الإطلالات الإعلامية

أجرى موقع السورية نت، لقاءً مع مدير وحدة المعلومات بمركز عمران؛ نوار أولفير حول "الوضع الحالي في إدلب والسيناريوهات المحتملة"، قال فيه نوار: هنالك اختلاف وتوافق في ذات الوقت بين تركيا وروسيا وهو ما أرجئ الهجوم على إدلب. وأشار إلى أن جميع الأطراف الفاعلة بملف إدلب تسعى للتوصل إلى حل يرضي الجميع، معرباً عن اعتقاده في احتمال التوصل إلى "نقطة تحقق لروسيا مطالبها في إدلب، لا سيما تأمين قاعدة حميميم من هجمات الطائرات المسيّرة، والقضاء على تحرير الشام، وبنفس الوقت تُرضي تركيا، عبر تجنيب إدلب هجوماً واسعاً النظام، يؤدي إلى هجرة جديدة نحو أراضيها، وينهي اتفاق أستانة، ودور نقاط المراقبة التركية في إدلب".

وفي إجابته على سؤال "السورية نت" عن مدى صمود احتواء الخلافات، واستمرار التوافق بين تركيا وروسيا حيال إدلب، أجاب نوار إلى أن الأمر منوط باستمرار التصعيد الروسي على المحافظة، وقال إنه "في حال واصلت الطائرات الروسية استهداف المنشآت الحيوية بإدلب، دون مراعاة لمطالب الأتراك بالتهدئة، فذلك قد يؤدي إلى انهيار كل شيء".

ورأى أوليفر أن استمرار التصعيد من الروس والنظام، قد يدفع بالنهاية فصائل المعارضة إلى الرد، الأمر الذي سيخلق مبرراً للنظام وميليشياته بالتصعيد مجدداً، وهو ما سيؤدي إلى انفجار الوضع واحتمال خروجه عن سيطرة الروس والأتراك.

المصدر السورية نت: https://goo.gl/fhGkHn

تتسارع الأحداث والترتيبات باتجاه اقتراب بدء النظام وحلفائه فتح معركة إدلب. كما تتباين فيها السيناريوهات المتوقعة بحكم اختلاف المقاربات الأمنية لفواعل الأستانة من جهة؛ واحتمالات المشهد العسكري وانزلاقاته المتوقعة من جهة ثانية. لذا يستعرض تقدير الموقف هذا السياق السياسي والعسكري المفضي لهذه المعركة؛ ويتلمس ويختبر ملامح التفاهم ما بين دول الأستانة وحدوده وأثره على تغليب إحدى السيناريوهات. كما يوضح هذا التقدير في هذا السياق المتسارع ملمح الخيار الأنجع للقوى والفواعل المحلية والمتمثل في تمتين الجبهة المحلية عبر الانتقال من صيغ الإدارة المحلية إلى صيغ الحكم المحلي المنضبط.

سياق المعركة المحتملة: هدفٌ روسي دقيق الأدوات

شكّل اجتماع سوتشي بمخرجاته في مطلع هذا العام انعطافة محورية في حركية العملية السياسية المتعثرة بالأساس؛ إذ حدد أولوياتها واختصرها بعملية دستورية وانتخابات كما أرادها الروس. إلا أن هذه الانعطافة سبقتها مُحددات سياسية فرضتها الدول الخمسة (أمريكا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن) في مخرج اللاورقة في باريس. ورغم أن مضمون اللاورقة لا يختلف مع الطرح الروسي إلا أنها أكّدت على مركزية الأمم المتحدة في هذه العملية واعتبرتها المرجعية الرئيسية بشكل يُعيق الطموح الروسي في استحواذه التام على المرجعية السياسية. وشكَّل ذلك التأكيد دافعاً إضافياً لروسيا للانتقال من مقاربة "حرف جنيف" إلى "أستنة جنيف" وذلك عبر استراتيجية "إنهاء فاعلية المعارضة المسلحة".

فمنذ معارك الغوطتين وجنوب دمشق وريفَي حمص وحماه وانتهاء معارك الجنوب؛ والروس ماضون في تطبيق حلولهم الصفرية على كافة الأراضي السورية؛ مُزينة بمصالحات شكلية مليئة بالارتكاسات؛ وتجعل الكُل "متهم وتحت الطلب". إن كثرة التصريحات حول إدلب ليست إلا استمراراً حثيثاً لما يُريده بالدرجة الأولى المخيال الروسي الذي يرتجي إنهاء الكُلفة السياسية للتدخل العسكري عبر إنجاز الحل السياسي وفق تعريف موسكو، على الرغم مما يُطرح من خطط ومراحل "السيطرة عليها" سواء في الأستانة أو حتى عبر منصاتهم الإعلامية أو البحثية؛ وفي اللقاءات الدبلوماسية والسياسية المعلنة منها وغير المعلنة.

رافق هذا السياق تثبيطاً روسياً لأهم الاستحقاقات السياسية التي ينتظرها السوريون (كملف المعتقلين وعودة اللاجئين)؛ وذلك عبر تحويل تلك الاستحقاقات إلى "تحديات حكومية خالية من الشرط السياسي" لتخفيف حدة الانخراط الروسي الذي يتزايد عمقه في البنية السورية. حيثُ تهدف موسكو فيما تدَّعيه من ضمانات تحقيق أمرين: المساندة المالية التي تتطلب مبالغَ يصعب على موسكو وحلفائها تأمينها بمفردهم؛ وتأسيس مناخات سياسية تؤمن انخراط "أعداء" النظام في عملية شرعنة نظام الأسد بشكل تدريجي وفق منطوق البراغماتية والواقع العسكري الجديد.

وفي هذا السياق؛ وضمن الحركية الروسية أعلاه؛ تتعامل موسكو مع ملف إدلب بدقة وترتيب حذر. فهي من جهة أولى ووفقاً لمنظور موسكو ستُشكل إعلاناً روسياً لانتهاء ثنائية الصراع العسكري بين النظام والمعارضة، وبالتالي تغيراً كاملاً في مُوجِّهات العملية السياسية إن لم يكن نسفاً كلياً لها والتكيُّف مع النظام وبدء التطبيع معه. كما تسعى الإدارة الروسية لفرض "مقاربات المصالحة" المحلية مع الفصائل كإطار قابل للتسويق وبديل "ناجع" عن جنيف. ومن جهة ثانية، تسعى موسكو لأن تكون "عودة السيطرة على إدلب" امتلاكاً لمداخل التنمية والتبادل التجاري المحلي والخارجي الذي من شأنه البدء في تذليل "عقبات ما بعد الصراع". ومن جهة ثالثة، سيكون لعودة السيطرة المتخيلة تلك إنهاء لـ"كوابيس الدرون" وما حملته من استنزافات روسية وتهديداً مستمراً لقواعدها وضباطها وجنودها.

ومن جهة رابعة ورئيسية، فهي بالمقابل تحمل في تداعياتها تعطيلاً محتملاً لمسار الأستانة بحكم تضارب المصالح مع أنقرة التي يفرض عليها أمنُها القومي عدم جعل تلك المنطقة منصّة تهديد لها يستخدمها الأسد وحلفاؤه كورقة ابتزاز دائمة. وتتعقد هذه التداعيات الأمنية خاصة أن مفاوضات النظام مع "الإدارة الذاتية" قد تُفرز "زواج مصلحة" بينهما لا سيما في ظل تأرجح الموقف الأمريكي. كما أن التقرُّب الروسي والإيراني مع تركيا نتيجة سياسات العقاب الأمريكية التي تمارسها واشنطن اتجاههم قد تخسرهم الطرف التركي كمساهم في ترتيبات المشهد الأمني في سورية، وهو أمرٌ سيكون له تبعات تعود بالسلبية على سياسة “جذب" تركيا لصالح "محور الصد".

قمة طهران: تفاهم قلق وسيناريوهات مفتوحة

تأتي قمة طهران بعد سلسلة من المؤشرات المُدللة على أولوية ملف إدلب في سياسة موسكو وحلفائها. ومن هذه المؤشرات بدء القصف الروسي على عدة مناطق (انظر الجدول رقم (1) في الملحق)، وزيادة التمترس التركي في قواعده وما قابله من نشر لنقاط روسية تفصل بين قواعد أنقرة العسكرية وخطوط تمركز النظام وحلفائه (انظر الخريطة رقم (1) في الملحق)، وتصنيف أنقرة هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، وتجهيزات وتحضيرات النظام والميليشيات الإيرانية لحرب كبرى وما استلزمته من حرب نفسية، والتصريحات الغربية والأمريكية المُحذرة من استخدام الكيماوي، واستعدادات المعارضة العسكرية. ودفعت هذه المؤشرات قمة طهران لتكون إطاراً دقيقاً لتحديد مستقبل هذه المحافظة. ومن ملامح هذا الإطار يمكن ذكر العنصرين الآتيين:

  1. خطوط تفاهم أمنية حذرة

تأتي التفاهمات الحذرة تحت عنوان استمرار هدنة أو تمديد اتفاقية خفض التصعيد أو إعطاء أنقرة فرصة إضافية لترتيب المشهد في المحافظة أمنياً. وعليه فإن هذا التفاهم يتمحور حول تحديد خارطة الأهداف المتعلقة "بهيئة تحرير الشام" و"حراس الدين" بما لا يؤثر على مقاربات أنقرة الأمنية التي تعتبر إدلب خطاً دفاعياً متقدماً لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون ومجالاً حيوياً أمنياً ينبغي ألا يخضع لسلطة الأسد. كما ترشح عن هذه القمة أيضاً عدة أمور منها تعهُّد تركيا بضمان عدم جعل هذه المنطقة منصة تهديد للقواعد الروسية؛ وإرساء تعاون استخباري تركي مع روسيا وإيران ضد "القوى الإرهابية"؛ وإنشاء نقاط عسكرية روسية في المناطق التي تتواجد فيها النقاط التركية ودخول النظام لها إدارياً وليس عسكرياً.

  1. أجندةٌ في طريق التفاهم العام

لا تزال ملامح التفاهمات التي تُديرها موسكو وأنقرة والمتعلقة بالأمور الإدارية والاقتصادية وبما يتصل بإجراءات تحييد الطرق والمعابر غير مكتملة نظراً لارتباطها بالعنصر الأول من جهة؛ ولتبعيتها بالترتيبات اللازمة لتنفيذ أي اتفاق. فمن جهة تركية يُراد لهذا التفاهم المحتمل أن يكون عناوين استقرار ودافع باتجاه حل سياسي شامل. ومن جهة روسية فهي لا تزال تُعلي من شروط الاختبار للتموضع التركي، إذ تُريده بحجم متفق عليه لا يُشكل "خطراً على النظام".

وفقاً للمتابعات الميدانية والسياسية؛ فإنه يُعتقد أن الترتيبات الناشئة حول إدلب هي ترتيبات شديدة القلق ومفتوحة الاحتمالات. فمعادلة إدلب (كمعركة فاصلة) يتم صياغة تفاهماتها الأمنية والعامة مع إغفال لأي أدوار مقاومة وصادة متوقعة حيالها. حيث تَعزز هذا الإغفال بحكم سرعة تدحرج مناطق معارضة ذات ثقل عسكري نوعي كالغوطة الشرقية ودرعا؛ ناهيك عن اعتقاد موسكو أن جبهة إدلب هي استمرارٌ لعملياتها العسكرية. وهنا نُؤكد على أن هذا الإغفال لا يتسم بالدقة والموضوعية؛ فمن جهة أولى؛ تتجهز المعارضة المسلحة لـ "معركة وجود" فلا ترحيل أو تهجير بعد إدلب؛ وخياراتها تبدأ وتنتهي بالمقاومة. وعزز هذا الأمر تلك الإجراءات المتبعة من الفواعل المحلية في إدلب للتصدي لحالات الاختراق التي كانت إحدى سمات المشهد في الغوطة ودرعا وريفَي حمص وحماه، ناهيك عن وجود المظلة الجامعة للعمل العسكري (الجبهة الوطنية للتحرير) وعمليات التحصين والهندسة العسكرية والتجهيز لاحتمالية الضغط العسكري في جبهات أخرى.

ومن جهة ثانية؛ لن تكون بهذا المعنى إدلب استمراراً لما يتخيله الروس للعمليات العسكرية ومسارها؛ حيث أن اعتماد النظام الواضح على الميليشيات الإيرانية سواء بشكل مباشر أو المجموعات التي باتت جزءاً من بُنية جيشه سيكون عنصر اختبار للسياسة الأمريكية "المهتمة" وفق ادعاءاتها بتحجيم إيران. وتدلل إشارات الموافقة الحذرة التي أبدتها واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تجاه العمليات الروسية على صعوبة المهمة أمام هذه الحاضنة الاجتماعية والقوة النوعية في إدلب خاصة في ظل لجوء النظام وحلفائه للسلاح الكيماوي كسلاح فيصل.

ووفقاً لما تقدم؛ لا تخرج السيناريوهات المتوقعة تجاه إدلب عن ثلاثة؛ أولها عمليات دقيقة ومحدودة (وهي المرجحة) إلا أنها غير مضمونة النتائج؛ وثانيها تدهور التفاهمات الأولية والانزلاق لعمليات شاملة (الأقل ترجيحاً) وهو ذو كلف سياسية وعسكرية بالغة التعقيد تبدأ بانهيار محتمل لإطار الأستانة الذي استثمرت به موسكو ولا تزال وقد تصل تلك الكلف إلى مأساة إنسانية وتدحرجات عسكرية قد تفضي لتدخلات دولية؛ وثالثها إخراج إدلب من معادلات الصراع العسكري (وهو الأضعف نسبياً) لأنه ينتظر مؤشرات أمنية وسياسية لم تظهر بعد.

وفي هذا السياق تؤكد التصريحات الأمريكية والغربية المحذرة من "معركة إدلب" على ثلاثة أمور؛ أولها: الموافقة المبطنة فيما يخص أجندة عمليات الروس المعلنة والتي تدعي توجيه ضربات عسكرية تجاه هيئة تحرير الشام دون أن تُقدم لها أي تنازل يصب في صالح سوتشي على حساب جنيف؛ وثانيها والأهم هو الاستمرار في منح الروس "وكالة التسيُّد" في سورية الذي له عدة غايات منها ما هو "دعوة لاستمرار الانزلاق الروسي" ومنها ما له علاقة بتحقيق غايات مشتركة متمثلة "بمحاربة الإرهاب"؛ وثالثها مرتبط بترقُّب أمريكي لتحركات طهران الطامحة لملء الفراغ، وتخوف أوروبي من موجات لجوء ونزوح كبيرة.

المطلوب محلياً: "لا مفر من مواجهة أسئلة 2015"

على الرغم من المسارات القلقة المتوقعة للمعركة إلا أن هذا لا ينفي نجاعة مقاربة "تحويل الأزمة لفرصة". لقد دلَّل الزخم الثوري الذي رافق التطورات الأخيرة بشكل واضح تمسك الحاضنة بخيار الصمود؛ وهذا من شأنه تعزيز الدوافع النفسية للقوى العسكرية للمُضي باتجاه تبني سياسات دفاعية مُحكَمة وتحويلها لقدرة مستمرة وتدعيم شروط الفاعلية وتحسين الشروط المحلية وما تستلزمه من استجابات تنموية وحوكمية.

بناء عليه؛ ينبغي تدارُس خيار تحويل نمط الإدارة المحلية في إدلب إلى "حكم محلي منضبط"، وبصيغة أخرى استحضار أسئلة التحرير أواخر عام 2015 والبدء بتنفيذ سياسات ضبط تهدف بإطارها العام تثبيت الأمن والاستقرار المجتمعي، والبدء بتأسيس نظام حكم فعّال له معاييره وأدواته التنفيذية وأجندته الخدمية والاقتصادية. ولا يمكن أن تبدأ هذه العملية من دون إرادة سياسية محلية دافعة لتأطير التفاعلات المحلية في المحافظة المثخنة بالتحديات، مع مراعاة كسب الشرعية والقبول المجتمعي. وعليه يُقترح حزمة التوصيات التالية:

  1. تشكيل مرجعية سياسية محلية موحدة، تتكون وفق آليات التوافق المحلي الذي يضمن حسن التمثيل والشرعية؛ وتهدف إلى أن تكون الإطار العام لرسم السياسات العامة الخدمية منها والأمنية والعسكرية والمدنية والسياسية.
  2. التحول إلى نمط حكم محلي منضبط عبر تظافر كافة الجهود للفواعل المعنية وإنجاز صيغ عمل المؤسسات الحاكمة وقوننة علاقتها مع المجتمع والمؤسسات التنفيذية. وقد يكون هذا العمل بالتنسيق مع الحكومة المؤقتة وهيئات سياسية محلية أخرى تعمل في هذه الأثناء على مراجعة وتقييم أدائها.
  3. بلورة طرح محلي قائم على احتواء بعض السوريين من هيئة تحرير الشام وتفكيك أُطرها التنظيمية وفق ما يراعي الشرط المحلي الخاص والالتزامات التركية؛ وذلك بهدف سحب ذرائع من جهة، وتأمين اتساق عضوي بين الفواعل المحلية من جهة ثانية.
  4. تأسيس اللجنة المركزية للتنمية والاستجابات الإنسانية، وتنحصر مهمتها بمتابعة الشؤون المتعلقة بالموارد البشرية وسبل العيش وتحسين ظروفها، وتأمين تواصل فعّال مع كافة منظمات المجتمع المدني لتسهيل مهامها وحمايتها وفق أطر ناظمة صادرة عن المرجعية السياسية.
  5. تطوير آليات عمل الجبهة الوطنية للتحرير وتعزيز أُطرها التنظيمية لتغدو جسماً عسكرياً واضح العقيدة والبُنية والهرمية الإدارية؛ وربط استراتيجياتها وتكتيكاتها بمحددات تنظمها المرجعية السياسية؛ وتنحصر مهامها بالوظيفة الدفاعية.

قد يبدو الانتقال إلى صيغ "نظام الحكم المحلي" فعلٌ يعتريه ضيق الوقت وحساسية الظرف التي تمر به المحافظة؛ إلا أن العمل بالتوازي على التأسيس لهذا الانتقال هو حاجة مستعجلة واستراتيجية في آن معاً؛ من شأنها تحسين خيارات المحافظة وتوسيع هوامش حركتها. إن التحدي الأبرز أمام هذا الانتقال هو أن يكون وفق فلسفة تلاقي المصالح مع الحليف التركي وتعزيز مساحات العمل الوطني؛ ناهيك عن عوائق تتمثل بالقدرة على تجاوز حالة الفصائلية، وتعزيز دينامية بناء الدولة الأقدر على تحقيق الأمن المجتمعي وتوفير الخدمات المنظمة للمجتمعات المحلية؛ ومدى استطاعة ونجاعة المكونات المحلية في إدارة المرافق العامة وتنمية الموارد الاقتصادية لتحسين مستوى المعيشة والدخل وعدم تدهور العجلة الاقتصادية، وصولاً إلى تشكيل نموذج تنموي نوعي.

 

ختاماً يمكن القول بأن كل الاحتمالات مفتوحة؛ إلا أن ملمح استمرار الاختبار والتوافق الأمني الحذر بين فواعل الأستانة سيكون له أثر ما خلال المرحلة المقبلة؛ دون أن يعني ذلك انتفاء احتمالية الانزلاق لمعركة شاملة في حال تعثر التوصل لاتفاق عام (سياسي وإداري). وأمام كل هذه التحديات لا مفر للقوى المعارضة من تعزيز شروط صمودها وقوتها وتدارس كل الخيارات وعلى رأسها ضبط مشهد التفاعلات الأمنية والعسكرية والإدارية والسياسية في إدلب وما تستلزمه من أطروحات نوعية.

الملحق؛

جدول رقم (1) يوضح ضربات طيران الروسي والقصف المدفعي على مناطق إدلب وما حولها من 10 /آب حتى 10/أيلول

خريطة رقم (1) توضح نسب السيطرة والنفوذ في محافظة إدلب وتموضع القواعد والنقط الروسية والتركية

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

التصنيف تقدير الموقف

شكّلت موجات الربيع العربي في عامي 2010-2011 اختباراً حقيقياً لكل الصيغ السياسية والأمنية والاقتصادية الحاكمة، سواءً على صعيد تلك الدول التي اجتاحتها هذه الموجات، أو التي لم تجتحْها، فصدّعت أنظمة وهدّدت وخوفت أخرى، وبدأت إرهاصات ما سميت "إعادة ضبط بوصلات التشكل وفق العامل الوطني"، وأضحت تبرز أولوية أساسية للمجتمع العربي الذي رأى في الثورة فرصةً لاسترداد البلاد، والمشاركة الحقيقية في صنع قراراته وسياساته وتنفيذها؛ إلا أنه سرعان ما تم دفع تلك الإرهاصات إلى اتجاهات تخدم بنتاجها سرديات الصيغ الحاكمة، عبر إمعان السلطات المثار عليها، أو السلطات التي تخشى انتقال العدوى الثورية إلى مجالها الجغرافي في استخدام الأدوات الأمنية، سواءً المرتبطة بممارسات عنفية أو القائمة على فكر ودفع أمني، كـ "الاختراق والتوظيف والتحكم"؛ فسادت مقاربات "الثورة المضادّة" كديناميات متوقعة، يُراد لها أن تكون "واقعية" أمام ذاك المستقبل "المبهم" الذي تعد به قيم الربيع العربي، والتي تهدّد به معادلات الجيوسياسة الحاكمة في النظام السياسي الإقليمي، ومحطماً كل التحالفات التي أنشأتها شبكات الفساد والإفساد السلطوية ومنظروه، غير مكترثٍ بتكلفة الوصول، لأنها تكلفة سيتم دفعها عاجلاً أم آجلاً.

اليوم؛ وبالنظر إلى النتائج العامة للمشهدين السياسيين، المحلي والإقليمي؛ باتت غالبية الدفوعات السياسية التي جاهدت في تكسير سياسات التغيير وتشويهها تصب لصالح نظرية "العودة إلى صيغ ما قبل الربيع العربي"، فعلى المستوى السياسي المحلي داخل الوحدات السياسية في  

المنطقة العربية، بدأت تبرز نجاعة مقاربات ما قبل أحداث الربيع العربي كـ"موت السياسة"؛ و"تأليه السلطة"؛ و "التنكّر من حركات التحرّر والتغيير"؛ و"قداسة فكرة العبودية"؛ و"قصائد مدح السلطان"؛ و"سياسات تسطيح المجتمع". مضافاً إلى تلك المقاربات، برزت عمليات النسف "البراغماتي" لبعض القيم الاجتماعية، كالمناصرة والدعم؛ إذ تسيّدت ثقافة "الأنانية" فتحوّلت الطبقات الاجتماعية (بجُلها) إلى طبقات عددية مستهلكة مروضة، ترتكن (طوعاً أو قسراً) إلى سرديات السلطة، ناهيك بتسليمها الكامل قواعد "وأد" الإنتاج الإبداعي أو الثقافي الأصيل.
على المستوى الإقليمي؛ من جهة أولى، ضمنت من جديد إيران وتركيا و"إسرائيل" مكانة المركز في النظام السياسي الإقليمي، بعد أن بدت فرص محاصرة إسرائيل وتحجيم إيران والشراكة الاستراتيجية العربية التركية فرصاً قابلة للتحقيق مع حركات الربيع العربي. ومن جهة مقابلة، عادت الدول العربية لتغيب عن أي دوائر تأثير، بحكم استنزاف قدراتها، وتشتت اهتماماتها وطبيعة تحدياتها المحلية، ما دفعها إلى البحث عن تحالفاتٍ مع إحدى الدول الثلاث، وهذا ما كان سائداً بشكل أو بآخر قبل الربيع العربي؛ وهذا ما دفعت أيضاً باتجاهه القوى الإقليمية والدولية لإدراكها ضرورة عودة الضبط الأمني في المنطقة، بصيغ تعرفها وتدرك حدودها، فكانت حركية هذه القوى، أياً كانت ادعاءاتهم، ترتكز على المحدّد الأمني المغيّب أية معايير إنسانية والمتغافلة عن الانتهاكات، فكما كانت المعادلات الأمنية مضبوطة ببوصلة أمن "إسرائيل"، باتت كل التفاعلات السياسية تلحظ هذه البوصلة، وتعدّها شرطاً لازماً لرسم ملامح الأطر السياسية الحاكمة في المنطقة.

لا تعد سورية، وفقاً لأعلاه، استثناءً تتضمنه نظرية "العودة إلى ما قبل 2011"، فمدخلات المشهد العام تؤكد ذلك، فلا تغيير سياسيا أو سياساتياً، بل تحكّم السلطة بكل ميادين السياسة ومساحات "الإصلاح" المحتمل. وبقاؤها "رمزاً" أبدياً لن يزول، ولا تغيير لفلسفة الأجهزة الأمنية وبنيتها ووظيفتها، بل تعزيزاً لها مع ظهور شعارات "القضاء على أعداء الوطن"، وسعيها الدؤوب إلى تحصيل وطن "متجانس"؛ ولا حرية سياسية ولا اجتماعية ولا اقتصادية؛ ولا تغيير في المنظومة القانونية (يتحكّم بها قرابة 15 قانونا استثنائيا ومحكمة إرهاب يديرها ضباط)؛ ولا حياة حزبية صحية، في ظل زيادة مؤشّرات تغوّل حزب البعث، وبقاء سيطرته في الجيش والأمن، وأهم الوزارات السيادية، وكل الوحدات الإدارية في الجغرافيا السورية؛ ولا تمكين للمجتمعات المحلية التي عانت ما عانت من جوْر سياسات "التنمية المركزية غير المتوازنة"؛ ولا حرية ثقافية خارج ثقافة "الممانعة"، فعداها خيانة وإرهاب وتقويض وزعزعة لهيبة الأمة ونفسيّتها؛ ولا إصلاح قضائيا، ولا مؤشرات قانونية لفصل السلطات واستقلال القضاء، بل ربطه الدائم بمكاتب الاستخبارات وإملاءاتها؛ ولا ... إلخ. 

إذاً، تسير كل المؤشرات بتسارع واضح نحو صيغ ما قبل الثورة، خصوصا بعد محاصرة المعارضة السياسية والعسكرية، وجعل هوامش حركتها غير ذات جدوى، مع فارق عميق (لا يكترث له النظام) أن تلك العودة محمّلة بارتكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية وإنسانية، وتزداد حدّةً، في ظل استمرار وأد اللحظة السياسية الجديدة في البلاد، لصالح عمليات ترميم النظام، وإعادة تشكّله (تجمع كل القوى الدولية على ضرورته)، لحظةً تحتاجها عجلة البناء للمضي في امتحانات التماسك الاجتماعي، وبناء الشرعية الممهدة للاستقرار. 

تفترض نظرية العودة التي ترجو الضبط الأمني تغليباً مستمراً لمصالح السلطة، وحلفائها 

الدوليين؛ وتنفيساً للاستحقاقات والامتحانات السياسية؛ والأهم مسحاً متعدّد المستويات لكمٍ من الجرائم، لم تنته بعد؛ وتغييرات ديمغرافية لا تُحمد عقباها؛ وعددا من القواعد الأجنبية وملحقاتها الاستخباراتية في الجغرافيا السورية؛ وتضافر الجهود الدولية والإقليمية والمحلية في عملية إعادة الإعمار والعودة "الطوعية للمهجرين واللاجئين"؛ وغيرها من موجبات تمكين النظام وإعادة تعويمه، ولا تلحظ (ولا تعنيها) تلك النظرية (وداعموها) بنية الدولة وهويتها وطبيعة تفاعلاتها السياسية، ولا بنية المجتمع وعوامل تمكينه واستقراره وأمنه، فالأولى لا ضير من أن تكون فاشلة، والثانية لا حرج من عدم لحظها أصلاً؛ طالما أن جغرافيا معقدة، كالجغرافيا السورية، لا تشكل عائقاً أمنياً أمام إسرائيل، وأن مجتمعاً حياً، كالمجتمع السوري، تم أسر حريته لصالح هندسة سياسية، تراعي كل شيء إلا سورية الفاعلة، والقادرة على البناء الحضاري.

ربما تخدم نظرية العودة تلك مصالح شبكة من الفواعل المحلية والإقليمية والدولية؛ إلا أنها لا تدرك، ولا تريد أن تدرك، الثمن الباهظ لهذه العودة التي ستبقى هشّة، ودائمة التعرّض للزلازل والحرائق؛ وبأنها مهما تمترست، فإنها لن تشكل أسساً ولبناتٍ لدولة ومجتمع مستقر؛ فالعودة المحمّلة بالدم لن تنتج إلا اعتلالاتٍ مرضية وموتاً وظيفياً، ومنطق التاريخ سيبقى يفرض درسه بأن الثورة، وإن تعثرت أو حوربت أو قمعت، فهي تنتج أحداثاً يصعب تجاوزها وإغفالها؛ فهي لحظة حاسمة في التاريخ، ما بعدها ليس كما قبلها.

 

المصدر العربي الجديد: https://bit.ly/2NLQPBb

 

 

 

 

التصنيف مقالات الرأي

لماذا وصل الجنوب السوري إلى هذه النهاية؟ مقابلة الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، على تلفزيون العربي، للحديث عن "صفقة" الجنوب السوري ودور الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين فيها.

بتاريخ 18 شباط / فبراير 2017 وضمن تصريح خاص بعنوان: " لماذا نكثت موسكو وعودها للمعارضة؟ وما خفايا معركة درعا؟". أوضح الباحث ساشا العلو من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أن مستقبل الدور الروسي في الملف السوري مرتبط الآن ارتباطاً وثيقاً بملامح تكوّن موقف الإدارة الأمريكية من سوريا، ما قد يهدد الدور السياسي الروسي بالانهيار والفشل، ليكون البديل الجاهز هو التصعيد العسكري دوماً.

وتوقع الباحث ساشا، أن يسهم تبلور الموقف الأمريكي من سوريا، ومحاولة العودة إليها مجدداً، بالتعاون مع الحلفاء (تركيا)، في تحرير الأخيرة من ضغوط "اتفاقات الأمر الواقع" التي اضطرت إلى عقده في ظل الانسحاب الأمريكي من سوريا والشرق الأوسط برمته، وهو ما انعكس في اجتماع أستانة الأخير.

وعند الحديث عن معركة درعا... من حيث الدلالات والتوقيت؛ فقد أفاد مدير وحدة المعلومات والخبير الأمني والعسكري نوار أوليفر أن دلالات معركة درعا التي جاءت بعد هدوء تام استمر نحو عام ونصف العام من قِبل الفصائل الجنوبية، ترتبط بتعقيدات وتطورات سياسية طرأت على الجبهة الجنوبية في سوريا. كما أن النظام السوري وروسيا طلبا من الأردن فتح أحد المنفذين الحدوديين مع سوريا (الجمارك أو نصيب) لتأمين رئة يتنفس منها اقتصاد نظام الأسد المتداعي، وأن هذا النبأ تسرب إلى الفصائل الجنوبية عن طريق مصادرها في غرفة عمليات الـ"موك"، التي خشيت أن يؤدي تصاعد الضغوط إلى تمدد النظام وقواته بمناطق نفوذها، فشرعت في عملية "البنيان المرصوص" بمشاركة فصائل الموك وحركة أحرار الشام وغيرها من الفصائل كعملية استباقية.

يجدر بالذكر أن التقرير أعده الصحفي هشام منور ونشره موقع الخليج اونلاين على الرابط التالي:https://goo.gl/5By0DA

 

شارك المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار القحف بأعمال المؤتمر الذي عقده منتدى الشرق بالتعاون مع مركز الشرق الأوسط الإفريقي، بتاريخ 26 كانون الثاني2017، بمدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا تحت عنوان: "تركيا وجنوب أفريقيا: القوى الإقليمية والمسؤوليات العالمية".

تحدث القحف خلاله عن المجالس المحلية التي تهدف إلى بناء الاستقرار واستعادة الدولة محلياً والتفريق بين الدولة ومؤسساتها التي هي ملك للشعب وبين النظام الذي استولى على الدولة بطرق غير شرعية، وأضاف أن الشرعية يمكن أن تبنى من الأدنى إلى الأعلى عبر المجالس المحلية الموجودة على الأرض وأن نموذج جنوب أفريقيا بإعطاء صلاحيات للمجالس المحلية يعطي بعض الإشراقات في هذا الجانب.

عٌقد المؤتمر على ثلاث جلسات؛ الأولى منها ركزت على الطرق والسياسات الحزبية المهيمنة على الديناميات الداخلية والدولية. أما الجلسة الثانية فقد تناولت تقييم أدوار ومسؤوليات كل من تركيا وجنوب أفريقيا نحو منطقة الشرق الأوسط. فيما استعرضت الأخيرة مبادرات وفرص جديدة للشراكة بين تركيا وجنوب أفريقيا.

يجدر بالذكر أن المؤتمر حضره العديد من الخبراء وصناع القرار علاوة عن مسؤولين حاليين وسابقين وممثلين عن الوكالات الدولية.

التصنيف أخبار عمران

بتاريخ 18/2/2016 استضافت قناة دار الايمان عبر نشرتها الإخبارية معن طلاع باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية للتعقيب على تفجيرات انقرة الأخيرة والرسائل السياسية الكامنة وراء هذا التفجير، كما تم التطرق إلى مآلات المطلب التركي فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة، إضافة إلى حدود الموقف الأوروبي اتجاه ملف اللاجئين.

رابط المداخلة: https://youtu.be/c83yQYvdDKg

النحو الذي سوف تنحلّ به عُقد الصراع في سورية يؤثر على الأطراف الإقليمية تأثيراً مباشراً، ويجد كل محور نفسه واقعاً بين خيارات متضاربة تجبره على أخذ موقف ولو كان له تبعات يرجو الفكاك منها.

التصنيف أوراق بحثية
الإثنين تشرين1/أكتوير 23
يعمل هذا الكتاب على بلورة الشروط المعرفية والسياسية والاجتماعية والتقنية المؤثرة في عملية التغيير الأمني، واتّساقها مع الظرف السوري الراهن، وبالتالي القدرة على تصدير رؤية تنفيذية تراعي الضرورات الوطنية وتخرج…
نُشرت في  الإصدارات 
الجمعة آذار/مارس 31
أصدر مركز عمران كتابه السنوي الثالث الذي يتزامن مع بداية العام السابع من الزلزال السوري بعنوان "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، هادفاً إلى تقديم قراءة منهجية لأهم متغيرات الملف…
نُشرت في  الإصدارات 
الثلاثاء آذار/مارس 15
تزامناً مع الذكرى الخامسة لانطلاق الثورة السورية، يطلق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية كتابه السنوي الثاني، متضمناً عدة دراسات تعنى بأهم تحولات وتحديات الملف السوري، من إعداد مسارات المركز الثلاثة السياسة…
نُشرت في  الإصدارات 
أيمن الدسوقي
أعلن عن نتائج انتخابات الإدارة المحلية التي جرت منذ يومين دون أن تتضمن أي مفاجئات،…
الثلاثاء أيلول/سبتمبر 18
نُشرت في  مقالات الرأي 
معن طلَّاع
شكّلت موجات الربيع العربي في عامي 2010-2011 اختباراً حقيقياً لكل الصيغ السياسية والأمنية والاقتصادية الحاكمة،…
الخميس آب/أغسطس 30
نُشرت في  مقالات الرأي 
أيمن الدسوقي
لجأ النظام السوري في الآونة الأخيرة إلى إبلاغ ذوي معتقلين في سجونه عن وفاتهم، عبر…
السبت تموز/يوليو 28
نُشرت في  مقالات الرأي 
ساشا العلو
من بعد مؤتمر أستانة وما نتج عنه من اتفاقات "خفض التصعيد"، يسير الملف السوري عسكرياً…
الجمعة تموز/يوليو 20
نُشرت في  مقالات الرأي