الملخص التنفيذي

  • توضح عملية تحليل البيانات الخاصة بمنطقة درع الفرات عدة أمور أهمها أن الجهات المدنية بواقع 30 محاولة واتبع منفذو عمليات الاغتيال عدة وسائل وطرق لتنفيذ عملياتهم أكثرها عن طريق العبوة الناسفة؛ وأن 26 % من مجموع المحاولات نجحت في اغتيال الجهة المستهدفة؛
  • نفذت مجموعة تطلق على نفسها "غرفة عمليات غضب الزيتون" 20 محاولة اغتيال في منطقة عفرين كلها حققت أهدافها وكانت أداة التنفيذ متشابهة في جميع حالات الاغتيال وهي الإطلاق الناري؛
  • توضح عملية تحليل البيانات بإدلب وما حولها أن هيئة تحرير الشام قد استهدفت ب 36 محاولة؛ والجبهة الوطنية للتحرير ب 10 محاولات؛ وتشير البيانات الى وجود 42 محاولة نفذت بإطلاق ناري ومثلها بعبوة ناسفة، وتظهر البيانات ارتفاع نسبة المحاولات الناجحة مقارنة بتلك الفاشلة،
  • استهدِفت هيئة تحرير الشام خلال شهر تشرين الثاني ب 17 محاولة؛ 7 محاولات منها استهدفت قيادات أجنبية و3 لقيادات محلية، بينما بلغت 4 محاولات للمقاتلين الأجانب مقابل 3 حالات للمقاتلين المحليين؛ وهذا يدل على مؤشرات صراع داخلي على السلطة؛
  • تفيد القراءة الأولية لنتائج تحليل البيانات على تنامي عوامل التدهور الأمني ومؤشرات البيئة غير المشجعة للاستقرار؛ وفشل القوى الفاعلة في تطوير أدواتها وقدرتها للحد من هذه العمليات وكشف ملابساتها ومسبباتها؛ وهو ما سينعكس حتماً على الواقع الأمني وسياسات التعافي المبكر ومتطلبات الاستقرار.

توطئة

لا يزال الملف الأمني في مناطق درع الفرات وعفرين وادلب وما حولها من أكثر التحديات والاختبارات التي تواجه القوى المسيطرة على تلك المناطق؛ فمن جهة أولى فإنه سيكون لتداعيات هذا الملف أثراً واضحاً على استحقاقات هذه المنطقة سواء فيما يتعلق بالبيئة الآمنة أو فيما يرتبط بعمليات التنمية والاستقرار (أو التعافي المبكر)؛ ومن جهة ثانية وفيما يرتبط بالاغتيالات التي تلقي بظلالها على الواقع الأمني فتجعله متعدد الدلالات؛ فإن الاغتيالات التي باتت سمة بارزة للواقع الأمني لم يعد البحث فيها عبارة عم كشف ملابسات جنائية بقدر ما هو محاولة لتلمس إمكانية وجود أسباب سياسية متسقة مع سياسات الاقتتال المحلي، ناهيك عن فهم الأسباب الأمنية المؤدية لتلك الحوادث. وفي محاولة لتتبع هذه القضية وتحليل مؤشراتها وقياس آثارها الأولية، قامت وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتصميم نموذج رصد لهذه العملية ([1])؛ وتحليل بياناته ضمن هذا التقرير الذي يبين توزع عمليات الاغتيالات في الشمال المحرر (إدلب وما حولها، غصن الزيتون، ردع الفرات) منذ شهر تموز وحتى أيلول 2018، كما يشمل التقرير جزء خاص بمحاولات الاغتيالات التي حدثت في المنطقة العازلة بمحافظة إدلب والمناطق المحيطة بها خلال شهر تشرين الأول 2018([2]).

المؤشر العام لمناطق الدرع وعفرين: ارتفاع النسب

بلغت محاولات الاغتيال من شهر تموز حتى أيلول 159 محاولة في مناطق التي تم رصدها؛ وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع التقرير السابق (قراءة أولية... الاغتيالات في مناطق المعارضة والفصائل الجهادية خلال النصف الأول لعام 2018)؛[3] إذ بلغ مجموع تلك المحاولات 212 محاولة خلال فترة رصد لمدة ستة أشهر، بينما تشير الأرقام في هذا التقرير الى وجود 20 محاولة في منطقة غصن الزيتون "عفرين" و46 محاولة في مناطق ردع الفرات، إضافة ل 93 محاولة في باقي المناطق "ادلب وما حولها"؛ (انظر الشكل المجاور) .     

 

 وفيما يخص منطقة درع الفرات تؤكد البيانات أنها شهدت 46 محاولة اغتيال بلغ أقصاها في شهر أيلول بمجموع (38) محاولة؛ تلك المنطقة التي يفترض لها أن تكون أكثر ضبطاً من الناحية الأمنية بحكم اشراف "الضامن التركي" وبحكم مأسسة العمل العسكري والأمني المحلي فيها (الجيش الوطني والشرطة الحرة)، الا أن محاولات الاغتيال من قبل خلايا تتبع للنظام أو تنظيم "داعش" أو الوحدات الكردية مستمرة.

كما توضح عملية تحليل البيانات أن الجهة الأكثر استهدافا بمحاولات الاغتيال هي الجهات المدنية بـ 30 محاولة اغتيال في حين حلت الفصائل المصنفة كمعتدلة في المرتبة الثانية بـ 16 محاولة اغتيال (الشكل رقم 4)؛ ولجأ منفذو عمليات الاغتيال لعدة وسائل وطرق لتنفيذ عملياتهم حيث كانت عن طريق العبوة الناسفة بحصيلة بلغت27 محاولة بينما حلت أداة الاطلاق الناري المرتبة الثانية ب 18 عملية من حيث أدوات التنفيذ وجاء الطعن ثالثاً بحالة وحيدة (الشكل رقم 3)؛ أظهرت نتائج تحليل البيانات ان 26 % من مجموع المحاولات نجحت في اغتيال الجهة المستهدفة بينما فشل المحاولات باغتيال الجهة المستهدفة بلغ 74% من مجموع المحاولات في منطقة درع الفرات (الشكل رقم 5). تبين من خلال الرصد ان 10 محاولات قامت بتنفيذها غرفة عمليات غضب الزيتون بينما بقيت 36 حالة مجهولة المنفذ (الشكل رقم 6).

كما تشهد منطقة عفرين أيضاً ذات المظاهر الدالة على الفلتان الأمني لا سيما من جهة "محاولات الاغتيال" خاصة بعد ظهور غرفة عمليات سميت "غضب الزيتون" التي أصدرت بياناً توضح به عدم تبيعتها لأي جهة سياسية أو عسكرية؛ وأنها لن تتعامل مع العناصر كأسرى حرب إنما سيتم تصفيتهم ميدانياً حتى "تحرير" عفرين. ([4]) إذ نفذت غرفة عمليات "غضب الزيتون" 20 محاولة اغتيال خلال فترة الرصد الممتدة من تموز حتى نهاية أيلول 2018 كلها حققت أهدافها وأدت إلى موت الجهة المستهدفة وكانت أداة التنفيذ متشابهة في جميع حالات الاغتيال وهي الإطلاق الناري[5].

 

المؤشر العام لمنطقة إدلب وما حولها: استهدافات نوعية

وفقاً للتقرير السابق فقد شهدت منطقة إدلب وما حولها عمليات اغتيالات واسعة لاسيما في شهر نيسان 2018 واستهدفت جهات مدينة بالإضافة إلى مقاتلين من الجبهة الوطنية للتحرير، هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى تم تصنيفها كفصائل متطرفة مثل تشكيل "حراس الدين"؛ بينما بلغت الاغتيالات خلال الفترة المدروسة في هذا التقرير 93 حالة اغتيال خلال الربع الثالث من العام 2018 بلغت أقصاها في شهر أيلول حيث بلغت المحاولات 45 محاولة اغتيال، بينما بلغت في تموز 28 محاولة، وجاء ثالثا شهر أب ب 20 محاولة؛ الشكل رقم (8)

ويوضح تحليل البيانات الخاصة بإدلب وما حولها أن الجهات المدنية هي الأكثر استهدافاً في منطقة إدلب وما حولها ب 47 محاولة اغتيال، في حين حلت هيئة تحرير الشام في المرتبة الثانية ب 36 محاولة اغتيال شملت العسكريين والشرعيين، تليهم ثالثا الجبهة الوطنية للتحرير ب 10 محاولات (الشكل رقم 9)؛ وأن  84 محاولة نفذت بالتساوي من حيث أداة التنفيذ، حيث قام منفذو عملية الاغتيال باستخدام الأدوات التالية (إطلاق ناري – عبوة ناسفة – لغم ارضي – طعن) لتنفيذ عملياتهم، وتشير البيانات الى وجود 42 محاولة نفذت بإطلاق ناري ومثلها بعبوة ناسفة بينما نفذت 4 محاولات عن طريق اللغم الأرضي و5 محاولات نفذت بطعن الجهة المستهدفة (الشكل رقم 10)؛

وفيما يتعلق بنتيجة محاولات الاغتيال، تظهر البيانات ارتفاع نسبة المحاولات الناجحة مقارنة بتلك الفاشلة، إذ بلغت نسبة المحاولات التي نجم عنها موت المستهدف 65%، مقارنة بـــ 35% فشلت في قتل الجهة المستهدفة؛ أي أن ثلث المحاولات فاشلة، (الشكل رقم 11).

 

 

هيئة تحرير الشام كجهة مُستهدَفة أو مستهدِفة فتوضح البيانات أن أكثر المحاولات الحاصلة منفذها مجهول وغير معروف بينما نفذت هيئة تحرير الشام محاولتين اغتيال؛ كما امتاز شهر تشرين الأول\أكتوبر باستهداف قيادات معروفة في صفوف الهيئة وأغلبهم كان من التيار الأجنبي المعروف بأنه الأكثر تشدد والذي أبدى اعتراض واضح على اتفاق إدلب الأخير في اجتماعات الهيئة التي حصلت بعد الاتفاق، حيث بلغ مجموع المحاولات في تشرين الأول 26 محاولة نفذ منها 18 محاولة في إدلب و6 محاولات في حلب ومحاولتين فقط في حماه.؛ واستهدِفت هيئة تحرير الشام ب 17 محاولة، تلاها الجهات المدنية ثانيا ب 5 حالات ثم الجبهة الوطنية للتحرير ب 4 حالات كما هو واضح في (الشكل رقم 12)؛ تلك المحاولات التي استهدفت بها الهيئة خلال شهر تشرين الأول كانت  7 محاولات لقيادات اجنبية و3 لقيادات محلية، بينما بلغت 4 محاولات للمقاتلين الأجانب مقابل 3 حالات للمقاتلين المحليين.

 

الخلاصة: هشاشة واقتتال بيني

تفيد القراءة الأولية لنتائج تحليل البيانات بجملة من الخلاصات التي من شأنها التأكيد على تنامي عوامل التدهور الأمني ومؤشرات البيئة غير المشجعة للاستقرار؛ كما تؤكد تلك النتائج على فشل القوى الفاعلة في تطوير أدواتها وقدرتها للحد من هذه العمليات وكشف ملابساتها ومسبباتها؛ ناهيك عن أن تزايد مؤشرات حالة الفلتان الأمني في مناطق درع الفرات وعفرين على سبيل المثال فإنه سينعكس حتماً على سياسات التعافي المبكر ومتطلبات الاستقرار ويدعم كافة المقاربات المراهنة على فشل المعارضة في التصدي لتحدياتها الأمنية؛ فوجود جهاز موحد للشرطة الحرة غير كافي لفرض الأمن؛ إذ ينبغي العمل على تكثيف الجهود المتعلقة بالجانب الاستخباراتي لا سيما تلك المتعلقة بعمليات غرفة "غضب الزيتون" والذي يتطلب بدوره تطوير الموارد البشرية وزيادة كفاءتها، ناهيك عن تكثيف الحملات الأمنية ( والتي بدأت )

وبقراءة البيانات المتعلقة في منطقة ادلب وما حولها؛ فهي عموماً تشير إلى جملة من العوامل الدافعة إلى ارتفاع نسب الفوضى وتبرز بشكل جلي عدم قدرة الأجهزة المعنية بالعمل الأمني على اكتشاف منفذو الاغتيال ودوافعهم ومحاسبتهم؛ وهو أمر قد تعود مسبباته لانتشار خلايا نائمة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية او تابعة لاستخبارات النظام من جهة؛ ولملامح اقتتال داخلي نوعي عابر للعناصر العسكرية ويصل إلى استهداف المدني من جهة ثانية؛ وفيما يتعلق ب "حرب الاغتيالات داخل الهيئة" فإنه لا يمكن اعتبارها إلا حرب سلطة خصوصا بين تيارين (العناصر المحلية والعناصر الأجنبية) من جهة ثالثة. إذاً توضح عمليات الاغتيال وازدياد نسبها في مناطق درع الفرات وعفرين وإدلب الهشاشة الأمنية في هذه المناطق.

ملحق جدول الاغتيالات ضمن نسخة التحميل..


([1])  وفيما يتعلق بمصادر التقرير فهي على الشكل التالي: 1) نقاط الرصد الخاصة لوحدة المعلومات في الشمال المحرر. 2) التقرير الأمني الخاص من مكاتب منظمة إحسان الإغاثية في الشمالي المحرر؛ 2) الحسابات الرسمية للجهات التي تم استهدافها (الجبهة الوطنية، هيئة تحرير الشام، حراس الدين وغيرها)؛ 3) الحسابات الرئيسية للوكالات المحلية التي تقوم بتغطية الأحداث في محافظة إدلب وما حولها.

([2])  توضيح: التقرير يقوم برصد محاولات الاغتيالات كافة بغض النظر عن نجاحها أو عدمه

([3])  "قراءة أولية ... الاغتيالات في مناطق المعارضة والفصائل الجهادية خلال النصف الأول لعام 2018"؛ تقرير خاص صادر عن وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 8/يوليو/2018، الرابط: https://goo.gl/r3GhmM

([4]) وهي وفقاً لتعريفها عن نفسها مجموعة من شباب وشابات عفرين، ويعتقد بأنها تتبع للوحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي يقومون باغتيال المقاتلين الاتراك المتواجدين في المنطقة بالإضافة إلى المقاتلين المحليين المدعومون من تركيا وتدعي هذه المجموعة عبر صفحتها الرسمية قيامها خلال فترة شهري حزيران واب بتنفيذ 26 عملية قتلت من خلاله 45 مقاتل وجرحت 43؛ للاطلاع والتعرف على هذه المجموعة انظر الرابط: http://www.xzeytune.com

([5])  وفيما يلي أبرز الاغتيالات التي تبنتها "غضب الزيتون" مؤخراً: حزيران 2018: اغتيال الناشط الكردي "أحمد مستو" في منطقة عفرين بريف حلب؛ تموز 2018: اغتيال ثلاثة مقاتلين من فرقة السلطان مراد في عفرين؛ آب 2018: اغتيال المدعو عكاش حجي أحمد علي، في قرية دير صوان، بمقاطعة عفرين؛ أيلول 2018: اغتيال أحد عناصر فرقة الحمزة في الجهة الشرقية من منطقة عفرين

التصنيف تقارير خاصة

يركز هذا التقرير على توصيف المشهد الميداني قبل الاتفاق والسياق العسكري الذي أفضى إلى اتفاق المنطقة العازلة ويوضح طبيعة هذا الاتفاق ودوافعه ومواقف القوى الميدانية حياله، مستعرضاً أبرز التحديات التي تعترضه لا سيما تلك المتعلقة بالميليشيات الإيرانية المنتشرة على محيط المنطقة او تلك المرتبطة بمصير هيئة تحرير الشام.

ما قبل الاتفاق: معركةٌ قاب قوسين أو أدنى

شهد مطلع شهر سبتمبر/أيلول 2018، تمركز حشود من قِبل قوات النظام وبعض الميلشيات المحسوبة على إيران بالقرب من إدلب، وتحديداً على الجبهات الاستراتيجية في محافظة إدلب([1])؛ إذ أكد النظام وحلفائه (مراراً وتكراراً) أنهم ماضون باتجاه استرجاع محافظة إدلب وذلك ضمن إطار استكمال استراتيجية "بسط السيطرة والنفوذ"؛ ومما عزز دوافع هذا الاسترجاع المتخيل أهمية المحافظة ودورها في تحسين ظروف التنمية التي تشكل أبرز تحديات النظام الراهنة؛ تلك الظروف التي ستتحسن باسترجاع  الطريقين الدوليين (M5)، (M4) وما سيشكله عودة الزخم التجاري من أثر مادي.

ناهيك عن نية النظام استثمار سيناريو "المصالحات" وتطبيقه على إدلب بغية إخراج المعارضة المسلحة هناك عن معادلات الصراع وبالتالي تجاوز أسئلة صراع النظام والمعارضة والانتقال إلى مستويات جديدة؛ وفي سبيل ذلك بدأت خطط الانتشار والتمركز والتي كان أغلبها قريباً من نقاط المراقبة التركية في إدلب، الأمر الذي استدعى من الجانب التركي بإرسال تعزيزات عسكرية على نقاط مراقبتها في كلٍ من:

 

زادت الحشود العسكرية من الجانب التركي والقوات الموالية نسبة التوتر في المنطقة، وارتفعت نسبة العمليات العسكرية من قبل الجبهة الوطنية وهيئة تحرير الشام من جهة وقوات النظام والميلشيات الإيرانية من جهة أُخرى.

بالعموم تشكلت مجموعة من الهواجس الروسية والتركية والتي ساهمت في اختبار الأدوات السياسية للحل، فعلى الجانب التركي ارتفعت وتيرة الحذر من تبعات تلك العملية على المستوى الإنساني التي سترتد بالدرجة الأولى على تركيا لا سيما بتلك المتعلقة بالقدرة على استيعاب موجة اللجوء والتي سوف تترافق مع هجوم قوات النظام، حيث يبلغ عدد سكان محافظة 3 ملايين مدني، ثلثهم من النازحين داخلياً بسبب النزاع المستمر منذ سبع سنوات؛ ناهيك عن الهاجس الأمني التركي الذي يرى بالعملية تهديداً لخطوط الدفاع الأمامية لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون  وهي مناطق النفوذ التركي المشكلة كواقع صد ضد طموحات الPYD الذي لا يزال يسير بمفاوضات مع النظام؛ لذلك تعد خسارة إدلب أو انسحاب تركيا من نقاطة مراقبتها الـ 12 بمثابة إيعاز بقرب انسحاب تركيا من الشمالي السوري، لذا حاولت تركيا قبل 17 أيلول/ سبتمبر إلى الوصول إلى اتفاق يرضي أطراف الأستانة ولا يضر بمصالحها في الشمال السوري.

أما الهواجس المتعلقة بالجانب الروسي فتتمثل بالدرجة الأولى بعدم رغبة موسكو في إفشال اتفاق الأستانة بحكم اعتباره التحالف الدولي الأقوى الأن في سورية؛ كما تعي روسيا بأن وقوفها ضد الجانب التركي سوف يؤدي إلى تقوية العلاقة الأمريكية-التركية، وهذا أمر قد ينعكس على روسيا بشكل سلبي في سورية؛ كما طمحت موسكو في اختبار الأدوات السياسية بغية الحد من هجمات الطائرات المسيرة (Drones) على المواقع العسكرية الروسي في مطار حميميم وسهل الغاب؛ ناهيك عن أن العدد المحدود للقوات الروسية البرية أو القوات المحلية الموالية لها سيجعل الميليشيات الإيرانية هي القوات الأكثر قدرة على ملء أي فراغ في إدلب،  وهو أمر قد لا ترغب رسيا بحدوثه، خاصة بعد تجاربها في ريف حلب الشرفي، ريف الرقة الجنوبي، ومحافظة دير الزور.

ساهمت تلك الهواجس التركية والروسية في الدفع باتجاه عقد قمة طهران التي جرت في 7 أيلول/سبتمبر 2018 بهدف الوصول إلى مخرج يراعي كافة الهواجس؛ وعلى الرغم من وضوح الخلافات بين تلك الدول في هذه القمة؛ إلا أنه يمكن اعتبارها بمثابة "الخطوة الأولى" ضمن حركة الوصول لاتفاق المنطقة العازلة في إدلب والذي أعلنت عنه كلٍ من روسيا وتركيا في 17 أيلول/ سبتمبر 2018.

منطقة عازلة: تأجيل المعركة أم تزمين مناطق النفوذ

مع إعلان الاتفاق بين روسيا وتركيا حول إنشاء منطقة عازلة في إدلب، نشرت بعض الجهات الرسمية من الجانبين الروسي والتركي مواصفات تلك المنطقة؛ وكان الحديث في بداية الأمر على أنه سيتم اقتطاع 7.5 إلى 10 كم من مناطق الثوار ومثلها من مناطق النظام، أي ممنوع تواجد قوى الثورة السورية وقوات للنظام في هذه المنطقة، وسيتم تسيير دوريات تركية روسية مشتركة فيها، فيما سوف تقوم تركيا بدعم مناطق قوى الثورة السورية لوجستياً، وتبقى روسيا المشرفة على مناطق النظام([3]).

فيما بعد تم توضيح بند انسحاب الفصائل من المنطقة العازلة، وتم التأكيد أن الانسحاب يشمل "القوات المتشددة" بسلاحها الخفيف والثقيل، فيما يحق لقوى الثورة السورية البقاء ولكن تحت إشراف القوات التركية في المنطقة.

تمتد المنطقة العازلة من شمال غرب حلب بالقرب من بلدتي نبّل والزهراء والتي تعتبر من أبرز معاقل الميليشيات الموالية لإيراني في الشمال الحلبي وحتى بلدة صوران شمال حماة، وتلامس المنطقة العازلة حدود مدينة حلب ومعظم الأوتوستراد الدولي (M5) المار بمناطق سيطرة قوى الثورة السورية، وثم تمتد المنطقة العازلة من بلدة صوران شرقاً وحتى السقيلبية، أما الحدود الغربية للمنطقة العازلة فتمتد على طول سهل الغاب الأوسط وحتى جبل التركمان، وكذلك شهدت هذه المنطقة بناء مراكز للشرطة العسكرية الروسية والتي حدث على إثرها خلافات حادة مع قوات الفرقة الرابعة وقوات الدفاع المحلي الموالية لإيران.

ومع نهاية شهر أيلول\سبتمبر 2018، نشرت بعض المواقع الموالية للنظام خبراً تتحدث فيه بأن المنطقة العازلة لن تكون بالمناصفة بين مناطق سيطرتي قوى الثورة والنظام[4]، وأكد الخبر أن المنطقة سوف تكون في مناطق قوى الثورة السورية بعق 15 كلم بدأً من نقاط التماس وهو الأمر الذي تم نفيه من قبل الجبهة الوطنية للتحرير وفيلق الشام([5]).

 

أما فيما يتعلق بمواقف القوى العسكرية المتواجدة في إدلب فترى الجبهة الوطنية للتحرير (على لسان عمر حذيفة الشرعي العام) أن أمر ترسيم المنطقة العازلة هو حل مرحلي وليس نهائي، ولذلك فإن الدخول التركي للمناطق المحررة بحدودها الآنية هو قرار دولي ولن يتم الانسحاب إلا بقرار دولي آخر؛ كما صرح النقيب ناجي المصطفى "المتحدث الرسمي للجبهة الوطنية للتحرير" بأن  النقاط العسكرية التابعة لفصائل قوى الثورة السورية ستبقى تحت سيطرتها، وبكامل جاهزيتها "لأن النظام السوري والميليشيات الموالية لا تلتزم بالعهود والمواثيق".

من جهته وضح العقيد مصطفى بكور "المتحدث الرسمي لجيش العزة" بأن جميع نقاط جيش العزة توجد ضمن المنطقة العازلة، ولكنه ما زال وسيبقى بنقاطه العسكرية، وأي قرار بشأن سحب السلاح الثقيل أو تسليم النقاط سيُحدد لاحقاً خلال اجتماع مجلس الشورى الخاص بالجيش وبما يتناسب مع مصلحة الثورة([6])، ورفض الجيش (على لسان الرائد جميل الصالح القائد العام لجيش العزة) تسيير دوريات روسية في الجانب المحرر من المنطقة العازلة التي تم التوصل إليها في اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا، وأكد أن جيش العزة لن يقبل بأن تكون المنطقة العازلة من الجانب المحرر فقط وطالب بأن تكون مناصفة بين مناطق الثوار ومناطق النظام، مع التأكيد على رفض قيادة الجيش فتح الطرق الدولية في الشمال السوري (M5-M4) إلا بعد إطلاق سراح المعتقلين من سجون النظام.

تنفيذ الاتفاق: صعوبات مركبة

يعتبر الاتفاق "أفضل سيناريو" في الوقت الحالي بالنسبة لكل من تركيا وروسيا، وعلى الورق لا تشوب الاتفاق لا أي شائبة، لكن تنفيذه لن يكون مهمة سهلة، إذ أنه يجب أخذ عدة نقاط في الاعتبار قبل نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018 من قِبل الجانب التركي والروسي؛ فأبرز تحديان على الجانب التركي يتمثلان في الآتي:

  • لا تخضع مناطق قوى الثورة السورية في إدلب فقط إلى سيطرة الجبهة الوطنية للتحرير، فهناك العديد من الفصائل والتي تم تصنيفها دولياً على أنهم فصائل متطرفة (هيئة تحرير الشام، حراس الدين، أنصار الإسلام، الجهاديين المستقلين الفصائل، خلايا داعش)، وهذا التشرذم والتعقيد بواقع السيطرة في إدلب يصعب من المهمة التركية ويفرض عليها التأني بالتعامل مع الواقع الأمني داخل المحافظة، فأي خلل أمني من الداخل يعتبر أخطر بأضعاف مضاعفة من الخطر الخارجي.
  • حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام تسيطر على 68 وحدة إدارية في محافظة إدلب والمواقع المحيطة بها، مقابل 180 وحدة إدارية مستقل أو تابعة للحكومة المؤقتة([7])، ولكن ما يعزز نفوذ حكومة الإنقاذ هو سيطرتها على الحدود الدولية، المعابر الداخلية مع مناطق سيطرة النظام، بالإضافة إلى سيطرتها على موارد المنطقة الرئيسية، لذا توجب على الجانب التركي بإيجاد صيغة وألية تسحب السيطرة المطلقة من حكومة الإنقاذ كمرحلة أولى، والعمل على تكوين جسم إداري جديد مكونه الأساسي هو من الكوادر المدنية التي لا تتبع لأي جهة دولية.

بينما على الجانب الروسي يعد الاختبار الأثقل هو التحكم في الميليشيات الإيرانية والسيطرة على قرارها؛ حيث عَجِزَت موسكو من تحقيق ذلك في عدة مناسبات سابقها ولعل أبرزها كان في محافظتي حلب ودير الزور، فما الذي يميز هذا الاتفاق؟ وما هي الضمانات الروسية على عدم محاولة الميليشيات بالاستفادة من تحول خطوط الدفاع الأولى في إدلب إلى منطقة عازلة منزوعة أو محدودة السلاح؟ خاصة أن الميليشيات الموالية لإيران تتمركز في مدينة حلب وأريافها، بعض المواقع في ريف حماه الشمالي، وقاعدة جورين في سهل الغاب. ويفيد الجدول أدناه بحجم هذا التواجد في المناطق المحيطة بالمنطقة العازلة وصعوبة ضبطه روسياً.

 

واقع الاتفاق واتجاهاته المحتملة 

لعل ما ميز المرحلة ما بعد إعلان اتفاق إدلب هو إسراع الجانب الروسي إلى تسويق جديته في تطبيق الاتفاق، حيث نشرت عدة وسائل إعلام روسية رسمية خبر انسحاب قوات النظام وعدة ميليشيات من جورين في سهل الغاب، كرناز في حماه الشمالي، وأبو دالي في ريف حلب الجنوبي، وهذا الأمر ليس كما نشره الروس([8])، حيث واجهت الشرطة الروسية عدة صعوبات في التعامل مع قوات النظام والميليشيات ولعل أبرزها كان في قاعدة جورين بسهل الغاب، حيث رفضت قوات الدفاع المحلي الموالية لإيران الانسحاب من مواقعها وكاد أن يصل الوضع إلى الاشتباك المباشر مع الشرطة العسكرية الروسية([9]). وفي نهاية المطاف رضخت روسيا إلى مطلب قوات الدفاع المحلي وأنشأت مركز صغير للشرطة العسكرية داخل القاعدة، طريقة تعامل روسيا مع هذه الحادثة من أهم المؤشرات التي تبرهن عدم قدرة روسيا ضبت الميليشيات الموالية لإيران([10]).

على صعيد الاستهداف العسكري، فلوحظ غياب الطيران الروسي بشكل كامل من بعد توقيع الاتفاق مع انخفاض نسبة الاستهداف الصاروخي من قبل قوات النظام، وغالبا ما يعلل إعلام النظام تلك الضربات بسبب وجود القوات المتطرفة أمثال هيئة تحرير الشام وحراس الدين. وفيما يتعلق بالواقع الأمني داخل مناطق سيطرة قوى الثورة السورية، لم يحدث أي تغير على صعيد الاغتيالات والمفخخات، فسياسية التصفية وإضعاف الهيكلية الأمنية موجودة في مناطق قوى الثورة منذ شهر نيسان/أبريل 2018، لذا لا يمكن ربط حوادث الاغتيالات والمفخخات التي حدثت في النصف الثاني من شهر أيلول/سبتمبر باتفاق المنطقة العازلة في إدلب.

 

ويعد ملف هيئة تحرير الشام وهو الملف الأكثر اختباراً للاتفاق؛ وهو أمر تعاملت معه الهيئة بشديد من الحرص فعلى الرغم من ظهور انقسام داخلي إلا أن الموقف العام اتى على شكل موافقة على الاتفاق على الأقل في الوقت الحالي؛ وتمثل بانسحاب هيئة تحرير الشام من محيط نقاط المراقبة التركية في ريف إدلب الجنوبي وتسليمها لفيلق الشام؛ وصد الهيئة بالتعاون مع الجبهة الوطنية لمحاولة بعض الميلشيات الموالية لإيران من التقدم على جبهة جبل التركمان؛ ومنعت فصيل حراس الدين من أن يقوم بعمل مضاد يستهدف مواقع النظام؛ كما سمحت حكومة الإنقاذ لبعض المنظمات بمعاودة نشاطها في مناطق مختلفة من إدلب، بعدما كانت تحظر أي نشاطٍ لها في إدلب([11]).

وفي هذا الصدد يوضح المطلعون على بنية الهيئة تنامي تيارين داخلها الأولى بقيادة (أبو محمد الجولاني) أمير التنظيم، ويبدي جاهزيته للانخراط في الجبهة الوطنية للتحرير، بينما التيار الثاني يقوده "أبو اليقظان المصري" ويرفض ذلك تماما، ويدفع نحو رفض الاتفاق، ولعل ما يؤكد ذلك هو حملة الاعتقالات التي قام بها الذراع الأمني لهيئة تحرير الشام واعتقلت مقاتلين من الجنسية المصرية من هيئة تحرير الشام دون توضيح سبب الاعتقال. وفي هذا السياق ينبغي التوضيح على أنه هناك ست مجموعات غادرت مع قياداتها إلى جهات أكثر تشدداً مثل حراس الدين وأنصار الإسلام.[12]

وعموماً في حال عملت الهيئة على المستوى الميداني على عرقلة الاتفاق فإنه يرجح إحدى السيناريوهين إما بدء عمل عسكري على هيئة تحرير الشام من قبل تركيا والجبهة الوطنية للتحرير؛ أو اقتناص الروس الفرصة ودعم النظام وحلفائه للدخول إلى إدلب مما يجعل تداعيات هذا الأمر مفتوحة وبالغة الحدية.

 

ختاماً؛ ينبغي التأكيد على أن هذا الاتفاق والذي أقل السيناريوهات ضرراً فإنه يحمل في طياته تحديات بالغة الأهمية تتطلب تعاملاً نوعياً حيالها؛ والبناء على هذا الاتفاق لضمان إعادة تمتين القوة الدفاعية وضبط البنية المحلية أمنياً وإدارياً؛ حيث أن التعاطي مع أن هذا الاتفاق على أنه اتفاق نهائي فإن معطيات الواقع الميداني تدلل على مؤشرات لا تزال قيد الاختبار.

 


 

([1]) سهل الغاب (جورين) – ريف اللاذقية الشمالي – ريف حماه الشمالي – ريف إدلب الجنوبي الشرقي.

([2]) مواصفات مدفعية الـ T-155: https://goo.gl/5UWkS3

([3]) سوريا: ما هي بنود اتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح بإدلب؟ - BBC - 18 سبتمبر/ أيلول 2018 - https://goo.gl/dPyMh2

([4]) ارتباك في صفوف المعارضة مع اقتراب تطبيق اتفاق إدلب – جريدة الحياة – 1 تشرين الأول - https://goo.gl/TGLUkC

([5]) إدلب.. فيلق الشام ينفي الانسحاب من المنطقة العازلة – العربية - 30 سبتمبر/ أيلول 2018 - https://goo.gl/YVqNfz

([6]) “جيش العزة” يرفض شروط المنطقة العازلة في اتفاق إدلب – عنب بلدي - 30 سبتمبر/ أيلول 2018 - https://goo.gl/bvEcRB

([7]) المعلومات هي نتائج تقرير خاص غير منشور من مسار الإدارة المحلية في مركز عمران قبل نهاية عام 2018

([8]) أجرت وحدة المعلومات بتاريخ 3 تشرين الأول مقابلة مع المتحدث الإعلامي في الجبهة الوطنية للتحرير والذي أكد على أن انسحاب الميليشيات الإيرانية يجري ببطء وليس كما يصرح الإعلام الروسي.

([9]) أجرت وحدة المعلومات بتاريخ 1 تشرين الأول مقابلة مع مصدر خاص مقرب في مناطق النظام بسهل الغاب والذي أكد حدوث خلافات بين الشرطة العسكرية الروسية وقوات الدفاع المحلي الممولة من إيران.

([11])أكد أحد كوادر المجالس المحلية في جبل الزاوية بتاريخ 2 تشرين الأول أن حكومة الإنقاذ سمحت لبعض المنظمات الإغاثية بمعاودة مزاولة نشاطاتها ولكن بشكل مراقب.

 

التصنيف تقارير خاصة

شارك الباحث معن طلاع من مركز عمران بتقرير أعده موقع سوريا 24، بعنوان: "إدلب معادلة معقدة بين أطراف الصراع على الأرض السورية"، والذي استطلع فيه أراء عدد من الشخصيات الغربية والسياسية العربية فيما يخص تطورات الوضع في إدلب.


حيث رأى طلاع بقراءته للتطورات الأخيرة (بدء القصف الروسي على مناطق في جسر الشغور؛ وزيادة التمترس التركي في قواعده، وكثرة الحديث عن ضغوطات تمارسها أنقرة تجاه هيئة تحرير الشام، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية؛ والتصريحات الغربية والأمريكية المحذرة من استخدام الكيماوي) دلالات على أن هناك توافقاً غير مكتمل الأركان حول إدلب، فالمؤشرات العسكرية توضح أن خطوط التفاهم الأمني قد أنجزت، وهي تحديد خارطة الأهداف المتعلقة “بتحرير الشام” و”حراس الدين” بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون،؛ ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي أن لا يخضع لسلطة الأسد.

المصدرموقع سوريا 24 : https://bit.ly/2xg5wFj

 

رأى الباحث معن طلاع من مركز عمران، في حديثه لصحيفة القدس العربي حول اجتماع طهران المقبل، أن اتجاهات المشهد العام وحركية الدول الضامنة تدلل على أن الاجتماع سيحدد ثلاثة أمور رئيسية؛ أولها سيرتبط بمصير إدلب، ويتوقع فيه أن  تمنح روسيا مزيداً من الوقت لتركيا لترتيب المشهد العام في المحافظة وتفكيك "هيئة تحرير الشام" وهو الأمر الذي تدفع باتجاهه أنقرة عبر سياساتها الأخيرة، أما الأمر الثاني الذي سيحدده  الاجتماع فيتعلق بالبت في الإطار السياسي الناظم لعمل اللجنة الدستورية والدفع باتجاه البدء باجتماعاتها، في حين سيتناول الأمر الثالث رسم الأطر العامة لاستراتيجية  "عودة اللاجئين" وسبل التعاون في إنجاز هذا الملف..

للمزيد النقر الرابط التالي: https://bit.ly/2MjB3R7

وضَّح مدير وحدة المعلومات بمركز عمران نوار أوليفر في حديثه مع صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 3 آب/ أغسطس 2018، ضن مادة نشرتها الأخيرة على موقعها بعنوان: "ألغام كثيرة أمام أي هجوم لقوات النظام على إدلب".

أن الدول الثلاث الضامنة لخفض التصعيد «لن تسمح بأي نوع من الحرب الواسعة النطاق في الشمال»، كما رجح أوليفر خلال المرحلة المقبلة، أن تقوم تركيا تزامناً مع عملها على توحيد صفوف الفصائل المعارضة، «بعملية عسكرية داخل إدلب للقضاء على الجزء المتشدد من (هيئة تحرير الشام) وبعض المجموعات المتطرفة» لتجنب هجوم دمشق وحلفائها.

 

للمزيد انقر الرابط التالي: https://bit.ly/2vJBoCs

تحظى محافظة إدلب بأهمية خاصة في مسار الأزمة السورية؛ إذ هي الملاذ الأساس للمهجَّرين والمعقل الأساس لهيئة تحرير الشام. وتتجه المحافظة نحو عدة مسارات تعتمد على سياسات عدة دول فاعلة، خاصة تركيا التي تريد استيعابها، في حين يتحين النظام الفرص لإخضاعها لسلطته.

مقدمة 

يقف المشهد السوري العسكري اليوم على مفترق طرق نحو تشكيل ترتيبات أمنية جديدة، وذلك بعد إنهاء النظام وحلفائه لجيوب عسكرية لقوى المعارضة في مناطق "سوريا المفيدة" واستحكام قبضتهم فيها، مقابل اتفاقيات تجميد الصراع أو خفض التصعيد في إدلب ودرعا. وتوجد أيضًا مناطق خارج سيطرة النظام أكثر استقرارًا بحكم تواجد ضامن عسكري مباشر مثل مناطق شمال شرق سوريا (قوات قسد مع قوات أميركية) أو مناطق شمال وشمال غرب سوريا (الجيش التركي وقوات المعارضة). وفي هذه الأثناء، يحاول النظام السوري وحلفاؤه استثمار المرحلة الراهنة لإعادة ترتيب مناطقه أمنيًّا؛ حيث يسعى الروس إلى دمج بعض الفصائل القريبة منه في الفيلق الخامس والسادس والسابع كما يجهدون في إعادة هيكلة وزارة الدفاع وهيئة الأركان. في المقابل، تنخرط إيران مدنيًّا وإداريًّا في بنى محلية واجتماعية واقتصادية مع تنظيم قواتها العسكرية وإعادة تمركزها في المناطق الحدودية لسوريا عمومًا، ولإجراء مناوشات في مناطق التماسِّ مع القوات الأميركية خصوصًا. ويتضح من قراءة المشهد السوري العام أنه مُتجه نحو تفاهمات جديدة لم تتبلور معالمها بعد، وعنوانها العريض هي تفاهمات أمنية لفتح الطرق الرئيسية بين المدن وخطوط التجارة المحلية والخارجية. 

وفي ضوء هذا المشهد وتحولاته المحتملة، تبدو إدلب وكأنها "المعضلة المؤجلة" حاليًّا لاعتبارها المحطة الأخيرة في سلسلة إجراءات وتفاهمات لإنهاء الصراع العسكري، ففيها خزان بشري كبير لنازحين من مختلف المناطق السورية، وتوجد فيها مجموعات مسلحة كثيرة بما فيها "مجموعات متشددة" عصية على الاندماج مع باقي الفصائل، ومنها ما تجذَّر في البنى الإدارية والمجتمعية بما له من سيطرة مسلحة كهيئة تحرير الشام، فضلًا عن أن ترتيبات الآستانة في إدلب لم تنتهِ بشكل كامل ما يعطي النظام وحلفاءه فرصة للاستثمار في هذه المعضلة واستغلالها أيما استغلال. 

ونظرًا لأهمية معضلة إدلب في مسار الأزمة السورية، تُقيِّم هذه الورقة المشهد العسكري والإداري، وكذلك الترتيبات الأمنية من حيث التماسك أو الهشاشة في هذه المحافظة، لتخلص إلى مقاربة لفهم الواقع في إدلب كما تستطلع المآلات والسيناريوهات المستقبلية المحتملة. 

تحديات سكانية وتنموية متزايدة 

تقع محافظة إدلب في أقصى الشمال الغربي لسوريا، وتُحاذي جزءًا من الحدود السورية-التركية، وقد بلغ عدد سكانها في 2011 حوالي 2.072.266 نسمة، وبلغت مساحتها 5464 كم2 ([1]). شاركت المحافظة بالثورة منذ أيامها الأولى لتخرج عن سيطرة النظام بشكل كامل في مارس/آذار 2015، بعد سيطرة قوات معارضة ومجموعات أخرى على مركزها. وبقيت كل من كفريا والفوعة "الشيعيتين" المحاصَرَتَيْن تحت سيطرة النظام ورهنًا لاتفاقية "المدن الأربعة" (كفريا-الفوعة/الزبداني-مضايا) بين إيران وأحرار الشام وهيئة تحرير الشام في أبريل/نيسان 2017. ومع استكمال ترتيبات الآستانة في 15 سبتمبر/أيلول 2017 واتفاقيات خفض التصعيد في إدلب، تمكَّن النظام وحلفاؤه الروس من السيطرة على أجزاء شرق سكة الحديد جنوب شرقي المحافظة، وتقدر مساحة المناطق التي سيطر عليها بما معدله 17.5% من مساحة المحافظة (متضمنًا مساحة كفريا والفوعة). 

تبرز أهمية إدلب كونها كانت الملجأ الأساس في تهجير قسري ممنهج من كافة المناطق إليها، منذ تهجير مدينة حمص القديمة في مايو/أيار 2014، ثم حلب الشرقية، ثم ريف دمشق، وانتهاء بتهجير ريف حمص الشمالي في مايو/أيار 2018 (ينظر الجدول أدناه[2].  كما تضمنت الهجرات مدنيين وعسكريين ومنتمين لمجموعات مصنفة كإرهابية، مما عقَّد المشهد الديمغرافي ووضع عبئًا كبيرًا على المنظمات الإغاثية والاجتماعية بسبب اختلاط السكان بالمجموعات المسلحة. ويُشير تقرير وحدة تنسيق الدعم أنه وحتى تاريخ 23 أبريل/نيسان 2018 بلغ عدد النازحين إلى الشمال السوري عمومًا من الغوطة الشرقية والقلمون حوالي 75339. ([3])

الجدول رقم (1) يوضح تحول إدلب إلى موئل لتهجير قسري ممنهج من كافة المناطق

 

بالمقابل، ترافق مع هذه الزيادات السكانية سياسات استجابة طارئة، خلقت مشكلات تحتاج إلى حلول تنموية. وبسبب حجم المسؤولية الكبيرة والضاغطة على المحافظة لم تجد الفعاليات الإدارية المحلية سوى المنظمات الدولية والمحلية لمساعدتها في حل أزمة المهجرين، وحاولت تشكيل نموذج (إسعافي) في إدارة المهجرين من خلال "الهيئة العامة لإدارة المهجرين" التي كان لها أدوار أولية في تخفيف العشوائية والفساد الحاصل في توزيع المساعدات وضبط احتياجات المخيمات وتقديمها للمنظمات([4])، إلا أن تردي الواقع الاقتصادي والإداري في المحافظة أسهم في تنامي المؤشرات التي تنذر باتساع حجم التحدي وازدياد صعوبات المعالجة. وشهد المستوى العام للأسعار ارتفاعًا ملحوظًا رافقه انخفاض كبير في سعر صرف الليرة التي وصلت إلى حدود 500 ليرة أمام الدولار بانخفاض قارب 90% للقيمة الشرائية. كما ارتفعت معدلات الفقر؛ إذ بلغت نسبة الفقر في المحافظة حوالي 90.5% في ([5])2015، وهي من أعلى النسب في سوريا. وإذا ما أضفنا نسب العوائل النازحة والمهجرة المحتاجة (حتى نهاية عام 2017) فإن النسبة العامة للفقر ستصل لمستويات بالغة الخطورة حيث يبلغ مجموع تلك العائلات 119.696 عائلة فيهم 107.622 عائلة ذات دخل شهري أقل من 40 دولاراً.([6]

كما أسهم تدهور الأداء الاقتصادي على كافة المستويات في الانكماش في النشاطات الاقتصادية وبروز العديد من النشاطات غير الرسمية كانتشار العمل العشوائي وتنامي ظاهرة "تجار الأزمة"؛ مما أفسح المجال أمام اقتصاد مواز يحاكي الرسمي المفترض، بإيراداته وشبكاته وتعاملاته التجارية. كما أن سوء الأحوال الأمنية وتدخل "الجماعات المسلحة" في مفاصل الإدارة، والقصف العنيف، وانتشار الاغتيالات، شكلت عوامل رئيسية لهروب أصحاب الأموال للخارج وعدم استقبال المحافظة لأي نوع من الاستثمارات، فانتشرت على إثر ذلك البطالة في ظل حاجة المواطنين الماسة للعمل من أجل كسب المال. 

بالعموم، فإن تزايد التحديات الناجمة عن تنامي الكثافة السكانية جراء سياسات التهجير وحركية النزوح المحلي فرضت على الفعاليات المحلية الإدارية والتنموية تحديات متنامية تستوجب منها إجراءات تراعي البُعد التنموي والاقتصادي في المحافظة، وهو الأمر الذي لا يزال متعثرًا بحكم السيولة الأمنية والاقتتال الداخلي من جهة، وتغليب منطق الاستجابة الطارئة بحكم المتغيرات المتسارعة في ملف المهجرين من جهة أخرى. 

مشهد عسكري وأمني مضطرب 

انخرطت محافظة إدلب -شأنها شأن معظم المحافظات- في الحراك السلمي والمظاهرات الشعبية منذ مارس/آذار 2011، ثم دخلت خط "الكفاح العسكري" الدفاعي ثم الهجومي في 2012، ثم جاءت سيطرة غرفة عمليات "جيش الفتح" على مدينة إدلب في مارس/آذار 2015. بالمقابل، استمرت جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام كامتداد لها في قضم الفصائل الثورية المحلية والتمدد العسكري والإداري والمدني والتغلغل في مناطق إدلب. 

شكَّل تحرير مدينة إدلب في 2015 مُرتكزًا لنمو حركة النزوح لاحقًا إليها وإلى تمدد نشاط المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني ثم الحكومة المؤقتة ثم اقتحام "حكومة الإنقاذ" كأداة إدارية لهيئة تحرير الشام المصنفة على لوائح الإرهاب. وزادت الأحداث من تداخُل الوجود العسكري مع اكتظاظ السكان النازحين في المحافظة وبالتالي من شدة التحديات الأمنية والاقتصادية. 

خضعت محافظة إدلب لعدة محاولات لوقف إطلاق النار أو خفض التصعيد والتوتر كان آخرها في 15 سبتمبر/أيلول 2017 في اجتماع الآستانة السادس بين روسيا وتركيا وإيران، وتمخض عن "تقاسم للأدوار والنفوذ"، ولكن لم تُنجز الخرائط التفصيلية وبقي الخلاف على بعض النقاط خاصة من الجانب الإيراني الذي أصر على تواجد قوات قريبة منه على الحواجز الفاصلة ونقاط المراقبة، بينما أصرت تركيا على إمساك الملف الأمني بمفردها. وأدى عدم حسم الملف إلى استغلال النظام وإيران للوضع واقتحمت قواته مناطق جنوب شرق محافظة إدلب شرق سكة الحديد في الشهر الأول من 2018 واستعادت السيطرة عليها. 

يُذكر أن نسب السيطرة قبل هجوم النظام كانت على الشكل التالي: 98.5% قوى الثورة مع انتشار لجبهة النصرة، و1.5% ميليشيات ممولة من إيران وقوات النظام. أما بعد هجوم ميليشيات إيران وقوات النظام فقد استطاع النظام أن يُسيطر على منطقة واسعة وصلت نسبتها إلى 16%، فأصبح توزُّع نسب السيطرة على الشكل التالي: 82.5% قوى الثورة متنازعة مع فصائل أخرى كجبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، و 17.5% ميليشيات إيران وقوات النظام. ([7])

وإثر تقدم النظام السريع في جنوب شرق إدلب سارعت تركيا إلى تنفيذ بنود اتفاق الآستانة ونشرت عدة نقاط مراقبة عسكرية وصلت إلى عشر نقاط حتى 9 مايو/أيار 2018 (موضحة على الخريطة الرئيسية)، ويُتوقع أن تصل إلى 20 نقطة لتُحيط بكامل أنحاء المحافظة ثم التفرغ لضبطها أمنيًّا وعسكريًّا. ([8]) ويكمُن التحدي الأساسي في إدلب أمام الجيش التركي المنخرط في عمليات لمواجهة قوات الحماية الشعبية الكردية في سيولة المشهد أمنيًّا وانخراط هيئة تحرير الشام جغرافيًّا في أماكن المدنيين وتداخلها مع هيئات إدارية كحكومة الإنقاذ وبعض المجالس المحلية. 

 

خريطة تبين مناطق السيطرة والنفوذ بين القوى العسكرية المحلية والإقليمية في إدلب ومحيطها

أما فيما يتعلق بالمشهد الأمني في إدلب، فقد شهدت هيئة تحرير الشام إضعافًا لبنيتها وعلاقتها بالحاضنة المجتمعية من عدة أطراف منذ بداية دخول الجيش التركي إلى إدلب؛ فقد سعت تركيا لعدم الدخول في حرب مفتوحة لمواجهة الهيئة وتأسيس مراكز المراقبة لوقف إطلاق النار حسب اتفاق الآستانة مما أدى إلى انقسام صفوف الهيئة في الموقف تجاه الدخول التركي وانشقاق عدد من فصائلها ومرجعياتها. وقامت أطراف عديدة غير معروفة -يرى البعض أنها خلايا متبقية من تنظيم "الدولة الإسلامية" و"جند الأقصى"- ببث الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة الهيئة عبر تنفيذ سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات. ومن الملاحظ من خلال تحليل بيانات الاستهداف الأخيرة خلال شهري مارس/آذار، وأبريل/نيسان 2018 أن أغلب أماكن حدوث الاغتيالات كانت في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (انظر الشكل أدناه).

 

الشكل رقم (1) يوضح توزيع السيطرة العسكرية في "مناطق الاغتيالات" بإدلب

الشكل رقم (2) يبين توزيع الجهات التي استهدفتها حملة الاغتيالات الأخيرة في إدلب

وشهدت المحافظة في الآونة الأخيرة عدة تطورات أبرزها تشكيل تنظيم "حراس الدين" في 27 فبراير/شباط 2018 بقيادة أبوهمام الشامي القيادي في تنظيم "القاعدة"، وأعلن بيعته لتنظيم "القاعدة". وضم تنظيم "حراس الدين" الفصائل التالية: حراس الشام، وسرايا الساحل، وسرية كابل، وجند الشريعة، بالإضافة إلى قيادات "القاعدة" في مجلس الشورى الذي يضم: أبو حبيب طوباس، وأبو خديجة الأردني، وسامي العريدي، وأبو القسام، وأبو عبد الرحمن المكي، وعدد من القيادات السابقة في "جبهة النصرة" التي رفضت فك الارتباط بالقاعدة. بعد نحو أسبوع من إعلان تشكيل "حراس الدين"، أعلنت ثلاث فصائل أخرى انضمامها إليه، وهي: "جيش الملاحم"، و"جيش البداية"، و"جيش الساحل". التزم تنظيم "حراس الدين" الحياد في الاقتتال الذي اندلع بين "هيئة تحرير الشام" و"جيش تحرير سوريا" في ريفي حلب وإدلب، ولكن هذا لم يمنع من حدوث بعض الاشتباكات بين مقاتلي "هيئة تحرير الشام" ومقاتلي حراس الدين في منطقة ريف حماه الشمالي، وخاصة أن معظم المنتسبين لحراس الدين هم عناصر (محلية وأجنبية) سابقة في الهيئة وفي جند الأقصى، ومعظمهم باتوا على خلاف واضح مع التيار الأقل تشددًا في الهيئة، وعلى خلاف مع قوى الثورة السورية. وأعلن تنظيم "حراس الدين" التابع لتنظيم "القاعدة" وفصيل "أنصار التوحيد" (منشق سابقًا عن "جند الأقصى")، في 29 أبريل/نيسان 2018، اندماجهما ضمن حلف واحد حَمَل اسم "حلف نصرة الإسلام". وذكر بيان مشترك لـ "التنظيمين"، أن هدف اندماجهما "إقامة دين الله تعالى، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ودفع العدو الصائل"، وذلك مِن "باب التعاون على البر والتقوى"، طبقًا للبيان. 

تنحصر سيطرة حلف "نصرة الإسلام المُبايِع لتنظيم "القاعدة" الآن في ريف حماه الشمالي وفي الريف الجنوبي من جسر الشغور في إدلب، ولكن الثقل الأساسي يكمُن في شمال حماه. ويبلغ عدد مقاتلي الحلف حوالي 2500 منهم 1000 أجنبي([9]). ومن المتوقع أن يزداد عدد الأجانب في التشكيل، خاصة مع قبول "هيئة تحرير الشام" التهدئة مع "جيش تحرير سوريا" وعدم فتح جبهات جديدة من النظام سواء من قوى الثورة أو غيرها. هذه الأسباب تجعل من "حلف نصرة الإسلام" الخيار الأخير والوحيد للأجانب كي يحموا أنفسهم في إدلب. لذا، من المرجح أن نشهد معارك بين هذا الحلف وقوى الثورة من جهة ومع الهيئة من جهة أخرى. يُذكر أن فصيلي "حراس الدين" و"أنصار التوحيد" شنَّا هجومًا مباغتًا، في مطلع شهر مايو/أيار 2018، على مواقع قوات النظام في ريف حماه الشمالي، وتمكَّنا من السيطرة على بلدة الحماميات وتلَّتِها الاستراتيجية بريف حماه، قبل أن ينسحبوا منها نتيجة غارات الطيران الروسي. 

تفكيك الخارطة الإدارية 

حدَّد القرار رقم 1378 للعام 2011، والصادر عن وزارة الإدارة المحلية التابعة للنظام([10])، التقسيمات الجغرافية المركزية للمحافظة بـ6 مناطق تضم 26 ناحية فيما تُقسَّم المحافظة إداريًّا لا مركزيًّا إلى 157 وحدة إدارية توزع على 15 مدينة و47 بلدة و95 بلدية تتمتع بالشخصية الاعتبارية و304 تجمعات([11])، إضافة إلى العشرات من القرى والمزارع والتجمعات التي لا تحظى بالشخصية الاعتبارية ولا تشملها التقسيمات الإدارية([12]).  ويُقدر عدد المجالس المحلية التي سقطت بيد النظام بحوالي 17 مجلسًا محليًّا معتمدًا، مقابل 140 مجلسًا محليًّا تديره قوى المعارضة.

الشكل رقم (3) يوضح توزيع نسب السيطرة على الوحدات الإدارية في إدلب بين النظام والفصائل السورية

ويُعاني المشهد الإداري في محافظة إدلب من هشاشة وتشظٍّ كبيرين، أسهم فيهما التداخل بين الحالتين السياسية والعسكرية في المحافظة، الذي انعكس على المنظومة الـمُهيكلة للمجالس المحلية بنشوء مجالس محلية غير معتمدة من الحكومة المؤقتة، وتضاعفت أعدادها بشكل كبير. كما أن تشكيل "حكومة الإنقاذ" من قبل شخصيات مرتبطة بتنظيم "هيئة تحرير الشام" المصنف إرهابيًّا من أطراف دولية([13]) وبحماية وقوة تنفيذية منها زاد في تعقيد المشهد وتداخل الجهات العسكرية بالتنظيمات الإدارية المدنية، وأسهم في تعدد المرجعيات وتضاربها، ويُضاف إلى ذلك انفلات منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية من عقال الضبط الحكومي. 

وحسب تقرير أولي لمسح ميداني أجراه مركز عمران للدراسات مع وحدة المجالس المحلية([14])، جرى في الفترة من  8 أبريل/نيسان 2018 وحتى 15 مايو/أيار 2018 في محافظة إدلب، فإن 59% من المجالس المحلية تُصنِّف نفسها بأنها تتبع إداريًّا للحكومة المؤقتة مقابل 7% تُصنف نفسها تابعة لحكومة الإنقاذ. ومن الملاحظات وجود عدد من المجالس التي تتبع الحكومة المؤقتة لكنها مرغمة على التعاون مع حكومة الإنقاذ، فيما تصنف 16% من المجالس نفسها بأنها مستقلة عن حكومتي الإنقاذ والمؤقتة. ومن أهم الملاحظات لفريق المسح الميداني كان عدم تطابق مناطق النفوذ العسكري لهيئة تحرير الشام مع تبعية المجالس المحلية؛ حيثُ تشكل المجالس المحلية التي لها تبعية إدارية للحكومة المؤقتة، رغم أنها تقع في مناطق السيطرة العسكرية لهيئة تحرير الشام، ما مُعدله 22% من مجالس المحافظة الفرعية. ويُمكن عزو ذلك لكون المجالس المحلية مُنبثقة عن الحاضنة الاجتماعية وتُمثل بدرجة كبيرة طبيعة المزاج العام الرافض لممارسات هيئة تحرير الشام. ويؤكد هذا التحليل استعداد عدد من المجالس التي زارها فريق المسح الميداني لانتخابات جديدة لمجالسها مثل أريحا وكفر تخاريم.

 

الشكل رقم (4) يبين توزيع نسب تبعية المجالس المحلية في إدلب

ومن أهم عناصر استحواذ حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام هي قدرتها على توفير الغاز والتحكم بمعابر تجارية مع النظام وصيانة وتوفير خدمات المياه للمنازل وإدارة المعابر الدولية التي تدر عليها دخلًا توزعه على عدد من المجالس المحلية التي تتبع لها، كما تجري زيارات ميدانية مكثفة للرقابة على عمل المجالس. واستحوذت أيضًا على أي دعم أو تمويل مستقل يأتي للمجالس لمنعهم من امتلاك استقلالية مالية، فمثلًا، كان مجلس كفر يحمول يملك أرضًا زراعية يقوم بتأجيرها ويستفيد من مواردها، لكن منذ سبعة أشهر استولت عليها حكومة الإنقاذ. 

عمومًا، يمكن تسجيل عدة ملاحظات تجاه فاعلية المؤسسات السياسية والإدارية المحلية والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني في محافظة إدلب، إذ تصطدم سياساتها بالعديد من العراقيل التي تحد من خياراتها، ويعود سبب ذلك أولًا: إلى التعارض في أجندات الجهات المسيطرة على المحافظة، وثانياً: لتشتت الإدارات والهيئات المدنية التي لا تزال تفتقر لرؤية استراتيجية موحدة تُمكنها من امتصاص صدمة النزوح وابتداع أدوات إدارة سياسية واقتصادية واجتماعية تتواءم مع الوضع غير المستقر للمحافظة، وثالثًا: للاعتمادية المفرطة على المنظمات الدولية والمحلية في تقديم المساعدات للسكان ومخيمات المهجرين والمجالس المحلية. 

إدلب والترتيبات السياسية والعسكرية المتوقعة 

رغم إنجاز اتفاق خفض التصعيد في إدلب ضمن الاجتماع السادس في الآستانة، في 15 سبتمبر/أيلول 2017، فإن الخرائط والتفاصيل الجزئية حول آلية المراقبة لم تُحسَم بين الأطراف الثلاثة بشكل نهائي. ولكن يبدو أن التقارب الروسي-التركي حول إدلب أكثر من تقارب الاثنين مع إيران. حيث صرح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى في إيران، بأن "الخطوة القادمة لمحور المقاومة ستكون تحرير مدينة إدلب السورية([15]). وحذرت الأمم المتحدة عبر نائب المبعوث الدولي إلى سوريا للشؤون الإنسانية، يان إيغلاند، من اندلاع حرب في إدلب لكونها أصبحت أكبر مخيم للنازحين في العالم. كما حذر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، من انتقال القتال إلى إدلب وتعريض المدنيين إلى خطر كبير. وفي نفس الوقت، تؤكد تركيا عبر عدة تصريحات للرئيس أردوغان أن إدلب وضبطها سيكونان الهدف القادم بعد عفرين ومنبج. ودعا وزير الخارجية الفرنسي، لو دريان، إلى ضرورة تقرير مصير إدلب من خلال عملية سياسية تتضمن نزع سلاح الميليشيات فيها. 

بالمقابل، لا يمكن فك مصير إدلب عن معطيات المشهد العسكري العام وجنوحه باتجاه تبلور طموحات إقليمية ودولية ناشئة تجعل هذا المشهد يدخل في مرحلة إعادة تشكل وترتيب جديد، سواء بالاتكاء على فكرة ومفهوم الدول الضامنة أو عبر ترسيم جديد لحدود النفوذ الدولي. وسينعكس هذا الترتيب الجديد حُكمًا (سلبًا أو إيجابًا) على العملية السياسية التي دخلت مرحلة من السيولة المغرقة منذ جنيف 8 وما تبعها من تطورات ميدانية -مثل عملية غصن الزيتون، ومحاولات إعادة ترسيم حدود منطقة إدلب، ومعركة "إسقاط" الغوطة الشرقية، والنفوذ الإيراني في الجنوب السوري- وما رافقها أيضًا من هشاشة في بنى الفاعلين السوريين، سواء المعارضة التي باتت جسمًا سائلًا يصعب ضبط توجهاته، أو النظام الذي يجد نفسه غير قادر على إرفاق السيطرة العسكرية بسيطرة سياسية واجتماعية (كما يتخيل)، وغير مؤهل لمواجهة استحقاقات مرحلة البناء وإعادة الإعمار. 

وفقًا لهذه المعطيات، يمكن الاستدلال فيما يتعلق بالمحافظة على أنها تسير وفق عدة اتجاهات يتضح التموضع التركي الرئيسي منها جميعًا، فتركيا رأت في اعتماد الخيارات الصلبة المدخل الأكثر حسمًا في مواجهة المهددات الأمنية التي تتعاظم ضدها، وسيكون لها تأثير واضح في الشمال السوري خاصة بعد شبه اكتمال تحقيقها لأهداف غصن الزيتون واستحواذها شبه المكتمل على الأجزاء الشمالية، بالإضافة إلى أدوار تركية محتملة ضمن مسار الآستانة فيما يخص محاربة جبهة تحرير الشام سواء عبر سياسات تفكيك أم مواجهة مباشرة عبر فصائل المعارضة، وفي ذات الوقت يُتوقَّع أن يخضع اتفاق الآستانة لخروقات مستمرة من قوات تتبع إيران وتميل إليها روسيا أحيانًا عندما تريد الضغط على تركيا، ثم تعود لتدعم الموقف التركي في تحصين هذه المنطقة أمنيًّا وإدارتها مدنيًّا. 

بالمقابل، يسعى النظام إلى الدفع باتجاه استعادة "السيادة الوطنية" عبر مقاربات عسكرية أو سياسية عندما يعجز عن استخدام أدوات الروس أو الإيرانيين. وقد يلجأ إلى عدة خيارات بالتوالي أو التوازي، أهمها:

  1. إنهاك منطقة إدلب أمنيًّا بتيسير مرور "أطراف متشددة" وتنفيذ عمليات أمنية واستهداف للشخصيات الثورية القادرة على جمع الحاضنة الشعبية. وتهدف هذه السياسة إلى إضعاف بنى المعارضة وإيجاد الحجج السياسية لعودة "سيادة مؤسسات الدولة". كما يسعى النظام إلى إفشال نموذج الإدارة المحلية وتصويره على أنه يتبع لمنظمات مصنفة دوليًّا إرهابية.
  2. استثمار مسار الآستانة بين الدول الثلاث: روسيا وتركيا وإيران، لتوسيع دائرة الدول المشاركة فيه وإعادة تعريف أدوار الضامنين، كالمطالبة بدور إيراني أكبر بهدف استخدامه للولوج إلى منطقة إدلب سياسيًّا.
  3. الدفع نحو صفقات أمنية جزئية بشكل ثنائي ومباشر مع القوى الدولية المتواجدة في سوريا، كتركيا وأميركا والأردن لتحييد القوى العسكرية السورية والأجنبية والسماح للنظام بعودة مؤسساته تدريجيًّا لاستعادة تحكمه بمفاصل الخدمات، ومن ثم إعادة اختراق الحاضنة والعودة الأمنية كما فعل في مناطق المصالحات.
  4. عقد صفقات لتحييد الطرق البرية والرئيسية والمعابر التجارية والدولية عن الصراع، وتبدو هذه الخطوة الأسهل على النظام لكونها تحقق مصالح مشتركة لكافة القوى، إلا أن النظام يريد منها إعادة امتلاك وظائف الدولة الأساسية وأجزاء من المواقع السيادية. 

خاتمة 

تتجه إدلب نحو عدة مسارات تعتمد على سياسات وردود أفعال عدد من الدول الفاعلة، خاصة تركيا التي تبدو الفاعل الرئيسي فيها. في حين يبدو أن النظام سيسعى بداية إلى عقد صفقات لفتح الطرق الدولية الرئيسية في سوريا وبالتالي عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف المناطق مع تعزيز حالة الفوضى الأمنية في مناطق المعارضة في إدلب بشكل خاص. ويتوقع أن يخضع اتفاق الآستانة لمساومات ومنازعات من قوات تتبع النظام وإيران وتميل إليها روسيا أحيانًا عندما تريد الضغط على تركيا.

 

المصدر مركز الجزيرة للدراسات: https://bit.ly/2s95y01

 


 

([1])منظمة التنمية المحلية بالتعاون مع الحكومة السورية المؤقتة، "أطلس المعلومات الجغرافي، إدلب"، 17 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):

 https://drive.google.com/drive/folders/0B9mAVSIoeDcPNFRKY1MzejNxV3c

يُشار إلى أن المكتب المركزي للإحصاء التابع للنظام يُقدِّر عدد سكان محافظة إدلب في عام 2016 بـ1445000 نسمة، وهو رقم يبدو أنه لا يشمل النازحين إلى المحافظة، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):  http://www.cbssyr.sy/yearbook/2017/Data-Chapter2/TAB-4-2-2017.pdf

 ([2]) وحدة المعلومات، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تقرير غير منشور، 8 مايو/أيار 2018.

([3]) وحدة التنسيق والدعم، "الكارثة في سورية: التهجير القسري من الغوطة الشرقية والقلمون"، 3 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول 9 مايو/أيار 2018).

https://goo.gl/oHLb94

([4]) حيث عملت الهيئة على تقسيم المحافظة إلى قطاعات ضمن كل قطاع عدد معين من المخيمات بحيث يكون لكل قطاع مدير ولكل مخيم إدارة خاصة به تعمل على إحصاء أعداد المهجرين واحتياجاتهم المختلفة داخل المخيم من سلع وخدمات تشمل الصرف الصحي والتعليم والصحة والطعام...إلخ، وترفع هذه الحاجيات إلى إدارة القطاع الذي بدوره يوصلها للهيئة العامة حيث تجتمع لديه لوازم ونواقص المخيمات في قطاعات المحافظة كافة، فيتم توجيه المنظمات الإغاثية حسب تلك المعلومات.

([5]) المركز السوري لبحوث السياسات، "مواجهة التشظي"، 11 فبراير/شباط 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):

 https://goo.gl/b7ibW2

([6]) إحسان للإغاثة والتنمية، "تقييم الاحتياجات متعدد القطاعات في محافظة إدلب"، يناير/كانون الثاني 2017، تقرير غير منشور لدى المؤلف.

([7]) حسب تقدير وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، غير منشور، بالاعتماد على احتسابها باستخدام برنامج ال ArcGis بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2018.

([8]) حسب الموقع التركي: http://www.suriyegundemi.com/2018/05/09/9620/ تاريخ الدخول 9 مايو/أيار 2018.

([9])  حسب مقابلة مع مصدر خاص في إدلب لدى وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 8 مايو/أيار 2018.

([10])  اعتمد القرار 1378 على القانون الإداري 107 المتضمن معايير تقسيم الوحدات الإدارية بحسب عدد السكان في كل منطقة، كما اعتمد على الإحصاء السكاني للمكتب المركزي للإحصاء التابع لحكومة النظام للعام 2004 وتعديلاته للعام 2011 وفق معدل النمو السكاني في سوريا

([11]) يُقصد بالشخصية الاعتبارية تمتع الوحدة الإدارية بالذمة المالية المستقلة والأهلية القانونية للقيام بالتصرفات القانونية المختلفة كإبرام العقود وحق التقاضي أمام القضاء وإمكانية مقاضاتها من الغير، والموطن المستقل عن الأفراد المكونين لها، ووجود شخص يعبِّر عن إرادة هذه الوحدة ويتصرف باسمها ويمثلها، إضافة إلى تمتعها بالمسؤولية المدنية والإدارية الكاملة

([12]) منظمة التنمية المحلية، 17 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018): https://bit.ly/2s2Uv8H

([13]) تم تصنيف "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية من طرف الولايات المتحدة الأميركية بتاريخ 10 مارس/آذار 2017، موقع وزارة الخارجية، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018): https://www.state.gov/j/ct/rls/rm/273854.htm

وانظر موقع السفارة الأميركية في دمشق، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018) إضغط هنا.

([14]) التقرير الأولي غير منشور بتاريخ 8 مايو/أيار 2018.

([15]) إيران: هدفنا القادم إدلب والوجود العسكري الأميركي لن يبقى شرق الفرات، موقع روسيا اليوم، تاريخ النشر: 13 أبريل/نيسان 2018: goo.gl/xmrxxc

 

التصنيف أوراق بحثية
الأربعاء, 11 نيسان/أبريل 2018 17:56

"ندوة أكاديمية بعنوان "مآلات الثورة السورية

شارك مركز عمران  للدراسات الاستراتيجية ممثلاً بباحثيه أيمن الدسوقي ومعن طلاع بالندوة الأكاديمية التي عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والتي حملت عنوان "مآلات الثورة السورية"، وذلك يومي 7 و8 نيسان 2018، في العاصمة القطرية الدوحة.

في اليوم الأول تناول الباحث الدسوقي في ورقته التي جاءت تحت عنوان: "مقاربة الحركات الجهادية للحكم المحلي وأثرها في الثورة السورية: مقارنة بين تنظيم الدولة وهيئة تحرير الشام" أنماط الحكم المحلي التي أفرزتها الثورة السورية، وخصوصاً تلك التي نشأت بظهور الحركات الجهادية كـ "تنظيم الدولة الإسلامية" و"هيئة تحرير الشام".  في المنطقة، مبرزاً نقاط الاختلاف بينهما في ظل تفاوت الأدوات والمسميات المستخدمة والهياكل التنظيمية في إدارة وحكم كلً منهما.

في حين ركزت مشاركة الباحث طلاع في اليوم الثاني من الندوة في ورقته التي جاءت تحت عنوان: "تحولات البنية الأمنية للنظام السوري خلال الثورة"، على أهم التحولات التي شهدتها البنية الأمنية للنظام، والمتمثلة بعدم تماسك البيئة الأمنية في مناطق النظام وعدم خضوعها "إداريًا" أو "وظيفيًا" لقوة أمنية مركزية مضبوطة، مدللاً على تدهور مؤشرات الاستقرار الأمني بتدفق الميليشيات الأجنبية الحليفة للجغرافيا السورية من جهة، وبقرار تكوين مجموعات عسكرية محلية يشرف عليها كبار رجال النظام من جهة ثانية. مما عزز من نتائج الفشل الوظيفي والسيولة الأمنية وتعارض الأجندة الأمنية للفواعل الأمنية في مناطق سيطرة النظام.

ومن الجدير بالذكر أن الندوة حضرها العديد من الشخصيات السورية الفاعلة في الثورة السورية من سياسيين وناشطين وباحثين.

التصنيف أخبار عمران

مُلخّصٌ تنفيذيّ

  • تبدو حملة موسكو والنظام على الغوطة الشرقية مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض النظام بأنه الأقوى على الأرض، مستفيداً من فائض القوى الذي ولدته اتفاقات خفض التصعيد، وافتراض روسي مقابل باستمرار الولايات المتحدة في سياساتها المضطربة تجاه الملف السوري واقتصار دورها على شرق الفرات.
  • وقعت موسكو من خلال حملة الغوطة الشرقية في فخ التحول المباشر إلى طرف في الأزمة السورية بدلاً من فاعل دولي مساعد في الحل، وهو الدور الذي لطالما حاولت موسكو الإيحاء به، إضافة إلى تورط حليفها النظام في معركة طويلة الأمد قد تشكل حرب استنزاف لقواه وتعيد للعالم صورة النظام الدموي الذي يقتل شعبه، والتي حاول النظام وحلفاءه إخفاءها خلف ستار "حرب الإرهاب".
  • وضعت موسكو نفسها بين فكي كماشة أمريكية أوروبية تتيح لهم الفرصة للضغط على موسكو وتصفية الحسابات الموزعة على عدة ملفات عالقة بين الطرفين، الأمر الذي يُعَدُّ مؤشراً على أن ملف الغوطة الشرقية قد تجاوز حدودها الجغرافية إلى صراع دولي.
  • إن لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظة حاسمة ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار أثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على المواجهة بين النظام السوري وشعبه. وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حمل ضمناً رسالة مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران.
  • إن تفاعل المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاستراتيجي الأمريكي خصوصاً والناتوي عموماً، لم يكن في حسابات موسكو، والتي لجأت في محاولة لاستدراك آثاره إلى تحرك ورد فعل سريع في الغوطة.
  • في هذا المناخ المتوتر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، يمكن فهم تفرد موسكو الواضح بعملية الغوطة، مقابل حضور إيران الملتبس، بناءً على عاملين: رغبة موسكو باستعراض قوتها منفردة كند لواشنطن وتثبيت مناطق نفوذ خالصة لها دون تواجد إيراني. إضافة إلى سعي موسكو للتخفيف من حضور طهران لتجنب هذا التشنج الإقليمي (الإسرائيلي-الخليجي) والدولي اتجاه إيران وسلوكها في المنطقة، والاحتمالات المتزايدة للتحرك العسكري ضدها.
  • تشكل الغوطة الشرقية اليوم-بعد دير الزور-إحدى المحطات التي ستتوضح فيها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، ومقياساً لمدى جدية الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا والخليج العربي في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، والوصول إلى حل سياسي للأزمة يرسم مستقبل سورية بدون الأسد.

مدخل

بدأ النظام السوري مدعوماً بغطاء جوي ودبلوماسي روسي في 18 شباط/ فبراير حملة قصف جنونية طالت مدن وبلدات الغوطة الشرقية؛ استهدفت بنيتها التحتية وتسببت بمقتل المئات من المدنيين، تبعتها محاولات للتقدم البري تكبد فيها النظام خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. أثارت تلك الحملة ردود أفعالٍ دولية معارضة وحراكاً دبلوماسياً نشطاً لوقفها، تصدرته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسويد، وأفضى إلى استصدار القرار الدولي رقم: (2401)، والقاضي بوقف الأعمال العسكرية لمدة شهر وإدخال المساعدات الإنسانية، ولكن النظام وحليفه الروسي لم يلتزما بالهدنة وطرحا بديلاً يقوم على فتح معبر إنساني لخروج المدنيين، بيد أن أهالي الغوطة لم يستجيبوا لتلك الدعوات ورفضوا الخروج حتى الآن.

 وعلى الرغم من الحراك الدبلوماسي النشط أوروبياً وأمريكياً، والحراك الروسي المضاد في أروقة مجلس الأمن؛ إلا أن المشهد يكاد يخلو من أي دور إقليمي فعال دبلوماسياً، سواء على الصعيد الخليجي التركي، أو على المقلب الآخر حيث لا يلحظ أيضاً ثقل إيراني دبلوماسي وعسكري فعّال وواضح على الأرض، الأمر الذي يشير إلى أن الغوطة أصبحت ساحة للصراع الدولي؛ بين أمريكا وأوروبا من طرف وروسيا من طرف آخر، بشكل يجعل الفاتورة البشرية للضحايا مرشحة للارتفاع في الأيام القادمة، ويبقي مآل الغوطة ملتبساً وخاضعاً لعدة احتمالات تبعاً لقدرة أهالي الغوطة وفصائلها على الصمود أولاً، ومدى جدية المجتمع الدولي وقدرته على فرض وقف إطلاق النار وإجبار موسكو والنظام على الالتزام بالهدنة، حيث تشكل الغوطة اليوم اختباراً للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية وقدرتها على تحجيم الدور الروسي بشكل يعيد بثّ الحياة في مسار جنيف المعطل، ويعيد ضبط بوصلة الحل السياسي باتجاه بعيد عن الطموحات الروسية للتفرد به. وعليه تسعى هذه الورقة إلى رسم ملامح المشهد الدوليّ الجديد لفهم وتفكيك ما يجري اليوم في الغوطة الشرقيّة بشكلٍ خاص، واستشراف مآلات الحملة العسكرية عليها وأثرها على مسار الحل السياسي في ظل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه سورية. مقابل قراءة تحليلية على مستوى الملف السوري برُمّته، والذي دخل مرحلة جديدة وحساسة تشكل الغوطة الشرقيّة بوابتها، ويمكن تسميتها "مرحلة ما بعد الإرهاب".

أولاً: النظام وموسكو (المغامرة)

لا تبدو الحملة العسكرية التي يقودها النظام وروسيا على الغوطة الشرقية عملية مدروسة الأبعاد والعواقب، سواء على المستوى العسكري ومقاربة موسكو لسيناريوهات مناطق سورية أخضعتها سابقاً(حلب)، أو على المستوى الدبلوماسي الذي تمثل بفشل محاولات تبرير العملية وخلق غطاءٍ دوليّ لها. لذلك يمكن القول إن ما تقوم به قوات النظام وموسكو في الغوطة مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض النظام بأنه الأقوى على الأرض بعد التقدم الذي أحرزه في إدلب ودير الزور، مستفيداً من فائض القوى الذي ولدته اتفاقات خفض التصعيد، وافتراض روسي مقابل باستمرار الولايات المتحدة في سياساتها المضطربة تجاه الملف السوري واقتصار دورها على شرق الفرات، الأمر الذي يمنح موسكو المساحة الأكبر في ترتيب الأوضاع على الأرض بما يتناسب مع مصالحها ورؤيتها للحل السياسي. ويمكن الاستدلال على عامل المغامرة في هذه العملية من خلال مجموعة نقاط:

1.   غياب الذريعة

تجلت ذريعة النظام وموسكو المعلنة للهجوم على الغوطة بوجود عناصر إرهابية تتبع هيئة "تحرير الشام" في بعض مناطق الغوطة، ولكن إعلان فصائل الغوطة استعدادها لإخراج هذه العناصر أحرج موسكو، والتي عطّلت بدورها التفاوض حول خروج هؤلاء العناصر؛ لتتحول الذريعة إلى استهداف المدنيين في العاصمة دمشق بالقذائف من قبل فصائل المعارضة، وهو الأمر الذي يشير إلى مأزق موسكو في تغطية عملها العسكري وتقديم مبررات مقبولة لدى المجتمع الدولي لاستمرار حملتها على الغوطة وما ينتج عنها من مجازر يومية، خاصة وأن حجة "الإرهاب" لا تجدي نفعاً في حالة الغوطة، والتي تعترف موسكو بفصيليها الأقوى (جيش الإسلام- فيلق الرحمن)، حيث وقّعت معهما تتابعاً اتفاقاً اعتبرت بموجبه الغوطة منطقة خفض تصعيد. ولعل غياب الذريعة هو ما شكّل عاملاً مساهماً في تقوية المواقف الأمريكية الأوروبية ضمن مجلس الأمن، ودفع الدبلوماسية الروسية لتجنب المزيد من العزل الدولي في أروقة الأمم المتحدة، عبر عدم استخدام الفيتو في وجه القرار (2401)، مقابل تمريره بعد الالتفاف عليه وإفراغه من مضمونه وعدم الالتزام بتطبيقه.

2.   المقاربة الخاطئة

مقابل غياب الذرائع، فإن إشارة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ومندوب النظام في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، لإمكانية تطبيق سيناريو حلب في الغوطة الشرقية؛ يبدو مقاربة خاطئة وغير مدروسة، وذلك وفقاً لعدة عوامل تصب في صالح الغوطة لناحية عدم إمكانية سحب سيناريو حلب عليها، ولعل أبرز تلك العوامل:

  • المساحة والجغرافية: حيث تمتد الغوطة الشرقية على مساحة 110 كم2، في حين اقتصرت مساحة الأحياء الشرقية لحلب في السيناريو الشهير على 3كم2، بالإضافة إلى أن جغرافية الغوطة تتشكل من مدن وبلدات متفرقة ومترامية ومساحات مفتوحة من الأراضي الزراعية بشكل يضطر النظام إلى خوض نوعين من المعارك، وهي حرب المدن والحرب النظامية في المساحات المفتوحة، الأمر الذي قد يزيد من خسائر قواته ويجعل الغوطة منطقة أكثر صعوبة من معارك أحياء حلب الشرقية، وهذا ما تدل عليه خسائر النظام الكبيرة في حملاته الثمان السابقة على الغوطة منذ العام 2012([1]).
  • السكان: يعيش في الغوطة الشرقة الآن ما يقارب 400 ألف نسمة من المدنيين المحاصرين منذ العام 2013، بشكل جعلهم يطورون بدائل محلية مستندة إلى خبرتهم كمزارعين، الأمر الذي يجعل الحصار أخف وطأة عليهم من حلب الشرقية، وإمكانية إفراغ الغوطة من سكانها على غرار حلب أمراً صعباً، حيث لا توجد اليوم منطقة سورية تحتمل هذه الكتلة البشرية في حال هُجّرت.
  • المقاتلون: لا يزيد عدد المقاتلين في الغوطة الشرقية كثيراً عن نظرائهم في حلب الشرقية، حيث تتراوح التقديرات بين 8000- 10000 آلاف مقاتل، ولكن الفارق في أن المقاتلين في الغوطة هم أبناء المنطقة بكتلتهم الكبرى، مما يزيد في تعزيز عامل الدفاع عن أرضهم وعوائلهم، إضافة إلى أن تنظيمهم وتسليحهم وخبراتهم القتالية تعد أفضل مما كانت عليه فصائل حلب، فالفصائل الثلاثة الكبرى في الغوطة (جيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) أظهرت مرونة تفاوضية منذ بداية الحملة العسكرية وتنسيقاً عالياً في صد الهجوم البري، حيث دخلت في غرفة عمليات مشتركة متجاوزة خلافاتها السابقة([2])، ناهيك عن اعتمادها على الإنتاج الذاتي للأسلحة والذخائر التي تحتاجها، مما يمنحها القدرة على المقاومة طويلة الأمد، والأهم من ذلك هو صعوبة إخراج هذا العدد من المقاتلين المدربين والمنظمين إلى أي من جبهات المعارضة الأخرى، إذ سيؤدي ذلك إلى اختلال في موازين القوى مع النظام في تلك الجبهات المحكوم أغلبها باتفاقات أمنية إقليمية ودولية، بالإضافة إلى اختلال توازن القوى القائم بين الفصائل المهيمنة على الجبهات بشكل قد يدفعها إلى رفض استقبال كتلة عسكرية كهذه، يصعب السيطرة عليها و تطويعها ضمن فصائل أخرى.
  • الفاعلية الإقليمية: تعتبر الغوطة جغرافية داخلية غير حدودية مع أيّ دولة، الأمر الذي يعدُّ عاملاً هاماً يمنح فصائلها مساحة أكبر نسبياً في التحرك الدبلوماسي والمواجهة العسكرية بعيداً عن التأثير الإقليمي المباشر، والذي كان عاملاً حاسماً في سقوط أحياء حلب الشرقية. فبالرغم من وجود داعمين إقليميين لفصائل الغوطة؛ إلا أن النشاط الدبلوماسي والسياسي منذ بدء مسار أستانة يُظهر بوضوح المساحة الأوسع نسبيّاً من القرار الذاتي التي تتمتع بها قيادتا جيش الإسلام وفيلق الرحمن بعيداً عن الهيمنة الإقليمية المباشرة، والخاضعة لها غالبية الفصائل في الجبهات الشمالية والجنوبية.

3.   رد الفعل الدولي

يبدو أن اختيار موسكو لتوقيت العملية العسكرية ضد الغوطة الشرقية؛ عبّر بشكلٍ أو بآخر عن سوء تقدير من قبلها لجدية الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بخصوص سورية، والتي أعلن خطوطها العامة وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، قبل شهر تقريباً من بداية الحملة على الغوطة، والتي تعتمد على تطويق النفوذ الإيراني وبناء مستقبل سوري من دون الأسد، ما يعني استهداف حلفاء موسكو بشكل يقوض من فاعلية الدور الروسي في سورية، وذلك عبر عودة الثقل الأمريكي الأوروبي الذي كان منشغلاً في فترة حرب تنظيم الدولة "داعش"، لذلك أسفرت الحملة العسكرية على الغوطة عن ردود أفعال أمريكية أوروبية معارضة وغير مسبوقة، تراوحت بين الضغط الدبلوماسي عبر مجلس الأمن و التواصل المباشر مع موسكو وصولاً إلى التلويح بالقوة العسكرية في حال تم استخدام السلاح الكيماوي، الأمر الذي يمكن أن يُفسّر كإثبات لجدية واشنطن وأوروبا في العودة بقوة للانخراط في الملف السوري وعدم السماح لموسكو بالتفرد في المناطق السورية الواحدة تلو الأخرى في إطار سعيها لفرض رؤيتها الخاصة في الحل السياسي.

ويشير واقع الحراك الدولي -الأمريكي الأوربي- تجاه الحملة الروسية على الغوطة، وما تبعه من حملة إعلامية دولية وحراك مدني سوري في مختلف عواصم العالم؛ بأن موسكو ونتيجة لمغامرتها غير المحسوبة قد وقعت في فخ التحول المباشر إلى طرف في الأزمة السورية بدلاً من فاعل دولي مساعد في الحل، وهو الدور الذي لطالما حاولت موسكو الإيحاء به، إضافة إلى تورط حليفها النظام في معركة طويلة الأمد قد تشكل حرب استنزاف لقواه وتعيد للعالم صورة النظام الدموي الذي يقتل شعبه، والتي حاول النظام وحلفاءه إخفاءها خلف ستار "حرب الإرهاب". وبذلك تكون موسكو لم تنجح في تحقيق نصر سريع يُستخدم في استكمال صورة المنتصر التي يريدها الرئيس، فلاديمير بوتين، قبيل الانتخابات الروسية في الثامن عشر من الشهر الجاري، بل ووضعت نفسها بين فكي كماشة أمريكية أوروبية تتيح لهم الفرصة للضغط على موسكو وتصفية الحسابات الموزّعة على عدة ملفات عالقة بين الطرفين، الأمر الذي يُعَدُّ مؤشراً على أن ملف الغوطة الشرقية قد تجاوز حدودها الجغرافية إلى صراع دولي.

ثانياً: المشهد السوري الجديد (ما بعد الإرهاب)

يبدو أن نشوة "الانتصارات" التي حققها تدخل موسكو العسكري في سورية قد غيّبت عن العقل الاستراتيجي الروسي حقيقة مفادها أنَّ؛ لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظةً حاسمةً ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار أثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على المواجهة بين النظام السوري وشعبه.  وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حملَ ضمناً رسالةً مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران، وهو ما بدأت تظهر مؤشراته بوضوح مع مطلع العام 2018، والتي تمثلت في إعلان استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة المتمحورة حول احتمال المواجهة مع روسيا والصين([3])، ووضحت أكثر ضمن خطاب وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، في جامعة ستانفورد، والذي استعرض فيه الرؤية الأمريكية في سورية ما بعد "داعش"، حيث أكد على نية واشنطن الاحتفاظ بوجودها العسكري في سورية لمواجهة بقايا تنظيم الدولة والنفوذ الإيراني، وعدم تكرار خطأ العراق بالانسحاب، إضافة إلى استبعاد وجود الأسد في مستقبل سورية ودعوة موسكو للتعاون لإعادة الهدوء لمناطق خفض التصعيد([4]).

 بالمقابل شهد شهر شباط/ فبراير تصعيداً عسكرياً أمريكياً روسياً، من جهة، في دير الزور وتمثل في الضربة الأمريكية لمليشيات النظام ومرتزقة روس حاولوا تجاوز الخط الأحمر الأمريكي للعبور إلى شرق الفرات. إضافة إلى تصعيد إيراني إسرائيلي، من جهة أخرى، تمثل في إسقاط الطائرة الإسرائيلية في سورية، ثم تمت ترجمة التوتر العسكري في سورية بشكل تصعيد كلامي في "مؤتمر ميونخ" للأمن، حيث هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتحرك العسكري ضد طهران إذا لزم الأمر([5])، كما كشفت الخُطب في ذات المؤتمر عن مدى تعقد المشكلات العالقة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، بدءاً من شبه جزيرة القرم والتدخل الروسي في شرق أوكرانيا، إلى تورطها بالانتخابات في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبية، مروراً بدعمها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وصولاً إلى امتناعها عن الالتزام بمعاهدات خفض التسلّح، وحشدها مزيداً من القوات في شمال غربي روسيا وجيب كاليننغراد، ما يشكّل تهديداً لأمن دول البلطيق والبلدان الإسكندنافية([6]).

ويبدو أن تفاعل تلك المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاستراتيجي الأمريكي خصوصاً والناتوي عموماً، لم يكن في حسابات موسكو، والتي لجأت في محاولة لاستدراك آثاره إلى تحرك ورد فعل سريع في الغوطة الشرقية يحقق لها عدة أهداف في هذا الإطار، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال عدة مؤشرات:

  1. "شيطنة الغوطة": والذي تجلى في المناخ السائد في موسكو بين أوساط خبراء سياسة الشرق الأوسط ومراكز الدراسات المقربة من دوائر صنع القرار قبيل بدء الحملة على الغوطة، واعتبارها "نقطة تواجد أمريكية من حيث التسليح ودعم الفصائل"، وأن أولوية روسيا الاتحادية يجب أن تكون إخراج الأمريكان من محيط دمشق، حيث أنتج هذا المناخ عملية إعلامية ضخمة لشيطنة الغوطة لدى النخبة الروسية والرأي العام كمقدمة لتبرير التدخل العسكري للسيطرة عليها([7]).
  2. عملية انتقامية: يمكن القول بأن موسكو تستثمر العملية العسكرية في الغوطة للرد على الضربة الأمريكية في دير الزور، والتي أودت بحياة 200 من المرتزقة الروس في خسارة تعادل خمسة أضعاف خسائر موسكو منذ تدخلها في سورية 2015، وبالرغم من الإنكار في البداية ومن ثم الصمت عن الحادثة الذي انتهجته موسكو؛ إلا أن محللين روس اعتبروا الحادثة " أول اشتباك بين القوتين منذ حرب فيتنام، وأنها فضيحة كبرى وسبب لأزمة دولية حادة، ولكن روسيا ستتظاهر وكأن شيئاً لم يحدث"([8]).
  3. تسويق السلاح: إن فتح جبهة جديدة في سورية يتيح لموسكو فرصة لتسويق أسلحتها الجديدة، وهو نهج اعتمدته روسيا منذ بداية تدخلها العسكري في سورية، حيث جرّبت حوالي 200 نوع سلاح جديد([9])، إذ تحتاج موسكو حملة تسويقية جديدة في سورية لأسلحتها بعد فضيحة فشل منظومة S400 في حماية قاعدة حميميم من هجوم بالقذائف أدى إلى تدمير سبع طائرات في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2017([10])، وسقوط إحدى طائراتها في إدلب ومقتل الطيار مطلع شباط/ فبراير الفائت، الأمر الذي دفع موسكو لاستخدام طائراتها الأحدث من الجيل الخامس "الشبح" في الغوطة بالرغم من أنها لم تنهي اختباراتها بعد([11])، هذا الاستخدام الذي تبعته تصريحات الرئيس الروسي حول تطوير صواريخ بالستية جديدة تحمل رؤوس نووية قادرة اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأمريكي، في إعلان عن سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية ([12]).

وفي هذا المناخ المتوتر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية يمكن أيضاً فهم تفرّد موسكو بعملية الغوطة الشرقية، وتجنبها لحضورٍ إيرانيٍ واضح وفعَال بناءً على عاملين:

  • رغبة موسكو باستعراض قوتها منفردة كند لواشنطن وتثبيت مناطق نفوذ خالصة لها دون تواجد إيراني.
  • تجنب هذا التشنج الإقليمي (الإسرائيلي-الخليجي) والدولي اتجاه إيران وسلوكها في المنطقة، والاحتمالات المتزايدة للتحرك العسكري ضدها.

كما يمكن من خلال العلاقة مع روسيا تفسير مواقف الدول الأوروبية المتصدرة للحراك الدبلوماسي في مجلس الأمن ضد عملية موسكو في الغوطة الشرقية، فبالإضافة إلى الملفات المعلقة بين الناتو وروسيا، تشتعل حرب إعلامية بين موسكو وبريطانيا حول دعم الأخيرة للدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، والذي تعتبره موسكو منظمة "إرهابية"، وتدير في هذا الإطار حملة إعلامية دولية كشفت تفاصيلها صحيفة الغارديان البريطانية([13])، بشكل جعل الطرفان في مواجهة إعلامية ودبلوماسية حول سلوكهما في سورية. كما يزيد من الحراك الألماني تجاه ما يحدث في الغوطة، إضافة إلى مشاكلها الناتوية مع موسكو، شعورها بالحرج الأخلاقي إزاء ملف استخدام الكيماوي في الغوطة، خاصة بعد ما نشرته صحيفة "ديرشبيغل" الألمانية حول تورط شركات ألمانية في تصدير أجزاء من الصواريخ التي ضُربت بها الغوطة في العام 2013([14]). أما السويد فتجد في الهجوم على الغوطة فرصة لإدانة موسكو، والتي أدى التوتر بينهما نتيجة النشاط الروسي في البلطيق إلى احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية نهاية العام 2016([15])، في حين تلتزم فرنسا وإدارة ماكرون بالخط الأحمر الذي وضعته الإدارة السابقة فيما يخص استخدام القوة في حال حدوث هجوم كيماوي في سورية. أما المواقف العربية الخجولة والمقتصرة على تصريحات بخصوص الوضع الإنساني، فيمكن فهمها في إطار الانشغال بالنفوذ الإيراني في سورية، والحشد الدولي لمواجهته، وعليه تفضل الدول العربية وعلى رأسها الخليجية عدم المواجهة مع موسكو، خاصةً في ظل استمرار الأزمة الخليجية، ولذلك يمكن اعتبار المبادرة المصرية مجرد محاولة لذر الرماد في العيون وإخلاء المسؤولية بوصف مصر أحد الضامنين لاتفاق خفض التصعيد في الغوطة.

ثالثاً: نتائج وخلاصات

من خلال استعراض طبيعة الحملة العسكرية التي تقودها موسكو والنظام السوري على الغوطة الشرقية وتحليل المناخ الدولي والإقليمي المحيط بها، مقابل استعراض نقاط القوة الداخلية للغوطة، يمكن التوصل إلى النتائج التالية:

  1. خيار روسي: يبدو أن قرار الهجوم الحالي على الغوطة الشرقية لم يكن للنظام السوري بقدر ما كان خياراً روسياً يستهدف واشنطن من خلال مناطق المعارضة التي تعتبرها موسكو "موالية لأمريكا"، ولعل اختيار رجل موسكو في جيش النظام، سهيل الحسن، لقيادة العملية يفهم في سياق التأكيد على أن العملية تخدم مصالح موسكو أكثر من النظام السوري.
  2. تدويل الصراع: إن تحول ملف الغوطة الشرقية إلى ساحة صراع دولية بين موسكو من جهة وأمريكا وأوروبا من جهة أخرى؛ قد يزيد من أمد الحملة، خصوصاً مع ما تظهره فصائل الغوطة وأهلها من صمود ورفض لخيار الخروج حتى الآن.
  3. معركة طويلة الأمد: ترتكز استراتيجية موسكو والنظام في محاولتهما التقدم برياً من الجبهات الشرقية للغوطة (حوش الظواهرة، الشيفونية، وغيرها) وهي مساحات زراعية مفتوحة، على تجنب حرب المدن في المحاور الأخرى وتخفيف خسائرها، إضافة إلى محاولات السعي لفصل شمال الغوطة عن جنوبها عسكرياً كمرحلة أولى في تقسيمها إلى جيوب، بشكل يُسهَل من السيطرة عليها لاحقاً، الهدف الذي لا يبدو سهلاً ويشير بنفس الوقت إلى نية موسكو خوض معركة طويلة الأمد بهدف إخلاء الغوطة.
  4. موازنة الحل السياسي: يبدو أن الحراك الدولي المناهض لعملية الغوطة والهادف لإيقاف القصف عنها ومنع سقوطها، مستمر بوتيرة متصاعدة وأكثر جدية من سابقتها ويدفع باتجاه خيارات مفتوحة لأمريكا وأوروبا بشكل قد يتجاوز مجلس الأمن، خاصة وأن الغوطة الشرقية تمثل الورقة الأكثر تأثيراً في موازنة الحل السياسي بعيداً عن طموحات موسكو والنظام في الحسم العسكري. الخيارات التي سترتبط بشكل مباشر في مدى تصعيد النظام وموسكو في الغوطة الشرقية واحتمالية استخدام الأسلحة المحضورة دولياً أو الاستمرار في عدم الالتزام بقرار مجلس الأمن.
  5. احتمالان: في ظل ما تقدم من نتائج يصبح احتمال سقوط الغوطة عسكرياً وإخلاءها من سكانها ضعيفاً في المدى القريب، وممكناً في حال استمرار الحصار ووتيرة القصف العالية لمدة طويلة، مما يعني قدرة موسكو على تحقيق انتصار دبلوماسي على أمريكا وأوروبا، وهذا ما يبدو أن الأخيرة لن تسمح به، أما الاحتمال الأكثر ترجيحاً يتمثل بنجاح المساعي الدبلوماسية مع موسكو في التوصل إلى تهدئة وتثبيت لاتفاق خفض التصعيد، مقابل تنازل المعارضة السورية عن بعض المناطق الواقعة تحت سيطرتها في محيط العاصمة، والتي تبعد خطر قذائفها عن دمشق "تبعاً للذريعة الروسية"، وتحفظ لموسكو ماء وجهها، كما أن هذا الاحتمال قد يكون مغرياً لموسكو والنظام لضم المناطق المحيطة بالعاصمة (جوبر، حرستا، وأجزاء أخرى) إلى مشروعها لإعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث تعتبر تلك المناطق ضواحي سكنية لمدينة دمشق .
  6. مسار أستانة: من المستبعد أن تؤثر الغوطة أياً كان الاحتمال الذي ينتظرها على مسار أستانة لناحية مناطق خفض التصعيد التي أنتجها، فحتى الآن تُظهر الأطراف الفاعلة في الملف السوري (دولية وإقليمية) رغبة في الحفاظ على هذا المسار، وخصوصاً في الجنوب، حيث يوجد الأردن والولايات المتحدة الأمريكية كشركاء في التفاهم الذي أفضى إلى ضمه إلى مناطق خفض التصعيد، على عكس الغوطة التي تفتقد الظهير الإقليمي الحدودي، أما الشمال السوري فالتفاهمات بخصوصه قد أُنجزت بين تركيا وروسيا من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، كما أن التحسن الملحوظ في العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة بعد زيارة تيلرسون الأخيرة والتقدم الذي تحرزه تركيا في معارك عفرين، قد يمنح تركيا مساحة أكبر لمناورة موسكو في الشمال وتحجيم تطلعاتها وإيران للاستحواذ على مزيد من الأراضي، في حين تعتبر المنطقة الرابعة من مناطق خفض التصعيد (ريف حمص الشمالي) هي الأنجح والأكثر هدوءاً حتى الآن وغير مرشحة للانفجار مستقبلاً.
  7. صراع جديد: تعتبر نتائج الحملة على الغوطة سياسية أكثر منها عسكرية، ففي حال تمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيين من الحؤول دون سقوط الغوطة ومنع موسكو من تأمين محيط العاصمة، فهذا سيعني تقليم أظافر موسكو عسكرياً وسياسياً في سورية، وإحداث توازن قوى بخصوص شكل الحل السياسي وعقبة بقاء الأسد، أما في حال تمكن موسكو من إسقاط الغوطة فهذا سيعني توسيع مساحة سيطرتها ونفوذها وتثبيتها في مواجهة مناطق السيطرة الأمريكية في شمال شرق سورية، الأمر الذي سيحوّل سورية إلى ساحة لحرب باردة جديدة بين موسكو وواشنطن تطيل من أمد الصراع وتعقّد الملف السوري بشكلٍ أكبر.

رابعاً: التوصيات

تشكل الغوطة اليوم بعد دير الزور إحدى المحطات التي ستتوضح فيها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، ومقياساً لمدى جدية الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا والخليج العربي في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، والوصول إلى حل سياسي للأزمة يرسم مستقبل سورية بدون الأسد، وعليه فإن الظرف الحالي يعتبر دقيقاً جداً، ويفرض على المعارضة السورية العسكرية والسياسية تجاوز أخطائها السابقة وإعادة هيكلة نفسها استعداداً لاستثمار المرحلة القادمة، والتي ستكون الغوطة بوابة الدخول لها، وعليه يمكن الإشارة إلى بعض التوصيات الهامة:

1.   على مستوى الغوطة

  • تعزيز عوامل الصمود: إن حالة الصمود التي تعيشها الغوطة اليوم هي حاصل تظافر جهود المدنيين ومنظمات المجتمع المدني والفصائل العسكرية، واستمرار هذا الصمود ريثما تؤتي جهود المجتمع الدولي أكلها في وقف المجزرة الجارية يبقى رهناً بالحفاظ على هذا التنسيق العسكري مع القوى المدنية، وقدرة الفصائل على تجاوز خلافاتها السابقة.
  • سد الذرائع: ويتمثل بسحب ذريعة وجود عناصر هيئة فتح الشام في الغوطة من يد روسيا، وذلك يمكن أن يكون عبر التفاوض مع مقاتلي الهيئة لحل التشكيل نفسه في الغوطة وتسليم سلاحه إلى فصائل الغوطة في حال تعذر إخراجهم إلى الشمال الذي يشهد معركة لاجتثاث الهيئة، أو استخدام القوة في حال فشل الحلول التفاوضية واعتقال عناصر الهيئة.
  • التنسيق السياسي: توسيع التنسيق العسكري بين فصائل الغوطة (جيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) إلى تنسيق سياسي استعداداً لأي عملية تفاوضية مع الروس، وعدم إعطاء الفرصة لموسكو بإحداث اختراق سياسي بين الفصائل تكسب منه ما عجزت عنه عسكرياً.
  • شركاء الصمود: فسح المجال أمام (شركاء الصمود) الفعاليات المدنية والمجالس المحلّية في الغوطة سياسياً بشكل فعّال، وعدم احتكار الفصائل للقرار، واعتماد هذا الأسلوب كنهج مستقبلي يؤسس لإدارة مدنية حقيقية في الغوطة كنموذج لباقي المناطق المحررة.
  • ضامنون جدد: محاولة تعديل اتفاق خفض التصعيد في ظل احتمال حدوث أي تفاوض مع روسيا، وطرح إدخال ضامنين جدد أو استبدال مصر كضامن بدولة أُخرى أكثر فاعلية وقدرة على حفظ الهدنة تكون من الدول الداعمة للمعارضة، ومن الممكن اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية أو إحدى الدول الأوروبية المشاركة بقوات التحالف الدولي المتواجدة على الأرض السورية، وقد يلقى هذا المقترح دعماً أمريكياً في ظل استراتيجيتها الجديدة في سورية.
  • الضغط الدبلوماسي: تكثيف الحراك السياسي الذي تمارسه المعارضة السورية للضغط على الدول الحليفة لها، بخاصة الخليجية للقيام بدور دبلوماسي أكثر فاعلية لوقف المجزرة الجارية في الغوطة.
  • الفاعلية الإعلامية: وتتمثل بدعم الجهد الذي يقوم به الناشطون السوريون في مدن العالم كالاعتصامات والمظاهرات أمام السفارات الروسية، وعدم الاستهانة بهذا الدور وأهميته في لفت النظر إلى ما يجري في الغوطة واستمرار التغطية الإعلامية لأخبارها في وسائل الإعلام الدولية.

2.   على مستوى الملف السوري

  • لحم المسارين: الاعتراف بأن ما يجري في الغوطة الشرقية اليوم ومن قبلها استحواذ النظام على البادية السورية وأجزاء من دير الزور وإدلب؛ هو حاصل ونتيجة مباشرة لمسار أستانة، والذي أتاح للنظام فائض قوة يوجهه باتجاه المناطق المحررة، وتجزئة الجبهات وفصلها عن بعضها، وفك الارتباط بين المسار السياسي والعسكري للمعارضة السورية، لذلك أولى خطوات استثمار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية؛ هي إعادة توحيد المسار العسكري على مستوى المعارضة بشكل كتلة واحدة وليس جبهات منفصلة، والتنسيق على المستوى التفاوضي مع المسار السياسي، وعدم الفصل بينهما كما حدث في أستانة.
  • استثمار الهوامش: إن وجود استراتيجية أمريكية جديدة في سورية، ووجود عسكري أمريكي طويل الأمد لا يجب أن يفهم على أنه نهاية الدور الروسي، وإنما هو توازن للقوى، ومقدمة لصراع دولي مباشر بعد نهاية تنظيم الدولة يُضاف إلى الصراع الإقليمي القائم، وقد يساهم في تعقيد الملف السوري أكثر؛ لذا لابد للمعارضة السورية تجنب الانخراط المباشر في لعبة المحاور، فالمرحلة القادمة بحاجة لاستراتيجية مرنة تقوم على استثمار الهوامش التي قد يخلقها صراع المحاور، وتوظيفها في خدمة مصالح وأهداف الثورة السورية.

خامساً: ملاحق الورقة

الملحق رقم (1):

جدول زمني لحملات النظام السابقة على الغوطة الشرقية

 

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

الملحق رقم (2):

قوات النظام المشاركة في الحملة الحالية على الغوطة، ومحاور تقدمها

 

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية


([1]) للاطلاع على خسائر النظام في حملاته السابقة على الغوطة الشرقية منذ العام 2012، راجع الجدول رقم (1) في الملحق.

([2]) وحدة الرصد المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([3]) استراتيجية دفاع أمريكية جديدة تشير إلى تحول في الأولويات، موقع "عربي 21"، 19/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/pRJLy6

([4]) تيلرسون: باقون عسكرياً في سورية لمنع عودة داعش، موقع "العربية نت"، 17/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/Y3DkW3

([5]) نتنياهو في مؤتمر ميونيخ: سنتحرك ضد إيران إذا لزم الأمر، موقع" DW الألماني"، 18/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/QkH2qt

([6]) روسيا ترفض «تطويقها» بالبنى العسكرية لـ«الأطلسي»، موقع "جريدة الحياة"، 19/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/7M7kVT

([7]) وحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([8]) غارات أميركية تقتل 200 من المرتزقة الروس في سورية، موقع "نيوز سنتر"، 14/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/TDnds6

([9])  موسكو جرّبت 200 نوع من الأسلحة في قتل السوريين، موقع "أورينت نيوز"، 23/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/cjz9EG

([10]) "كوميرسانت": تدمير سبع طائرات روسية بمطار حميميم في سورية جراء قصف بالهاون، موقع صحيفة "العربي الجديد"، 4/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/JEjKJR

([11]) هآرتس: لهذه الأسباب بدأت روسيا باستخدام طائرة "الشبح" في سورية، موقع "أورينت نيوز"، 26/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/7FydSG

([12]) بوتين يعرض أسلحة جديدة لا مثيل لها في العالم، موقع وكالة "سبوتنيك العربي"، 1/3/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/iutkRS

([13]) The Guardian website,18/12/2017, available on: ,How Syria's White Helmets became victims of an online propaganda machine

https://goo.gl/S2uLgf

([14]) "دير شبيغل" تكشف عن تورط شركات ألمانية بهجمات الكلور في سورية، موقع "أورينت نيوز"، 6/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/bcAkmf

([15]) السويد تستعد لحرب مع روسيا!، موقع "روسيا اليوم"، 16/12/2016، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/BFr4WL

التصنيف أوراق بحثية

أصدرت "وزارة الإدارة المحلية والخدمات" في "حكومة الإنقاذ" المُشكّلة في إدلب، قراراً بحلّ المجلس المحلي لمدينة أريحا، معلنة في الوقت ذاته عن تشكيل مجلس جديد يتبع لها واعتباره الجهة الوحيدة الممثلة للمدينة، في حين أعلن المجلس المنحل في بيان رسمي رفضه للقرار، مؤكداً على شرعيته المستمدة من أهالي المدينة، بوصفهم الجهة الوحيدة المخولة بحلّ المجلس أو إيقاف عمله.

وتتخوف بقية المجالس المحلية في محافظة إدلب من المصير نفسه، خاصة في ظل ما يمارس عليها من ضغوط خدمية وأمنية ناجمة عن مساعي"حكومة الإنقاذ" لإحكام سيطرتها الخدمية والتنظيمية على محافظة إدلب، وما يعنيه ذلك من إنهاء التجربة الديموقراطية الناشئة، المُعبّر عنها بالمجالس المنتخبة محلياً.

وتشكلت "حكومة الإنقاذ" مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، كأحد مفرزات "المؤتمر السوري العام" الذي عُقِدَ في أيلول/سبتمبر، وتم اختيار محمد الشيخ لرئاسة الحكومة، ليقوم بدوره بالإعلان عن تشكيلته المكونة من 11 وزارة و4 هيئات مركزية، عقب نيلها الثقة من قبل "الهيئة التأسيسية" المكونة من 36 عضواً. الأسباب الدافعة لتشكيل "حكومة الانقاذ"، اختصرهما الشيخ في سببين سياسي وخدمي: فإما السياسي فيتمثل بالتصدي للمؤامرات التي تحاك لإجهاض الثورة السورية من خلال مؤتمرات أستانة وجنيف وسوتشي، وأما الخدمي فيقوم على تشكيل مرجعية خدمية مؤسساتية قادرة على تطوير القطاعات الخدمية وتنظيم عملها.

لذا، فقد سعت "حكومة الإنقاذ" منذ يومها الأول إلى احتكار القرار الخدمي والتنظيمي في محافظة إدلب وريفي حماة وحلب، من خلال تسلّمها إدارة الملف الخدمي من قبل "هيئة تحرير الشام"، وإصدارها قرارات لتنظيم الوضع الخدمي في المحافظة. هذا فضلاً عن إطلاقها لمبادرات سياسية. وتولت "حكومة الإنقاذ" ملفات الخدمات والقضاء والشرطة من "الإدارة المدنية للخدمات التابعة" لـ"هيئة تحرير الشام"، كما حدث في تسلّمها إدارة السجن المركزي في إدلب، وتوليها مسؤولية الإشراف على "القوة الأمنية" التابعة سابقاً لـ"جيش الفتح" و"الشرطة الإسلامية" التابعة لـ"هيئة ترحرير الشام"، مستفيدة من ايقاف الدعم عن "الشرطة الحرة" على خلفية اتهامات بعلاقتها مع فصائل إسلامية متشددة.

كما أصدرت الوزارات الخدمية التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" قرارات تنظيمية، كإلزام الصيدليات وأصحاب المستودعات الطبية الحصول على ترخيص من مديريات الصحة التابعة لـ"الانقاذ" تحت طائلة فرض عقوبات بحق المخالفين كإغلاق محلاتهم ومصادرة محتوياتها. كذلك أصدرت "الانقاذ" قراراً بضم "جامعة حلب الحرة" إلى "مجلس التعليم العالي" التابع لها، وما أحدثه ذلك القرار من موجة احتجاجات من قبل طلبة الجامعة. وإضافة لما سبق، أعلنت "الإنقاذ" في تعميم وزعته على المجالس المحلية بأنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن الممتلكات والمنشآت العامة، مطالبة المدنيين بإزالة التعديات تحت طائلة المساءلة القانونية.

ولكي تتمكن "الإنقاذ" من تنفيذ قراراتها وشرعنتها، فهي بحاجة إلى الاتكاء على المجالس المحلية. وفي هذا الصدد، كان رئيسها محمد الشيخ، قد قال عقب لقائه عدداً من ممثلي المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في محافظة إدلب، بأن حكومته لا تتدخل في عمل المجالس ويقتصر عملها على الإشراف على المشاريع الممولة من قبل حكومته، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة إجراء انتخابات للمجالس المحلية ومجلس المحافظة بحكم انتهاء مدة ولايتها القانونية.

وهو موقف فسره بعض أعضاء المجالس بأنه محاولة من قبل "حكومة الانقاذ" للهيمنة على المجالس المحلية غير التابعة لها، والتي يُقدر تعدادها في قطاع إدلب ب ـ22 مجلساً، في حين بلغ عدد المجالس التي تم العمل على إعادة هيكليتها أو تكليفها من قبل "الإدارة المدنية للخدمات" والتي أصبحت جزءاً من "حكومة الإنقاذ" 82 مجلساً كان أخرها مجلس مدينة أريحا المنتخب في نيسان/أبريل 2017.

وقد أحدث هذا القرار انقساماً داخل مدينة أريحا بين مؤيد ومعارض، واتهم بعض السكان المجلس المنحل بالفشل في إدارة الملف الخدمي للمدينة، مبدين تفاؤلهم بقدرة المجلس الجديد على التعامل مع الملف الخدمي نظراً لتبعيته لحكومة تمتلك السلطة والموارد، بينما أشاد قسم آخر من السكان بالمجلس المنحل وبأنه نتاج عملية انتخابية حقيقية، معربين عن امتعاضهم لطريقة حلّه.

وولّد قرار حلّ مجلس أريحا مخاوف لدى بقية المجالس المحلية المستقلة من أن تلقى المصير نفسه، خاصة مجالس سراقب ورام حمدان وبنش ومعرة النعمان باعتبارها الأكثر استهدافاً بالضغوط من قبل "حكومة الإنقاذ" في المرحلة المقبلة. وأمام مساعي "الانقاذ" لإحكام سيطرتها على القرار الخدمي والتنظيمي في محافظة إدلب وريفي حماة وحلب، تجد المجالس المحلية نفسها أمام تحدٍ كبير، يتصل بمدى قدرتها على الاستمرار كتجارب ديموقراطية ناشئة في بحر متلاطم من الصراعات.

 

المصدر جريدة المدن الإلكترونية: https://goo.gl/zz8xXH

 

التصنيف مقالات الرأي

شنّت "هيئة تحرير الشام" سلسلة من معارك الإلغاء ضد منافسيها، كان آخرها ضد حركة "أحرار الشام الإسلامية"، والتي أثارت نتائجها تساؤلات حول مستقبل محافظة إدلب وإدارتها المحلية في ظل هيمنة "هيئة تحرير الشام" عليها، ورعايتها تشكيل إدارة مدنية للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام، في محاولة وصفها البعض بمبادرة اللحظة الأخيرة.

تمكنت "هيئة تحرير الشام" من بسط هيمنتها العسكرية على مناطق واسعة من محافظة إدلب عقب معركتها ضد "أحرار الشام"، الأمر الذي دق ناقوس الخطر بالنسبة للدول الإقليمية والدولية، ودفعها لإعادة النظر بسياساتها وتقييم خياراتها تجاه الوضع الناشئ في المحافظة، خاصة في ظل محاولات "الهيئة" بسط سيطرتها على الإدارة المحلية. وهو ما عبرت عنه "الهيئة" صراحةً من خلال إصدارها بياناً دعت فيه إلى تشكيل إدارة مدنية للمناطق المحررة، وقد لاقى البيان تأييداً من قبل "حركة نور الدين الزنكي"، إضافة إلى عدد من مجالس الشورى في محافظتي إدلب وحماة.

لم تتوقف مساعي "الهيئة" عند إصدار البيان، بل عملت على الدفع بمبادرتها من خلال رعاية عدد من الفاعليات المدنية بغية الترويج لمشروعها، واستقطاب مؤيدين له ودمجهم في هيئة عامة تتولى إشهار الإدارة المدنية. كما عقدت "الهيئة" اجتماعاً مع "الحكومة المؤقتة" لإقناعها بالانضمام للمبادرة، إضافةً لمحاولتها التواصل مع عدد من الشخصيات المعارضة لها لإقناعهم بالعدول عن رأيهم الهجومي تجاه "الهيئة" والانضمام للمشروع. وهو ما لاقى رفضاً صريحاً من معظمهم.

علاوةً على ما سبق، نظمت "الهيئة" عدداً من التظاهرات الداعمة لمشروعها، في أسلوب مشابه لما قامت به عند كل تحول لها؛ من "جبهة النصرة" وصولاً إلى "هيئة تحرير الشام". ونظمت عدداً من المبادرات الداعية للتوحد، لتعلن على إثرها عن مشروعها الجديد، وتبريره بكونه استجابة "لمطالب الشارع المحلي وصوناً للثورة".

بالتوازي مع الخطوات السابقة، عملت "الهيئة" على تقوية جهازها الخدمي المسمى بـ"الإدارة المدنية للخدمات" ليكون الحامل الأساسي لمشروعها. واستحدثت عدداً من الهيئات والمؤسسات والمديريات الخدمية ليبلغ عددها 18 جهازاً. ويُلحظ هنا تركيز الهيئة على الهيئات التي تؤمن لها إيرادات مالية كالكهرباء والنقل والمعابر، في حين لم تهتم حالياً بإحداث مديريات للصحة والتعليم أو إلحاق القائمة منها بجهازها الخدمي، وذلك رغبة منها في استمرار تدفق الدعم الخارجي لها، في ظل محدودية مواردها عن تحمل نفقاتها. كما عززت جهازها الخدمي من خلال إلحاق عدد من المجالس المحلية بإدارتها المدنية، ويقدر عدد تلك المجالس بـ35 مجلساً من أبرزها حارم ودركوش.

كذلك عملت "الهيئة" على تعزيز مركزية إدارتها الخدمية، كسلطة مرجعية في مناطق سيطرتها، وطالبت المجالس المحلية بوضع الدوائر التابعة لها تحت تصرف إدارتها المدنية، كما اعتبرت مديريتها العامة للإدارة المحلية، الجهة المسؤولة عن المجالس في المناطق المحررة.

وفي ظل مساعي "الهيئة" للدفع بمبادرتها وفق ما توحي به المؤشرات الراهنة، وما يحدق بإدلب من سيناريوهات قاتمة، يُطرح التساؤل حول مدى قدرة مشروع الإدارة المدنية على النجاح في اختبارات الإدارة والشرعية، وبالتالي تجنيب إدلب مخاطر ما يحاك لها.

نجاح مبادرة الإدارة المدنية مرهون بمدى قدرتها على نيل الشرعية المحلية وكذلك على تمتعها بمظلة خارجية، ومما يلحظ في هذا الشأن انقسام الشارع المحلي وقواه المدنية والعسكرية تجاه الإدارة المدنية. إذ أعلن ما يقارب 45 مجلساً محلياً تأييدهم للمبادرة، في حين تبنت مجالس أخرى موقفاً مغايراً من خلال تأكيدها على طابعها المدني واستقلاليتها عن الفصائل العسكرية وتبعيتها لـ"مجلس محافظة إدلب الحرة" ومنها مجالس إدلب وجرجناز ومعرة النعمان وسراقب. ويمكن تفسير رفض هذه المجالس، بقوتها، على اعتبار أنها ممثلة لمراكز الثقل الكبرى في إدلب، إضافةً إلى تمتعها برأي عام مؤيد لها ومناهض لـ"الهيئة"، فضلاً عن تمتعها بشبكة علاقات واسعة مع الجهات الداعمة. أما الحكومة المؤقتة، فقد أصدرت وزارتها للإدارة المحلية بياناً أكدت فيه بأنها الجهة الوحيدة المخولة تشكيل واعتماد المجالس والإشراف عليها.

كذلك عبّرت فصائل من الجيش الحر، لاسيما تلك المنضوية في "درع الفرات"، عن موقفها الرافض لهذه المبادرة. أما الهيئات المدنية الأخرى كالنقابات والمنظمات المحلية، فقد شارك عدد منها في اللقاءات الترويجية للمبادرة من دون أن تتبنى موقفاً صريحاً تجاهها. وفي هذا الشأن يقول الناشط السياسي أبو محمد، من محافظة إدلب لـ"المدن"، إن "المبادرة غير متكاملة وينقصها الوضوح. وفي حال أعلنت المبادرة عن تمسكها بمشروع الثورة، وقبلت الهيئة تحويل محاكمها الشرعية إلى مدنية، ورفعت تسلطها العسكري عن المدنيين وقبلت الاحتكام للقانون، عندئذ يمكن القبول بهذه المبادرة".

من جهته، وصف ناشط محلي من أطمة، المبادرة، بالمتأخرة ولن تغير شيئاً، في حين عبر عضو المجلس المحلي في الركايا والنقير أبو محمد، عن تفاؤله بالمشروع، نافياً ما يشاع عن تبيعته لـ"الهيئة".

أما عن الموقف الإقليمي والدولي، لم تحظَ المبادرة بقبول الولايات المتحدة الأميركية وهو ما عبر عنه بشكل صريح المبعوث الأميركي إلى سوريا مايكل راتني، في حين أعادت الجهات الأوروبية تقييم سياساتها تجاه الوضع الناشئ في محافظة إدلب، وأوقف عدد منها دعمه للمناطق المسيطر عليها من قبل "الهيئة". أما من جهة تركيا، فقد أبقت أنقرة على تدفق المساعدات للمحافظة، مع اتخاذها تدابير أمنية وإعلانها الاستعداد للتدخل لحماية أمنها.

لكي تنجح الإدارة المدينة فلا بد من حيازتها على الموارد الكفيلة لتوفير الخدمات، ولا يعتقد بتوفرها لدى "الهيئة" والتي ستواجه ضغوط كبيرة ناجمة عن توقف الدعم الخارجي للمحافظة، الأمر الذي سينعكس سلباً على حياة ما يقارب مليوني نسمة في محافظة إدلب. كذلك يعتبر تماسك "هيئة التحرير" محدداً لنجاح الإدارة المدنية باعتبارها الحامل الأساسي للمشروع، في ظل الحديث عن رفض تيارات داخلها لهذه المبادرة.

في النهاية، لا تتوافر لدى مشروع الإدارة المدنية في شكله الراهن مقومات النجاح في ظل افتقاده للإجماع المحلي ولمظلة خارجية، فضلاً عن افتقاده للموارد الأساسية لإدارة الخدمات، إضافة للمخاطر الداخلية التي تعتريه. وفي ظل ما سبق يغدو طرح الإدارة المدنية للخدمات في ظل المؤشرات الراهنة قفزة في المجهول من شأنها أن تعقد الموقف في محافظة إدلب.

 

اسم المصدر جريدة المدن الإلكترونية: https://goo.gl/asavJo

التصنيف مقالات الرأي