أوراق بحثية

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

ملخصٌ تنفيذيّ

  • عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام الأسد أكثر منه تدميرياً، إذ يبدو أن المضامين السياسية للضربة تجاوزت نظام الأسد، والذي بدا كصندوق بريد توضع فيه الرسائل الموجهة إلى حليفته موسكو.
  • الضربات حملت رسائل سياسية على عدة مستويات منها ما يتعلق بسلوك موسكو في الملف السوري بشكل مباشر، ومنها ما يتجاوزه إلى ملفات دولية تتعلق بأزمات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا.
  • يبدو أن الأوروبيين كانوا يكظمون غيظهم من سلوك موسكو، خاصة أثناء إدارة أوباما، والتي غاب فيها الظهير الأمريكي بشكل انعكس على تقويض الفاعلية الأوروبية في العديد من الملفات وسمح لموسكو بهوامش أوسع ضمنها، ولعل عودة هذا الظهير مع إدارة ترامب التي تقاطعت مصالحها مع الأوربيين تجاه موسكو، شكلت فرصة على ما يبدو لإثبات فاعلية أوروبية جديدة.
  • استهدفت الضربة الثلاثية إفراغ التقدم العسكري الأخير لروسيا والنظام من مضامينه السياسية التي كانت تطمح موسكو إلى ترجمتها على مسار التفاوض بشكل إحراز تقدم سياسي على حساب المعارضة، والتأكيد على أن الحل السياسي للأزمة السورية لن يتم دون موافقة المجتمع الدولي وبعيداً عن المسار الأممي المرسوم لذلك (جنيف)، ولا يمكن لأي طرف فرضه بشكل منفرد.
  • حملت الضربة الثلاثية رسائل أمريكية لطهران تتعلق بنفوذها العسكري في سوريا تحديداً والمنطقة عموماً، والأهم من ذلك إبراز نوع من توزيع الأدوار في مواجهة هذا النفوذ وتمدده، وتحديداً الدور الإسرائيلي ودعمه أمريكياً في هذه المهمة.
  • لم تكن تركيا بمنأى عن الرسائل السياسية للضربة الثلاثية، خاصة فيما يتعلق بسياسة التوازن التي تحاول أنقرة انتهجها في الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى. وذلك في محاولة لعزلها عن تحالفها مع روسيا وإيران، في سياق إدراك أوروبي أميركي أن أي جهد حقيقي من قبلهم في الملف السوري لابد وأن يمر عبر البوابة التركية، وأن أي سعي روسي مضاد لابد وأن يمر من المدخل نفسه.
  • لابد من فهم الضربات في سياق "التحريك" وليس "التحرير"، أي تحريك مسار الحل السياسي بعيداً عن سعي موسكو لتجميده وفقاً لرؤيتها، وأنها قد تمثل نهجاً جديداً قائماً على استخدام العمل العسكري المحدود لتحريك المسار السياسي التفاوضي.
  • إن احتمال تكرار مثل تلك الضربات والتصعيد الناتوي عسكرياً في سورية سيكون مرهوناً بمرونة موسكو التفاوضية وقدرتها على فهم رسائل الناتو وجر حليفها الأسد نحو المسار الأممي للحل وتقديم التنازلات في العملية التفاوضية.

مقدمة

وجّهت الولايات المتحدة الأمريكية بالاشتراك مع بريطانيا وفرنسا ضربات عسكرية للنظام السوري بتاريخ 14 نيسان/أبريل، إثر استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين في مدينة دوما ضمن غوطة دمشق الشرقية بتاريخ 7 نيسان/أبريل خلال حملة عسكرية للنظام وحلفائه أفضت إلى السيطرة على المدينة وإخراج مقاتلي المعارضة إلى الشمال السوري. الأمر الذي استدعى تنديداً دولياً وإقليمياً واسعاً باستخدام الأسلحة المحضورة دولياً ما لبث أن تطور إلى حراكٍ دولي تقوده الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية على رأسها بريطانيا وفرنسا، الحراك الذي أخذ يتصاعد بشكل اتهام لروسيا وتحميلها المسؤولية عن استخدام حليفها للأسلحة المحضورة دولياً؛ باعتبارها منخرطة بشكل مباشر في دعم نظام الأسد عسكرياً على الأرض منذ العام 2015، وتحديداً قيادتها للعملية العسكرية في الغوطة الشرقية والتي وقع خلالها الهجوم الكيميائي، إضافة لكون موسكو المسؤولة عن "التزام" نظام الأسد بتسليم مخزونه الكيميائي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في العام 2013، ليشهد الأسبوع الذي تلا الهجوم الكيميائي وسبق الضربات تصاعداً لتهديدات أمريكية أوروبية بالتحرك عسكرياً ضد النظام السوري، قابلها تحذيرات روسية وحراك دبلوماسي لم ينجح في تجنيب نظام الأسد الضربات العسكرية الأمريكية الأوروبية.

استهدفت الضربات مواقع عسكرية ومراكز بحوث علمية لنظام الأسد في دمشق وريفها وحمص، عبر صواريخ انطلقت من بوارج أمريكية في المتوسط، إضافة إلى صواريخ من طائرات أمريكية وفرنسية وبريطانية شاركت في الضربات، التي اعتبرتها أمريكا وأوروبا بمثابة عقاب للنظام على استخدامه السلاح الكيميائي، واكتفت بأهدافها كفعل عسكري قابل للتجديد في حال العودة إلى استخدام هذا السلاح،  بينما اعتبرتها وزارة الدفاع الروسية إهانة مباشرة للرئيس فلاديمير بوتين، في حين هددت إيران بأن محور الممانعة سيرد على هذا "العدوان"، وما بينهما تراوحت المواقف الإقليمية والدولية تجاه الضربة الثلاثية ما بين مؤيد وداعم، وبين مندد. 

 وعلى الرغم من المحدودية العسكرية للضربة الثلاثية، واعتبارها غير ذات فاعلية على مستوى إحداث أي تغيير على الخارطة العسكرية السورية أو إلحاق أي ضرر حقيقي مباشر بنظام الأسد؛ إلا أنها حملت مضامين سياسية على عدة مستويات؛ لكونها محطة جديدة للصراع الدولي على الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وحلفائها على الأرض السورية من جهة أخرى، وما قد يحمله هذا الصراع من أثر على مسار الملف السوري ومستقبل الحل السياسي. وعليه تسعى هذه الورقة لقراءة المضامين السياسية للضربة العسكرية الثلاثية على مواقع نظام الأسد، وتحليل الرسائل السياسية التي حملتها على عدة مستويات، وما قد يترتب عليها من آثار وانعكاسات على مستوى الملف السوري ومساره السياسي.

 

 خريطة (1) المواقع التي استهدفتها الضربة الثلاثية في 14 نيسان 2018

المصدر: وحدة المعلومات بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية

 

أولاً: الضربات الثلاثية (محدودية عسكرية ومضامين سياسية)

عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام الأسد أكثر منه تدميرياً، بهدف إلزامه بالخطوط الحمراء التي رسمها المجتمع الدولي تجاه استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، وإظهار جدية التحرك إزاء أي استخدام من هذا النوع، في حين يبدو أن الرسائل السياسية التي حملتها تلك الضربات تجاوزت نظام الأسد، والذي بدا كصندوق بريد توضع فيه الرسائل الموجهة إلى حليفته موسكو. ولعل توقيت الضربات وشكلها يؤكد أن موسكو المعني الأول بتلقي رسائلها السياسية، إذ إن تنفيذ الضربات جاء قبل صدور نتائج لجنة تقصي الحقائق المكلفة بالتحقيق في استخدام الكيماوي في دوما، والتي لم تكن قد وصلت إلى دمشق أساساً، وإنما اعتمدت على معلومات خاصة وصفها الأمريكيون وحلفاؤهم بالاستخبارتية؛ فيما بدى أنه تحدي واضح لموسكو، ناهيك عن شكل الضربة التي لم تقتصر هذه المرة على أمريكا التي سبق وأن ضربت مطار الشعيرات منفردة، وإنما شهدت مشاركة بريطانية فرنسية، في الوقت الذي تتصاعد فيه أزمة دولية بين بريطانيا وموسكو ، إضافة إلى تفاعل عدة إشكاليات على المستوى الناتوي تتعلق بسلوك روسيا تجاه الأوروبيين. كما أن اللافت في طريقة تنفيذ الضربة العسكرية أنها لم تقتصر أيضاً على إطلاق صواريخ من البوارج المستقرة في المتوسط، بل شهدت اختراقاً للأجواء السورية عبر طائرات أمريكية وفرنسية وبريطانية بشكل تحدي لموسكو التي سبقت الضربة بتهديدات بالرد، إذ يبدو أن الضربات حملت رسائل سياسية على عدة مستويات منها ما يتعلق بسلوك موسكو في الملف السوري بشكل مباشر، ومنها ما يتجاوزه إلى ملفات دولية تتعلق بأزمات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا. وتتوزع أبرز المضامين والرسائل السياسية التي حملتها الضربة الثلاثية وفق مستويين:

1.     المستوى الدولي (فاعلية أوروبية وظهير أمريكي)

مثّلت الضربات الثلاثية بشكل أو بآخر إحدى محطات التصعيد الأمريكي الأوروبي تجاه روسيا، كنتيجة لتفاعل سلسلة من القضايا المتعلقة بحلف الناتو ومتصلة بالسلوك الروسي تجاهه، بدءاً من أزمة أوكرانيا مروراً بالنشاط العسكري الروسي في البلطيق، والذي مثّل تهديداً للدول الاسكندنافية، وصولاً إلى بريطانيا وأزمة العميل المزدوج سكريبال، إذ يشير تفاعل كل تلك الملفات على المستوى الناتوي؛ بأن الأوروبيين كانوا يكظمون غيظهم من سلوك موسكو، خاصة أثناء إدارة أوباما، والتي غاب فيها الظهير الأمريكي بشكل انعكس على تقويض الفاعلية الأوروبية في العديد من الملفات وسمح لموسكو بهوامش أوسع ضمنها، ولكن يبدو أن عودة هذا الظهير مع إدارة ترامب، والتي تقاطعت مصالحها مع الأوربيين تجاه موسكو، سواء فيما يتعلق بملف التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية و غيرها من القضايا المتعلقة بسلوك موسكو على المستوى الاستراتيجي الأمريكي؛ فكان أن شكّلت عودة الظهير فرصة على ما يبدو لإثبات فاعلية أوروبية، الفاعلية التي بدأت تتجلى ملامحها بشكل واضح بدءاً من مؤتمر ميونخ للأمن وما برز خلاله من تصاعد دولي حازم تجاه موسكو وإيران، مروراً بأزمة العميل سكريبال وما تخللها من تصعيد أوروبي أمريكي في طرد السفراء، والذي تطور لاحقاً إلى عقوبات اقتصادية أمريكية طالت شركات سلاح روسية والدائرة الضيقة للرئيس بوتين، وصولاً إلى الحملة العسكرية التي قادتها موسكو والنظام على غوطة دمشق الشرقية وما ارتكب فيها من مجازر كان آخرها استخدام السلاح الكيماوي، والذي وضع موسكو على ما يبدو بين فكي كماشة أمريكي أوروبي، ومثل فرصة للحلف الأخير للرد على تمادي روسيا في مختلف الملفات العالقة بين الطرفين، بما فيها الملف السوري، واستخدام العمل العسكري المحدود تجاه نظام الأسد لإيصال رسائل سياسية لموسكو، وإعلان عودة فاعلية أمريكية أوروبية  مفتوحة على كل الخيارات بما فيها العسكري.

2.   مستوى الملف السوري (العودة للمسار الأممي)

حملت الضربات العسكرية عدة رسائل سياسية على المستوى الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف السوري، والذي أضحى دولياً بامتياز، وعلى رأسهم موسكو التي كادت أن تتفرد في إدارة هذا الملف وفق سياسة دعم الأسد عسكرياً في قضم مناطق المعارضة الواحدة تلو الأخرى والانقلاب على اتفاقات "خفض التصعيد" ومسار أستانة الذي فرضته، مقابل سعيها لخلق مسار سياسي موازي لترجمة هذا التقدم العسكري إلى نتاج سياسي يفرض وجهة نظر موسكو بالحل ويقترب من طموحها في الحسم العسكري، فيبدو أن الضربات العسكرية جاءت لإيصال عدة رسائل سياسية لموسكو وحلفائها ضمن هذا الإطار، ولعل أبرز ما يمكن قراءته من مضامين تلك الرسائل يتوزع وفق التالي:

موسكو: (الرسائل المباشرة)

  • نهاية التفويض: يبدو أن نشوة "الانتصارات" التي حققها تدخل موسكو العسكري في سورية قد غيّبت عن العقل الاستراتيجي الروسي حقيقة مفادها أنَّ؛ لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظةً حاسمةً ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار آثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على "أس الصراع" أي المواجهة بين النظام السوري وشعبه. وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حملَ ضمناً رسالةً مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران. ولعل المضامين السياسية للضربات العسكرية لا يمكن فصلها عن سياق النقطة الأخيرة؛ فعلى الرغم من تنفيذ الضربات من مدخل استخدام السلاح الكيماوي؛ إلا أنها حملت رسالة وفق هذا المدخل بأن موسكو لن تبقى وحيدة في إدارة الملف السوري بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، فالضربات مثّلت فعلاً تأديبياً لنظام الأسد ورقابياً ومحاسبياً بالنسبة لموسكو، حيث عكست بشكل أو بآخر نهاية التفويض الأمريكي لموسكو في إدارة الملف السوري بشكل منفرد.
  • العودة إلى المسار الأممي: بالمقابل حملت الضربات الأمريكية الأوروبية رسالة مهمة تتعلق بطبيعة الحل السياسي الذي تحاول روسيا فرض رؤيتها الخاصة فيه، ولعل الضربات في هذا الإطار استهدفت إفراغ التقدم العسكري الأخير لموسكو والنظام في الغوطة وإدلب ودير الزور من مضامينه السياسية التي كانت تطمح موسكو إلى ترجمتها على مسار التفاوض بشكل إحراز تقدم سياسي على حساب المعارضة، فجاءت الضربات العسكرية برسالة سياسية أوروبية أمريكية واضحة لموسكو بأن الحل السياسي للأزمة السورية لن يتم دون موافقة المجتمع الدولي وبعيداً عن المسار الأممي المرسوم لذلك (جنيف)، ولا يمكن لأي طرف فرضه بشكل منفرد، وتجلّت هذه الرسالة بالذات بشكل أوضح في جلسة مجلس الأمن التي دعت إليها موسكو عقب الضربة، حيث ركزت كلمات مندوبي الدول المنفذة للضربة على استعراض خطوات إجرائية للخروج من الأزمة ووقف التصعيد، كان على رأسها العودة إلى مسار جنيف الأممي كحل سياسي ومخرج للأزمة السورية، فيما بدى أنه أول ترجمة سياسية للضربات العسكرية والإيحاء بأن الضربات لم تكن ارتجالية، وإنما تمت وفق استراتيجية بدأت بالضربات كفعل عسكري تحذيري وستستمر كضغط سياسي للعودة إلى المسار الأممي كخارطة طريق للخروج من الأزمة السورية.
  • إيران (توزيع الأدوار) استهدفت الضربات العسكرية على الأقل موقعين إيرانيين ضمن بنك الأهداف، الأول مقر لحزب الله في جنوب حمص، والآخر تمثل، بحسب معلومات خاصة بـ"الفوج41 قوات خاصة"، والذي يعتبر مقراً للتواجد الإيراني، ولم يعترف أي من إيران أو النظام أو الروس باستهدافه إلى الآن، ويمكن فهم هذا الاستهداف المحدود لإيران بكون الأوربيين مشاركين في الضربات، في الوقت الذي يسعون فيه بشكل أو بآخر للحفاظ على علاقات وسط مع طهران ومعارضة إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الذي تلوح به الولايات المتحدة، وبالتالي عدم الرغبة في توسيع العملية العسكرية المحددة بهدف ردع استخدام السلاح الكيماوي، إلا أن ذلك لم يمنع من توجيه ضربات محدودة لمواقع إيران وأذرعها، بدت الغاية منها توجيه رسائل أمريكية لطهران تتعلق بنفوذها العسكري في سوريا تحديداً والمنطقة عموماً، والتأكيد على إبراز نوع من توزيع الأدوار في مواجهة هذا النفوذ وتمدده، وتحديداً الدور الإسرائيلي ودعمه أمريكياً في هذه المهمة،  فاللافت أن إسرائيل سبقت الضربات الأمريكية الأوروبية بأيام قليلة في استهداف مطار "التياس" (تي فور) العسكري  وضرب مواقع كانت تستخدمها إيران لتخزين طائراتها المسيرة "درون" موقعة سبعة قتلى من الحرس الثوري أربعة منهم خبراء في سلاح الجو الإيراني باختصاص تطوير الطائرات المسيرة عن بعد، كما أُتبعت الضربات الأمريكية الأوروبية بعد يوم واحد فقط بتفجيرات مجهولة استهدفت مواقع إيرانية في جبل عزان بريف حلب الجنوبي، ليتم بعد يومين أيضاً استهداف قاعدة إيرانية شرق قرية "الحمرات" قرب مطار الشعيرات في ريف حمص الجنوبي. وعلى الرغم من عدم تبني إسرائيل للهجومين الأخيرين بشكل مباشر؛ إلا أن طبيعة الاستهداف يشير بشكل أو بآخر إلى بصمات إسرائيل، والتي غالباً ما تتبع أسلوب تنفيذ ضربات وعدم تبنيها أو الاعتراف بها بعد فترة طويلة.

 

خريطة (2) المواقع الإيرانية التي استهدفت في نفس الفترة الزمنية للضربة الثلاثية في 14 نيسان 2018

المصدر: وحدة المعلومات بمركز عمران للدراسات الاستراتيجية

  • تركيا (رسائل التذكير والعزل)

على الرغم من إعلان تركيا دعمها للضربات العسكرية الأمريكية الأوروبية تجاه النظام السوري كمحاسبة على استخدامه الأسلحة المحرمة دولياً؛ إلا أن ذلك لم يُخفِ موقفاً متخبطاً لأنقرة في التعامل معها، بين دعمها تارة والتشكيك في فعاليتها تارة أخرى أو طرح الوساطة بين موسكو وواشنطن قبيل الضربات، ولا يبدو هذا التخبط غريباً في موقف أنقرة التي تمثل جزءاً من حلف الناتو وما يترتب على ذلك من التزامات، مقابل إدراكها لمضمون الرسائل السياسية الموجهة لحليفتها موسكو في الملف السوري. حيث وضّح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في تصريحات تلت الضربة بأن جزءاً من هدفها كان ضرب التحالف الثلاثي بين أنقرة وموسكو وطهران. وعليه فإن الضربة حملت رسائل سياسية لأنقرة أيضاً تمثلت بتذكيرها بكونها جزء من حلف الناتو الذي تتصاعد إشكالياته مع موسكو، وأن سياسة التوازن التي تحاول تركيا انتهجها في الملف السوري بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى لن تستوي، وتحديداً وسط الخلافات التي تتصاعد بين أنقرة وبعض الدول الأوروبية (فرنسا)، إضافة إلى توجس أنقرة من سياسة إدارة ترامب في مناطق شرق الفرات وما يتعلق منها بالتعاطي مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، ولعل هذه الرسائل التي تحاول عزل أنقرة عن تحالفها مع روسيا وإيران، تأتي في سياق إدراك أوروبي أميركي أن أي جهد حقيقي من قبلهم في الملف السوري لابد وأن يمر عبر البوابة التركية، كما يدركون أيضاً أن أي سعي روسي مضاد لابد وأن يمر من المدخل نفسه،

 ثانياً: احتمالات الرد (التصعيد غير المباشر)

عقب الضربات العسكرية هددت إيران بأن محور "الممانعة" سيرد على ما اعتبرته "العدوان الثلاثي" على سورية، بينما اعتبرت وزارة الدفاع الروسية الضربات بمثابة إهانة مباشرة للرئيس فلاديمير بوتين، وعلى الرغم من صدور تلك التهديدات من قوى متحالفة على الأرض السورية (روسيا، إيران)؛ إلا أن احتمالات الرد وأسلوبه قد يختلفان من فاعل إلى آخر وفق ما يلي:

  • على المستوى الروسي

لم تُقدم روسيا إثر الضربة العسكرية الثلاثية على أي رد مباشر، وهي التي كانت تهدد به قبل وقوعها، فقد كان مستبعداً أن تلجأ موسكو إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، ولو كان هناك أي نية صدام لاعترضت موسكو الطائرات التي دخلت الأجواء السورية أو لجأت للرد على مصادر النيران المتمثلة بالبوارج المستقرة في المتوسط، ولكنها اكتفت على مستوى الإعلان والإعلام بالتصريح حول "تصدي دفاعات جوية سوفيتية قديمة يمتلكها النظام للصواريخ وإسقاط معظمها وحرف مسار بعضها الآخر"، الإعلان الذي نفاه البنتاغون بعد ساعات موضحاً أن أي من الصواريخ لم يتم اعتراضها. ومن المتوقع أن تعتبر موسكو تلك الضربات لم تقترب من مواقعها وقواعدها العسكرية وأماكن تواجد جنودها في سوريا، وذلك يساعدها في التنصل من الرد المباشر والملزم، وهو ذات السلوك الذي اتبعته في شرق الفرات حيال مجموعات المرتزقة الروس الذين قتلوا بعد استهدافهم من قوات التحالف بشكل مباشر واعتبرتهم موسكو يتبعون لشركات خاصة. وعلى الرغم من تجنب روسيا الرد المباشر؛ إلا أن ذلك قد لا يمنعها من التصعيد غير المباشر عبر استهداف بعض جبهات المعارضة التي تعتبرها محسوبة على الولايات المتحدة، لذلك قد تلجأ موسكو وحلفائها خلال الفترة المقبلة إلى التصعيد العسكري على عدة جبهات، ربما يكون الجنوب السوري ليس بمنأى عنها، خاصة بعد فراغ النظام وموسكو من جنوب دمشق والقلمون الشرقي.

  • على مستوى إيران وأذرعها

على الرغم من استهداف الضربات الأوروبية الأمريكية لمواقع إيرانية محدودة؛ إلا أن الإيرانيين بادروا بالتهديد والتوعد بالرد، وذلك يفهم في سياق إدراك إيران أنها معنية بالضربات العسكرية من قبل الولايات المتحدة، خاصة بعد استكمالها تجاه مواقع إيرانية في سورية وفق لعبة توزيع الأدوار بين إسرائيل وأمريكا، واستشعارها لتصاعد تهديدات حقيقية يدفع بها تخوف إسرائيلي أمريكي وتشنج خليجي تجاه سلوكها في سوريا والمنطقة، وفي هذا الإطار تبدو خيارات الرد الإيراني المباشر ضيقة، سواء عبر اللجوء إلى الاستهداف المباشر للقوات الأمريكية المتواجدة في شرق الفرات أو الرد على إسرائيل عبر سوريا أو لبنان، إذ تدرك إيران أن الخيار الأول قد يترتب عليه تصعيد مباشر في استهداف مواقعها في سوريا بشكل أكبر وسط التوتر الدولي تجاهها في الملف السوري، كما من المستبعد أيضاً أن تلجأ إلى تصعيد مباشر مع إسرائيل، الأمر الذي قد يترتب عليه تصعيد مضاد ربما يتطور إلى توغل إسرائيلي بري في جنوب لبنان أو الجنوب السوري، وهذا ما أكدته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن مصادر مسؤولة في جيش الاحتلال الإسرائيلي قولهم: "إذا اتخذ الإيرانيون عملاً ضد إسرائيل من الأراضي السورية، فإن من سيدفع الثمن سيكون الأسد ونظامه"، وأضافوا أن "نظام الأسد والأسد نفسه سيختفيان عن الخريطة وعن العالم إذا حاول الإيرانيون بالفعل المس بإسرائيل أو بمصالحها من الأراضي السورية". وأمام تلك الخيارات الضيقة للرد المباشر فقد تلجأ طهران إلى الرد غير المباشر والذي يتناسب وطبيعة أذرعها وميلشياتها المنتشرة في المنطقة، وقد يتجاوز هذا الرد الأراضي السورية، وربما قد يأتي عبر العراق، هناك حيث تتبع إيران سياسية الإطباق الكامل وتعتمد في الآونة الأخيرة على تدريب مليشيات سنية لمقاومة الوجود الأمريكي، وهذا الرد قد يكون عبر التحرش عسكرياً بالقواعد الأمريكية أو التفجيرات والمفخخات، إضافة إلى أنها قد تلجأ إلى تنشيط مجموعات الحوثي على الحدود السعودية وتكثيف إطلاق الصواريخ على المملكة، وهو ما أشار إليه عبد الملك الحوثي عقب الضربات الأمريكية الأوروبية للنظام، حيث صرح بشكل رسمي بأن  "العدوان الأمريكي على سورية يستوجب الرد تجاه السعودية".

خلاصة

إن النظر إلى الضربة الثلاثية التي تلقاها نظام الأسد من منظور عسكري بحت متعلق بالأزمة السورية فقط؛ يُعتبر اجتزاءً خاطئاً يفضي إلى أن الضربة كانت استعراضية ودون مضمون، وهو أمرٌ  يحيد بدرجةٍ كبيرة عن الصواب، فلم تعلن يوماً الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفاؤها في الناتو نيّة لإسقاط الأسد عسكرياً، وإنما كان دأبهم الإعلان عن أن الحل في سورية سياسي، لذلك لابد من فهم الضربات في سياق "التحريك" وليس "التحرير"، أي تحريك مسار الحل السياسي بعيداً عن سعي موسكو لتجميده وفقاً لرؤيتها، وأنها قد تمثل نهجاً جديداً قائماً على استخدام العمل العسكري المحدود لتحريك المسار السياسي التفاوضي، وربما تُشكل مُقدمة لما يبدو أنه سيكون سلسلة من الضربات العسكرية للأسد والمليشيات الإيرانية المتواجدة في سوريا عبر الثلاثي الناتوي لناحية الأسد، وعبر إسرائيل لناحية إيران، وذلك لإجباره وحليفه الروسي على تقديم تنازلات سياسية على طاولة المفاوضات باتجاه بدء عملية انتقال سياسي، حيث تُشكل مثل هذه الضربات العسكرية المحدودة الوسيلة الوحيدة أمام الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للضغط وكسب نفوذ  تحتاجه في مسار جنيف المُعطل، والذي حولته موسكو إلى مجرد غطاء للأسد للاستمرار بقتل السوريين، ولذلك فإن احتمال تكرار مثل تلك الضربات والتصعيد الناتوي عسكرياً في سوريا سيكون مرهوناً بمرونة موسكو التفاوضية وقدرتها على فهم رسائل الناتو وجر حليفها الأسد نحو تقديم التنازلات في العملية التفاوضية، إذ أن التصريحات المتوالية بعد الضربة على لسان منفذيها تُشير بوضوح إلى أن المرحلة القادمة هي مرحلة تحريك مسار الحل السياسي وفق الرؤية الدولية، وليس الروسية، وما تبع تلك التصريحات من إعلان ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن التراجع عن قرار الانسحاب من سوريا وإمكانية توجيه ضربات أخرى للأسد في حال استخدم الكيماوي مجدداً، يُعتبر التزاماً أمريكياً بالاستراتيجية الجديدة التي أعلنها وزير خارجيتها السابق تيليرسون، والتي تحمل ضمناً خيارات مفتوحة لمواجهة نفوذ طهران وموسكو في سورية.

التصنيف أوراق بحثية

حركة سياسية ثقيلة، عطالة ذاتية، أخطاء متراكمة متزايدة، بوصلة عمل مشتتة، فقدان القرار الوطني المستقل، تأجيل الامتحانات والتحديات، تلك هي السمات الأبرز للأداء السياسي للمعارضة السورية خلال سنين الثورة السورية، ذاك الأداء الذي ابتدأ سيره من جديد إبان اندلاع ثورة الكرامة والحرية في سورية بعد أن كان في حالة سكون وظيفي قبيلها، فتحفز واستلهم من هتاف ومظاهرات الثوار موجبات حركته، مجددًا الأمل بفاعلية سياسية تنهي حكم النظام القائم وتؤسس لانتقال سياسي يخلق مناخات حرية الاختيار والتعبير وتحرر الإرادة الشعبية ويضمن لها مشاركة فعالة في صنع قرار بلدهم وبناء مؤسساتها وفق فلسفة الكفاءة والحرفية وتعزز من سبل تنمية مواردها البشرية والاقتصادية.

"لم تنجح المعارضة السورية في التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض"

إلا أنها ومنذ اللحظات التنظيمية الأولى حتى يومنا هذا لم تنجح المعارضة السورية بأن تكون على مستوى تطلعات الثورة وأهدافها، ولم تنجح في التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض.

فحتى هذه اللحظة لا تزال الممارسة السياسية للقوى المكونة للمعارضة تعكس خلطًا بين أدوات ومفاهيم العمل السياسي الحزبي المعارض (الذي اعتادت عليه تاريخيًا) ومفاهيم وأدوات الحكم وممارسة السيادة.

صحيح أن جل أسباب التعثر السياسي ترتبط بعوامل خارجية تتعلق بطبيعة المقاربة الأمنية الدولية السائدة لحل الأزمة السورية، وصحيح أيضًا أن سياق التحولات السياسية إقليميًا ودوليًا ساهم بشكل وبآخر في تغيير تموضع المعارضة لا سيما بعدما غدت الجغرافية السورية "مسرحًا جيوسياسيًا" ترتجي الفواعل الدولية والإقليمية تحويله لـ"بوابة تدخل" يسهم في تكوين نظام سياسي إقليمي يراعي شروط تلك الفواعل ومشاريعها السياسية ، إلا أن الأسباب الذاتية للأداء السياسي الكارثي حاضرة وبقوة، ولا يمكن إغفالها لأن اتساق الحركة وانسجامها مع الأهداف الاستراتيجية لطالما ارتبطت ارتباطًا عضويًا في بنية الجسم السياسي وفواعله ونجاعة أدائه العام.

انبثقت أولى الاعتلالات الوظيفية لأجساد المعارضة مع عدم بنائها وفق قواعد تمثيلية حقيقية، مُحدثةَ شبه قطيعة مع جلّ الهيئات المدنية والثورية في الداخل السوري، فحاولت ولأسباب تتعلق بفهم المعارضة آنذاك باقتراب سقوط النظام، أن تحاكي شكلًا تجربة المجلس الوطني الانتقالي الليبي أولًا، ثم تدارك ذلك الاستعجال بالائتلاف الوطني للمعارضة وقوى الثورة كجسم يدير شؤون "المرحلة الانتقالية"، وبهذا تم إنتاج أجسام بعمر افتراضي قصير، ووظيفة سياسية وإدارية تجاوزها السياق العام للمشهد السوري، وقوى تقليدية غير قادرة على القيام بسلوكيات رجال الدولة وتمتهن الطروحات الشعاراتية فقط.

وحتى ما قام به الائتلاف من عملية توسعة (معادلة كفة الإسلاميين بديمقراطيين) أتت لتتوافق مع المزاج الدولي الدافع باتجاه عملية تفاوض سياسية في جنيف أكثر مما تمليه ضرورة الإصلاح والتماهي مع الداخل السوري الثائر وما يتطلبه من احتياجات تتفاقم وتزداد شدتها مع بدء ظهور التنظيمات المتطرفة، فلا أدار ملفاته التفاوضية باقتدار وحرفية، ولا اتبع استراتيجية تفاوض واضحة.

"المراهقة السياسية التي مارسها الائتلاف في بداية تشكيله و"نجاحه المذهل" في تصدير صورة مثبطة عن طبيعة عمله المتوقع لا سيما بعد مسلسل الاستقالة التي تم الإعلان عنها قبيل تسليم الائتلاف كرسي سوريا في جامعة الدول العربية"

خلال كل ذلك اختلج بالائتلاف عطالة سياسية محكمة، فمن جهة أولى ثبت التدافع والتنافس البيني لمكوناته السياسية معادلة ذات مخرجات صفرية وعناصر تقليدية ثابتة لا تتبدل، ومن جهة ثانية أضحى انعكاسًا للتضارب الدولي الذي دعم وجود وكلاء سياسيين له ضمن هذا الجسد الثقيل يجعل مجموع قراراته تشبه أحجية (تعا ولا تجي)، ومن جهة ثالثة ازدادت تلك العطالة بالمراهقة السياسية التي مارسها الائتلاف في بداية تشكيله و"نجاحه المذهل" في تصدير صورة مثبطة عن طبيعة عمله المتوقع لا سيما بعد مسلسل الاستقالة التي تم الإعلان عنها قبيل تسليم الائتلاف كرسي سوريا في جامعة الدول العربية، ومجموع المبادرات "العاطفية" التي وجهها للنظام، وعدم الخبرة في التعاطي السياسي والدبلوماسي مع القوى الإقليمية والدولية، والمهاترات البينية، إلخ.

أما الهيئة العليا للمفاوضات -هذا الجسد الذي كُلفت الرياض في اجتماعات فيينا أواخر عام 2015 بدعم تشكليه ضمن أول مخرجات التشويه الروسي للعملية السياسية الذي أراد الإمعان في تمييع صف المعارضة -لم تستطع أن تستغل التوافق والدعم الشعبي الذي تشكل حينها تجاهها جراء المواقف السياسية الصلبة الصادرة عنها، ولم تستثمر هذا التوافق لفرض وثائق القاهرة المنجزة في عام 2012 كمرجعية سياسية للهيئة.

تلك الوثائق التي من أفضل ما خطته المعارضة خلال سنين الثورة، بل وبحكم وراثتها لجميع الإشكاليات المتراكمة من سابقيها وزاد عليها تضمينها اتجاهات سياسية تختلف مع بعضها البعض حتى في الأولويات العامة، لم تستطع الهيئة ضبط هذه البنية الشديدة التحول والسيولة، الأمر الذي ساهم مع عوامل سياسية أخرى في فقدانها لاحتكار تمثيل المعارضة في المفاوضات إذ شاركتها منصتا موسكو والقاهرة هذا الاحتكار، ليبدو المشهد التفاوضي إذا ما عزلنا التصريحات الإعلامية أقرب لتفاوض النظام مع فريق يتفق مع أكثر من نصفه.

ولعل أخطر الاعتلالات الوظيفية للمعارضة تزايد طردًا مع تنامي مستويات الصراع في سورية وبروز الإرهاب فيها، إذ تعاملت المعارضة في هذا الصراع بوجدانية مغرقة أكثر مما يفرضه مبدأ الحسم تجاه تنظيمات عابرة للثورة ولها مشاريع تهدد هوية البلد وفعله الحضاري، فلا وظفته كباقي الفواعل السياسية، ولا حسمت باكرًا موقفها منه، وسجلت عجلة السياسة في هذا السياق في سجل المعارضة وقوعها في المحاذير الوطنية وعدم إنجازها لوثيقة وطنية حاسمة رافضة لأي قوة لا تؤمن بأهداف الثورة وتريد حرفها.

الأمر الذي أفرز تأخرًا في إدراك خطورة العناصر والجماعات الجهادية الأجنبية التي تغلغلت داخل تشكيلات الثورة السورية بحجة مظلومية و"نصرة" الشعب السوري، والتعاطي معها دون إدراك أبعاد مشاريعها الذاتية وحجم انتماءاتها التنظيمية، وهو ما أدى بشكل أو بآخر لظهور تصنيفات متعددة في جسد المعارضة ثم المطالبة الدولية بعزلها عن المتطرفة.

"مضت ولا تزال المعارضة قدمًا باتجاه موتها السريري، إذ إن كل المؤشرات تدل على هذا المآل، فلا أفعالُ مراجعة، ولا بدء بتقييم الأدوات سوى بضع محاولات ترقى أن تكون استعراضًا لمص الصدمة ليس إلا"

وصلت الارتكاسات السياسية الذاتية للمعارضة مداها الأوسع بعد معركة حلب، والتي تبين أنها لم تعد قادرة على الفعل السياسي ولو بأدنى درجاته، فمرت كوارث التدخل الروسي وما حملته من تغييرات ديموغرافية وعسكرية واضحة دون أن يلمس المراقبون لهذه الأجسام أي استراتيجية تعاطي إبان هذا التدخل، فبعد هذه المعركة مضت ولا تزال المعارضة قدمًا باتجاه موتها السريري.

إذ إن كل المؤشرات تدل على هذا المآل، فلا أفعالُ مراجعة، ولا بدء بتقييم الأدوات سوى بضع محاولات ترقى أن تكون استعراضًا لمص الصدمة ليس إلا، ولا تدارسًا موضوعيًا لصلاحية البُنية الحالية لهذه المرحلة بعد أن اتخذت شكلًا ثابتًا ومصمتًا خلال الأعوام الستة الفائتة، الشكل الذي حال دون أي فعل سياسي حقيقي يُحدث أثرًا ملموسًا سواء على المستوى المحلي كتنظيم الصف الثوري الداخلي أو على المستوى الخارجي كتمثيل بديل مقنع للمجتمع الدولي، مما ولد فراغًا سياسيًا في الثورة السورية، وغُربة عن الشارع الثوري والذي عزز من عدم ملاحظتها في معادلة الصراع السوري، وأعلى من شأن الخيارات العسكرية التي اتسم حراكها بالفصائلية المغرقة وغيبت أثر وفعالية الحراك المدني والسياسي وأقصته وتدخلت في جميع مفاصل المحلياتية.

"لا يمكن للتاريخ عندما يتحدث عن ثورة العز والكرامة في سوريا وما سطرته من تضحيات في سبيل العيش الحر الكريم إلا أن يُحمل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري مسؤولية تعثر الأداء السياسي"

يمكنني القول متوجعًا إنه لا يمكن للتاريخ عندما يتحدث عن ثورة العز والكرامة في سورية وما سطرته من تضحيات في سبيل العيش الحر الكريم إلا أن يُحمل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري مسؤولية تعثر الأداء السياسي وعدم استغلال الفرص وتغييب الرشد، وسيسجل بخط ممزوج بالدم والألم أن اليسار المعارض كاليمين غرقا بالأوهام وأتقنا الاستعراضات الأيديولوجية بينما عجلة الثورة السياسية لا تزال تنتظر من يرتقي بأدائه لمستوى تضحياتها التي أتعبت التاريخ وأثقلت الجغرافية.

المصدر نون بوست

التصنيف مقالات الرأي
الإثنين تشرين1/أكتوير 23
يعمل هذا الكتاب على بلورة الشروط المعرفية والسياسية والاجتماعية والتقنية المؤثرة في عملية التغيير الأمني، واتّساقها مع الظرف السوري الراهن، وبالتالي القدرة على تصدير رؤية تنفيذية تراعي الضرورات الوطنية وتخرج…
نُشرت في  الإصدارات 
الجمعة آذار/مارس 31
أصدر مركز عمران كتابه السنوي الثالث الذي يتزامن مع بداية العام السابع من الزلزال السوري بعنوان "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، هادفاً إلى تقديم قراءة منهجية لأهم متغيرات الملف…
نُشرت في  الإصدارات 
الثلاثاء آذار/مارس 15
تزامناً مع الذكرى الخامسة لانطلاق الثورة السورية، يطلق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية كتابه السنوي الثاني، متضمناً عدة دراسات تعنى بأهم تحولات وتحديات الملف السوري، من إعداد مسارات المركز الثلاثة السياسة…
نُشرت في  الإصدارات 
لقاء الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، على تلفزيون العربي للحديث عن المضامين…
الإثنين نيسان/أبريل 16
حديث الباحث ساشا العلو للتلفزيون العربي عن ملامح العودة الأمريكية للانخراط بفاعلية أكبر في الملف…
الخميس آذار/مارس 15
أجرت قناة الشرق مقابلة تلفزيونية مع الدكتور عمار قحف -المدير التنفيذي لمركز عمران- للحديث عن…
السبت شباط/فبراير 24
أجرى تلفزيون العربي مقابلة تلفزيونية مع الباحث ساشا العلو للتعليق على أحداث الغوطة الشرقية في…
الجمعة شباط/فبراير 23