إصدارات المركز

مدخل

شكلت مواقف دول الخليج حالات داعمة للقوى المجتمعية الثورية السورية، حيث تولت منذ البداية طرح العديد من المخارج للأزمة السورية، وشكلت مبادراتها الدينامية الأساسية والمحركة لمبادرة الجامعة العربية الأولى إلا أن استمرار رفض النظام أدى إلى تطور الموقف الخليجي والمطالبة بتنحي رئيس النظام السوري لصالحه نائبه (المبادرة العربية الثانية)، ومن ثم رفض الحوار معه ليفضي إلى تعزيز تقديم الدعم السياسي والمعنوي للمعارضة السورية في المجتمع الإقليمي والدولي، وبلغ هذا الموقف ذروته في تلك المرحلة عندما سحبت دول الخليج سفرائها من دمشق وطردت نظرائهم السوريين من أراضيها. أما في المرحلة المسلحة فقد اتبعت كل من قطر والسعودية والإمارات سياسات تمكين المعارضة ومدها بالدعم اللوجستي بدايةً ثم دعوة المجتمع الدولي ومطالبته بتسليح الجيش السوري الحر والاعتراف بمؤسسات المعارضة الرسمية وهيئاتها، إلا أن التطورات السياسية والأمنية ساهمت في عرقلة الحركة والتأثير الخليجي، سواء تلك التطورات  الناجمة عن التدخل الروسي وما فرضه من معادلات سياسية وعسكرية جديدة، أو تلك المتعلقة بالأزمة الخليجية والتحولات المحلياتية أو تلك المرتبطة "بالتخبط" الامريكي في المنطقة وما تفرزه من تمكين للمشروع الإيراني.

تناقش هذه الورقة -متكئة على أدوات التحليل الاستراتيجي-مسببات تلك العرقلة وأثرها على العلاقة الخليجية السورية وانحسار خيارات ومساحات التأثير، موضحة طبيعة المشهد السوري بعد هذه التطورات وموجبات عودة التلازم الوظيفية مع المسارات السورية الوطنية لتحقيق الاتساق العضوي لتفريغ المشروع الإيراني المتمدد، وتستكشف هذه الورقة ميادين هذا التلازم وحزم الإجراءات الضامنة لعودة الفاعلية في الحقل السياسي والأمني والتنموي.

عوائق التفاعل الخليجي مع تطورات القضية السورية

دفعت التطورات الإقليمية والتعقيدات المحلية التي تعتري الجغرافية السورية منذ التدخل الروسي إلى ظهور عوائق مختلفة الحجم أمام القوى الإقليمية الفاعلة في الشأن السوري، مما أفرز تحولاً في مسار الحركية الإقليمية وفقاً لتغلب "المنطق الجيوأمني" على مداخل الحل والانفراج السوري وبحكم أولوية "عدم التعارض مع موسكو" التي باتت فاعلاً رئيسياً في هذه الجغرافية، ودول الخليج العربي من بين تلك القوى الإقليمية، فبالنظر لأهم تلك التطورات، فإنه يمكن حصرها بعدة دوائر "متعارضة"، فرضت على دول الخليج تغييرات  واضحة أفرزت إعادة تقييم للسلوك والأداء الخليجي، وأهم هذه الدوائر وهي:

  • الدائرة الأمريكية: إذ عزز بدايةً سلوك وأداء الفاعل الأمريكي في المشرق العربي عموماً وفي سورية خاصة، تغييباً واضحاً للمداخل السياسية وتغليباً للمقاربات الأمنية، وهو ما جعل قضايا المنطقة أزمات مزمنة "يعول" فيها على عنصر التسكين والتهدئة لخلق حالة تعافي واستقرار نسبي، الأمر الذي أعاد هندسة العناصر المشكلة للعملية السياسية في سورية، فقد ساهمت سياسة واشنطن السابقة والتي اتكأت على "ترشيد استخدام القوة" ومبدأ "القيادة من الخلف" إلى تثبيت عدة عناصر حدت بشكل موضوعي عمل الإدارة القائمة، أهمها تمكين طهران في سورية التي استفادت كثيراً من واقع ما بعد الاتفاق النووي الإيراني، وترك مساحات الفاعلية السياسية الروسية والتي اتسعت في ظل الإدارة الأمريكية الحالية.
  • الدائرة الروسية: شكل تحليل النتائج المتوقعة من تدخل موسكو كالضغط على الأسد والحد من التمدد الإيراني وضرب القوى الإرهابية، عاملاً مطمئناً للفاعل الخليجي عامة، إلا أن نمو محور (إيران، موسكو، العبادي، الأسد) وزيادة فاعلية إيران وفرض الأسد ونظامه على كل المسارات الناشئة، ساهم في تبني دول الخليج سياسة الحذر والترقب، والبحث عن هوامش حركة دافعة باتجاه الحلول السياسية، والانخراط الإيجابي في كافة الفعاليات الإقليمية والدولية المعززة لتلك الحلول.
  • الدائرة الخليجية: حيث إن عوامل كالأزمة الخليجية، والحرب ضد ميليشيا الحوثي في اليمن، وتغيير أنماط السياسات المحلية، ساهمت في تأخر الملف السوري في أولويات السياسة الإقليمية لدول الخليج، الأمر الذي ساهم في تقليص مساحات التأثير في المعادلات العسكرية في الجغرافية السورية، واضطرابٌ في أدوات التعاطي، وبالتالي اتسام الحركية الخليجية اتجاه الملف السوري بالتكتيكية والقائمة على مبادئ "الصد" و"تقليل" الخسائر.
  • الدائرة السورية: ساهم الانتقال غير المتسق في خطوات الهندسة السياسية لملامح "الانفراج" السوري (من انتقال سياسي إلى سياسات التسكين والتعافي وصولاً إلى تحويل الاستحقاقات السياسية إلى اختبارات حكومية) إلى تعقيد مآل العملية السياسية، وبالتالي تعزيز احتمالات بقاء نظام الأسد وحلفائه و"انتفاء" حصول انتقال سياسي من سلطة الأسد إلى سلطة مدنية وفق آليات العدالة الانتقالية.

بعد تلك التطورات الدافعة لتغير السلوك الإقليمي لدول الخليج في سورية، فإنه يمكن تشكيل معادلة الدور الخليجي الراهنة وفق للآتي: )الفاعلية الخليجية = أدوار إنسانية ودبلوماسية+ دعم شديد المحددات والشروط+ انخراط إيجابي في عمليات التشكل السياسي(، وتؤكد هذه المعادلة -التي فرضت نفسها بحكم تنامي معوقات الفاعلية المثلى- تضيق مساحات التأثير وتقلص الفرص الكفيلة بعدم تحول سورية سواء كجغرافية لمسرح متشظي، "تُحسن" طهران المنتشرة أفقياً في هذا المسرح استغلاله ومل فراغاته بمشروعها السياسي والإيديولوجي، أو لتحول سورية كدولة إلى كيان دولتي فاشل غير قادر على ضبط المشهد الأمني والعسكري والسياسي وترتهن دوائر صنع القرار فيه لحلفائه وشروطهم الجيوسياسية في المنطقة.

"التلازم": ضرورة وحتمية  

من جهة أولى، فإن تسارع طهران لتحسين وتعزيز تموضعها في المنطقة وإن بدى غير مستقر فإنه باتجاهات امتلاك شروط التمكين، إذ يساهم تفتيت أهم المسارح الجيوسياسية في المنطقة في إضعاف دول الأطراف وتصدر طهران لدفة القيادة التي ستحاول من خلالها التحكم في ملفات المنطقة بغية ضمان عودته لممارسة دوره الشرطي قبل أحداث الربيع العربي من جهة ولاستكمال مشروعه الاستحواذي على مراكز القوة في المجال الحيوي والجيبولتيكي لهذه المنطقة.

ومن جهة ثانية، فإن عدم تحول الفعل الخليجي لاستراتيجية متكاملة قادرة على الدفع باتجاه تضمين الاتفاق السياسي المتوقع للشروط الأمنية والسياسية المحلية المتقاطعة مع محيطها العربي، واكتفائها في سياسة الصد، يسهم على المدى الاستراتيجي بإعادة فرز السلطة الحاكمة بكل ما تعنيه العودة من تعاظم شروط اللاستقرار والفوضى والتحكم في بؤر الإرهاب واتجاهاته.

 ومن جهة ثالثة، فإن التدخل الروسي الذي يحاول استثمار "نصره" العسكري في ميدان السياسة و"رعاية" عملية سياسية لا تفضي لمعالجة أسباب الرفض والقطيعة المجتمعية، فإنه ينمي مناخات الانحدار باتجاه الأفغنة القابلة للتدحرج لتغدو سمة المنطقة ككل، وبالتالي فإن كافة المؤشرات تدل على أنها خطوات ديكورية في "مسلسل ادعاءات" الحل السياسي، وهو أمرٌ ينبغي أن تبقى دول الخليج مدركةً أبعاده السلبية على المنطقة ككل،

تحتم الاتجاهات أعلاه على دول الخليج تجاوز معطلات التأثير في الملف السوري سواء المرتبطة ببنيتها الداخلية أو المتعلقة بضرورات اتساق الرؤية والأدوات الخارجية، وإعلاء أولويات التلازم الأمني والسياسي  السوري الخليجي، والاستمرار بالضغط على الفواعل الدولية لتبقى القضية المجتمعية هي المحرك الأساس في أي عملية سياسية، مستغلة عوامل في تمكين القوى الاجتماعية سياسياً واقتصادياً  وتعزيز أدوار المجالس المحلية التي هي نتاج شرعية شعبية، وهو أمر سيكون صاداً للمشروع الإيراني غير المنسجم مع هوية المنطقة وتفاعلاتها من جهة، وسيعزز من مناخات صد وتجفيف قوة الجماعات العابرة للحدود واسقاط ورقة لطالما احسنت قوى الاستبداد توظيفها في تمزيق البنية المحلية واستغلال ذلك لإعادة شرعنة بقائها.

اتساقٌ سياسيٌّ

انطلاقاً من ضرورة وأهمية هذا التلازم، فإن ملامح أي انخراط استراتيجي خليجي ينبغي له الانطلاق من اعتبارات سياسية واقعية؛ وضرورات إعادة تقييم لأدوار التأثير محلياً والبحث عن أنماط تغييرها باتجاهات تعزيز التلازم؛ بالإضافة إلى أولوية تعزيز المشروع الصاد لطموحات طهران، وعليه يمكن– كمحاولة لرسم هذه الملامح –تحديد ثلاثة أطر للفاعلية، الأول متعلق باستنباط عناصر التأثير الكامنة في العملية السياسية وسبل تعزيز مقاربة التلازم، والثاني مرتبط بتحديد الأدوار المحلياتية، والإطار الثالث يحدده واقع المشروع الإيراني وآفاقه وسبل مواجهته وتحجيمه. فإذا ما انطلقنا من في هذا القسم من الإطار الأول، فإن المشهد السياسي الراهن بات يؤكد على ثوابت جديدة، لا سيما تلك التي تعد نتائجاً للتدخل الروسي، ومنها نذكر:

  1. الاستثمار السياسي الروسي لمخرجات الأستانة، والدفع السياسي باتجاه بلورة مسارات سياسية "تجد طريقاً للحظها في حركية العملية السياسية" وتخفف من تكلفة تدخلها وتسهل من استراتيجية الخروج.
  2. انسجام نتائج التدخل مع فكرة تثبيت نظام الحكم واجراء تغييرات واصلاحات شكلية ومن داخله، واتساقه مع الهواجس الإيرانية بحكم العلاقة الوظيفية التي تضبط علاقات موسكو بطهران في سورية لا سيما فيما يرتبط بالشق الميداني، وبذات الوقت يعمل على اصدار نتائج ينبغي لها أن تحتوي عنصر جذب لأنقرة تجاه موسكو التي لا تزال تتطلع لعلاقات أمثل مع الولايات المتحدة.

إلا أن إدراك موسكو لثابتين يتعلقان بالنظام (الأول: عدم قابلية تحمل بنيته لأي تغيير حقيقي؛ والثاني عدم نجاعة تزمين خفض التوتر من زاوية عدم قدرة النظام على الحفاظ على المكتسبات العسكرية، وبالتالي العمل على أولوية الاستعجال في الخطوات السياسية اللازمة وانجازها شكلاً على الأقل) يجعل عملية الهندسة الروسية للحل السياسي عملية يعتريها العديد من العراقيل وعناصر اللاستقرار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن العملية السياسية وفق المخيال الروسي لا تزال مرتبطة حالياً بمرحلة تفاوضات مع الأطراف الإقليمية المعنية، ومتعلقة بمدى مقاومة المجتمع الدولي لهذه الخطوة الروسية التي ستسحب تدريجياً مرجعية جنيف، هذا المجتمع الذي وإن تماهى بحكم التدخل العسكري مع المخرجات الروسية، إلا أنه يدرك أن الأمر بنهايته رهين التقارب الروسي الأمريكي، وهذا ما لم تتعزز مؤشراته المرتبطة بالشروط الأمنية السورية المحلياتية([1]).

ووفقاً لأعلاه وبالتقاطع مع الشروط الوطنية كانتفاء مسببات الإرهاب والربط العضوي بين الانتقال السياسي والاستحقاقات الأخرى، فإنه يمكن تحديد عناصر الفاعلية السياسية الخليجية بأربعة مداخل:

  1. الدفع باتجاه تبني سياسة خليجية وعربية موحدة حيال نظام الأسد، وتبيان الأضرار الاستراتيجية والتكاليف السياسية البالغة من عملية إعادة شرعنته، والعمل على إصدار بيان عربي موحد، فوجوده في النظام العربي يهيأ الظرف المكتمل لطهران لتحويل سورية لمنصة قلق وفوضى إقليمية.
  2. استراتيجية تفاوض خليجية موحدة مع موسكو لتضمين العملية السياسية الشروط السياسية المناسبة لخلق بيئة محلية مستقرة، كجلاء كافة الميليشيات الإرهابية التي تساند نظام الأسد، وبرامج زمنية للانتقال السياسي وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
  3. دعم الفعاليات السياسية والإدارية الوطنية في مناطق خفض التصعيد، وفقاً لعناصر استراتيجية التمكين المحلي التي تستوجب العمل على تعزيز أربعة عناصر، تطوير عمليات الحوكمة في مناطق سيطرة المعارضة، وتدريب البنى الإدارية وتقوية أدائها السياساتي، برامج مكافحة التطرف الوطنية، دعم مجالس الحكم المحلي كديناميات حكومية صادة لمشاريع جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً).
  4. تدعيم القدرات الدفاعية لمنظومة الجيش الحر، وما تستوجبه من عمليات تحصين وحماية مناطق خفض التصعيد من أي اختراق محتمل من قبل النظام وحلفائه أو من قبل تنظيم الدولة الذي بات يعلي مقاربة المجموعات السائلة كمبدأ للاختراق وإعادة السيطرة وتحسين التموضع.

تفريغ المشروع الإيراني

تدلل الخريطة أدناه على واقع إيران العسكري والأمني في سورية في عام 2017، فبالإضافة إلى قواعدها العديدة في سورية (فعلى سبيل المثال يمتلك الحرس الثوري لوحده -عدا الميليشيات الأخرى-ثلاثة قواعد كبيرة في الكسوة بريف دمشق ومنطقة صلنفة في الساحل السوري ومنطقة السبع بيار في البادية السورية، عدا عن نقاط الاتصال والتسليح في مطار دمشق الدولي والزبداني وجمرايا في ريف دمشق ومدينة البعث في القنيطرة، والحاضر في ريف حلب) تنشط إيران حالياً على أربعة أبعاد:

  • سياسياً: إذ مكنتها منصة الأستانة الدفع باتجاه المشاركة في بلورة معالم الطريق للحل السياسي
  • عسكرياً: تقاتل طهران وميليشياتها على عدة جبهات في دير الزور والقنيطرة ودرعا وريف حمص الشرقي.
  • اقتصادياً: البدء في استحواذ مشاريع استراتيجية كالطاقة والمواصلات والعقارات.
  • إدارياً: فبالإضافة إلى سيطرتها وتحكمها في خيارات وسياسات المجالس البلدية والمحلية في مناطق سيطرتها، باتت إيران متحكمة في معظم المعابر الشرقية ناهيك عن المعابر مع الحدود الإيرانية.

بالمقابل ورغم تنامي العناصر المكملة للمشروع الإيراني وبلوغها مستويات متقدمة، إلا أن عوامل تفريغ هذه المشروع وتحجيمه لا تزال تمتلك فرصاً عديدة يمكن لدول الخليج استغلالها، خاصة أن أي حالة سياسية محتملة ستعترضها بنية أمنية هشة ومناخ فوضوي لا يمكن أن يفضي للتعافي والاستقرار المجتمعي، ومن هذه الفرص نذكر حزم الإجراءات التالية:

  1. البدء بحملة سياسية ودبلوماسية في كافة الفعاليات الإقليمية والدولية لتوصيف كافة الميليشيات الإيرانية كقوى إرهابية، واعتبارها قوى معطلة لمسيرة "السلام" ومغذية لخطاب التطرف والإرهاب.
  2. البحث عن علاقة وظيفية مع تركيا، تشكل عامل معادل لعلاقتها مع أنقرة التي فرضتها ضرورة الجغرافية والمعادلات العسكرية والأمنية في سورية.
  3. دعم كافة الاتفاقيات الأمنية المثبتة لمناطق خفض التصعيد مقابل جدول زمني لانسحاب الميليشيات الإيرانية من المجال الحيوي لهذه المناطق تمهيداً لخروجها من سورية.
  4. دعم مجموعة من الفعاليات المدنية والإعلامية والبحثية والقانونية الهادفة لخلق حالات محلية صادة للمشروع الإيراني.

إعادة الإعمار والبوصلة السياسية

تشكّل إعادة الإعمار في سورية مهمة بالغة التعقيد والتشبيك مع المسار السياسي؛ فبحسب ما هو متعارَف عليه حول المعافاة وإعادة الإعمار بعد النزاعات، يجب أن تتم إعادة البناء المادّية والمعافاة الاقتصادية والإصلاحات السياسية والمصالحة المجتمعية بصورة متزامنة من أجل نقل البلاد من حالة الحرب والفوضى إلى "السلم والاستقرار". لكن في سورية، ثمة خطر بأن يتواصل الجزء الأكبر من إعادة الإعمار والمعافاة الاقتصادية بمعزل عن المفاوضات والإطار السياسي الملائم لشروط التعافي، إذ يمكن أن تتحوّل إعادة الإعمار بسهولة إلى أداة لتثبيت مكاسب الحرب وديناميكيات النفوذ القائمة، ما يحول دون عملية الانتقال من الحرب إلى السلم أو يطرح تعقيدات أمامها، بدلاً من دعمها،  كما أن اهم ما يعزز هذا الخطر أنه مع تقدّم عملية إعادة الإعمار، ستواجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، معضلةً بين الاستثمار في إعادة الإعمار "التقنية" – التخلّي عن فرض شروط على المساعدات، والاتجاه بحكم الأمر الواقع إلى مكافأة النظام والمساهمة في ترسيخه لنفوذه على الأرض – وبين رفض المشاركة في عملية إعادة الإعمار برمتها، ما يُعرِّضهم لخطر خسارة مزيد من التأثير[2].

 ورغم ذلك تتيح إعادة الإعمار فرصة لدول الخليج بتعزيز الاتساق السياسي مع الحاضنة المجتمعية السورية وزيادة أوراق التأثير والمساهمة في عملية التشكل السياسي لسورية ورسم معالمها المستقبلية، فإعادة تصوّر المشهد بكافة أبعاده لا يمكن له أن يتم دون إعادة صياغة الديناميكيات السياسية وديناميكيات النفوذ أو ترسيخها.[3] وتدرك دول الخليج طبيعة العلاقة بين إعادة الإعمار والحكم والنفوذ. فحتى فيما يتفاوضون على الترتيبات المتعلقة بنزع التصعيد ووقف إطلاق النار، فأنهم سيسعون أيضاً إلى ترسيخ دوائر نفوذهم في سورية عن طريق إعادة الإعمار. على سبيل المثال، تستثمر تركيا في إعادة إعمار البنى التحتية المتضررة من الحرب في الباب، آملةً بأن يساهم ذلك في طرد المجموعات المتطرفة وتشجيع عدد كبير من اللاجئين الذين تستضيفهم داخل الأراضي التركية، على العودة إلى سورية، وليس الهدف من هذه الجهود بسط الاستقرار في الوقت الراهن وحسب، إنما أيضاً تمكن ورائه أسباب سياسية.

وعليه يمكن تحديد ملامح سبل فعالية دول الخليج في سياسات إعادة الإعمار في عدة اتجاهات، أهمها ما هو مرتبط بمتطلبات تعزيز التواصل ما بين منظومة مجلس التعاون الخليجي مع الاتحاد الأوروبي (الداعم المادي الأكبر لإعادة الإعمار في سورية) والتوصل لمذكرات تفاهم وتنسيق وتعاون لإنجاز هذا التحدي، والعمل على الدفع باتجاه تحديد الشروط السياسية لبدء هذه العملية، والحذر من تحول هذا الملف من استحقاق سياسي داعم للاستقرار إلى تحدي حكومي يتوه في دهاليز البيروقراطية وشبكات الفساد الأسدية والإيرانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه من أدوات الفاعلية يكمن في إنشاء منظومة التعاون الخليجي لصندوق مالي داعم لسياسات إعادة الإعمار وما تتطلبه من دراسة احتياجات وسياسات تنفيذية وبرامج تطوير الأداء والعودة الكريمة للاجئين والنازحين، والتركيز المباشر على مناطق سيطرة المعارضة وما تتطلبه من احتياجات تؤهلها لإدارة هذه العملية.

ختام القول

تتعاظم شروط التشكل السياسي غير المتسق مع طبيعة وتعريف القضية السورية التي تشهد تغييراً لمفاهيم سياسية كالانتقال والتغيير السياسي لصالح تسوية تفرغ الاستحقاقات السياسية الضامة لبناء سورية بما يتسق مع هويتها الحضارية وتحولها لمهمات حكومية غير مستعجلة وغير مرتبطة ببوصلة سياسية، وهو ما من شأنه تحول سورية لدولة فاشلة مزمنة تتحكم طهران في معظم دوائر صنع قرارها، وهو ما سيرتد فوضى أمنية متنامية على البنية السورية والخليجية والعربية، الأمر الذي يحفز دول الخليج لإعادة تقييم سياساتها تجاه الملف السوري ودراسة أسباب إعاقة فاعليتها عبر تعزيز مقاربة التلازم السياسي والأمني مع الملف السوري، والبحث عن امتلاك دوائر تأثير تضمن من خلالها دول الخليج إيقاف السيولة المتأتية من المشهد السوري وتضمين خطوات هندسة الحل أبعاده السياسية والاجتماعية الكفيلة بتحقيق الاستقرار والتعافي في سورية من جهة وتقوض وتفرغ المشروع الإيراني من جهة أخرى.

 

المصدر مجلة آراء حول الخليج


 ([1]) التثمير الروسي للمسار السياسي لما بعد الأستانة، تقدير موقف صادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 13/11/2017، الرابط: https://goo.gl/6sN4h8

([2])  Benedetta Berti, “Is Reconstruction Syria’s Next Battleground?”, Carnegie endowment for international peace, 5/9/2017, https://goo.gl/xFWLxX

 ([3]) لقد تكبّدت سورية، خلال الأعوام الستة الماضية، خسائر تراكمية في إجمالي الناتج المحلي تخطّت 226 مليار دولار، وأصبح نصف سكّانها في عداد النازحين بسبب النزاع، ولحقت أضرار كبيرة بالبنى التحتية المدنية. بحسب التقديرات الواردة في تقرير صادر عن البنك الدولي في العام 2017، دُمِّر 27 في المئة من المنازل في المراكز المدينية التي خضعت للتقويم، أو لحقت به أضرار، ويُقدَّر مجموع تكاليف إعادة الإعمار بـ200 إلى 350 مليار دولار

التصنيف أوراق بحثية

ضمن تغطيتها الإخبارية، حاورت قناة الرافدين بتاريخ 20 حزيران 2017، الباحث معن طلاع من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية حول التصريحات الروسية الأخيرة باستهداف أي طائرة للتحالف تُرصد غرب النهر ضمن مناطق عملياتها العسكرية.

ضمن الدراسة الأولى الواردة في الكتاب السنوي الثالث بعنوان: "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، يجيب الباحث ساشا العلو عن أهم التساؤلات التي يفرضها هذا التدخل على معادلات المنطقة والإقليم، كما يناقش الباحث المتغيرات الدولية والإقليمية التي خلقت بيئة مُيَسرة لهذا التدخل لا سيما محور العلاقة الروسية الأمريكية، والعلاقات الروسية مع الفاعلين الأساسيين في المنطقة.

 

تداعيات الحركية الروسية على الملف السنوي، هو عنوان الدراسة الثانية في الكتاب السنوي الثالث: "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي".
تركز الدراسة على حيثيات هذا التدخل ومسار حركته المحلية، وذلك للوقوف على مدى ضبط موسكو لعناصر "هندسة الحل السياسي المرتجى" ورغبتها في إحداث متغيرات نوعية في أضلع هذا الحل لا سيما فيما يرتبط بالمعارضة الصلبة، كما اختبر الباحث في دراسته الثنائية الوظيفية التي تقوم موسكو بالعمل عليها والمتمثلة بـ(الضامن، الحليف) وما تفرزه من تناقضات تصعب إنجاز "استراتيجية الخروج الروسي الآمن".

 

خلال مقابلته الدكتور عمار قحف المدير التنفيذي لمركز عمران يقدم لمحة موجزة عن الكتاب السنوي الثالثـ والمصدر في شهر آذار عام 2017، بعنوان: "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي".

 

أصدر مركز عمران كتابه السنوي الثالث الذي يتزامن مع بداية العام السابع من الزلزال السوري بعنوان "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، هادفاً إلى تقديم قراءة منهجية لأهم متغيرات الملف السوري في عام 2016 ابتداءً من آثار التدخل الروسي في معادلات المنطقة، وكذلك حركية هذا الوجود الروسي وحدوده وأبعاده، إضافة إلى تسليط الضوء على الكمون الاقتصادي والتنموي في مناطق المعارضة وتحليلاً للبُنى الإدارية المحلية القادرة على ملء الفراغ وضبط الأمن وتوفير جسم قادر على الانتقال السياسي الحقيقي ميدانياً.

وتؤكد الدراسات الواردة على أهمية تقوية المكونات المحلية المدنية وخاصة منظومة المجالس المحلية كجسم تمثيلي شرعي رغم التفاوت في مستوى الأداء بما يهدف إلى ملء الفراغ الإداري وتمثيل رأي المواطنين في الحقل السياسي في مقابل طُغيان غير متوازن للفصائل العسكرية والأجسام السياسية التقليدية في المشهد التفاوضي.

التصنيف الإصدارات

استضاف برنامج "من تركيا" على قناة الأورينت السورية، الدكتور عمار قحف، مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، للحديث عن مسار مؤتمر جنيف4 ومآلاته في ظل الانسداد السياسي القائم.

قدّم مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية تحليلاً معمقاً للدور الروسي المتعاظم في سورية، وهو الأكبر منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وحلل أساليبها في خلق منصات متعددة لإضعاف المعارضة السورية لصالح نظام الأسد.

وإجابة منه على سؤال حول سرّ تعدد منصات المعارضة في مؤتمر جنيف، وتأثيرها على المسار السياسي في جنيف، أجاب الدكتور عمار قحف، بأن غاية روسيا من صناعة منصات موالية لها، هو الإعداد للمرحلة المقبلة من المفاوضات لضمان مصالح موسكو في سورية.

كما تناولت المقابلة الحديث عن بيانات جنيف1 ومساعي الروس للالتفاف على البيان من خلال اعتماد سياسة الغموض البناء على الرغم من مبادرة موسكو نفسها لصياغة البيان.

 

 

شارك مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في ندوة بحثية عقدها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (سيتا)، بمدينة اسطنبول في يوم الخميس 20 تشرين الأول 2016، ناقش فيها الملف السوري، بمشاركة باحثين أتراك وسوريين.

تضمنت الندوة التي حملت عنوان "الفوضى في سورية إلى أين؟"، عرضاً للوضع الراهن في سورية، وناقشت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، لا سيما معركة "درع الفرات" وما عكسته من زيادة الدور التركي في سورية.

تحدث في الندوة كل من عضو الهيئة العليا للمفاوضات ورئيس الائتلاف السوري السابق، خالد خوجة، والمدير التنفيذي لمركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار القحف، بالإضافة إلى الدكتور أفق أولوتاش من مركز "سيتا"، والدكتور محي الدين أقامان من جامعة أنقرة.

مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار قحف، لفت في ورقته إلى أن الأنظمة السياسية في البلدان التي شهدت احتجاجات ضد الأنظمة، سعت منذ البداية لترويج فكرة الفوضى وربطها بالثورات. وأشار إلى أن نظام بشار الأسد في سورية، وضع منذ بداية الثورة (2011) سردية للإرهاب وتعامل من خلالها مع حراك المحتجين، والربط فيما بينهم وبين الإرهاب. وأضاف أن الأسد عمل على خلق فوضى سياسية، واقتصادية، وأمنية، وبات ينظر للمشهد بأدوات أمنية، ما ساهم في زيادة دور أجهزة الأمن في سورية بالتعامل مع المحتجين.

بدوره أوضح الدكتور محي الدين أقامان أن "الفوضى الحاصلة في سورية" ساهمت في تحديد تركيا بشكل أكبر لخطوطها الحمراء في سورية، وتحديد ما الذي يمكن تحمله وما لا يمكن تحمله. ولفت إلى دور إيران وسياستها الطائفية الواضحة في سورية والعراق، كما تطرق في مداخلته إلى التنافس الروسي– الأمريكي في سورية، واصفاً موقف البيت الأبيض بـ "المتردد".

من جهته، أشار رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق خالد خوجة، إلى جملة من الأسباب التي أوصلت الوضع في سورية لما هو عليه الآن، وركز بشكل أساسي على التراجع الأمريكي لصالح روسيا في سورية. وأكد أن الجيش الحر قد تم إضعافه مقابل تقوية جهات أخرى كـ ميليشيات "سورية الديمقراطية".

وعن عملية "درع الفرات"، رأى خوجة أن المعارك في الشمال السوري تغير التوازنات، منوهاً إلى أهمية مدينة الباب ومنبج وقال إن "هاتين المدينتين ستغيران قدر حلب". وتابع أن تركيا تعمل حالياً على "إعادة إنتاج الجيش السوري الحر وتقويته".

واتفق الباحث في مركز "سيتا" أفق أولوتاش مع بقية المشاركين بالندوة، على أن "درع الفرات" تشير في مجملها إلى زيادة الفاعلية التركية في سورية، معتبراً أن أنقرة تدفع ثمن استقلال سياساتها.

التصنيف أخبار عمران
الأربعاء, 20 نيسان/أبريل 2016 13:55

موسكو والريادة الدولية من البوابة السورية

يفيد التقييم التفصيلي لمجموعة السلوكيات الروسية والأمريكية في الشأن السوري، في تثبيت قاعدتين مهمتين في أسس التعاطي مع "الملف" السوري، لم يعتريهما أي تبدل رغم كم المتغيرات التي شهدتها الجغرافية السورية، ومن شأنهما تسهيل فهم أهم ملامح "ادعاءات الانفراج" التي تمت هندستها وفق سياسات لا تمت للبعد المجتمعي للقضية السورية بأية صلة.

القاعدة الأولى: تذبذب الأداء الأمريكي  في الملف السوري وعدم ثباته واتسامه بردود الفعل وفق قواعد الحد الأدنى من التدخل، وذلك بحكم ما أسماه كولين دويك في كتابه (عقيدة أوباما) التي تشجع الانسحاب من ملفات المنطقة التي يمكن –وفق هذه العقيدة-  إبعاد ارتداداتها الأمنية عن المصالح الأمريكية دون التدخل المباشر فيها، والاستناد إلى محورين رئيسين وهما: مبدأ التوجه إلى الداخل الأميركي وإيلائه القدر اللازم من الزخم السياسي من أجل تمرير أفكار أوباما الأقرب إلى الاشتراكية المعتدلة، فهو يعتقد أن قوة أميركا تنبع من تماسكها ونمائها في الداخل وليس من علاقاتها الدولية وسطوتها الخارجية ، وأن الأمن القومي الأميركي لا يمر في قناة السياسات الدولية بل يعززه مجتمع قوي يقوم على إتاحة الخدمات للجميع ، كمشروعه لترشيد التأمين الصحي الذي يسمى بـ"أوباما كير" ، وقضية الهجرة، والرعاية الصحية، والتعليم، والمناخ والبيئة .والمحور الثاني تغييبه لمبدأ الاشتباك في العلاقات الدولية لصالح  سعيه الحثيث لسياسات الاحتواء تجاه دولاً كانت تعتبر إلى ما قبيل مجيئه إلى سدة البيت الأبيض دولا مخاصمة أو مارقة أو عدوة مثل الصين وإيران وروسيا، هذا من جهة، ولتغليب خيار محاربة الإرهاب وفق محدّدات خاصة غير مكلفة لا تخلو من التوظيفات السياسية ولا تنسجم بالضرورة مع القضايا الاجتماعية المحلياتية من جهة أخرى.

أما القاعدة الثانية: هي ثبات ووضوح الموقف السياسي الروسي تجاه القضايا الإقليمية لا سيما حيال الملف السوري (بغض النظر عن عدم اتساق هذا الموقف مع طبيعة المتغيرات التي شهدتها البنية العربية) خاصة بعد سقوط القذافي واعتبار موسكو أن الولايات المتحدة وحلف الناتو قد استغلوا القرار الأممي رقم 1973 الصادر بتاريخ 17/3/2011 ونفذوه بطرق مضرة لشبكة المصالح الأمنية والجيوسياسية الدولية في المنطقة و"مخالفة لنص القرار "، إذ أن "قرار مجلس الأمن الدولي طالب بفرض منطقة الحظر الجوي، لكن طائرات عسكرية كانت تحلق هناك كل يوم، كما طالب القرار بمنع تصدير الأسلحة لكنه تم تصدير أسلحة، وحظر القرار كذلك وبشكل مباشر استخدام القوات البرية، لكنه كانت هناك قوات لدول محددة، كما تبين في ما بعد" -وهذا كله وفق ادعاءات موسكو-

إذاً إدارة الكرملين  لن تسمح بتكرار السيناريو الليبي لأسباب عدة منها ما يتعلق برؤية بوتين الخاصة للحركات الإصلاحية في الوطن العربي وخطورة قوى الإسلام السياسي على الأمن القومي الروسي، ومنها ما يرتبط بطبيعة رجاءات العودة والتمركز في قلب النظام الدولي، وحماية مصالح روسيا الجيوبولتيكية،  حيث اعتبر  بوريس دولغوف الباحث العلمي في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية خلال ندوة  نظمتها اللجنة الروسية للتضامن مع ليبيا وسوريا في موسكو في آذار 2016: "أن مجلس الأمن كان قد تبنى حينها قراراً بصيغة معينة بخصوص ليبيا، لكن الغرب تصرف هناك بصيغة أخرى...والنتيجة هي أننا نرى دولة منهارة وحكومتين متناحرتين في طرابلس وطبرق".
أدركت موسكو القاعدة الأولى وهندست سياساتها الدولية في المنطقة وفقاً لذلك بالتظافر مع متطلبات صيانة الأمن القومي الروسي فضمت القرم قبل عامين، واستطاعت ضبط التفاعلات الدولية في الأزمة الأوكرانية، كما أنها  طورت من نوعية تدخلاتها في المشرق العربي عبر بوابة المسرح السوري، الذي أضحى مع انحسار الدور الأمريكي فرصة جيواستراتيجية لموسكو للبدء بعودة نوعية جديدة إلى المنطقة، بحيث تعمل من خلالها على ملء الشواغر الناجمة عن محدّدات تعاطي أوباما القائمة على مبدأ الإدارة من الخلف وعدم الانخراط المباشر في ملفات المنطقة، فانتقلت من مستويات الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي إلى مستوى أكثر صلابة عبر الانخراط المباشر في تفاعلات المشهد السوري مستغلاً تلك "الوكالة الدولية" التي اكتسبتها موسكو منذ اتفاق الكيماوي الشهير، واستطاع إلى حد بعيد صد طموحات بعض الدول الإقليمية (كالسعودية وقطر وتركيا) وإلغاء أي احتمال لتطور هذه الطموحات لتدخلات صلبة، كما وأجبر الفاعل الإيراني على صياغة سياسته وفق قواعد التعاون والبناء المشترك مع موسكو – ناهيك عن أن هذا التدخل حفز بعض الدول الداعمة للثورة المضادّة بالاصطفاف خلف الدب الروسي ويهيئ الفرصة لبلورة محور إقليمي بقيادة موسكو. وهذه مجموعة مكاسب متنامية ستحرص موسكو على تثبيتها كقواعد ناظمة للمجال السوري لا سيما "تثبيت أولوية مكافحة الإرهاب" في المشرق العربي بعدما طوعت موسكو ميادين السياسة والعسكرة في سورية، واستطاعت رسم الإطار العام لمسار العملية السياسية في سورية بكل أجندته والذي سيكون له الانعكاس الأبرز على باقي ملفات المنطقة.

تجد موسكو في شعار "تثبيت أولوية مكافحة الإرهاب" في المشرق العربي – الذي بات الإشكال الوحيد في الملف السوري وفق وجهة النظر الدولية-  عدة مكاسب استراتيجية كامنة في ثنايا الجغرافية السورية، كتغييب الحركات الإسلامية بكل تدرجاتها عن أي مشاريع للتغيير السياسي في المنطقة عبر تثبيت حوامل الثورة المضادة وتدعيم مفاهيم وكوادر الدولة "العميقة"، والاستثمار والتوظيف السياسي غير المباشر للجماعات العابرة للحدود، في سبيل الالتفاف على قضايا التغيير السياسي في المشرق العربي، إلى جانب تصدّرها المشهد السياسي والعسكري وإخضاعه لشروطها الجيوسياسية، إضافةً إلى ترسيخ قاعدة مشتركة بغية زيادة مساحة التوافق مع الولايات المتحدة كخطوة أولى لإعادة حلحلة باقي الإشكالات والملفات الدولية العالقة، ناهيك عن مبررات الاستراتيجية الأمنية الخاصة بموسكو فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب إذ تعتبر موسكو أن مواجهة وضرب "الإرهاب" هي من الضربات الاستباقية والمحددات الرئيسة للسياسة الخارجية نظراً لتأثيرها على العمق الاستراتيجي الروسي حيث يشكل ارتداد العناصر القوقازية المقاتلة بجانب تنظيم الدولة أو بالتنسيق معه نحو شمال القوقاز خطرا كبيرا على هذا العمق، إذ  أن منطقة شمال القوقاز، بإطلالها على البحر الأسود غرباً، تمثل المنفذ الرئيسي والمباشر لموسكو عبر مضيقي البوسفور والدردنيل إلى البحر المتوسط، ومنه إلى ميناء طرطوس (سوريا) - نقطة ارتكازها في الشرق الأوسط-  علاوة على الخسائر الفادحة التي ستتلقاها موسكو في حال قيام الجهاديين بعمليات تجاه خط أنابيب "السيل التركي" المنطلق من القوقاز الروسي عبر البحر الأسود. كما تؤثر أيضاً على مناطق النفوذ في منطقتي آسيا الوسطى (أوزبكستان، كازخستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، تركمنستان)، وجنوب القوقاز (أذربيجان، جورجيا، أرمينيا)، التي تسعى موسكو لتوطيد العلاقات معهم وتدعيمها، وتوسيع النفوذ، بالإضافة لإدماج دول المنطقتين ضمن مشروع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي للحد من تصاعد النفوذ الأمريكي، وعليه فإن الضربات الروسية ضد "داعش" حافزا لتعزيز علاقات موسكو بالجمهوريات السوفيتية السابقة، في ظل الهواجس الأمنية التي تسيطر على هذه الأخيرة إزاء اتساع نشاطات التيار السلفي الجهادي في آسيا الوسطى والقوقاز.

كما تحاول موسكو اليوم تصدير نفسها دولياً بأنها القادرة على حل الصراعات الدولية، وهذا ما تضمنته وثيقة "استراتيجية الأمن القومي لروسيا الاتحادية" الصادرة في مطلع هذا العام والتي يمكن عنونتها بـ"( الانتقال من الدفاع للهجوم) إذ أكد عقيد الاستخبارات الروسي السابق "بافل لي" على أن روسيا "قررت الأخذ بزمام المبادرة، والانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم، وذلك بعدما أيقنت أن إيجاد حلول للمسائل الخلافية مع الغرب بشأن أوكرانيا وسوريا وغيرهما من القضايا وصل إلى طريق مسدود".

تبدو خطوات بوتين في سورية أكثر رسوخاً واتساقاً من الحراكات الدولية الأمريكية التي أعاقتها عقيدة أوباما وأرجأت الحسم في المواقف السياسية المتعلقة بالملف السوري حتى استلام الرئيس الجديد الذي سيجد نفسه أمام تركة ثقيلة وواقعاً سياسياً وعسكرياً وأمنياً لا يمكن التحكم بتفاعلات هذا الملف بمعزل عن المشاركة الروسية التي عززت شروطها الجيوسياسية، وكما قال المحلل السياسي الروسي قنسطنطين إيغرت أن "بوتين هزم باراك أوباما مجدداً فتدخل بوتين في سوريا وفاجأ الغرب وأجبر "الولايات المتحدة على التحدث معه على قدم المساواة". كما أن زعيم الكرملين نجح في خلق واقع جديد جعل من أزمة أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم أمراً ثانويا".

ويمكن القول ختاماً، وكما أدركت كاترين الكبرى (إمبراطورة روسيا 1762-1796) أهمية دمشق إذ قالت "دمشق تمسك مفتاح البيت الروسي"، عَلِمَ بوتين جيداً أن "دمشق هي مفتاح عصر جديد". فهل من مدركٍ في بلاد العرب؟

المصدر موقع العربي الجديد: https://goo.gl/rjQ4N1

التصنيف مقالات الرأي

ضمن برنامج زاوية حرجة استضاف راديو أورينت عبر الهاتف المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار قحف، والكاتب والمحلل السياسي العراقي نجاح محمد علي. جاء ذلك ضمن حلقة بعنوان: "كيف سيكون الأسد بدون روسيا سياسياً"، ناقشت المحاور التالية:
1.     أسباب الانسحاب الروسي وتوقيته.
2.    مواقف حلفاء الأسد من الانسحاب الروسي.
3.    علاقة الانسحاب الروسي بالبعدين العسكري والسياسي.

أيمن الدسوقي
نشاط محموم تقوده الحكومة السورية لإعادة النظر بالتقسيمات الإدارية القائمة بعدما عبثت بها الحرب، مدفوعة…
السبت كانون2/يناير 27
نُشرت في  مقالات الرأي 
بدر ملا رشيد
ملخص تنفيذي بدأت اللقاءات والمفاوضات المحلية بين "الإدارة الذاتية" والنظام منذ عام 2016، وكان التوجه…
الإثنين كانون2/يناير 22
نُشرت في  أوراق بحثية 
محمد العبد الله
ملخص تنفيذي يجد اللاجئون السوريون أنفسهم اليوم في خضم العديد من التحديات في بلدان اللجوء…
الجمعة كانون2/يناير 05
نُشرت في  الدراسات 
معن طلَّاع
مدخل شكلت مواقف دول الخليج حالات داعمة للقوى المجتمعية الثورية السورية، حيث تولت منذ البداية…
الأحد كانون1/ديسمبر 31
نُشرت في  أوراق بحثية