تمهيد: يُشكل بحث الإدارة الذاتية في الشمال السوري عن الاعتراف السياسي خارج الحدود الوطنية (المتمثل بإعلانها عن افتتاح ممثليات في دول أوربية وعربية، والتي سرعان ما جوبهت بنفي رسمي من بعض تلك الدول)، عنواناً عريضاً لتحركات الإدارة الساعية لتوظيف كافة الأدوات في سبيل تثبيت وتمكين مشروعها السياسي العابر للوطنية، وما للمحاولات السياسية المستمرة من حزب الاتحاد الديمقراطي باتجاه الانخراط في صف المعارضة السورية وفرض نفسه كطرف ضمن أي مقاربة سياسية، إلا تأكيداً على حماية هذا المشروع. وتعتمد هذه الإدارة في عملها السياسي على المقاربة التالية: " استثمار الأداء فيما تبقى من وظائف الدولة وتصدير نفسه كشريك في مكافحة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة، كخطوات مهمة للحصول على الشرعية الدولية.

 

 PYD ومحاولات كسب الاعتراف الدولي

يتعارض الواقع العسكري مع الواقع السياسي للإدارة الذاتية، إذ يبدو أن السعي العسكري على الأرض وفق خارطة التحالفات الدولية التي نظمها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، لم تؤتِ أُكلها على المستوى السياسي، ففي الوقت الذي استقبلت مدينة عين العرب/ كوباني الجنرال فوتيل، والذي يُعد أرفع شخصية أمريكية تزور الأراضي السورية منذ بداية الثورة، أعاد نائب وزير الخارجية الأمريكي، آنتوني بلينكن، تأكيد إدارة بلاده على وحدة الأراضي السورية ووجوب إقرار الشعب السوري لمصيره بنفسه، الموقف الذي تكرر من الإدارة الفرنسية التي أعلنت إرسال قوات استشارية لسورية، لكن في ذات الوقت رفضت الاعتراف بالممثلية السياسية للإدارة الذاتية، والتي فُتحت على أراضيها من قبل أنصار حزب الاتحاد الديمقراطي.

وضمن سياسة الأبواب المؤصدة من الأوربيين والولايات المتحدة؛ حاولت روسيا استثمار الأمل السياسي لدى الإدارة الذاتية عبر نشر تسريبات لدستور يمنح الحكم الذاتي للكرد في شمال سورية، ليأتي رد الولايات المتحدة بقطع الطريق أمام أي عملية مشتركة مع موسكو في معركة تحرير الرقة.

وأمام انسداد أفق التمثيل السياسي الدولي والإقليمي، يبدو أن الإدارة الذاتية تتجه من جديد نحو القوى السياسية في الداخل، فعلى الرغم من الهجوم المستمر للإدارة على الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وتحديداً المجلس الوطني الكردي ضمنه؛ إلا أنها وفي محاولة لفتح نافذة للاعتراف السياسي الداخلي بعثت بالقيادي البارز في حركة المجتمع الديمقراطي، ألدار خليل، إلى العاصمة البلجيكية بروكسل برفقة وفد لعقد لقاءات مع ممثلي الائتلاف وهيئة التنسيق الوطني، ويبدو أن هذه الخطوات تأتي في سياق اتفاق أمريكي تركي على إفساح المجال أمام قوات سوريا الديمقراطية للتقدم في المنطقة الواصلة بين منبج وتل رفعت، حسب تصريحات أمريكية.

وفي ختام اجتماعات بروكسل أكد طرفي المعارضة الرئيسين، هيئة التنسيق الوطنية والائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، على "تطوير رؤية المعارضة السورية حول القضية الكردية، وإيجاد حلٍّ عادل لها في نطاق وحدة سورية أرضاً وشعباً، بما يحقق الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية، ومشاركة القوى الكردية السياسية والثورية في بناء سورية الديمقراطية".

خلافات بينية وتصعيد أمني

يبدو أن الاعتراف السياسي الإقليمي والدولي الذي يحوزه المجلس الوطني الكردي كجزء من الائتلاف الوطني السوري، لم يعد يحميه، وتحديداً في المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية، فقد شهد الشهر المنصرم حملة اعتقالات اعتبرت الأعنف بحق كوادر من أحزاب المجلس، خصوصاً من "الديمقراطي الكردستاني-سوريا" ومن حزب "يكيتي" الكردي، العضوين في الائتلاف السوري، حيث طالت الاعتقالات أعضاء وقياديين في اللجان المناطقية للحزبين، خاصة في مدينتي عامودة ومعبدة. في حين شهدت مدينة المالكية/ديريك حالة اختطاف للسيد، عكيد شاهين، من قبل ملثمين تابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي، إضافة إلى حملات اعتقال عامة بهدف السوق للخدمة الإلزامية.

وفي تطور خطير يعتبر الأول من نوعه على مستوى الحركة السياسية الكردية في سورية، قامت مجموعة تدعي قربها من الإدارة الذاتية بنشر بيان على موقع مقرب منها تهدد من خلاله قادة المجلس الكردي وشخصياته بالاغتيال، كعقوبة لما سموه "خيانة الشعب الكردي"، واللافت أن البيان المذكور لم يقابل بأي تنديد أو تعليق من قبل الإدارة الذاتية.

بالمقابل لاقت ممارسات الإدارة الذاتية تنديداً من قبل المجلس الوطني الكردي، والذي حاول التصدي لتلك الانتهاكات عبر مجموعة من النشاطات، حيث اعتصم بعض مناصريه في ألمانيا للتنديد بسياسة حزب الاتحاد الديمقراطي، بينما قام رئيس المجلس، إبراهيم برو، بعقد عدة ندوات للجالية والأحزاب الكردية في إقليم كوردستان العراق، ضمن محاولة لتوضيح واقع الأوضاع في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في شمال سورية.

الإدارة المحلية (السباق مع الزمن)

تواجه الإدارة المحلية التابعة للإدارة الذاتية معوقات متعددة، لعل أبرزها ارتباط المؤسسات الحيوية لديها بمؤسسات الدولة في دمشق، وهذا ما بدا واضحاً عدة في جوانب، ليس آخرها قرار نقل مراكز الامتحانات لمدينة الحسكة (المركز)، الأمر الذي تسبب بضغط كبير على الشباب، خصوصاً من المناطق الشرقية للمحافظة، ما أدى إلى لجوء الطلبة إلى الاعتصامات والاحتجاجات، التي استمرت حتى إيقاف القرار تحت ضغوط الطلبة.

كما تم رصد العديد من النشاطات التي تحاول الإدارة المحلية ضمن الإدارة الذاتية الاضطلاع بها، والتي لا تخلو بنفس الوقت من بعض الإشكاليات، التي تفرضها الظروف الموضوعية والذاتية الخاصة بالإدارة، ولعل أبرز تحركات الإدارة المحلية تتلخص فيما يلي:

•    لوحظ انتشار زراعة نبتة "الحشيش" نتيجة للانفلات الأمني داخل مناطق الإدارة الذاتية عبر بعض المجموعات، التي تدعي الإدارة أنها تقوم بمطاردتها وإتلاف كميات كبيرة منها في مدينة عين العرب/ كوباني وعامودة.
•    من الناحية التنموية تقوم بلديات الإدارة الذاتية بتتبع أمور الثروة الحيوانية في المحافظة، حيث عقدت العديد من الاجتماعات مع الأطباء البيطريين والفنيين لبحث واقع الثروة الحيوانية، وتابعت اللجان المختصة لبلدية مدينة القامشلي شكاوى حول انتشار مرض القلاع في المزارع الحيوانية.
•    لوحظت جولات لدائرة الصحة على المطاعم والمذابح مع قدوم شهر رمضان في محاولة للوقوف على مدى تقيد الباعة بالشروط الصحية وبذات المناسبة قامت بعض بلديات مدينة القامشلي بالبدء بتوزيع 1500 ربطة خبز على الفقراء يومياً، ووزعت اللجنة في بلدية القحطانية بطاقات صحية على المطاعم ومحلات الحلويات. وتقوم بلديات الجزيرة بمتابعة الحرائق في المنطقة، التي تشهد خلال الصيف حرائق متعددة في الأراضي الزراعية وتعاني مؤسسة الاطفاء من قلة المواد الحديثة للسيطرة على الحرائق.
•    تعقد الهيئات التابعة للإدارة اجتماعات مع خبراء في الموارد المائية لدراسة أوضاع المياه في الجزيرة، وأخرى لقسم المولدات مع هيئة الطاقة التي ينشط تواجدها في مدينة الرميلان النفطية أيضاً.
•    مؤخراً قامت بلدية الحي الشرقي بتحديد كراج جديد لاستقبال الشاحنات قبل إدخالها للمدينة لدواع أمنية، واستقبل الكراج خلال شهر واحد أكثر من 3100 شاحنة، وهي أحد موارد الإدارة في تلقي الأموال من الضرائب المفروضة على كل شاحنة تدخل المحافظة. كما تقوم الإدارة بتحديد الأسعار للمواد الغذائية في سوق الهال بالمدينة بالإضافة لتعريفات خاصة بالمركبات، وهي أيضاً أحد الموارد المالية للإدارة بالضرائب المفروضة على وسائط النقل والمحلات في سوق المدينة. وتستعمل بعض هذه الأموال في إعادة التأهيل للبنية التحتية كما في مدينة رأس العين.
•    أما من ناحية توفير فرص العمل، فبالرغم من وجود محسوبيات كثيرة في تسيير أمور الإدارة تقوم الأخيرة بالإعلان عن بعض عقود العمل عبر إعلانات خاصة بالبلدية. وتنشط البلديات في العديد من المناطق بمجالات الرقابة الصحية.
•    قامت هيئة الإدارة المحلية في " مقاطعة عفرين" بما أسمته تصحيحاً لأسماء القرى، حيث أعطتها أسماء جديدة بعد حذف التسميات العربية.
•    قامت مديرية الاتصالات بتحديد الإجراءات اللازمة لإعادة تفعيل الخطوط الأرضية، بينما قامت هيئة التجارة والاقتصاد باستلام محصول القمح السنوي من المزارعين، حيث استلمت الهيئة حتى الآن ما يقارب 500 طن من القمح.
•    من جهة أخرى تقوم الإدارة الذاتية بالوقوف على أوضاع مخيم روبار للنازحين، فمؤخراً قامت بتوزيع الشهادات على الطلاب المتفوقين وسلمت كمية من الأدوية لصالح العيادة الطبية في المخيم وسلمت خزانات مياه جديدة لدعم منظومة المياه في المخيم، بالإضافة لقيامها بجولات ميدانية دورية للاطلاع على أوضاع النازحين.

وعبر تتبع مسار الإدارة المحلية ضمن الإدارة الذاتية وما يشهده من تحركات يُلاحظ أن حزب الاتحاد الديمقراطي في سباق مع الزمن ليس لتقديم نموذج إدارة محلية ناجح بقدر ما هو امتلاك مقومات التمكين، وهذا ما تشير إليه خارطة التحرك العسكري لقوات سوريا الديمقراطي، مقابل الإعداد لدستور جديد في مناطق الإدارة، والسعي لتمثيل دولي أحادي خارج الحدود. ولعل العديد من العوامل تجتمع لتساعد الإدارة الذاتية في سعيها لامتلاك تلك المقومات، وأبرز تلك العوامل:

أ‌-    التنسيق (الأمني -العسكري -الإداري) مع نظام الأسد، وتحييد أي نوع من التهديد الأمني عن مناطق الإدارة كالقصف اليومي الذي تتعرض له مناطق المعارضة السورية الخارجة عن سيطرة نظام الأسد.
ب‌-  الدعم الدولي (المالي – السياسي -العسكري) والذي يساعد الإدارة في استكمال مشاريعها بما يتوافق مع التحركات العسكرية المطلوبة منها دولياً.
ت‌-  وجود مرجعية واحدة في إدارة تلك المناطق، والمتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي، ما ساهم بضبط الأوضاع الإدارية والأمنية إلى حد ما.

معارك منبج العسكرية

بعد "توقف" معركة الرقة التي أعلنتها قوات سوريا الديمقراطية والتي بدأت بالمدينة لتنتقل إلى الريف الشمالي فقط؛ غيرت قوات سوريا الديمقراطية وجهتها إلى غرب الفرات، للبدء بالعملية التي تم الإعلان عنها في 2/6/2016، لتحرير مدينة منبج وريفها من تنظيم الدولة المسيطر على المدينة من تاريخ 22/1/2014.

يبين الشكل أدناه أهم الفصائل التي شاركت في عمليات منبج:

12

 أعقب هذ الإعلان عدة أحداث سياسية وعسكرية، قد يساهم استعراضها في توضيح طبيعة عملية منبج، سياسياً وميدانياً، ولعل أبرز تلك الأحداث:

•    تناول الرئيس التركي طيب أردوغان للعملية وتأكيده على وصول تعهدات أمريكية لبلاده، بأن غالبية القوى المهاجمة هي من العرب.
•    ازدياد عدد المستشارين العسكريين من الدول الأوربية على جبهة منبج، وأخيراً انضمام فرنسا لهم، مقابل أنباء عن قيامها بتجهيز مهبط للطائرات الحوامة في حدود مدينة عين العرب/كوباني.
•    عدم القيام بأي هجوم اقتحامي من الممكن أن يزيد الخسائر في صفوف القوات المهاجمة.
•    التمكن من حصار المدينة خلال أسبوع من الزمن دون أن يستميت التنظيم في الإبقاء على حبل نجاة، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات عن غاية هذه الخطوة من قبل التنظيم.
•    قيام التحالف الدولي بمراقبة سماء المدينة وقصف عناصر التنظيم وتجمعاته في أبسط تحركاتهم، ما يشير على ما يبدو إلى أن المهاجمين يريدون انتصاراً، لكن بأقل نسبة عمليات قتالية على مسافات قريبة.

تُوضِح الخريطة أدناه سير وطبيعة المعارك في منبج:

13

المصدر: وحدة المعلومات – مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

ولا تخفي شخصيات بارزة في الإدارة الذاتية عن نيتها بضم مدينة منبج، حيث تطرقت رئيسة المجلس التأسيسي للنظام الفدرالي في شمال سورية، هادية يوسف، للموضوع مؤكدة نيتهم لجعل المدينة جزءً من فدرالية الشمال التي سيعلن عنها رسمياً قريباً، والتي من المتوقع أن يكتمل دستورها خلال 3 أشهر قادمة، سيعقبها انتخابات لتشكيل رئاسات جديدة للحكم في الكانتونات المعلنة من قبلها.