بالتزامن مع تنامي مؤشرات التدهور العسكري في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة والفصائل الجهادية بحكم التدخل الروسي وإعادة تعريف معظم الفواعل الدولية والإقليمية لموقف السياسي حيال المشهد السوري؛ تشهد بنى هذه المناطق ازدياداً ملحوظاً في معدلات الاضطراب الأمني ولا سيما بعد انتشار سياسة الاغتيالات المحلية؛ وتعد هذا الظاهرة من ناحية أولى انعكاساً لحالة عدم الضبط الأمني، ومن ناحية ثانية ملمحاً عاماً لحالة الهشاشة التي سيكون لها تأثير بشكل ملحوظ على السيناريوهات المتعلقة بمستقبل هذه المناطق.

وفي محاولة لتتبع هذه القضية وتحليل مؤشراتها وقياس آثارها الأولية، قامت وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتصميم نموذج رصد لهذه العملية عبر متابعة مجموعة من المواقع الإخبارية والإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي واستخلاص أهم المعلومات حول تلك الحوادث (تاريخها، مكانها، جهة الاستهداف، أداة الاستهداف، مناطقها، منفذ العمليات وفق ما توفره عمليات التحقيق)، وعليه توصلت الوحدة للنتائج التالية:

أولاً: 214 عملية اغتيال أقصاها في شهر أيار، شهدت المناطق الخاضعة للرصد في الفترة الممتدة بين شهر كانون الثاني 2018 حتى بداية تموز من هذا العام (214) محاولة اغتيال، حيث بلغت أقصاها في شهري أيار وحزيران بمجموع 140 محاولة اغتيال، أي ما نسبته 66% من المجموع العام للاغتيالات بحسب ما يظهره الشكل البياني رقم (1).

 

ثانياً: إدلب الأكثر استهدافاً؛ هذا وقد جاءت محافظة إدلب بالمرتبة الأولى من حيث عدد محاولات الاغتيال بـــ 164 محاولة، تلتها محافظة حلب بــ 33 محاولة اغتيال، ثم درعا في المرتبة الثالثة بـــ 10 محاولات اغتيال، لتتوزع بقية محاولات الاغتيال على المحافظات التالية بحسب الترتيب: حمص، حماة، ريف دمشق، في حين لم تتوافر بيانات كافية لتحديد موقع محاولة اغتيال واحدة.

 

ثالثاً: الاستهداف الأكثر ضمن مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام؛ بالتدقيق يتبين أن الجزء الأكبر من محاولات الاغتيال قد تمت في مناطق تخضع لنفوذ وسيطرة هيئة تحرير الشام في الشمال السوري، حيث بلغت نسبتها 68% من المجموع العام لمحاولات الاغتيال، بينما بلغت تلك التي وقعت في مناطق سيطرة فصائل معتدلة (إسلامية، جيش حر) ما نسبته 28%، في حين لم تتوافر بيانات كافية لتحديد منطقة السيطرة لما نسبته 4% من محاولات الاغتيال.

 

رابعاً: هيئة تحرير الشام الأكثر استهدافاً؛ تظهر البيانات أن الجهة الأكثر استهدافاً بمحاولات الاغتيال هي الفصائل الجهادية وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام بــ 82 محاولة اغتيال لكوادرها من مدنيين وعسكريين وشرعيين، في حين حل المدنيين بالمرتبة الثانية من حيث الأكثر استهدافاً بــ 53 محاولة اغتيال، يليهم ثالثاً الفصائل المصنفة كمعتدلة بــ 42 محاولة، بينما تقدم المهاجرون بفارق بسيط (15) على الفصائل الإسلامية (14)، في حين لم تتوافر بيانات كافية لتحديد هوية 8 ممن استهدفوا بمحاولة اغتيال.

 

خامساً: (120) حالة اغتيال بطلق ناري؛ لجأ المنفذون لعمليات الاغتيال إلى وسائل متعددة تتناسب مع طبيعة الأهداف المستهدفة وخبراتهم، وغالباً ما فضل المنفذون تنفيذ عملياتهم بواسطة الأدوات التالية من حيث الترتيب: الطلق الناري، عبوة ناسفة، هجوم انتحاري، طعن وقنبلة يدوية، خطف، في حين لم تتوافر بيانات كافية حول الأداة المستخدمة في 14 محاولة.

 

سادساً: حوالي الثلث فقط محاولات فاشلة؛ فيما يتعلق بنتيجة محاولات الاغتيال، تظهر البيانات ارتفاع نسبة المحاولات الناجحة مقارنة بتلك الفاشلة، إذ بلغت نسبة المحاولات التي نجم عنها موت المستهدف 68%، مقارنة بـــ 31% فشلت في قتل الجهة المستهدفة، في حين لم تتوافر بيانات كافية لتحديد نتيجة 1% من محاولات الاغتيال.

 

وكقراءة أولية في هذا الملف:

  1. ففي حين تغيب نتائج التحقيق لهذه العملية وعدم معرفة هوية منفذيها، فإنه يمكن اعتبارها مجموعة من المعطيات التي تدلل على أنها بلورة لسياسات التصفية كسلاح "نوعي" سواء ضمن منهجية الاقتتال البيني؛ أو تعدد الاختراقات الاستخباراتية ذات الأغراض المتعددة؛
  2. تفصح محاولات الاغتيال هذه عن حالة الفوضى الأمنية التي تعيشها هذه المناطق، إذ لا تزال تتعثر محاولات هذه القوى لتشكيل هياكل أمنية مؤسساتية بديلة لضبط ملف الأمن المحلي سيما هيئة تحرير الشام، في ظل تنامي المهددات الأمنية سواءً من داخل هذه المناطق أو من خارجها؛
  3. يعود سبب تصدر إدلب كمحافظة لأكبر عدد محاولات الاغتيال لعدة أمور أهمها تعدد القوى المحلية وتنافسها، إضافة إلى سيولة الوضع الأمني في المحافظة، وتشكل بؤر لخلايا أمنية سواء لتنظيم الدولة أو للنظام قامت بتنفيذ عمليات أمنية في المحافظة؛
  4. يمكن تفسير الاستهداف المركز لهيئة تحرير الشام بمحاولة خصومها ومنافسيها إضعافها باعتبارها القوة المهيمنة في الشمال، وبما يخدم مصالح وأهداف هذه القوى والتي ليست بالضرورة متطابقة، كما يوحي هذا الاستهداف المركز بضغوط خارجية تمارس على الهيئة للتأثير على سياساتها وهيكليتها بما يتوافق مع الترتيبات الأمنية للشمال السوري.