يركز هذا التقرير على توصيف المشهد الميداني قبل الاتفاق والسياق العسكري الذي أفضى إلى اتفاق المنطقة العازلة ويوضح طبيعة هذا الاتفاق ودوافعه ومواقف القوى الميدانية حياله، مستعرضاً أبرز التحديات التي تعترضه لا سيما تلك المتعلقة بالميليشيات الإيرانية المنتشرة على محيط المنطقة او تلك المرتبطة بمصير هيئة تحرير الشام.

ما قبل الاتفاق: معركةٌ قاب قوسين أو أدنى

شهد مطلع شهر سبتمبر/أيلول 2018، تمركز حشود من قِبل قوات النظام وبعض الميلشيات المحسوبة على إيران بالقرب من إدلب، وتحديداً على الجبهات الاستراتيجية في محافظة إدلب([1])؛ إذ أكد النظام وحلفائه (مراراً وتكراراً) أنهم ماضون باتجاه استرجاع محافظة إدلب وذلك ضمن إطار استكمال استراتيجية "بسط السيطرة والنفوذ"؛ ومما عزز دوافع هذا الاسترجاع المتخيل أهمية المحافظة ودورها في تحسين ظروف التنمية التي تشكل أبرز تحديات النظام الراهنة؛ تلك الظروف التي ستتحسن باسترجاع  الطريقين الدوليين (M5)، (M4) وما سيشكله عودة الزخم التجاري من أثر مادي.

ناهيك عن نية النظام استثمار سيناريو "المصالحات" وتطبيقه على إدلب بغية إخراج المعارضة المسلحة هناك عن معادلات الصراع وبالتالي تجاوز أسئلة صراع النظام والمعارضة والانتقال إلى مستويات جديدة؛ وفي سبيل ذلك بدأت خطط الانتشار والتمركز والتي كان أغلبها قريباً من نقاط المراقبة التركية في إدلب، الأمر الذي استدعى من الجانب التركي بإرسال تعزيزات عسكرية على نقاط مراقبتها في كلٍ من:

 

زادت الحشود العسكرية من الجانب التركي والقوات الموالية نسبة التوتر في المنطقة، وارتفعت نسبة العمليات العسكرية من قبل الجبهة الوطنية وهيئة تحرير الشام من جهة وقوات النظام والميلشيات الإيرانية من جهة أُخرى.

بالعموم تشكلت مجموعة من الهواجس الروسية والتركية والتي ساهمت في اختبار الأدوات السياسية للحل، فعلى الجانب التركي ارتفعت وتيرة الحذر من تبعات تلك العملية على المستوى الإنساني التي سترتد بالدرجة الأولى على تركيا لا سيما بتلك المتعلقة بالقدرة على استيعاب موجة اللجوء والتي سوف تترافق مع هجوم قوات النظام، حيث يبلغ عدد سكان محافظة 3 ملايين مدني، ثلثهم من النازحين داخلياً بسبب النزاع المستمر منذ سبع سنوات؛ ناهيك عن الهاجس الأمني التركي الذي يرى بالعملية تهديداً لخطوط الدفاع الأمامية لمنطقتي درع الفرات وغصن الزيتون  وهي مناطق النفوذ التركي المشكلة كواقع صد ضد طموحات الPYD الذي لا يزال يسير بمفاوضات مع النظام؛ لذلك تعد خسارة إدلب أو انسحاب تركيا من نقاطة مراقبتها الـ 12 بمثابة إيعاز بقرب انسحاب تركيا من الشمالي السوري، لذا حاولت تركيا قبل 17 أيلول/ سبتمبر إلى الوصول إلى اتفاق يرضي أطراف الأستانة ولا يضر بمصالحها في الشمال السوري.

أما الهواجس المتعلقة بالجانب الروسي فتتمثل بالدرجة الأولى بعدم رغبة موسكو في إفشال اتفاق الأستانة بحكم اعتباره التحالف الدولي الأقوى الأن في سورية؛ كما تعي روسيا بأن وقوفها ضد الجانب التركي سوف يؤدي إلى تقوية العلاقة الأمريكية-التركية، وهذا أمر قد ينعكس على روسيا بشكل سلبي في سورية؛ كما طمحت موسكو في اختبار الأدوات السياسية بغية الحد من هجمات الطائرات المسيرة (Drones) على المواقع العسكرية الروسي في مطار حميميم وسهل الغاب؛ ناهيك عن أن العدد المحدود للقوات الروسية البرية أو القوات المحلية الموالية لها سيجعل الميليشيات الإيرانية هي القوات الأكثر قدرة على ملء أي فراغ في إدلب،  وهو أمر قد لا ترغب رسيا بحدوثه، خاصة بعد تجاربها في ريف حلب الشرفي، ريف الرقة الجنوبي، ومحافظة دير الزور.

ساهمت تلك الهواجس التركية والروسية في الدفع باتجاه عقد قمة طهران التي جرت في 7 أيلول/سبتمبر 2018 بهدف الوصول إلى مخرج يراعي كافة الهواجس؛ وعلى الرغم من وضوح الخلافات بين تلك الدول في هذه القمة؛ إلا أنه يمكن اعتبارها بمثابة "الخطوة الأولى" ضمن حركة الوصول لاتفاق المنطقة العازلة في إدلب والذي أعلنت عنه كلٍ من روسيا وتركيا في 17 أيلول/ سبتمبر 2018.

منطقة عازلة: تأجيل المعركة أم تزمين مناطق النفوذ

مع إعلان الاتفاق بين روسيا وتركيا حول إنشاء منطقة عازلة في إدلب، نشرت بعض الجهات الرسمية من الجانبين الروسي والتركي مواصفات تلك المنطقة؛ وكان الحديث في بداية الأمر على أنه سيتم اقتطاع 7.5 إلى 10 كم من مناطق الثوار ومثلها من مناطق النظام، أي ممنوع تواجد قوى الثورة السورية وقوات للنظام في هذه المنطقة، وسيتم تسيير دوريات تركية روسية مشتركة فيها، فيما سوف تقوم تركيا بدعم مناطق قوى الثورة السورية لوجستياً، وتبقى روسيا المشرفة على مناطق النظام([3]).

فيما بعد تم توضيح بند انسحاب الفصائل من المنطقة العازلة، وتم التأكيد أن الانسحاب يشمل "القوات المتشددة" بسلاحها الخفيف والثقيل، فيما يحق لقوى الثورة السورية البقاء ولكن تحت إشراف القوات التركية في المنطقة.

تمتد المنطقة العازلة من شمال غرب حلب بالقرب من بلدتي نبّل والزهراء والتي تعتبر من أبرز معاقل الميليشيات الموالية لإيراني في الشمال الحلبي وحتى بلدة صوران شمال حماة، وتلامس المنطقة العازلة حدود مدينة حلب ومعظم الأوتوستراد الدولي (M5) المار بمناطق سيطرة قوى الثورة السورية، وثم تمتد المنطقة العازلة من بلدة صوران شرقاً وحتى السقيلبية، أما الحدود الغربية للمنطقة العازلة فتمتد على طول سهل الغاب الأوسط وحتى جبل التركمان، وكذلك شهدت هذه المنطقة بناء مراكز للشرطة العسكرية الروسية والتي حدث على إثرها خلافات حادة مع قوات الفرقة الرابعة وقوات الدفاع المحلي الموالية لإيران.

ومع نهاية شهر أيلول\سبتمبر 2018، نشرت بعض المواقع الموالية للنظام خبراً تتحدث فيه بأن المنطقة العازلة لن تكون بالمناصفة بين مناطق سيطرتي قوى الثورة والنظام[4]، وأكد الخبر أن المنطقة سوف تكون في مناطق قوى الثورة السورية بعق 15 كلم بدأً من نقاط التماس وهو الأمر الذي تم نفيه من قبل الجبهة الوطنية للتحرير وفيلق الشام([5]).

 

أما فيما يتعلق بمواقف القوى العسكرية المتواجدة في إدلب فترى الجبهة الوطنية للتحرير (على لسان عمر حذيفة الشرعي العام) أن أمر ترسيم المنطقة العازلة هو حل مرحلي وليس نهائي، ولذلك فإن الدخول التركي للمناطق المحررة بحدودها الآنية هو قرار دولي ولن يتم الانسحاب إلا بقرار دولي آخر؛ كما صرح النقيب ناجي المصطفى "المتحدث الرسمي للجبهة الوطنية للتحرير" بأن  النقاط العسكرية التابعة لفصائل قوى الثورة السورية ستبقى تحت سيطرتها، وبكامل جاهزيتها "لأن النظام السوري والميليشيات الموالية لا تلتزم بالعهود والمواثيق".

من جهته وضح العقيد مصطفى بكور "المتحدث الرسمي لجيش العزة" بأن جميع نقاط جيش العزة توجد ضمن المنطقة العازلة، ولكنه ما زال وسيبقى بنقاطه العسكرية، وأي قرار بشأن سحب السلاح الثقيل أو تسليم النقاط سيُحدد لاحقاً خلال اجتماع مجلس الشورى الخاص بالجيش وبما يتناسب مع مصلحة الثورة([6])، ورفض الجيش (على لسان الرائد جميل الصالح القائد العام لجيش العزة) تسيير دوريات روسية في الجانب المحرر من المنطقة العازلة التي تم التوصل إليها في اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا، وأكد أن جيش العزة لن يقبل بأن تكون المنطقة العازلة من الجانب المحرر فقط وطالب بأن تكون مناصفة بين مناطق الثوار ومناطق النظام، مع التأكيد على رفض قيادة الجيش فتح الطرق الدولية في الشمال السوري (M5-M4) إلا بعد إطلاق سراح المعتقلين من سجون النظام.

تنفيذ الاتفاق: صعوبات مركبة

يعتبر الاتفاق "أفضل سيناريو" في الوقت الحالي بالنسبة لكل من تركيا وروسيا، وعلى الورق لا تشوب الاتفاق لا أي شائبة، لكن تنفيذه لن يكون مهمة سهلة، إذ أنه يجب أخذ عدة نقاط في الاعتبار قبل نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018 من قِبل الجانب التركي والروسي؛ فأبرز تحديان على الجانب التركي يتمثلان في الآتي:

  • لا تخضع مناطق قوى الثورة السورية في إدلب فقط إلى سيطرة الجبهة الوطنية للتحرير، فهناك العديد من الفصائل والتي تم تصنيفها دولياً على أنهم فصائل متطرفة (هيئة تحرير الشام، حراس الدين، أنصار الإسلام، الجهاديين المستقلين الفصائل، خلايا داعش)، وهذا التشرذم والتعقيد بواقع السيطرة في إدلب يصعب من المهمة التركية ويفرض عليها التأني بالتعامل مع الواقع الأمني داخل المحافظة، فأي خلل أمني من الداخل يعتبر أخطر بأضعاف مضاعفة من الخطر الخارجي.
  • حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام تسيطر على 68 وحدة إدارية في محافظة إدلب والمواقع المحيطة بها، مقابل 180 وحدة إدارية مستقل أو تابعة للحكومة المؤقتة([7])، ولكن ما يعزز نفوذ حكومة الإنقاذ هو سيطرتها على الحدود الدولية، المعابر الداخلية مع مناطق سيطرة النظام، بالإضافة إلى سيطرتها على موارد المنطقة الرئيسية، لذا توجب على الجانب التركي بإيجاد صيغة وألية تسحب السيطرة المطلقة من حكومة الإنقاذ كمرحلة أولى، والعمل على تكوين جسم إداري جديد مكونه الأساسي هو من الكوادر المدنية التي لا تتبع لأي جهة دولية.

بينما على الجانب الروسي يعد الاختبار الأثقل هو التحكم في الميليشيات الإيرانية والسيطرة على قرارها؛ حيث عَجِزَت موسكو من تحقيق ذلك في عدة مناسبات سابقها ولعل أبرزها كان في محافظتي حلب ودير الزور، فما الذي يميز هذا الاتفاق؟ وما هي الضمانات الروسية على عدم محاولة الميليشيات بالاستفادة من تحول خطوط الدفاع الأولى في إدلب إلى منطقة عازلة منزوعة أو محدودة السلاح؟ خاصة أن الميليشيات الموالية لإيران تتمركز في مدينة حلب وأريافها، بعض المواقع في ريف حماه الشمالي، وقاعدة جورين في سهل الغاب. ويفيد الجدول أدناه بحجم هذا التواجد في المناطق المحيطة بالمنطقة العازلة وصعوبة ضبطه روسياً.

 

واقع الاتفاق واتجاهاته المحتملة 

لعل ما ميز المرحلة ما بعد إعلان اتفاق إدلب هو إسراع الجانب الروسي إلى تسويق جديته في تطبيق الاتفاق، حيث نشرت عدة وسائل إعلام روسية رسمية خبر انسحاب قوات النظام وعدة ميليشيات من جورين في سهل الغاب، كرناز في حماه الشمالي، وأبو دالي في ريف حلب الجنوبي، وهذا الأمر ليس كما نشره الروس([8])، حيث واجهت الشرطة الروسية عدة صعوبات في التعامل مع قوات النظام والميليشيات ولعل أبرزها كان في قاعدة جورين بسهل الغاب، حيث رفضت قوات الدفاع المحلي الموالية لإيران الانسحاب من مواقعها وكاد أن يصل الوضع إلى الاشتباك المباشر مع الشرطة العسكرية الروسية([9]). وفي نهاية المطاف رضخت روسيا إلى مطلب قوات الدفاع المحلي وأنشأت مركز صغير للشرطة العسكرية داخل القاعدة، طريقة تعامل روسيا مع هذه الحادثة من أهم المؤشرات التي تبرهن عدم قدرة روسيا ضبت الميليشيات الموالية لإيران([10]).

على صعيد الاستهداف العسكري، فلوحظ غياب الطيران الروسي بشكل كامل من بعد توقيع الاتفاق مع انخفاض نسبة الاستهداف الصاروخي من قبل قوات النظام، وغالبا ما يعلل إعلام النظام تلك الضربات بسبب وجود القوات المتطرفة أمثال هيئة تحرير الشام وحراس الدين. وفيما يتعلق بالواقع الأمني داخل مناطق سيطرة قوى الثورة السورية، لم يحدث أي تغير على صعيد الاغتيالات والمفخخات، فسياسية التصفية وإضعاف الهيكلية الأمنية موجودة في مناطق قوى الثورة منذ شهر نيسان/أبريل 2018، لذا لا يمكن ربط حوادث الاغتيالات والمفخخات التي حدثت في النصف الثاني من شهر أيلول/سبتمبر باتفاق المنطقة العازلة في إدلب.

 

ويعد ملف هيئة تحرير الشام وهو الملف الأكثر اختباراً للاتفاق؛ وهو أمر تعاملت معه الهيئة بشديد من الحرص فعلى الرغم من ظهور انقسام داخلي إلا أن الموقف العام اتى على شكل موافقة على الاتفاق على الأقل في الوقت الحالي؛ وتمثل بانسحاب هيئة تحرير الشام من محيط نقاط المراقبة التركية في ريف إدلب الجنوبي وتسليمها لفيلق الشام؛ وصد الهيئة بالتعاون مع الجبهة الوطنية لمحاولة بعض الميلشيات الموالية لإيران من التقدم على جبهة جبل التركمان؛ ومنعت فصيل حراس الدين من أن يقوم بعمل مضاد يستهدف مواقع النظام؛ كما سمحت حكومة الإنقاذ لبعض المنظمات بمعاودة نشاطها في مناطق مختلفة من إدلب، بعدما كانت تحظر أي نشاطٍ لها في إدلب([11]).

وفي هذا الصدد يوضح المطلعون على بنية الهيئة تنامي تيارين داخلها الأولى بقيادة (أبو محمد الجولاني) أمير التنظيم، ويبدي جاهزيته للانخراط في الجبهة الوطنية للتحرير، بينما التيار الثاني يقوده "أبو اليقظان المصري" ويرفض ذلك تماما، ويدفع نحو رفض الاتفاق، ولعل ما يؤكد ذلك هو حملة الاعتقالات التي قام بها الذراع الأمني لهيئة تحرير الشام واعتقلت مقاتلين من الجنسية المصرية من هيئة تحرير الشام دون توضيح سبب الاعتقال. وفي هذا السياق ينبغي التوضيح على أنه هناك ست مجموعات غادرت مع قياداتها إلى جهات أكثر تشدداً مثل حراس الدين وأنصار الإسلام.[12]

وعموماً في حال عملت الهيئة على المستوى الميداني على عرقلة الاتفاق فإنه يرجح إحدى السيناريوهين إما بدء عمل عسكري على هيئة تحرير الشام من قبل تركيا والجبهة الوطنية للتحرير؛ أو اقتناص الروس الفرصة ودعم النظام وحلفائه للدخول إلى إدلب مما يجعل تداعيات هذا الأمر مفتوحة وبالغة الحدية.

 

ختاماً؛ ينبغي التأكيد على أن هذا الاتفاق والذي أقل السيناريوهات ضرراً فإنه يحمل في طياته تحديات بالغة الأهمية تتطلب تعاملاً نوعياً حيالها؛ والبناء على هذا الاتفاق لضمان إعادة تمتين القوة الدفاعية وضبط البنية المحلية أمنياً وإدارياً؛ حيث أن التعاطي مع أن هذا الاتفاق على أنه اتفاق نهائي فإن معطيات الواقع الميداني تدلل على مؤشرات لا تزال قيد الاختبار.

 


 

([1]) سهل الغاب (جورين) – ريف اللاذقية الشمالي – ريف حماه الشمالي – ريف إدلب الجنوبي الشرقي.

([2]) مواصفات مدفعية الـ T-155: https://goo.gl/5UWkS3

([3]) سوريا: ما هي بنود اتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح بإدلب؟ - BBC - 18 سبتمبر/ أيلول 2018 - https://goo.gl/dPyMh2

([4]) ارتباك في صفوف المعارضة مع اقتراب تطبيق اتفاق إدلب – جريدة الحياة – 1 تشرين الأول - https://goo.gl/TGLUkC

([5]) إدلب.. فيلق الشام ينفي الانسحاب من المنطقة العازلة – العربية - 30 سبتمبر/ أيلول 2018 - https://goo.gl/YVqNfz

([6]) “جيش العزة” يرفض شروط المنطقة العازلة في اتفاق إدلب – عنب بلدي - 30 سبتمبر/ أيلول 2018 - https://goo.gl/bvEcRB

([7]) المعلومات هي نتائج تقرير خاص غير منشور من مسار الإدارة المحلية في مركز عمران قبل نهاية عام 2018

([8]) أجرت وحدة المعلومات بتاريخ 3 تشرين الأول مقابلة مع المتحدث الإعلامي في الجبهة الوطنية للتحرير والذي أكد على أن انسحاب الميليشيات الإيرانية يجري ببطء وليس كما يصرح الإعلام الروسي.

([9]) أجرت وحدة المعلومات بتاريخ 1 تشرين الأول مقابلة مع مصدر خاص مقرب في مناطق النظام بسهل الغاب والذي أكد حدوث خلافات بين الشرطة العسكرية الروسية وقوات الدفاع المحلي الممولة من إيران.

([11])أكد أحد كوادر المجالس المحلية في جبل الزاوية بتاريخ 2 تشرين الأول أن حكومة الإنقاذ سمحت لبعض المنظمات الإغاثية بمعاودة مزاولة نشاطاتها ولكن بشكل مراقب.

 

التصنيف تقارير خاصة

السيناريوهات الميدانية المتوقعة لمناطق سيطرة المعارضة في إدلب وشمال حماة وغرب حلب:

يمكن تقسيم مناطق سيطرة المعارضة الممتدة من غرب حلب إلى محافظة إدلب وصولاً إلى شمال حماة إلى ثلاثة محاور أساسية، وذلك اعتماداً على المؤشرات الميدانية من حيث طبيعة الحشود والاستهداف العسكري:

  1. محاور يحشد لها عسكرياً.
  2. محاور تستهدف بشكل دائم من قبل الطيران الحربي والمدفعية.
  3. محاور تم اختبار قدراتها العسكرية من خلال عمليات عسكرية محدودة.


  • لا يتوقع أن يُشن هجوم شامل على مناطق سيطرة المعارضة لاعتبارات موضوعية من أبرزها:
  1. عدم قدرة الإيرانيين على الحشد بما يكفي لشن هجوم شامل على هذه المناطق، علاوةً على رغبتها في تلافي الخسائر الكبيرة المتوقعة على ميليشياتها في حال شن مثل هكذا عمل عسكري.
  2. عدم حماسة الروس لهكذا عمل رغبة منهم في الحفاظ على علاقتها بتركيا وتطويرها سيما في ظل توتر علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
  • لا يلغي احتمال نشوب عمل عسكري شامل على مناطق سيطرة المعارضة، من احتمال جدي لتعرض مناطق محددة تتضمن؛ ريف إدلب الجنوبي-الغربي وكذلك ريف حماة الشمالي، لعمل عسكري متوقع في الفترة القادمة، حيث تم الحشد بدايةً على هذه المناطق من قبل ميليشيات تتبع لإيران، ليصار إلى استبدالها بقوات تتبع لسهيل الحسن الملقب بالنمر والمدعوم من روسيا، وهو ما يمكن اعتباره مؤشر جدي على رعاية موسكو لهكذا عمل عسكري متوقع، إضافة إلى تكثيف انخراط موسكو الميداني من خلال تسلمها لإدارة معبري مورك وقلعة المضيق من قوات الفرقة الرابعة، وما أحدثه ذلك من توتر بين الطرفين أدى إلى إغلاق المعبر من طرف مناطق سيطرة النظام السوري، علاوةً على استهداف الطيران الحربي والمدفعية بشكل مكثف لمناطق جنوب غرب إدلب وصولاً إلى سهل الغاب بالقرب من قاعدة جورين.
  • تظهر الحشود البرية القائمة الأهداف الميدانية المتوقعة للعمل العسكري والتي تشمل؛ مناطق تلحديا الواقعة جنوب غرب إدلب وكذلك جبهات صوران وقمحان، بمعنى التقدم نحو محور اللطامنة وتلحديا (الحمدانية، عطشان) حيث تتواجد هنالك نقطة روسية مقابل النقطة التركية القائمة في صرمان، باتجاه الخوين والبلدات المجاورة لها.
  • لا يتوقع أن يشمل العمل العسكري خان شيخون ومعرة النعمان راهناً، كما لا يتوقع أن يكون هنالك عمل عسكري بري على مناطق غرب حلب مثل كفرة حمرة وحريتان رغم استهدافها بالمدفعية والطيران نظراً لغياب حشود برية على تلك المناطق.
  • يهدف الروس من وراء شن عمل عسكري على هذه المناطق إلى تفريغها من أي تواجد لقوات الفصائل أو تلك المصنفة على أنها إرهابية، أي تفريغ المنطقة الواقعة بين طريق M5 وصولاً لسكة القطار.
  • لا يتوقع لهذا الهجوم أن يتوقف إلا بصيغة ما لتفاهم دولي-إقليمي يشمل هذه المنطقة، ولعل ما يؤخر الهجوم الروسي إفساح موسكو الوقت لمبادرة تركية تستهدف التعامل مع خطر القوى المصنفة إرهابياً في هذه المنطقة، بالاعتماد على فصائل المعارضة ذات التوجه الوطني، بما يقلل من كلف التدخل على الجانب الروسي وحلفائه الميدانيين.
  • لا تبدو ردة فعل فصائل المعارضة على المستوى المطلوب منها، حيث تفتقد إلى استراتيجية ميدانية وسياسية متكاملة للتعامل مع هكذا هجوم وما سينجم عنه من تبعات، كما يسود اعتقاد لدى عدد من هذه الفصائل باستحالة شن مثل هكذا عمل عسكري في الفترة القادمة.

 

التصنيف تقارير خاصة
الجمعة, 15 نيسان/أبريل 2016 12:42

خريطة النفوذ والسيطرة - حلب - 14 نيسان 2016

تشهد محافظة حلب مع بدأ شهر نيسان 2016 احتدامً للصراع في أغلب الجبهات، حيث يشهد الريف الشمالي معارك كر وفر بين قوى الثورة السورية ومقاتلي تنظيم الدولة، كما تشهد جبهات حندرات على معارك شديدة بين قوى الثورة السورية وقوات النظام بالإضافة إلى هجمات بين الحين والأخر من قبل قوى سورية الديمقراطية على الشيخ عيس وتل رفعت، أما ريف حلب الجنوبي فيشهد معار بين قوى الثورة السورية وفصائل إسلامية أخرى من جهة وقوات النظام والميلشيات الإيرانية من جهة أخرى.

الإثنين, 02 تشرين2/نوفمبر 2015 23:23

جيش الشام حركية الشمال السوري المستدامة

ملخص: أُعلن عن تشكيل جيش الشام في 9/10/2015م، مع اقتحام تنظيم الدولة (داعش) مرة أخرى مناطق ريف حلب الشمالي وسيطرته على مواقع أهمها: مدرسة المشاة وتل قراح وتل سوسين، بعد قرابة شهرين من "تسريبات" مؤسسي الجيش أنفسهم عن تشكيله، وبعد شهور من العمل عليه، فيما بدا محاولة من التشكيل الجديد أن يعلن عن نفسه عبر معركة لا عبر بيان، فبدأ أول معاركه مع تنظيم داعش باستعادة "تل سوسين" (9/10/2015م) مع فصائل الجيش الحر في حلب، وكانت معركته الأخرى بعد أيام باستعادة "تل جبين" (14/10/2015م) مع ذات الفصائل تقريباً، وقد أصدر جيش الشام بيان التشكيل مع علم الثورة السورية (ما يحسم قطيعته مع السلفية الجهادية أو الجهادية المعولمة)، وبشعار معبر عن الخط عريض الأهداف (جيش الشام: ثورة على الطغاة والغلاة).

وأظهرت ردات الفعل على تشكيل الجيش نوعاً من الارتباك أو ضبابية الرؤية أو التصنيفات المسبقة، ما بين ردود الفعل في الفضاء الجهادي الذي امتلأ بالكلام عن "مشاريع شق الصف"، أو الفضاء الدولي الذي عبّر عنه السفير الروسي في دمشق الذي أكّد بعد أيام من تشكيل الجيش (14/10/2015) أن أهداف روسيا في سوريا ليس الجيش الحر وإنما التنظيمات الإرهابية: داعش، جبهة النصرة، أحرار الشام، جيش الإسلام، جيش الشام.

تقدم هذه الورقة تعريفاً للجيش حسب بنيته وقادته وفكره، وضمن الخارطة الفصائلية للشمال السوري، وديناميات التفاعل والتحول المتمايزة فيه.

 

مقدمة

أُعلن عن تشكيل جيش الشام في 9/10/2015م ( )، مع اقتحام تنظيم الدولة (داعش) مرة أخرى مناطق ريف حلب الشمالي وسيطرته على مواقع أهمها: مدرسة المشاة وتل قراح وتل سوسين، بعد قرابة شهرين من "تسريبات" مؤسسي الجيش أنفسهم عن تشكيله، وبعد شهور من العمل عليه، فيما بدا محاولة من التشكيل الجديد أن يعلن عن نفسه عبر معركة لا عبر بيان، فبدأ أول معاركه مع تنظيم داعش باستعادة "تل سوسين" (9/10/2015م) مع فصائل الجيش الحر في حلب، وكانت معركته الأخرى بعد أيام باستعادة "تل جبين" (14/10/2015م) مع ذات الفصائل تقريباً، وقد أصدر جيش الشام بيان التشكيل مع علم الثورة السورية (ما يحسم قطيعته مع السلفية الجهادية أو الجهادية المعولمة)، وبشعار معبر عن الخط عريض الأهداف (جيش الشام: ثورة على الطغاة والغلاة).
وأظهرت ردات الفعل على تشكيل الجيش نوعاً من الارتباك أو ضبابية الرؤية أو التصنيفات المسبقة، ما بين ردود الفعل في الفضاء الجهادي الذي امتلأ بالكلام عن "مشاريع شق الصف"، أو الفضاء الدولي الذي عبّر عنه السفير الروسي في دمشق الذي أكّد بعد أيام من تشكيل الجيش (14/10/2015) أن أهداف روسيا في سوريا ليس الجيش الحر وإنما التنظيمات الإرهابية: داعش، جبهة النصرة، أحرار الشام، جيش الإسلام، جيش الشام.
تقدم هذه الورقة تعريفاً للجيش حسب بنيته وقادته وفكره، وضمن الخارطة الفصائلية للشمال السوري، وديناميات التفاعل والتحول المتمايزة فيه.

جذور التشكيل

ينتمي أغلب قادة (جيش الشام) إلى حركة أحرار الشام الإسلامية (سابقاً)، ومعظمهم من المؤسسين للحركة وكانوا ضمن مناصب قيادية فيها، دون أن تنعكس هذه النسبة نفسها على القواعد أو المقاتلين، الذين ينتمون إلى تشكيلات مختلفة، بعضها من أحرار الشام وفيلق الشام وتشكيلات الجيش الحر الصغيرة.
وينتمي جيش الشام بشكل مباشر للشهادة الجماعية التي طالت قادة حركة أحرار الشام الإسلامية في الاجتماع المعروف برام حمدان (9/9/2014م)، وإعادة هيكلة الحركة التي تلت ذلك في مرحلة الثلاثي القيادي الجديد (أبو جابر الشيخ القائد العام، أبو صالح طحان القائد العسكري، أبو محمد الصادق الشرعي العام).
ولكنه ينتمي كذلك بشكل غير مباشر إلى أزمات الشمال السوري وقلقه البنيوي العام، بحكم الصراع الأيديولوجي المستمر منذ دخول السلفية الجهادية إلى ساحة الثورة السورية، وتركز في الشمال السوري، الذي مر منذ 2013م بسيرورة من "تضخم التمثيلات" الأيديولوجية والسياسية والإعلامية، وإن كانت نتائج هذا الصراع قد عمت الثورة السورية ككل.
ولا ينفصل قادة أحرار الشام وجيش الشام أنفسهم عن مسيرة الانتماء للسلفية الجهادية أو التأثر بها ثم المرور بالتحولات المريرة عبر صدمات الواقع الدموية، حتى الوصول إلى خطاب أكثر ثورية ووطنية واتساقاً مع المزاج الشعبي العام.
فيما بعد الشهادة الجماعية لقادة أحرار الشام، عملت القيادة الجديدة على السعي المتزايد نحو مركزية القرار في الحركة، وإضعاف مراكز القرار (والخطاب) الفرعية، في سعي نحو تقوية القيادة المؤسسية للحركة، وتعميم فكر واحد ضمن القواعد.
ولكن سياسة إعادة الهيكلة هذه، والتي نجحت في أهدافها إلى حد بعيد، واجهت مع ذلك ارتباكاً (فكريّاً وإداريّاً) في تنفيذها، وأدت إلى عزل وانعزال عدد من قادة الحركة السابقين وحتى ضمن المؤسسين للحركة، عدا عن تفكك بعض القوى الرئيسة فيها (مثل لواء بدر)، وتراجع النفوذ على الأرض عبر السلطة المدنية أو القضائية لصالح دور القضاء المحسوبة على جبهة النصرة، عدا عن تقديم بعض الشخصيات الأكثر محافظةً في المراكز القيادية رغم الانزياح المتزايد في خطاب الحركة المعلن نحو خط سياسي ثوري وطني.
وكان ضمن الذين أبعدوا (أو ابتعدوا): أبو عبد الرحمن السوري، يامن الناصر، أبو العباس الشامي، أبو البراء معرشمارين، أبو محمود تلعادة، وغيرهم.

الفضاء الحيوي

على مستوى أوسع من الحركة، لم تنجح مشاريع التوحيد المتعددة التي طُرحت أو بدأت في الشمال السوري، على المستوى المناطقي، سواء التي حاولت جمع فصائل الشمال السوري (ما زال يُطرح حتى الآن مشروع الجبهة الشمالية على غرار الجبهة الجنوبية)، أو الفصائل الثورية على مستوى وطني (الجبهة الإسلامية)، أو جمع الفصائل في كل محافظة (الجبهة الشامية في حلب)، أو حتى ضمن مناطق ذات هوية متمايزة ضمن المحافظات (جيش المجاهدين في ريف حلب الغربي)، أو المشاريع التي طُرحت لجمع فصائل "الجيش الحر" في جبهات مترابطة (مثل فصائل الجيش الحر في الشمال الغربي الذي يضم حماة وإدلب والساحل، والتي تعرضت في "حملة الإمارة" ما بين تموز 2014م – آذار 2015م إلى عملية إضعاف وتفكيك مركزة من قبل جبهة النصرة وجند الأقصى، وحاول جيش النصر جمع قسم واسع منها دون أن يتوسع ليكون كياناً جامعاً)، مع نجاح أفضل لمشاريع غرف العمليات التي طرحت قدراً أقلّ من الاندماج لصالح التنسيق العسكري واستمرار عمل الفصائل وبنيتها بشكل مستقل (وجيش الفتح هو المثال الأهمّ هنا).
ويمكن ملاحظة هذا القلق البنيوي العام في الشمال السوري، على المستوى الأيديولوجي الذي ما زال يعيش صراعاً يتمركز حول الشرعية الدينية وأفضلية التمثيل الجهادي، بسبب وجود السلفية الجهادية التي عرّفت نفسها بالنقيض من الجيش الحر ذي البعد المحلي والأقلّ أدلجةً، وبسبب وجود الصراع ما بين الجهاديين بمستوياتهم المختلفة وما بين الفصائل الثورية (مع إقرار التداخل بين التصنيفين)، وعلى المستوى الفصائلي أيضاً، مع وجود الفصائل الثورية غير المؤدلجة (معظم فصائل الجيش الحر)، والاختلافات فيما بينها حسب الانتماء المناطقي أو التحالفات أو الجبهات...الخ، والفصائل التي عرّفت نفسها بكونها ذات مشروع إسلامي وتأثرت بالتيار الجهادي (أحرار الشام خاصة)، والفصائل التي تنتمي لتنظيم القاعدة ولديها خلاف معلن مع تنظيم داعش ولكنها تحمل خطاباً سلبياً تجاه الفصائل الثورية أيضاً (جبهة النصرة)، والفصائل التي تنتمي للسلفية الجهادية ولكنها لا تحمل موقفاً ضد تنظيم داعش وتتبنى موقفاً أكثر سلبية وعدوانية تجاه الفصائل الثورية (جند الأقصى)، عدا الفصائل التي يغلب عليها المهاجرون والتي توسعت أعدادها بوضوح بعد حملة الإمارة (الحزب التركستاني الإسلامي وفصائل القوقاز ومجموعات الأوزبك..الخ).

إن هذه التناقضات غير المحلولة في الشمال السوري (الذي نتعامل معه كفضاء حيوي متصل)، والتي تحضر كصراع أيديولوجي/ميداني/سياسي/اجتماعي لا كمساحة اختلاف سياسي مكرسة في المجال العام، وهي صراعات غير مذوّبة ضمن كيان مؤسسي جامع، أو يحدد ثنائية الاختلاف ما بين الفصائل الثورية والجهادية (حيث تبقى حركة أحرار الشام فقط في الوسط بين التصنيفين)، أو يوحد الفصائل الثورية والجهادية ضمن غرف العمليات العسكرية على مستوى المناطق، أو يوحد حتى المرجعية القضائية أو المدنية ضمن كل منطقة، إضافة للتباين في المناطق أو مستوى الدعم والاستنزاف وخطوط الرباط والاشتباك مع تنظيم داعش أو نظام الأسد، والتنافس الذي يظهر كمزايدات دائمة على الشرعية الجهادية والثورية والميدانية، كل هذا يبقي الشمال السوري في حالة مستمرة من تبدل التحالفات أو تنقل المقاتلين أو نشوء تحالفات جديدة، وإن كانت تقل وتيرة (أو حدة) هذه السيولة مع الوقت وتمايز الكيانات الكبرى، وهو ما ندعوه بالحركية المستدامة للشمال السوري.

وقد نجد نوعاً من هذه المرونة الميدانية والتنافس الأيديولوجي واختلاف المشاريع والارتباطات في معظم مناطق القتال، في الجبهة الجنوبية خاصة، ولكن ثنائيات المجال العام في الجنوب أكثر وضوحاً في الاختلاف ما بين الفصائل الثورية والجهادية، إضافة إلى عدم حدوث صراعات عسكرية على مناطق النفوذ ما بين جبهة النصرة وفصائل الجيش الحر كما حصل في إدلب.ورغم عدم نجاح مشاريع التوحد العسكرية والقضائية في الجنوب، إلا أن البنية المحلية العشائرية المتماسكة إلى درجة ما، وانخفاض نسبة غير السوريين (المهاجرين)، إضافة إلى انخفاض نسبة الفصائل المحلية (الثورية) التي تمايزت تحت شعار أيديولوجي عن مسمى الجيش الحر (أحرار الشام، جيش الإسلام...الخ) بحثاً عن موقع وسط بين التصنيفين، ووجود فصائل الجيش الحر غير المؤدلجة بنسبة كبيرة في مقابل جبهة النصرة ...، كل هذه العوامل جعلت

الفضاء العام أكثر تماسكاً وأقلّ صراعاً على الأسس لفترة طويلة (مع طروء تحولات واضحة على هذا التماسك مؤخراً)، رغم حضور بذور هذا الصراع الدائمة.

ويمكن الحديث هنا عن جغرافية الأيديولوجيا في الثورة السورية، حيث تركز الصراع النظري والميداني ضمن الفضاء الثوري والجهادي في الشمال السوري، وبلع تعدد التصنيفات وتنافسها وتحوّلاتها أقصاه ما بين فصائل الجيش الحر (على تنوعها واختلاف مدى التزامها وعلاقاتها) وأحرار الشام (التي اتخذت موقعاً مشتركاً بين الثوري والجهادي) وجبهة النصرة وتنظيم داعش، وحيث بلغ تمدد الأيديولوجيا الجهادية نظريّاً ومجموعات "المهاجرين" ميدانيّاً مداه الأقصى، كما توسع التنافس السياسي بين الفصائل، وتعددت الكيانات الكبرى دون وجود سلطة مهيمنة، ولا خطاب مهيمن، ما يجعل من الشمال السوري  منطقة رمال متحركة بحكم القلق البنيوي العميق فيه، وصراع أنظمة الحقيقة والمصالح المرجعية لأنظمة القوة القائمة.

القيادة

أهم قادة الجيش في المرحلة الحالية:

•أبو العباس الشامي (أبو العباس التوت): سُجن أبو العباس قرابة عشرين عاماً في صيدنايا، ويعتبر من المراجع الشرعية لحركة أحرار الشام الإسلامية منذ التأسيس، وكان "شيخ" قادة الحركة الراحلين في السجن، واستمرّ دوره "الأبوي" خلال تأسيس الحركة، وفيما قبل الشهادة الجماعية للقادة الراحلين كان أبو العباس أعلن أكثر من مرة أنه لا علاقة تنظيمية بينه وبين الحركة، ولكن بعد حادثة الشهادة وتولي (أبو محمد الصادق) كشرعي عام للحركة، يبدو أن هذه العلاقة انقطعت، ولا يشغل أبو العباس منصباً تنظيميّاً في هيكلية جيش الشام، ولكنه يعتبر المرجعية الشرعية و "الأبوية" للتشكيل الجديد.

•أبو عبد الرحمن السوري (محمد طلال بازرباشي): من مؤسسي الحركة، ومن محافظة إدلب، وكان عضو مجلس شورى الحركة، والناطق الرسمي باسم الحركة، وهو من تلا بيان تأسيس "كتائب أحرار الشام" ثم بيان تأسيس "الجبهة الإسلامية السورية" ثم بيان تأسيس "حركة أحرار الشام الإسلامية"، وشارك في المعركة ضد تنظيم داعش في باب الهوى وريف إدلب بداية 2014م، وعُرف أبو عبد الرحمن بآرائه الأكثر صلابة ضد تنظيم داعش (مقارنة بالموقف العام المبكر للحركة)، حيث يعتبر أن تنظيم داعش ينتمي لفئة "الزنادقة المرتدين" لا إلى فئة "الخوارج المسلمين"، استناداً إلى رأي فقهي يرى أن "الخوارج" حسب الاصطلاح الفقهي لا يعتبرون مسلمين، ويتضمن هذا بطبيعة الحال موقفاً أكثر نقدية تجاه السلفية الجهادية بالعموم وتنظيم القاعدة خاصة.

•يامن الناصر (أبو بكر الديري): من مؤسسي الحركة، ومن محافظة دير الزور، وأسس فرع الحركة في معرة النعمان مع القيادي المعزول (أبو البراء معرشمارين)، وأسهم في تأسيس فرع الحركة في حلب، وكان أمير الحركة في حلب، ثم تم تعيينه كأمير للحركة في المنطقة الشرقية، وعمل على تأسيس الحركة في الحسكة ودير الزور، وترك الحركة بعد الشهادة الجماعية للقادة الراحلين.

•أبو حمص (علي عيسى): وهو القائد العسكري لجيش الشام، من بلدة رتيان في ريف حلب الشمالي، وكان من أهم القادة العسكريين لحركة أحرار الشام، وشارك في معارك ريف حلب الجنوبي أواخر 2013م، كما شارك في معارك صد داعش في ريف حلب الشمالي منذ بداية 2014م، وكان له دور رئيس في صد رتل النظام المتقدم عبر باشكوي ورتيان وحردتنين (17 شباط 2015م)، وترك الحركة قبل قرابة أربعة أشهر من تأسيس جيش الشام.

•النقيب محمود: كان ضمن كتائب ثوار الشام من الجيش الحر في ريف حلب الغربي.

•أبو أنس اعزاز: كان ضمن أحرار الشام وترك الحركة.

•الشيخ مراد: كان ضمن فيلق الشام في ريف إدلب الجنوبي.

واعتمد الجيش على أسماء عدة كمراجع شرعية ونظرية دون أن يكونوا تنظيمياً ضمن الجيش، مثل أبو بكر علوش، وحذيفة عزام، وصالح الحموي، وغيرهم.

الخطاب (أو التصنيف)

اعتمد جيش الشام منذ بدايته على خطاب ثوري وطني يصرّح بقطيعته مع الخطاب السلفي الجهادي العام، واعتمد شعار علم الثورة السورية، وهي الخطوة التي لم تقدمْ عليها حركة أحرار الشام حتى الآن، باعتبارها إحدى نقاط المفاصلة في فضاء المزايدات الذي فرضته السلفية الجهادية على الثورة السورية.

كما صرّح الجيش بأهدافه وبنيته السورية البحتة، ويظهر خطاب الجيش وتوجه قيادته، تصنيف أنفسهم ضمن الفضاء الثوري والقطيعة مع التيار السلفي الجهادي أو التيار الجهادي المعولم، ولعل التقدم خطوةً على حركة أحرار الشام في هذا الجانب أحد دوافع هذا الأمر، حيث ما زالت الحركة تعتمد على ثنائية الثوري والجهادي في تعريفها لنفسها وكسبها لشرعيتها.
ودون أن يستخدم التشكيل وصف "الجيش الحر" في تصنيف نفسه، إلا أن خطابه وتحالفاته وتوجهه تقع ضمن الإطار العريض الذي يجمع فصائل الجيش الحر كفصائل ثورية وطنية متمايزة عن التيار السلفي الجهادي أو التيار الجهادي المعولم.
ولعلّ تعريف الجيش لنفسه يظهر التصنيف الذي أراد أن يوضع فيه:

"اسم الجيش وشعاره "جيش الشام" ثورة على الطغاة والغلاة، يعطي شعبنا تعريفاً به، سمي جيش الشام لأنه لأهلها ولحماية أرضها "سوريا"، كوادره من أهلها وما يملكه هو لخدمتهم وتحقيق آمالهم وطموحاتهم، يحمل الهوية الإسلامية التي هي أملنا انطلقت به الثورة "يا الله ما لنا غيرك يا الله".

وشعاره: ثورة على الطغاة والغلاة، الطغاة الذين يريدون الاستبداد والاستئثار بالمال والجاه والسلطة، واستعباد الناس وظلمهم، والغلاة هم أدوات أولئك الطغاة ومصنعهم.
وعلم الثورة هو العلم الذي قبله عموم شعبنا، وكان لهم رمز استقلال عن الانتداب الفرنسي واليوم هو رمز التحرر من طغيان الطغاة وجرم الغلاة".

البنية

يتشكل جيش الشام من قيادات كان غالبهم ضمن حركة أحرار الشام الإسلامية قبل إبعادهم أو ابتعادهم، وتتشكل قواعده من مجموعات كانت شبه تابعة لهؤلاء القادة في أحرار الشام، إضافة لمجموعات متنوعة من المقاتلين من كتائب جيش حر صغيرة أو مقاتلين مستقلين في المناطق التي ينشط فيها الجيش في الشمال السوري، خاصة ريف حلب الشمالي وريف إدلب وريف حماة الشمالي، ويبلغ عدد مقاتليه قرابة الألفين في مرحلته الراهنة.
وهذه الانتماءات المختلفة (وإن كانت حاضرة بنسب مختلفة في مجمل الفصائل الثورية) تنعكس على بنية الجيش وأهدافه العسكرية، باعتبارها تظهر الجيش -رغم قلة عدده النسبية-ممثلاً للشمال السوري، وباحثاً عن امتداد شامل فيه، أكثر مما هو منتمٍ إلى منطقة محددة فيه.
وطرح قادة جيش الشام استراتيجيتهم التوسعية، على أنها تستهدف المجموعات الصغيرة لجمعها في فصيل منظم ومتماسك، إضافة للمقاتلين الذين تركوا الساحة.
ويعتمد نجاح هذه الخطة التوسعية بشكل رئيس، على إنجازات الجيش في مرحلته الأولى والتي أتت في وقت صعب ومفصلي بالنسبة للثوار في الشمال السوري، إضافة إلى حجم الدعم أو القدرة المادية المتوفرة لديه.

التحدي العسكري

أتى إعلان جيش الشام في مرحلة مفصلية على المستوى العسكري بالنسبة للثورة السورية، على إثر حملة تنظيم داعش المتجددة على ريف حلب الشمالي، وبدء التدخل الروسي، واشتعال جبهات الصراع كافة وبوقت متزامن وضمن هجوم مكثف، في الشمال السوري خاصة (الساحل، ريف حماة الشمالي، سهل الغاب، ريف حلب الجنوبي، ريف حلب الشمالي)، وفي حلب بشكل مضاعف بحكم التهديد المشترك من تنظيم داعش وقوات النظام وحلفائه.
ولعلّ ذلك يُضعف قدرة جيش الشام أو أي فصيل آخر على تحقيق إنجاز عسكري منفرد أو حاسم، بقدر ما يضاعف من الضغط العسكري الميداني عليه.
ولكن توجه جيش الشام يتركز نحو صد حملة تنظيم داعش في ريف حلب الشمالي، إضافة للمشاركة مع فصائل الجيش الحر وأحرار الشام في صد حملة النظام وحلفائه على ريف حماة الشمالي.

خاتمة

تشكل جيش الشام من قلب التحديات الميدانية والأيديولوجية في الشمال السوري، لا كانشقاق عن حركة أحرار الشام، بقدر ما كان تعبيراً عن أزمتها الداخلية في المرحلة التي تلت الشهادة الجماعية للقادة الراحلين، وعلى مستوى أوسع كان تعبيراً عن أزمة الشمال السوري وصراعاته داخل الفضاء الثوري والجهادي، ما يترك الشمال السوري في حالة من سيولة التحالفات الدائمة، ويمنع قيام سلطة ثورية موحدة فيه، كما يمنع التوافق بين مكوناته على خطوط سياسية أو أيديولوجية عامة تجمع بينها، حتى بالنسبة للثورة السورية نفسها، التي لا يقتصر التعامل "التكفيري" معها ومع شعاراتها وفصائلها ومشروعها السياسي على تنظيم داعش وحده.
ويتبنى جيش الشام خطاباً ثورياً وطنيّاً بمرجعية إسلامية، وهو تقدّم في خطاب قادته الذين مرّوا بتجربة جهادية طويلة وبأزمات دموية نتيجة خلافات الجهاديين ومنهج السلفية الجهادية والتيار الجهادي المعولم، وهو ما يضع جيش الشام تصنيفاً ضمن الإطار العريض الذي يجمع فصائل الجيش الحر، ويعتبر متقارباً معها في البنية والأهداف والتحالفات.
ويمتد وجود جيش الشام في مرحلته الراهنة على جبهات حلب وإدلب وحماة، ويعتبر قتال تنظيم داعش أولويته بالتوازي مع قتال النظام، وبنى خطة توسعه "المعلنة" على استقطاب المجموعات الأصغر، ممن تركوا التحالفات الكبرى أو لم ينضموا إليها، ويتوقف نجاح تمدده على قدرته على فرض إنجازات عسكرية حاسمة، وكذلك على قدرته المادية، وكلاهما يأتي في مرحلة مفصلية بالنسبة للتحديات العسكرية والسياسية التي تواجهها الثورة السورية.

التصنيف أوراق بحثية