 26/1/2018 ختام جولة فيينا للمفاوضات.

للمزيد انظر: ورقة الدول الخمس، تقدير موقف صادر عن موقع تطورات جنيف، تاريخ 12/2/2018، الرابط: https://goo.gl/vzSsjo

حديث الباحث ساشا العلو للتلفزيون العربي عن ملامح العودة الأمريكية للانخراط بفاعلية أكبر في الملف السوري وملفات المنطقة، واحتمالات التصعيد في المواجهة بين واشنطن وموسكو في سورية، وآثاره المحتملة على مآلات الغوطة الشرقية ومستقبل الحل السياسي على مستوى الملف السوري برمته..

 

مُلخّصٌ تنفيذيّ

  • تبدو حملة موسكو والنظام على الغوطة الشرقية مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض النظام بأنه الأقوى على الأرض، مستفيداً من فائض القوى الذي ولدته اتفاقات خفض التصعيد، وافتراض روسي مقابل باستمرار الولايات المتحدة في سياساتها المضطربة تجاه الملف السوري واقتصار دورها على شرق الفرات.
  • وقعت موسكو من خلال حملة الغوطة الشرقية في فخ التحول المباشر إلى طرف في الأزمة السورية بدلاً من فاعل دولي مساعد في الحل، وهو الدور الذي لطالما حاولت موسكو الإيحاء به، إضافة إلى تورط حليفها النظام في معركة طويلة الأمد قد تشكل حرب استنزاف لقواه وتعيد للعالم صورة النظام الدموي الذي يقتل شعبه، والتي حاول النظام وحلفاءه إخفاءها خلف ستار "حرب الإرهاب".
  • وضعت موسكو نفسها بين فكي كماشة أمريكية أوروبية تتيح لهم الفرصة للضغط على موسكو وتصفية الحسابات الموزعة على عدة ملفات عالقة بين الطرفين، الأمر الذي يُعَدُّ مؤشراً على أن ملف الغوطة الشرقية قد تجاوز حدودها الجغرافية إلى صراع دولي.
  • إن لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظة حاسمة ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار أثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على المواجهة بين النظام السوري وشعبه. وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حمل ضمناً رسالة مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران.
  • إن تفاعل المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاستراتيجي الأمريكي خصوصاً والناتوي عموماً، لم يكن في حسابات موسكو، والتي لجأت في محاولة لاستدراك آثاره إلى تحرك ورد فعل سريع في الغوطة.
  • في هذا المناخ المتوتر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، يمكن فهم تفرد موسكو الواضح بعملية الغوطة، مقابل حضور إيران الملتبس، بناءً على عاملين: رغبة موسكو باستعراض قوتها منفردة كند لواشنطن وتثبيت مناطق نفوذ خالصة لها دون تواجد إيراني. إضافة إلى سعي موسكو للتخفيف من حضور طهران لتجنب هذا التشنج الإقليمي (الإسرائيلي-الخليجي) والدولي اتجاه إيران وسلوكها في المنطقة، والاحتمالات المتزايدة للتحرك العسكري ضدها.
  • تشكل الغوطة الشرقية اليوم-بعد دير الزور-إحدى المحطات التي ستتوضح فيها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، ومقياساً لمدى جدية الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا والخليج العربي في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، والوصول إلى حل سياسي للأزمة يرسم مستقبل سورية بدون الأسد.

مدخل

بدأ النظام السوري مدعوماً بغطاء جوي ودبلوماسي روسي في 18 شباط/ فبراير حملة قصف جنونية طالت مدن وبلدات الغوطة الشرقية؛ استهدفت بنيتها التحتية وتسببت بمقتل المئات من المدنيين، تبعتها محاولات للتقدم البري تكبد فيها النظام خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. أثارت تلك الحملة ردود أفعالٍ دولية معارضة وحراكاً دبلوماسياً نشطاً لوقفها، تصدرته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسويد، وأفضى إلى استصدار القرار الدولي رقم: (2401)، والقاضي بوقف الأعمال العسكرية لمدة شهر وإدخال المساعدات الإنسانية، ولكن النظام وحليفه الروسي لم يلتزما بالهدنة وطرحا بديلاً يقوم على فتح معبر إنساني لخروج المدنيين، بيد أن أهالي الغوطة لم يستجيبوا لتلك الدعوات ورفضوا الخروج حتى الآن.

 وعلى الرغم من الحراك الدبلوماسي النشط أوروبياً وأمريكياً، والحراك الروسي المضاد في أروقة مجلس الأمن؛ إلا أن المشهد يكاد يخلو من أي دور إقليمي فعال دبلوماسياً، سواء على الصعيد الخليجي التركي، أو على المقلب الآخر حيث لا يلحظ أيضاً ثقل إيراني دبلوماسي وعسكري فعّال وواضح على الأرض، الأمر الذي يشير إلى أن الغوطة أصبحت ساحة للصراع الدولي؛ بين أمريكا وأوروبا من طرف وروسيا من طرف آخر، بشكل يجعل الفاتورة البشرية للضحايا مرشحة للارتفاع في الأيام القادمة، ويبقي مآل الغوطة ملتبساً وخاضعاً لعدة احتمالات تبعاً لقدرة أهالي الغوطة وفصائلها على الصمود أولاً، ومدى جدية المجتمع الدولي وقدرته على فرض وقف إطلاق النار وإجبار موسكو والنظام على الالتزام بالهدنة، حيث تشكل الغوطة اليوم اختباراً للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية وقدرتها على تحجيم الدور الروسي بشكل يعيد بثّ الحياة في مسار جنيف المعطل، ويعيد ضبط بوصلة الحل السياسي باتجاه بعيد عن الطموحات الروسية للتفرد به. وعليه تسعى هذه الورقة إلى رسم ملامح المشهد الدوليّ الجديد لفهم وتفكيك ما يجري اليوم في الغوطة الشرقيّة بشكلٍ خاص، واستشراف مآلات الحملة العسكرية عليها وأثرها على مسار الحل السياسي في ظل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه سورية. مقابل قراءة تحليلية على مستوى الملف السوري برُمّته، والذي دخل مرحلة جديدة وحساسة تشكل الغوطة الشرقيّة بوابتها، ويمكن تسميتها "مرحلة ما بعد الإرهاب".

أولاً: النظام وموسكو (المغامرة)

لا تبدو الحملة العسكرية التي يقودها النظام وروسيا على الغوطة الشرقية عملية مدروسة الأبعاد والعواقب، سواء على المستوى العسكري ومقاربة موسكو لسيناريوهات مناطق سورية أخضعتها سابقاً(حلب)، أو على المستوى الدبلوماسي الذي تمثل بفشل محاولات تبرير العملية وخلق غطاءٍ دوليّ لها. لذلك يمكن القول إن ما تقوم به قوات النظام وموسكو في الغوطة مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض النظام بأنه الأقوى على الأرض بعد التقدم الذي أحرزه في إدلب ودير الزور، مستفيداً من فائض القوى الذي ولدته اتفاقات خفض التصعيد، وافتراض روسي مقابل باستمرار الولايات المتحدة في سياساتها المضطربة تجاه الملف السوري واقتصار دورها على شرق الفرات، الأمر الذي يمنح موسكو المساحة الأكبر في ترتيب الأوضاع على الأرض بما يتناسب مع مصالحها ورؤيتها للحل السياسي. ويمكن الاستدلال على عامل المغامرة في هذه العملية من خلال مجموعة نقاط:

1.   غياب الذريعة

تجلت ذريعة النظام وموسكو المعلنة للهجوم على الغوطة بوجود عناصر إرهابية تتبع هيئة "تحرير الشام" في بعض مناطق الغوطة، ولكن إعلان فصائل الغوطة استعدادها لإخراج هذه العناصر أحرج موسكو، والتي عطّلت بدورها التفاوض حول خروج هؤلاء العناصر؛ لتتحول الذريعة إلى استهداف المدنيين في العاصمة دمشق بالقذائف من قبل فصائل المعارضة، وهو الأمر الذي يشير إلى مأزق موسكو في تغطية عملها العسكري وتقديم مبررات مقبولة لدى المجتمع الدولي لاستمرار حملتها على الغوطة وما ينتج عنها من مجازر يومية، خاصة وأن حجة "الإرهاب" لا تجدي نفعاً في حالة الغوطة، والتي تعترف موسكو بفصيليها الأقوى (جيش الإسلام- فيلق الرحمن)، حيث وقّعت معهما تتابعاً اتفاقاً اعتبرت بموجبه الغوطة منطقة خفض تصعيد. ولعل غياب الذريعة هو ما شكّل عاملاً مساهماً في تقوية المواقف الأمريكية الأوروبية ضمن مجلس الأمن، ودفع الدبلوماسية الروسية لتجنب المزيد من العزل الدولي في أروقة الأمم المتحدة، عبر عدم استخدام الفيتو في وجه القرار (2401)، مقابل تمريره بعد الالتفاف عليه وإفراغه من مضمونه وعدم الالتزام بتطبيقه.

2.   المقاربة الخاطئة

مقابل غياب الذرائع، فإن إشارة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ومندوب النظام في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، لإمكانية تطبيق سيناريو حلب في الغوطة الشرقية؛ يبدو مقاربة خاطئة وغير مدروسة، وذلك وفقاً لعدة عوامل تصب في صالح الغوطة لناحية عدم إمكانية سحب سيناريو حلب عليها، ولعل أبرز تلك العوامل:

  • المساحة والجغرافية: حيث تمتد الغوطة الشرقية على مساحة 110 كم2، في حين اقتصرت مساحة الأحياء الشرقية لحلب في السيناريو الشهير على 3كم2، بالإضافة إلى أن جغرافية الغوطة تتشكل من مدن وبلدات متفرقة ومترامية ومساحات مفتوحة من الأراضي الزراعية بشكل يضطر النظام إلى خوض نوعين من المعارك، وهي حرب المدن والحرب النظامية في المساحات المفتوحة، الأمر الذي قد يزيد من خسائر قواته ويجعل الغوطة منطقة أكثر صعوبة من معارك أحياء حلب الشرقية، وهذا ما تدل عليه خسائر النظام الكبيرة في حملاته الثمان السابقة على الغوطة منذ العام 2012([1]).
  • السكان: يعيش في الغوطة الشرقة الآن ما يقارب 400 ألف نسمة من المدنيين المحاصرين منذ العام 2013، بشكل جعلهم يطورون بدائل محلية مستندة إلى خبرتهم كمزارعين، الأمر الذي يجعل الحصار أخف وطأة عليهم من حلب الشرقية، وإمكانية إفراغ الغوطة من سكانها على غرار حلب أمراً صعباً، حيث لا توجد اليوم منطقة سورية تحتمل هذه الكتلة البشرية في حال هُجّرت.
  • المقاتلون: لا يزيد عدد المقاتلين في الغوطة الشرقية كثيراً عن نظرائهم في حلب الشرقية، حيث تتراوح التقديرات بين 8000- 10000 آلاف مقاتل، ولكن الفارق في أن المقاتلين في الغوطة هم أبناء المنطقة بكتلتهم الكبرى، مما يزيد في تعزيز عامل الدفاع عن أرضهم وعوائلهم، إضافة إلى أن تنظيمهم وتسليحهم وخبراتهم القتالية تعد أفضل مما كانت عليه فصائل حلب، فالفصائل الثلاثة الكبرى في الغوطة (جيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) أظهرت مرونة تفاوضية منذ بداية الحملة العسكرية وتنسيقاً عالياً في صد الهجوم البري، حيث دخلت في غرفة عمليات مشتركة متجاوزة خلافاتها السابقة([2])، ناهيك عن اعتمادها على الإنتاج الذاتي للأسلحة والذخائر التي تحتاجها، مما يمنحها القدرة على المقاومة طويلة الأمد، والأهم من ذلك هو صعوبة إخراج هذا العدد من المقاتلين المدربين والمنظمين إلى أي من جبهات المعارضة الأخرى، إذ سيؤدي ذلك إلى اختلال في موازين القوى مع النظام في تلك الجبهات المحكوم أغلبها باتفاقات أمنية إقليمية ودولية، بالإضافة إلى اختلال توازن القوى القائم بين الفصائل المهيمنة على الجبهات بشكل قد يدفعها إلى رفض استقبال كتلة عسكرية كهذه، يصعب السيطرة عليها و تطويعها ضمن فصائل أخرى.
  • الفاعلية الإقليمية: تعتبر الغوطة جغرافية داخلية غير حدودية مع أيّ دولة، الأمر الذي يعدُّ عاملاً هاماً يمنح فصائلها مساحة أكبر نسبياً في التحرك الدبلوماسي والمواجهة العسكرية بعيداً عن التأثير الإقليمي المباشر، والذي كان عاملاً حاسماً في سقوط أحياء حلب الشرقية. فبالرغم من وجود داعمين إقليميين لفصائل الغوطة؛ إلا أن النشاط الدبلوماسي والسياسي منذ بدء مسار أستانة يُظهر بوضوح المساحة الأوسع نسبيّاً من القرار الذاتي التي تتمتع بها قيادتا جيش الإسلام وفيلق الرحمن بعيداً عن الهيمنة الإقليمية المباشرة، والخاضعة لها غالبية الفصائل في الجبهات الشمالية والجنوبية.

3.   رد الفعل الدولي

يبدو أن اختيار موسكو لتوقيت العملية العسكرية ضد الغوطة الشرقية؛ عبّر بشكلٍ أو بآخر عن سوء تقدير من قبلها لجدية الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بخصوص سورية، والتي أعلن خطوطها العامة وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، قبل شهر تقريباً من بداية الحملة على الغوطة، والتي تعتمد على تطويق النفوذ الإيراني وبناء مستقبل سوري من دون الأسد، ما يعني استهداف حلفاء موسكو بشكل يقوض من فاعلية الدور الروسي في سورية، وذلك عبر عودة الثقل الأمريكي الأوروبي الذي كان منشغلاً في فترة حرب تنظيم الدولة "داعش"، لذلك أسفرت الحملة العسكرية على الغوطة عن ردود أفعال أمريكية أوروبية معارضة وغير مسبوقة، تراوحت بين الضغط الدبلوماسي عبر مجلس الأمن و التواصل المباشر مع موسكو وصولاً إلى التلويح بالقوة العسكرية في حال تم استخدام السلاح الكيماوي، الأمر الذي يمكن أن يُفسّر كإثبات لجدية واشنطن وأوروبا في العودة بقوة للانخراط في الملف السوري وعدم السماح لموسكو بالتفرد في المناطق السورية الواحدة تلو الأخرى في إطار سعيها لفرض رؤيتها الخاصة في الحل السياسي.

ويشير واقع الحراك الدولي -الأمريكي الأوربي- تجاه الحملة الروسية على الغوطة، وما تبعه من حملة إعلامية دولية وحراك مدني سوري في مختلف عواصم العالم؛ بأن موسكو ونتيجة لمغامرتها غير المحسوبة قد وقعت في فخ التحول المباشر إلى طرف في الأزمة السورية بدلاً من فاعل دولي مساعد في الحل، وهو الدور الذي لطالما حاولت موسكو الإيحاء به، إضافة إلى تورط حليفها النظام في معركة طويلة الأمد قد تشكل حرب استنزاف لقواه وتعيد للعالم صورة النظام الدموي الذي يقتل شعبه، والتي حاول النظام وحلفاءه إخفاءها خلف ستار "حرب الإرهاب". وبذلك تكون موسكو لم تنجح في تحقيق نصر سريع يُستخدم في استكمال صورة المنتصر التي يريدها الرئيس، فلاديمير بوتين، قبيل الانتخابات الروسية في الثامن عشر من الشهر الجاري، بل ووضعت نفسها بين فكي كماشة أمريكية أوروبية تتيح لهم الفرصة للضغط على موسكو وتصفية الحسابات الموزّعة على عدة ملفات عالقة بين الطرفين، الأمر الذي يُعَدُّ مؤشراً على أن ملف الغوطة الشرقية قد تجاوز حدودها الجغرافية إلى صراع دولي.

ثانياً: المشهد السوري الجديد (ما بعد الإرهاب)

يبدو أن نشوة "الانتصارات" التي حققها تدخل موسكو العسكري في سورية قد غيّبت عن العقل الاستراتيجي الروسي حقيقة مفادها أنَّ؛ لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظةً حاسمةً ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار أثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على المواجهة بين النظام السوري وشعبه.  وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حملَ ضمناً رسالةً مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران، وهو ما بدأت تظهر مؤشراته بوضوح مع مطلع العام 2018، والتي تمثلت في إعلان استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة المتمحورة حول احتمال المواجهة مع روسيا والصين([3])، ووضحت أكثر ضمن خطاب وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، في جامعة ستانفورد، والذي استعرض فيه الرؤية الأمريكية في سورية ما بعد "داعش"، حيث أكد على نية واشنطن الاحتفاظ بوجودها العسكري في سورية لمواجهة بقايا تنظيم الدولة والنفوذ الإيراني، وعدم تكرار خطأ العراق بالانسحاب، إضافة إلى استبعاد وجود الأسد في مستقبل سورية ودعوة موسكو للتعاون لإعادة الهدوء لمناطق خفض التصعيد([4]).

 بالمقابل شهد شهر شباط/ فبراير تصعيداً عسكرياً أمريكياً روسياً، من جهة، في دير الزور وتمثل في الضربة الأمريكية لمليشيات النظام ومرتزقة روس حاولوا تجاوز الخط الأحمر الأمريكي للعبور إلى شرق الفرات. إضافة إلى تصعيد إيراني إسرائيلي، من جهة أخرى، تمثل في إسقاط الطائرة الإسرائيلية في سورية، ثم تمت ترجمة التوتر العسكري في سورية بشكل تصعيد كلامي في "مؤتمر ميونخ" للأمن، حيث هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتحرك العسكري ضد طهران إذا لزم الأمر([5])، كما كشفت الخُطب في ذات المؤتمر عن مدى تعقد المشكلات العالقة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، بدءاً من شبه جزيرة القرم والتدخل الروسي في شرق أوكرانيا، إلى تورطها بالانتخابات في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبية، مروراً بدعمها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وصولاً إلى امتناعها عن الالتزام بمعاهدات خفض التسلّح، وحشدها مزيداً من القوات في شمال غربي روسيا وجيب كاليننغراد، ما يشكّل تهديداً لأمن دول البلطيق والبلدان الإسكندنافية([6]).

ويبدو أن تفاعل تلك المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاستراتيجي الأمريكي خصوصاً والناتوي عموماً، لم يكن في حسابات موسكو، والتي لجأت في محاولة لاستدراك آثاره إلى تحرك ورد فعل سريع في الغوطة الشرقية يحقق لها عدة أهداف في هذا الإطار، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال عدة مؤشرات:

  1. "شيطنة الغوطة": والذي تجلى في المناخ السائد في موسكو بين أوساط خبراء سياسة الشرق الأوسط ومراكز الدراسات المقربة من دوائر صنع القرار قبيل بدء الحملة على الغوطة، واعتبارها "نقطة تواجد أمريكية من حيث التسليح ودعم الفصائل"، وأن أولوية روسيا الاتحادية يجب أن تكون إخراج الأمريكان من محيط دمشق، حيث أنتج هذا المناخ عملية إعلامية ضخمة لشيطنة الغوطة لدى النخبة الروسية والرأي العام كمقدمة لتبرير التدخل العسكري للسيطرة عليها([7]).
  2. عملية انتقامية: يمكن القول بأن موسكو تستثمر العملية العسكرية في الغوطة للرد على الضربة الأمريكية في دير الزور، والتي أودت بحياة 200 من المرتزقة الروس في خسارة تعادل خمسة أضعاف خسائر موسكو منذ تدخلها في سورية 2015، وبالرغم من الإنكار في البداية ومن ثم الصمت عن الحادثة الذي انتهجته موسكو؛ إلا أن محللين روس اعتبروا الحادثة " أول اشتباك بين القوتين منذ حرب فيتنام، وأنها فضيحة كبرى وسبب لأزمة دولية حادة، ولكن روسيا ستتظاهر وكأن شيئاً لم يحدث"([8]).
  3. تسويق السلاح: إن فتح جبهة جديدة في سورية يتيح لموسكو فرصة لتسويق أسلحتها الجديدة، وهو نهج اعتمدته روسيا منذ بداية تدخلها العسكري في سورية، حيث جرّبت حوالي 200 نوع سلاح جديد([9])، إذ تحتاج موسكو حملة تسويقية جديدة في سورية لأسلحتها بعد فضيحة فشل منظومة S400 في حماية قاعدة حميميم من هجوم بالقذائف أدى إلى تدمير سبع طائرات في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2017([10])، وسقوط إحدى طائراتها في إدلب ومقتل الطيار مطلع شباط/ فبراير الفائت، الأمر الذي دفع موسكو لاستخدام طائراتها الأحدث من الجيل الخامس "الشبح" في الغوطة بالرغم من أنها لم تنهي اختباراتها بعد([11])، هذا الاستخدام الذي تبعته تصريحات الرئيس الروسي حول تطوير صواريخ بالستية جديدة تحمل رؤوس نووية قادرة اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأمريكي، في إعلان عن سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية ([12]).

وفي هذا المناخ المتوتر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية يمكن أيضاً فهم تفرّد موسكو بعملية الغوطة الشرقية، وتجنبها لحضورٍ إيرانيٍ واضح وفعَال بناءً على عاملين:

  • رغبة موسكو باستعراض قوتها منفردة كند لواشنطن وتثبيت مناطق نفوذ خالصة لها دون تواجد إيراني.
  • تجنب هذا التشنج الإقليمي (الإسرائيلي-الخليجي) والدولي اتجاه إيران وسلوكها في المنطقة، والاحتمالات المتزايدة للتحرك العسكري ضدها.

كما يمكن من خلال العلاقة مع روسيا تفسير مواقف الدول الأوروبية المتصدرة للحراك الدبلوماسي في مجلس الأمن ضد عملية موسكو في الغوطة الشرقية، فبالإضافة إلى الملفات المعلقة بين الناتو وروسيا، تشتعل حرب إعلامية بين موسكو وبريطانيا حول دعم الأخيرة للدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، والذي تعتبره موسكو منظمة "إرهابية"، وتدير في هذا الإطار حملة إعلامية دولية كشفت تفاصيلها صحيفة الغارديان البريطانية([13])، بشكل جعل الطرفان في مواجهة إعلامية ودبلوماسية حول سلوكهما في سورية. كما يزيد من الحراك الألماني تجاه ما يحدث في الغوطة، إضافة إلى مشاكلها الناتوية مع موسكو، شعورها بالحرج الأخلاقي إزاء ملف استخدام الكيماوي في الغوطة، خاصة بعد ما نشرته صحيفة "ديرشبيغل" الألمانية حول تورط شركات ألمانية في تصدير أجزاء من الصواريخ التي ضُربت بها الغوطة في العام 2013([14]). أما السويد فتجد في الهجوم على الغوطة فرصة لإدانة موسكو، والتي أدى التوتر بينهما نتيجة النشاط الروسي في البلطيق إلى احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية نهاية العام 2016([15])، في حين تلتزم فرنسا وإدارة ماكرون بالخط الأحمر الذي وضعته الإدارة السابقة فيما يخص استخدام القوة في حال حدوث هجوم كيماوي في سورية. أما المواقف العربية الخجولة والمقتصرة على تصريحات بخصوص الوضع الإنساني، فيمكن فهمها في إطار الانشغال بالنفوذ الإيراني في سورية، والحشد الدولي لمواجهته، وعليه تفضل الدول العربية وعلى رأسها الخليجية عدم المواجهة مع موسكو، خاصةً في ظل استمرار الأزمة الخليجية، ولذلك يمكن اعتبار المبادرة المصرية مجرد محاولة لذر الرماد في العيون وإخلاء المسؤولية بوصف مصر أحد الضامنين لاتفاق خفض التصعيد في الغوطة.

ثالثاً: نتائج وخلاصات

من خلال استعراض طبيعة الحملة العسكرية التي تقودها موسكو والنظام السوري على الغوطة الشرقية وتحليل المناخ الدولي والإقليمي المحيط بها، مقابل استعراض نقاط القوة الداخلية للغوطة، يمكن التوصل إلى النتائج التالية:

  1. خيار روسي: يبدو أن قرار الهجوم الحالي على الغوطة الشرقية لم يكن للنظام السوري بقدر ما كان خياراً روسياً يستهدف واشنطن من خلال مناطق المعارضة التي تعتبرها موسكو "موالية لأمريكا"، ولعل اختيار رجل موسكو في جيش النظام، سهيل الحسن، لقيادة العملية يفهم في سياق التأكيد على أن العملية تخدم مصالح موسكو أكثر من النظام السوري.
  2. تدويل الصراع: إن تحول ملف الغوطة الشرقية إلى ساحة صراع دولية بين موسكو من جهة وأمريكا وأوروبا من جهة أخرى؛ قد يزيد من أمد الحملة، خصوصاً مع ما تظهره فصائل الغوطة وأهلها من صمود ورفض لخيار الخروج حتى الآن.
  3. معركة طويلة الأمد: ترتكز استراتيجية موسكو والنظام في محاولتهما التقدم برياً من الجبهات الشرقية للغوطة (حوش الظواهرة، الشيفونية، وغيرها) وهي مساحات زراعية مفتوحة، على تجنب حرب المدن في المحاور الأخرى وتخفيف خسائرها، إضافة إلى محاولات السعي لفصل شمال الغوطة عن جنوبها عسكرياً كمرحلة أولى في تقسيمها إلى جيوب، بشكل يُسهَل من السيطرة عليها لاحقاً، الهدف الذي لا يبدو سهلاً ويشير بنفس الوقت إلى نية موسكو خوض معركة طويلة الأمد بهدف إخلاء الغوطة.
  4. موازنة الحل السياسي: يبدو أن الحراك الدولي المناهض لعملية الغوطة والهادف لإيقاف القصف عنها ومنع سقوطها، مستمر بوتيرة متصاعدة وأكثر جدية من سابقتها ويدفع باتجاه خيارات مفتوحة لأمريكا وأوروبا بشكل قد يتجاوز مجلس الأمن، خاصة وأن الغوطة الشرقية تمثل الورقة الأكثر تأثيراً في موازنة الحل السياسي بعيداً عن طموحات موسكو والنظام في الحسم العسكري. الخيارات التي سترتبط بشكل مباشر في مدى تصعيد النظام وموسكو في الغوطة الشرقية واحتمالية استخدام الأسلحة المحضورة دولياً أو الاستمرار في عدم الالتزام بقرار مجلس الأمن.
  5. احتمالان: في ظل ما تقدم من نتائج يصبح احتمال سقوط الغوطة عسكرياً وإخلاءها من سكانها ضعيفاً في المدى القريب، وممكناً في حال استمرار الحصار ووتيرة القصف العالية لمدة طويلة، مما يعني قدرة موسكو على تحقيق انتصار دبلوماسي على أمريكا وأوروبا، وهذا ما يبدو أن الأخيرة لن تسمح به، أما الاحتمال الأكثر ترجيحاً يتمثل بنجاح المساعي الدبلوماسية مع موسكو في التوصل إلى تهدئة وتثبيت لاتفاق خفض التصعيد، مقابل تنازل المعارضة السورية عن بعض المناطق الواقعة تحت سيطرتها في محيط العاصمة، والتي تبعد خطر قذائفها عن دمشق "تبعاً للذريعة الروسية"، وتحفظ لموسكو ماء وجهها، كما أن هذا الاحتمال قد يكون مغرياً لموسكو والنظام لضم المناطق المحيطة بالعاصمة (جوبر، حرستا، وأجزاء أخرى) إلى مشروعها لإعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث تعتبر تلك المناطق ضواحي سكنية لمدينة دمشق .
  6. مسار أستانة: من المستبعد أن تؤثر الغوطة أياً كان الاحتمال الذي ينتظرها على مسار أستانة لناحية مناطق خفض التصعيد التي أنتجها، فحتى الآن تُظهر الأطراف الفاعلة في الملف السوري (دولية وإقليمية) رغبة في الحفاظ على هذا المسار، وخصوصاً في الجنوب، حيث يوجد الأردن والولايات المتحدة الأمريكية كشركاء في التفاهم الذي أفضى إلى ضمه إلى مناطق خفض التصعيد، على عكس الغوطة التي تفتقد الظهير الإقليمي الحدودي، أما الشمال السوري فالتفاهمات بخصوصه قد أُنجزت بين تركيا وروسيا من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، كما أن التحسن الملحوظ في العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة بعد زيارة تيلرسون الأخيرة والتقدم الذي تحرزه تركيا في معارك عفرين، قد يمنح تركيا مساحة أكبر لمناورة موسكو في الشمال وتحجيم تطلعاتها وإيران للاستحواذ على مزيد من الأراضي، في حين تعتبر المنطقة الرابعة من مناطق خفض التصعيد (ريف حمص الشمالي) هي الأنجح والأكثر هدوءاً حتى الآن وغير مرشحة للانفجار مستقبلاً.
  7. صراع جديد: تعتبر نتائج الحملة على الغوطة سياسية أكثر منها عسكرية، ففي حال تمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيين من الحؤول دون سقوط الغوطة ومنع موسكو من تأمين محيط العاصمة، فهذا سيعني تقليم أظافر موسكو عسكرياً وسياسياً في سورية، وإحداث توازن قوى بخصوص شكل الحل السياسي وعقبة بقاء الأسد، أما في حال تمكن موسكو من إسقاط الغوطة فهذا سيعني توسيع مساحة سيطرتها ونفوذها وتثبيتها في مواجهة مناطق السيطرة الأمريكية في شمال شرق سورية، الأمر الذي سيحوّل سورية إلى ساحة لحرب باردة جديدة بين موسكو وواشنطن تطيل من أمد الصراع وتعقّد الملف السوري بشكلٍ أكبر.

رابعاً: التوصيات

تشكل الغوطة اليوم بعد دير الزور إحدى المحطات التي ستتوضح فيها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، ومقياساً لمدى جدية الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا والخليج العربي في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، والوصول إلى حل سياسي للأزمة يرسم مستقبل سورية بدون الأسد، وعليه فإن الظرف الحالي يعتبر دقيقاً جداً، ويفرض على المعارضة السورية العسكرية والسياسية تجاوز أخطائها السابقة وإعادة هيكلة نفسها استعداداً لاستثمار المرحلة القادمة، والتي ستكون الغوطة بوابة الدخول لها، وعليه يمكن الإشارة إلى بعض التوصيات الهامة:

1.   على مستوى الغوطة

  • تعزيز عوامل الصمود: إن حالة الصمود التي تعيشها الغوطة اليوم هي حاصل تظافر جهود المدنيين ومنظمات المجتمع المدني والفصائل العسكرية، واستمرار هذا الصمود ريثما تؤتي جهود المجتمع الدولي أكلها في وقف المجزرة الجارية يبقى رهناً بالحفاظ على هذا التنسيق العسكري مع القوى المدنية، وقدرة الفصائل على تجاوز خلافاتها السابقة.
  • سد الذرائع: ويتمثل بسحب ذريعة وجود عناصر هيئة فتح الشام في الغوطة من يد روسيا، وذلك يمكن أن يكون عبر التفاوض مع مقاتلي الهيئة لحل التشكيل نفسه في الغوطة وتسليم سلاحه إلى فصائل الغوطة في حال تعذر إخراجهم إلى الشمال الذي يشهد معركة لاجتثاث الهيئة، أو استخدام القوة في حال فشل الحلول التفاوضية واعتقال عناصر الهيئة.
  • التنسيق السياسي: توسيع التنسيق العسكري بين فصائل الغوطة (جيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) إلى تنسيق سياسي استعداداً لأي عملية تفاوضية مع الروس، وعدم إعطاء الفرصة لموسكو بإحداث اختراق سياسي بين الفصائل تكسب منه ما عجزت عنه عسكرياً.
  • شركاء الصمود: فسح المجال أمام (شركاء الصمود) الفعاليات المدنية والمجالس المحلّية في الغوطة سياسياً بشكل فعّال، وعدم احتكار الفصائل للقرار، واعتماد هذا الأسلوب كنهج مستقبلي يؤسس لإدارة مدنية حقيقية في الغوطة كنموذج لباقي المناطق المحررة.
  • ضامنون جدد: محاولة تعديل اتفاق خفض التصعيد في ظل احتمال حدوث أي تفاوض مع روسيا، وطرح إدخال ضامنين جدد أو استبدال مصر كضامن بدولة أُخرى أكثر فاعلية وقدرة على حفظ الهدنة تكون من الدول الداعمة للمعارضة، ومن الممكن اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية أو إحدى الدول الأوروبية المشاركة بقوات التحالف الدولي المتواجدة على الأرض السورية، وقد يلقى هذا المقترح دعماً أمريكياً في ظل استراتيجيتها الجديدة في سورية.
  • الضغط الدبلوماسي: تكثيف الحراك السياسي الذي تمارسه المعارضة السورية للضغط على الدول الحليفة لها، بخاصة الخليجية للقيام بدور دبلوماسي أكثر فاعلية لوقف المجزرة الجارية في الغوطة.
  • الفاعلية الإعلامية: وتتمثل بدعم الجهد الذي يقوم به الناشطون السوريون في مدن العالم كالاعتصامات والمظاهرات أمام السفارات الروسية، وعدم الاستهانة بهذا الدور وأهميته في لفت النظر إلى ما يجري في الغوطة واستمرار التغطية الإعلامية لأخبارها في وسائل الإعلام الدولية.

2.   على مستوى الملف السوري

  • لحم المسارين: الاعتراف بأن ما يجري في الغوطة الشرقية اليوم ومن قبلها استحواذ النظام على البادية السورية وأجزاء من دير الزور وإدلب؛ هو حاصل ونتيجة مباشرة لمسار أستانة، والذي أتاح للنظام فائض قوة يوجهه باتجاه المناطق المحررة، وتجزئة الجبهات وفصلها عن بعضها، وفك الارتباط بين المسار السياسي والعسكري للمعارضة السورية، لذلك أولى خطوات استثمار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية؛ هي إعادة توحيد المسار العسكري على مستوى المعارضة بشكل كتلة واحدة وليس جبهات منفصلة، والتنسيق على المستوى التفاوضي مع المسار السياسي، وعدم الفصل بينهما كما حدث في أستانة.
  • استثمار الهوامش: إن وجود استراتيجية أمريكية جديدة في سورية، ووجود عسكري أمريكي طويل الأمد لا يجب أن يفهم على أنه نهاية الدور الروسي، وإنما هو توازن للقوى، ومقدمة لصراع دولي مباشر بعد نهاية تنظيم الدولة يُضاف إلى الصراع الإقليمي القائم، وقد يساهم في تعقيد الملف السوري أكثر؛ لذا لابد للمعارضة السورية تجنب الانخراط المباشر في لعبة المحاور، فالمرحلة القادمة بحاجة لاستراتيجية مرنة تقوم على استثمار الهوامش التي قد يخلقها صراع المحاور، وتوظيفها في خدمة مصالح وأهداف الثورة السورية.

خامساً: ملاحق الورقة

الملحق رقم (1):

جدول زمني لحملات النظام السابقة على الغوطة الشرقية

 

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

الملحق رقم (2):

قوات النظام المشاركة في الحملة الحالية على الغوطة، ومحاور تقدمها

 

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية


([1]) للاطلاع على خسائر النظام في حملاته السابقة على الغوطة الشرقية منذ العام 2012، راجع الجدول رقم (1) في الملحق.

([2]) وحدة الرصد المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([3]) استراتيجية دفاع أمريكية جديدة تشير إلى تحول في الأولويات، موقع "عربي 21"، 19/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/pRJLy6

([4]) تيلرسون: باقون عسكرياً في سورية لمنع عودة داعش، موقع "العربية نت"، 17/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/Y3DkW3

([5]) نتنياهو في مؤتمر ميونيخ: سنتحرك ضد إيران إذا لزم الأمر، موقع" DW الألماني"، 18/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/QkH2qt

([6]) روسيا ترفض «تطويقها» بالبنى العسكرية لـ«الأطلسي»، موقع "جريدة الحياة"، 19/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/7M7kVT

([7]) وحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([8]) غارات أميركية تقتل 200 من المرتزقة الروس في سورية، موقع "نيوز سنتر"، 14/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/TDnds6

([9])  موسكو جرّبت 200 نوع من الأسلحة في قتل السوريين، موقع "أورينت نيوز"، 23/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/cjz9EG

([10]) "كوميرسانت": تدمير سبع طائرات روسية بمطار حميميم في سورية جراء قصف بالهاون، موقع صحيفة "العربي الجديد"، 4/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/JEjKJR

([11]) هآرتس: لهذه الأسباب بدأت روسيا باستخدام طائرة "الشبح" في سورية، موقع "أورينت نيوز"، 26/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/7FydSG

([12]) بوتين يعرض أسلحة جديدة لا مثيل لها في العالم، موقع وكالة "سبوتنيك العربي"، 1/3/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/iutkRS

([13]) The Guardian website,18/12/2017, available on: ,How Syria's White Helmets became victims of an online propaganda machine

https://goo.gl/S2uLgf

([14]) "دير شبيغل" تكشف عن تورط شركات ألمانية بهجمات الكلور في سورية، موقع "أورينت نيوز"، 6/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/bcAkmf

([15]) السويد تستعد لحرب مع روسيا!، موقع "روسيا اليوم"، 16/12/2016، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/BFr4WL

أجرى تلفزيون العربي مقابلة تلفزيونية مع الباحث ساشا العلو للتعليق على أحداث الغوطة الشرقية في ظل القصف المتواصل على المنطقة، بتاريخ 23 شباط/ فبراير 2018

 

 

أجرت قناة الشرق مقابلة تلفزيونية مع الدكتور عمار قحف -المدير التنفيذي لمركز عمران- للحديث عن الغوطة الشرقية في ظل ما تعانيه من سياسات حصار وقصف ممنهج من قبل النظام السوري نتج عنه حسب رأي القحف أبشع المجازر فى التاريخ...

 

 

 

شارك الدكتور عمار قحف المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية في الندوة الحوارية التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات والأبحاث بالتعاون مع المركز التركي الآسيوي للدراسات الاستراتيجية في اسطنبول في 20/ 2/ 2018م، وشارك فيها نخبة من الباحثين والمفكرين العرب والأتراك.

وتضمنت الندوة التي حملت عنوان "القوى المضادة للربيع العربي بين الواقع واستشراف المستقبل"، نقاشاً حول مآلات ثورات الربيع العربي وعودتها إلى محطتها الأولى، وإلى أي مدى تمكنت الثورات المضادة من السيطرة على مفاصل الدول التي قامت بثورات، والكلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية لمحاولات إجهاض ثورات الربيع العربي.
 
وقد بيّن الدكتور قحف أن "المشهد السوري من أقل المشاهد التي تدخلت فيه القوى المضادة للثورة، لكن التدخل الإقليمي والدولي كان كبيراً”. وقال القحف: "هناك عوامل ذاتية في الثورة السورية تقول إن النظام لم ينتصر بعد، وبشار الأسد غير موجود (القرار ليس بيده) هو فقط صورة لعصابات مختلفة وقطاع الطرق والميليشيات الخارجية”، كما أضاف: أن "كل ذلك أجّل استحقاق انتصار الثورة وتمكينها، لكنه لم يلغها ولم يحسم الصراع للنظام”،وأوضح القحف أن الشعب السوري دفع كلفة عالية لثورته، وهو يريد بديلاً عن الأنظمة القمعية، لذلك فنحن بحاجة لعقد اجتماعي جديد. وختم حديثه بالتأكيد أن هناك فرصة كبيرة أمام الشباب للدخول في المشروع العربي المتصالح مع تركيا.