أوراق بحثية

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

تحظى محافظة إدلب بأهمية خاصة في مسار الأزمة السورية؛ إذ هي الملاذ الأساس للمهجَّرين والمعقل الأساس لهيئة تحرير الشام. وتتجه المحافظة نحو عدة مسارات تعتمد على سياسات عدة دول فاعلة، خاصة تركيا التي تريد استيعابها، في حين يتحين النظام الفرص لإخضاعها لسلطته.

مقدمة 

يقف المشهد السوري العسكري اليوم على مفترق طرق نحو تشكيل ترتيبات أمنية جديدة، وذلك بعد إنهاء النظام وحلفائه لجيوب عسكرية لقوى المعارضة في مناطق "سوريا المفيدة" واستحكام قبضتهم فيها، مقابل اتفاقيات تجميد الصراع أو خفض التصعيد في إدلب ودرعا. وتوجد أيضًا مناطق خارج سيطرة النظام أكثر استقرارًا بحكم تواجد ضامن عسكري مباشر مثل مناطق شمال شرق سوريا (قوات قسد مع قوات أميركية) أو مناطق شمال وشمال غرب سوريا (الجيش التركي وقوات المعارضة). وفي هذه الأثناء، يحاول النظام السوري وحلفاؤه استثمار المرحلة الراهنة لإعادة ترتيب مناطقه أمنيًّا؛ حيث يسعى الروس إلى دمج بعض الفصائل القريبة منه في الفيلق الخامس والسادس والسابع كما يجهدون في إعادة هيكلة وزارة الدفاع وهيئة الأركان. في المقابل، تنخرط إيران مدنيًّا وإداريًّا في بنى محلية واجتماعية واقتصادية مع تنظيم قواتها العسكرية وإعادة تمركزها في المناطق الحدودية لسوريا عمومًا، ولإجراء مناوشات في مناطق التماسِّ مع القوات الأميركية خصوصًا. ويتضح من قراءة المشهد السوري العام أنه مُتجه نحو تفاهمات جديدة لم تتبلور معالمها بعد، وعنوانها العريض هي تفاهمات أمنية لفتح الطرق الرئيسية بين المدن وخطوط التجارة المحلية والخارجية. 

وفي ضوء هذا المشهد وتحولاته المحتملة، تبدو إدلب وكأنها "المعضلة المؤجلة" حاليًّا لاعتبارها المحطة الأخيرة في سلسلة إجراءات وتفاهمات لإنهاء الصراع العسكري، ففيها خزان بشري كبير لنازحين من مختلف المناطق السورية، وتوجد فيها مجموعات مسلحة كثيرة بما فيها "مجموعات متشددة" عصية على الاندماج مع باقي الفصائل، ومنها ما تجذَّر في البنى الإدارية والمجتمعية بما له من سيطرة مسلحة كهيئة تحرير الشام، فضلًا عن أن ترتيبات الآستانة في إدلب لم تنتهِ بشكل كامل ما يعطي النظام وحلفاءه فرصة للاستثمار في هذه المعضلة واستغلالها أيما استغلال. 

ونظرًا لأهمية معضلة إدلب في مسار الأزمة السورية، تُقيِّم هذه الورقة المشهد العسكري والإداري، وكذلك الترتيبات الأمنية من حيث التماسك أو الهشاشة في هذه المحافظة، لتخلص إلى مقاربة لفهم الواقع في إدلب كما تستطلع المآلات والسيناريوهات المستقبلية المحتملة. 

تحديات سكانية وتنموية متزايدة 

تقع محافظة إدلب في أقصى الشمال الغربي لسوريا، وتُحاذي جزءًا من الحدود السورية-التركية، وقد بلغ عدد سكانها في 2011 حوالي 2.072.266 نسمة، وبلغت مساحتها 5464 كم2 ([1]). شاركت المحافظة بالثورة منذ أيامها الأولى لتخرج عن سيطرة النظام بشكل كامل في مارس/آذار 2015، بعد سيطرة قوات معارضة ومجموعات أخرى على مركزها. وبقيت كل من كفريا والفوعة "الشيعيتين" المحاصَرَتَيْن تحت سيطرة النظام ورهنًا لاتفاقية "المدن الأربعة" (كفريا-الفوعة/الزبداني-مضايا) بين إيران وأحرار الشام وهيئة تحرير الشام في أبريل/نيسان 2017. ومع استكمال ترتيبات الآستانة في 15 سبتمبر/أيلول 2017 واتفاقيات خفض التصعيد في إدلب، تمكَّن النظام وحلفاؤه الروس من السيطرة على أجزاء شرق سكة الحديد جنوب شرقي المحافظة، وتقدر مساحة المناطق التي سيطر عليها بما معدله 17.5% من مساحة المحافظة (متضمنًا مساحة كفريا والفوعة). 

تبرز أهمية إدلب كونها كانت الملجأ الأساس في تهجير قسري ممنهج من كافة المناطق إليها، منذ تهجير مدينة حمص القديمة في مايو/أيار 2014، ثم حلب الشرقية، ثم ريف دمشق، وانتهاء بتهجير ريف حمص الشمالي في مايو/أيار 2018 (ينظر الجدول أدناه[2].  كما تضمنت الهجرات مدنيين وعسكريين ومنتمين لمجموعات مصنفة كإرهابية، مما عقَّد المشهد الديمغرافي ووضع عبئًا كبيرًا على المنظمات الإغاثية والاجتماعية بسبب اختلاط السكان بالمجموعات المسلحة. ويُشير تقرير وحدة تنسيق الدعم أنه وحتى تاريخ 23 أبريل/نيسان 2018 بلغ عدد النازحين إلى الشمال السوري عمومًا من الغوطة الشرقية والقلمون حوالي 75339. ([3])

الجدول رقم (1) يوضح تحول إدلب إلى موئل لتهجير قسري ممنهج من كافة المناطق

 

بالمقابل، ترافق مع هذه الزيادات السكانية سياسات استجابة طارئة، خلقت مشكلات تحتاج إلى حلول تنموية. وبسبب حجم المسؤولية الكبيرة والضاغطة على المحافظة لم تجد الفعاليات الإدارية المحلية سوى المنظمات الدولية والمحلية لمساعدتها في حل أزمة المهجرين، وحاولت تشكيل نموذج (إسعافي) في إدارة المهجرين من خلال "الهيئة العامة لإدارة المهجرين" التي كان لها أدوار أولية في تخفيف العشوائية والفساد الحاصل في توزيع المساعدات وضبط احتياجات المخيمات وتقديمها للمنظمات([4])، إلا أن تردي الواقع الاقتصادي والإداري في المحافظة أسهم في تنامي المؤشرات التي تنذر باتساع حجم التحدي وازدياد صعوبات المعالجة. وشهد المستوى العام للأسعار ارتفاعًا ملحوظًا رافقه انخفاض كبير في سعر صرف الليرة التي وصلت إلى حدود 500 ليرة أمام الدولار بانخفاض قارب 90% للقيمة الشرائية. كما ارتفعت معدلات الفقر؛ إذ بلغت نسبة الفقر في المحافظة حوالي 90.5% في ([5])2015، وهي من أعلى النسب في سوريا. وإذا ما أضفنا نسب العوائل النازحة والمهجرة المحتاجة (حتى نهاية عام 2017) فإن النسبة العامة للفقر ستصل لمستويات بالغة الخطورة حيث يبلغ مجموع تلك العائلات 119.696 عائلة فيهم 107.622 عائلة ذات دخل شهري أقل من 40 دولاراً.([6]

كما أسهم تدهور الأداء الاقتصادي على كافة المستويات في الانكماش في النشاطات الاقتصادية وبروز العديد من النشاطات غير الرسمية كانتشار العمل العشوائي وتنامي ظاهرة "تجار الأزمة"؛ مما أفسح المجال أمام اقتصاد مواز يحاكي الرسمي المفترض، بإيراداته وشبكاته وتعاملاته التجارية. كما أن سوء الأحوال الأمنية وتدخل "الجماعات المسلحة" في مفاصل الإدارة، والقصف العنيف، وانتشار الاغتيالات، شكلت عوامل رئيسية لهروب أصحاب الأموال للخارج وعدم استقبال المحافظة لأي نوع من الاستثمارات، فانتشرت على إثر ذلك البطالة في ظل حاجة المواطنين الماسة للعمل من أجل كسب المال. 

بالعموم، فإن تزايد التحديات الناجمة عن تنامي الكثافة السكانية جراء سياسات التهجير وحركية النزوح المحلي فرضت على الفعاليات المحلية الإدارية والتنموية تحديات متنامية تستوجب منها إجراءات تراعي البُعد التنموي والاقتصادي في المحافظة، وهو الأمر الذي لا يزال متعثرًا بحكم السيولة الأمنية والاقتتال الداخلي من جهة، وتغليب منطق الاستجابة الطارئة بحكم المتغيرات المتسارعة في ملف المهجرين من جهة أخرى. 

مشهد عسكري وأمني مضطرب 

انخرطت محافظة إدلب -شأنها شأن معظم المحافظات- في الحراك السلمي والمظاهرات الشعبية منذ مارس/آذار 2011، ثم دخلت خط "الكفاح العسكري" الدفاعي ثم الهجومي في 2012، ثم جاءت سيطرة غرفة عمليات "جيش الفتح" على مدينة إدلب في مارس/آذار 2015. بالمقابل، استمرت جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام كامتداد لها في قضم الفصائل الثورية المحلية والتمدد العسكري والإداري والمدني والتغلغل في مناطق إدلب. 

شكَّل تحرير مدينة إدلب في 2015 مُرتكزًا لنمو حركة النزوح لاحقًا إليها وإلى تمدد نشاط المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني ثم الحكومة المؤقتة ثم اقتحام "حكومة الإنقاذ" كأداة إدارية لهيئة تحرير الشام المصنفة على لوائح الإرهاب. وزادت الأحداث من تداخُل الوجود العسكري مع اكتظاظ السكان النازحين في المحافظة وبالتالي من شدة التحديات الأمنية والاقتصادية. 

خضعت محافظة إدلب لعدة محاولات لوقف إطلاق النار أو خفض التصعيد والتوتر كان آخرها في 15 سبتمبر/أيلول 2017 في اجتماع الآستانة السادس بين روسيا وتركيا وإيران، وتمخض عن "تقاسم للأدوار والنفوذ"، ولكن لم تُنجز الخرائط التفصيلية وبقي الخلاف على بعض النقاط خاصة من الجانب الإيراني الذي أصر على تواجد قوات قريبة منه على الحواجز الفاصلة ونقاط المراقبة، بينما أصرت تركيا على إمساك الملف الأمني بمفردها. وأدى عدم حسم الملف إلى استغلال النظام وإيران للوضع واقتحمت قواته مناطق جنوب شرق محافظة إدلب شرق سكة الحديد في الشهر الأول من 2018 واستعادت السيطرة عليها. 

يُذكر أن نسب السيطرة قبل هجوم النظام كانت على الشكل التالي: 98.5% قوى الثورة مع انتشار لجبهة النصرة، و1.5% ميليشيات ممولة من إيران وقوات النظام. أما بعد هجوم ميليشيات إيران وقوات النظام فقد استطاع النظام أن يُسيطر على منطقة واسعة وصلت نسبتها إلى 16%، فأصبح توزُّع نسب السيطرة على الشكل التالي: 82.5% قوى الثورة متنازعة مع فصائل أخرى كجبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، و 17.5% ميليشيات إيران وقوات النظام. ([7])

وإثر تقدم النظام السريع في جنوب شرق إدلب سارعت تركيا إلى تنفيذ بنود اتفاق الآستانة ونشرت عدة نقاط مراقبة عسكرية وصلت إلى عشر نقاط حتى 9 مايو/أيار 2018 (موضحة على الخريطة الرئيسية)، ويُتوقع أن تصل إلى 20 نقطة لتُحيط بكامل أنحاء المحافظة ثم التفرغ لضبطها أمنيًّا وعسكريًّا. ([8]) ويكمُن التحدي الأساسي في إدلب أمام الجيش التركي المنخرط في عمليات لمواجهة قوات الحماية الشعبية الكردية في سيولة المشهد أمنيًّا وانخراط هيئة تحرير الشام جغرافيًّا في أماكن المدنيين وتداخلها مع هيئات إدارية كحكومة الإنقاذ وبعض المجالس المحلية. 

 

خريطة تبين مناطق السيطرة والنفوذ بين القوى العسكرية المحلية والإقليمية في إدلب ومحيطها

أما فيما يتعلق بالمشهد الأمني في إدلب، فقد شهدت هيئة تحرير الشام إضعافًا لبنيتها وعلاقتها بالحاضنة المجتمعية من عدة أطراف منذ بداية دخول الجيش التركي إلى إدلب؛ فقد سعت تركيا لعدم الدخول في حرب مفتوحة لمواجهة الهيئة وتأسيس مراكز المراقبة لوقف إطلاق النار حسب اتفاق الآستانة مما أدى إلى انقسام صفوف الهيئة في الموقف تجاه الدخول التركي وانشقاق عدد من فصائلها ومرجعياتها. وقامت أطراف عديدة غير معروفة -يرى البعض أنها خلايا متبقية من تنظيم "الدولة الإسلامية" و"جند الأقصى"- ببث الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة الهيئة عبر تنفيذ سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات. ومن الملاحظ من خلال تحليل بيانات الاستهداف الأخيرة خلال شهري مارس/آذار، وأبريل/نيسان 2018 أن أغلب أماكن حدوث الاغتيالات كانت في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (انظر الشكل أدناه).

 

الشكل رقم (1) يوضح توزيع السيطرة العسكرية في "مناطق الاغتيالات" بإدلب

الشكل رقم (2) يبين توزيع الجهات التي استهدفتها حملة الاغتيالات الأخيرة في إدلب

وشهدت المحافظة في الآونة الأخيرة عدة تطورات أبرزها تشكيل تنظيم "حراس الدين" في 27 فبراير/شباط 2018 بقيادة أبوهمام الشامي القيادي في تنظيم "القاعدة"، وأعلن بيعته لتنظيم "القاعدة". وضم تنظيم "حراس الدين" الفصائل التالية: حراس الشام، وسرايا الساحل، وسرية كابل، وجند الشريعة، بالإضافة إلى قيادات "القاعدة" في مجلس الشورى الذي يضم: أبو حبيب طوباس، وأبو خديجة الأردني، وسامي العريدي، وأبو القسام، وأبو عبد الرحمن المكي، وعدد من القيادات السابقة في "جبهة النصرة" التي رفضت فك الارتباط بالقاعدة. بعد نحو أسبوع من إعلان تشكيل "حراس الدين"، أعلنت ثلاث فصائل أخرى انضمامها إليه، وهي: "جيش الملاحم"، و"جيش البداية"، و"جيش الساحل". التزم تنظيم "حراس الدين" الحياد في الاقتتال الذي اندلع بين "هيئة تحرير الشام" و"جيش تحرير سوريا" في ريفي حلب وإدلب، ولكن هذا لم يمنع من حدوث بعض الاشتباكات بين مقاتلي "هيئة تحرير الشام" ومقاتلي حراس الدين في منطقة ريف حماه الشمالي، وخاصة أن معظم المنتسبين لحراس الدين هم عناصر (محلية وأجنبية) سابقة في الهيئة وفي جند الأقصى، ومعظمهم باتوا على خلاف واضح مع التيار الأقل تشددًا في الهيئة، وعلى خلاف مع قوى الثورة السورية. وأعلن تنظيم "حراس الدين" التابع لتنظيم "القاعدة" وفصيل "أنصار التوحيد" (منشق سابقًا عن "جند الأقصى")، في 29 أبريل/نيسان 2018، اندماجهما ضمن حلف واحد حَمَل اسم "حلف نصرة الإسلام". وذكر بيان مشترك لـ "التنظيمين"، أن هدف اندماجهما "إقامة دين الله تعالى، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ودفع العدو الصائل"، وذلك مِن "باب التعاون على البر والتقوى"، طبقًا للبيان. 

تنحصر سيطرة حلف "نصرة الإسلام المُبايِع لتنظيم "القاعدة" الآن في ريف حماه الشمالي وفي الريف الجنوبي من جسر الشغور في إدلب، ولكن الثقل الأساسي يكمُن في شمال حماه. ويبلغ عدد مقاتلي الحلف حوالي 2500 منهم 1000 أجنبي([9]). ومن المتوقع أن يزداد عدد الأجانب في التشكيل، خاصة مع قبول "هيئة تحرير الشام" التهدئة مع "جيش تحرير سوريا" وعدم فتح جبهات جديدة من النظام سواء من قوى الثورة أو غيرها. هذه الأسباب تجعل من "حلف نصرة الإسلام" الخيار الأخير والوحيد للأجانب كي يحموا أنفسهم في إدلب. لذا، من المرجح أن نشهد معارك بين هذا الحلف وقوى الثورة من جهة ومع الهيئة من جهة أخرى. يُذكر أن فصيلي "حراس الدين" و"أنصار التوحيد" شنَّا هجومًا مباغتًا، في مطلع شهر مايو/أيار 2018، على مواقع قوات النظام في ريف حماه الشمالي، وتمكَّنا من السيطرة على بلدة الحماميات وتلَّتِها الاستراتيجية بريف حماه، قبل أن ينسحبوا منها نتيجة غارات الطيران الروسي. 

تفكيك الخارطة الإدارية 

حدَّد القرار رقم 1378 للعام 2011، والصادر عن وزارة الإدارة المحلية التابعة للنظام([10])، التقسيمات الجغرافية المركزية للمحافظة بـ6 مناطق تضم 26 ناحية فيما تُقسَّم المحافظة إداريًّا لا مركزيًّا إلى 157 وحدة إدارية توزع على 15 مدينة و47 بلدة و95 بلدية تتمتع بالشخصية الاعتبارية و304 تجمعات([11])، إضافة إلى العشرات من القرى والمزارع والتجمعات التي لا تحظى بالشخصية الاعتبارية ولا تشملها التقسيمات الإدارية([12]).  ويُقدر عدد المجالس المحلية التي سقطت بيد النظام بحوالي 17 مجلسًا محليًّا معتمدًا، مقابل 140 مجلسًا محليًّا تديره قوى المعارضة.

الشكل رقم (3) يوضح توزيع نسب السيطرة على الوحدات الإدارية في إدلب بين النظام والفصائل السورية

ويُعاني المشهد الإداري في محافظة إدلب من هشاشة وتشظٍّ كبيرين، أسهم فيهما التداخل بين الحالتين السياسية والعسكرية في المحافظة، الذي انعكس على المنظومة الـمُهيكلة للمجالس المحلية بنشوء مجالس محلية غير معتمدة من الحكومة المؤقتة، وتضاعفت أعدادها بشكل كبير. كما أن تشكيل "حكومة الإنقاذ" من قبل شخصيات مرتبطة بتنظيم "هيئة تحرير الشام" المصنف إرهابيًّا من أطراف دولية([13]) وبحماية وقوة تنفيذية منها زاد في تعقيد المشهد وتداخل الجهات العسكرية بالتنظيمات الإدارية المدنية، وأسهم في تعدد المرجعيات وتضاربها، ويُضاف إلى ذلك انفلات منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية من عقال الضبط الحكومي. 

وحسب تقرير أولي لمسح ميداني أجراه مركز عمران للدراسات مع وحدة المجالس المحلية([14])، جرى في الفترة من  8 أبريل/نيسان 2018 وحتى 15 مايو/أيار 2018 في محافظة إدلب، فإن 59% من المجالس المحلية تُصنِّف نفسها بأنها تتبع إداريًّا للحكومة المؤقتة مقابل 7% تُصنف نفسها تابعة لحكومة الإنقاذ. ومن الملاحظات وجود عدد من المجالس التي تتبع الحكومة المؤقتة لكنها مرغمة على التعاون مع حكومة الإنقاذ، فيما تصنف 16% من المجالس نفسها بأنها مستقلة عن حكومتي الإنقاذ والمؤقتة. ومن أهم الملاحظات لفريق المسح الميداني كان عدم تطابق مناطق النفوذ العسكري لهيئة تحرير الشام مع تبعية المجالس المحلية؛ حيثُ تشكل المجالس المحلية التي لها تبعية إدارية للحكومة المؤقتة، رغم أنها تقع في مناطق السيطرة العسكرية لهيئة تحرير الشام، ما مُعدله 22% من مجالس المحافظة الفرعية. ويُمكن عزو ذلك لكون المجالس المحلية مُنبثقة عن الحاضنة الاجتماعية وتُمثل بدرجة كبيرة طبيعة المزاج العام الرافض لممارسات هيئة تحرير الشام. ويؤكد هذا التحليل استعداد عدد من المجالس التي زارها فريق المسح الميداني لانتخابات جديدة لمجالسها مثل أريحا وكفر تخاريم.

 

الشكل رقم (4) يبين توزيع نسب تبعية المجالس المحلية في إدلب

ومن أهم عناصر استحواذ حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام هي قدرتها على توفير الغاز والتحكم بمعابر تجارية مع النظام وصيانة وتوفير خدمات المياه للمنازل وإدارة المعابر الدولية التي تدر عليها دخلًا توزعه على عدد من المجالس المحلية التي تتبع لها، كما تجري زيارات ميدانية مكثفة للرقابة على عمل المجالس. واستحوذت أيضًا على أي دعم أو تمويل مستقل يأتي للمجالس لمنعهم من امتلاك استقلالية مالية، فمثلًا، كان مجلس كفر يحمول يملك أرضًا زراعية يقوم بتأجيرها ويستفيد من مواردها، لكن منذ سبعة أشهر استولت عليها حكومة الإنقاذ. 

عمومًا، يمكن تسجيل عدة ملاحظات تجاه فاعلية المؤسسات السياسية والإدارية المحلية والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني في محافظة إدلب، إذ تصطدم سياساتها بالعديد من العراقيل التي تحد من خياراتها، ويعود سبب ذلك أولًا: إلى التعارض في أجندات الجهات المسيطرة على المحافظة، وثانياً: لتشتت الإدارات والهيئات المدنية التي لا تزال تفتقر لرؤية استراتيجية موحدة تُمكنها من امتصاص صدمة النزوح وابتداع أدوات إدارة سياسية واقتصادية واجتماعية تتواءم مع الوضع غير المستقر للمحافظة، وثالثًا: للاعتمادية المفرطة على المنظمات الدولية والمحلية في تقديم المساعدات للسكان ومخيمات المهجرين والمجالس المحلية. 

إدلب والترتيبات السياسية والعسكرية المتوقعة 

رغم إنجاز اتفاق خفض التصعيد في إدلب ضمن الاجتماع السادس في الآستانة، في 15 سبتمبر/أيلول 2017، فإن الخرائط والتفاصيل الجزئية حول آلية المراقبة لم تُحسَم بين الأطراف الثلاثة بشكل نهائي. ولكن يبدو أن التقارب الروسي-التركي حول إدلب أكثر من تقارب الاثنين مع إيران. حيث صرح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى في إيران، بأن "الخطوة القادمة لمحور المقاومة ستكون تحرير مدينة إدلب السورية([15]). وحذرت الأمم المتحدة عبر نائب المبعوث الدولي إلى سوريا للشؤون الإنسانية، يان إيغلاند، من اندلاع حرب في إدلب لكونها أصبحت أكبر مخيم للنازحين في العالم. كما حذر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، من انتقال القتال إلى إدلب وتعريض المدنيين إلى خطر كبير. وفي نفس الوقت، تؤكد تركيا عبر عدة تصريحات للرئيس أردوغان أن إدلب وضبطها سيكونان الهدف القادم بعد عفرين ومنبج. ودعا وزير الخارجية الفرنسي، لو دريان، إلى ضرورة تقرير مصير إدلب من خلال عملية سياسية تتضمن نزع سلاح الميليشيات فيها. 

بالمقابل، لا يمكن فك مصير إدلب عن معطيات المشهد العسكري العام وجنوحه باتجاه تبلور طموحات إقليمية ودولية ناشئة تجعل هذا المشهد يدخل في مرحلة إعادة تشكل وترتيب جديد، سواء بالاتكاء على فكرة ومفهوم الدول الضامنة أو عبر ترسيم جديد لحدود النفوذ الدولي. وسينعكس هذا الترتيب الجديد حُكمًا (سلبًا أو إيجابًا) على العملية السياسية التي دخلت مرحلة من السيولة المغرقة منذ جنيف 8 وما تبعها من تطورات ميدانية -مثل عملية غصن الزيتون، ومحاولات إعادة ترسيم حدود منطقة إدلب، ومعركة "إسقاط" الغوطة الشرقية، والنفوذ الإيراني في الجنوب السوري- وما رافقها أيضًا من هشاشة في بنى الفاعلين السوريين، سواء المعارضة التي باتت جسمًا سائلًا يصعب ضبط توجهاته، أو النظام الذي يجد نفسه غير قادر على إرفاق السيطرة العسكرية بسيطرة سياسية واجتماعية (كما يتخيل)، وغير مؤهل لمواجهة استحقاقات مرحلة البناء وإعادة الإعمار. 

وفقًا لهذه المعطيات، يمكن الاستدلال فيما يتعلق بالمحافظة على أنها تسير وفق عدة اتجاهات يتضح التموضع التركي الرئيسي منها جميعًا، فتركيا رأت في اعتماد الخيارات الصلبة المدخل الأكثر حسمًا في مواجهة المهددات الأمنية التي تتعاظم ضدها، وسيكون لها تأثير واضح في الشمال السوري خاصة بعد شبه اكتمال تحقيقها لأهداف غصن الزيتون واستحواذها شبه المكتمل على الأجزاء الشمالية، بالإضافة إلى أدوار تركية محتملة ضمن مسار الآستانة فيما يخص محاربة جبهة تحرير الشام سواء عبر سياسات تفكيك أم مواجهة مباشرة عبر فصائل المعارضة، وفي ذات الوقت يُتوقَّع أن يخضع اتفاق الآستانة لخروقات مستمرة من قوات تتبع إيران وتميل إليها روسيا أحيانًا عندما تريد الضغط على تركيا، ثم تعود لتدعم الموقف التركي في تحصين هذه المنطقة أمنيًّا وإدارتها مدنيًّا. 

بالمقابل، يسعى النظام إلى الدفع باتجاه استعادة "السيادة الوطنية" عبر مقاربات عسكرية أو سياسية عندما يعجز عن استخدام أدوات الروس أو الإيرانيين. وقد يلجأ إلى عدة خيارات بالتوالي أو التوازي، أهمها:

  1. إنهاك منطقة إدلب أمنيًّا بتيسير مرور "أطراف متشددة" وتنفيذ عمليات أمنية واستهداف للشخصيات الثورية القادرة على جمع الحاضنة الشعبية. وتهدف هذه السياسة إلى إضعاف بنى المعارضة وإيجاد الحجج السياسية لعودة "سيادة مؤسسات الدولة". كما يسعى النظام إلى إفشال نموذج الإدارة المحلية وتصويره على أنه يتبع لمنظمات مصنفة دوليًّا إرهابية.
  2. استثمار مسار الآستانة بين الدول الثلاث: روسيا وتركيا وإيران، لتوسيع دائرة الدول المشاركة فيه وإعادة تعريف أدوار الضامنين، كالمطالبة بدور إيراني أكبر بهدف استخدامه للولوج إلى منطقة إدلب سياسيًّا.
  3. الدفع نحو صفقات أمنية جزئية بشكل ثنائي ومباشر مع القوى الدولية المتواجدة في سوريا، كتركيا وأميركا والأردن لتحييد القوى العسكرية السورية والأجنبية والسماح للنظام بعودة مؤسساته تدريجيًّا لاستعادة تحكمه بمفاصل الخدمات، ومن ثم إعادة اختراق الحاضنة والعودة الأمنية كما فعل في مناطق المصالحات.
  4. عقد صفقات لتحييد الطرق البرية والرئيسية والمعابر التجارية والدولية عن الصراع، وتبدو هذه الخطوة الأسهل على النظام لكونها تحقق مصالح مشتركة لكافة القوى، إلا أن النظام يريد منها إعادة امتلاك وظائف الدولة الأساسية وأجزاء من المواقع السيادية. 

خاتمة 

تتجه إدلب نحو عدة مسارات تعتمد على سياسات وردود أفعال عدد من الدول الفاعلة، خاصة تركيا التي تبدو الفاعل الرئيسي فيها. في حين يبدو أن النظام سيسعى بداية إلى عقد صفقات لفتح الطرق الدولية الرئيسية في سوريا وبالتالي عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف المناطق مع تعزيز حالة الفوضى الأمنية في مناطق المعارضة في إدلب بشكل خاص. ويتوقع أن يخضع اتفاق الآستانة لمساومات ومنازعات من قوات تتبع النظام وإيران وتميل إليها روسيا أحيانًا عندما تريد الضغط على تركيا.

 

المصدر مركز الجزيرة للدراسات: https://bit.ly/2s95y01

 


 

([1])منظمة التنمية المحلية بالتعاون مع الحكومة السورية المؤقتة، "أطلس المعلومات الجغرافي، إدلب"، 17 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):

 https://drive.google.com/drive/folders/0B9mAVSIoeDcPNFRKY1MzejNxV3c

يُشار إلى أن المكتب المركزي للإحصاء التابع للنظام يُقدِّر عدد سكان محافظة إدلب في عام 2016 بـ1445000 نسمة، وهو رقم يبدو أنه لا يشمل النازحين إلى المحافظة، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):  http://www.cbssyr.sy/yearbook/2017/Data-Chapter2/TAB-4-2-2017.pdf

 ([2]) وحدة المعلومات، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تقرير غير منشور، 8 مايو/أيار 2018.

([3]) وحدة التنسيق والدعم، "الكارثة في سورية: التهجير القسري من الغوطة الشرقية والقلمون"، 3 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول 9 مايو/أيار 2018).

https://goo.gl/oHLb94

([4]) حيث عملت الهيئة على تقسيم المحافظة إلى قطاعات ضمن كل قطاع عدد معين من المخيمات بحيث يكون لكل قطاع مدير ولكل مخيم إدارة خاصة به تعمل على إحصاء أعداد المهجرين واحتياجاتهم المختلفة داخل المخيم من سلع وخدمات تشمل الصرف الصحي والتعليم والصحة والطعام...إلخ، وترفع هذه الحاجيات إلى إدارة القطاع الذي بدوره يوصلها للهيئة العامة حيث تجتمع لديه لوازم ونواقص المخيمات في قطاعات المحافظة كافة، فيتم توجيه المنظمات الإغاثية حسب تلك المعلومات.

([5]) المركز السوري لبحوث السياسات، "مواجهة التشظي"، 11 فبراير/شباط 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018):

 https://goo.gl/b7ibW2

([6]) إحسان للإغاثة والتنمية، "تقييم الاحتياجات متعدد القطاعات في محافظة إدلب"، يناير/كانون الثاني 2017، تقرير غير منشور لدى المؤلف.

([7]) حسب تقدير وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، غير منشور، بالاعتماد على احتسابها باستخدام برنامج ال ArcGis بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2018.

([8]) حسب الموقع التركي: http://www.suriyegundemi.com/2018/05/09/9620/ تاريخ الدخول 9 مايو/أيار 2018.

([9])  حسب مقابلة مع مصدر خاص في إدلب لدى وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 8 مايو/أيار 2018.

([10])  اعتمد القرار 1378 على القانون الإداري 107 المتضمن معايير تقسيم الوحدات الإدارية بحسب عدد السكان في كل منطقة، كما اعتمد على الإحصاء السكاني للمكتب المركزي للإحصاء التابع لحكومة النظام للعام 2004 وتعديلاته للعام 2011 وفق معدل النمو السكاني في سوريا

([11]) يُقصد بالشخصية الاعتبارية تمتع الوحدة الإدارية بالذمة المالية المستقلة والأهلية القانونية للقيام بالتصرفات القانونية المختلفة كإبرام العقود وحق التقاضي أمام القضاء وإمكانية مقاضاتها من الغير، والموطن المستقل عن الأفراد المكونين لها، ووجود شخص يعبِّر عن إرادة هذه الوحدة ويتصرف باسمها ويمثلها، إضافة إلى تمتعها بالمسؤولية المدنية والإدارية الكاملة

([12]) منظمة التنمية المحلية، 17 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018): https://bit.ly/2s2Uv8H

([13]) تم تصنيف "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية من طرف الولايات المتحدة الأميركية بتاريخ 10 مارس/آذار 2017، موقع وزارة الخارجية، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018): https://www.state.gov/j/ct/rls/rm/273854.htm

وانظر موقع السفارة الأميركية في دمشق، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2018) إضغط هنا.

([14]) التقرير الأولي غير منشور بتاريخ 8 مايو/أيار 2018.

([15]) إيران: هدفنا القادم إدلب والوجود العسكري الأميركي لن يبقى شرق الفرات، موقع روسيا اليوم، تاريخ النشر: 13 أبريل/نيسان 2018: goo.gl/xmrxxc

 

التصنيف أوراق بحثية

منذ وصوله للحكم في العام 2002، يدرك جيداً حزب العدالة والتنمية الدور الكبير للجيش التركي في الحياة السياسية، والحساسية العالية لهذا الجيش تجاه الإسلاميين ووصولهم للحكم، بالمقابل يعي الجيش التركي ميل العدالة والتنمية لتقليص نفوذه في الحياة السياسية؛ لذلك لم تخلو العلاقة بين الطرفين من المناكفات والأخذ والجذب طيلة 14 عام من حكم العدالة والتنمية، وبناءً عليه تحاول هذه الورقة التحليلية، الإجابة على السؤال الرئيسي التالي كيف يمكن تفسير هذا التحرك الانقلابي من قبل مجموعة من الجيش التركي؟، وماهي تداعيات فشله على السياسية التركية الداخلية، وخارطة علاقاتها الخارجية.

مقدمة

أقدمت مجموعة من الجيش التركي في الخامس عشر من تموز الفائت على محاولة انقلابية كان مصيرها الفشل، المحاولة التي تعد الخامسة من نوعها منذ قيام الجمهورية التركية 1923، حيث سبقها أربعة انقلابات ناجحة كان أولها على الحكومة المنتخبة برئاسة، عدنان مندريس 1960، في حين كان الثاني في العام 1971 وهو ما عرف "بانقلاب المذكرة"، حيث تم بتوجيه أمر استقالة من الجيش إلى رئيس الحكومة، سليمان ديميريل دون استخدام القوة العسكرية، أما الثالث فقد كان أشدها دموية وحصل في العام 1980 وقاده الجنرال، كنعان إيفرين، ليطيح بالحكومة السادسة التي شكلها سليمان ديميريل، بينما سمّي الرابع بانقلاب" ما بعد الحداثة"، والذي جرى عام 1997 على حكومة حزب الرفاه برئاسة، نجم الدين أربكان، أول رئيس وزراء في تركيا بتوجه إسلامي صريح، حيث عقب هذا الانقلاب تم حظر حزب الرفاه واعتقلت قياداته بما فيهم أربكان ورئيس بلدية اسطنبول آنذاك، رجب طيب أردوغان .
ولعل الانقلابات الأربعة التي سبقت انقلاب تموز الفاشل تشترك بمجموعة من النقاط أهمها:

•    الذريعة الدائمة للانقلابات هي حماية المبادئ الأتاتوركية التي قامت عليها الجمهورية التركية وعلى رأسها العلمانية، كون الجيش التركي ومنذ تأسيس الجمهورية اضطلع دستورياً بدور الحامي للجمهورية وقيمها.
•    الظرف السياسي والاقتصادي السابق للانقلابات كان مهيأ، من حيث وجود ركود وتراجع في المؤشرات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدني مستوى المعيشة، بالإضافة لحالة من الفوضى السياسية والصراعات بين الأحزاب التي كانت في بعض الحالات دموية كما في انقلابي 1971 و1980، الأمر الذي كان يساهم بخلق حاضنة شعبية للانقلاب.
•    قيادة الانقلابات كانت تشتمل على كبار الضباط في الجيش التركي، بالإضافة إلى الوحدات التي تمثل القوة الضاربة لهذا الجيش، وخصوصاً الجيش الأول التركي، وهو الأكثر تعصباً للقيم العلمانية داخل الجيش.
•    وجود غطاء ومباركة دولية للانقلابات، وبخاصة من شركاء تركيا في حلف الناتو الذين يرغبون بالحفاظ على الصورة التي تخدم مصالحهم للجمهورية التركية، كدولة علمانية تقف في وجه الامتداد الإسلامي خاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في طهران، وفي وجه تمدد الاتحاد السوفييتي سابقاً في الشرق الأوسط ومن بعده روسيا.

ومنذ وصوله للحكم في العام 2002، أدرك جيداً حزب العدالة والتنمية الدور الكبير للجيش التركي في الحياة السياسية، والحساسية العالية لهذا الجيش اتجاه الإسلاميين ووصولهم للحكم، لذا حاول على امتداد الأربعة عشر عاماً الماضية إجراء تغييرات تشريعية ودستورية تخفف من سيطرة هذا الجيش على الحياة السياسية، تحت غطاء تلبية متطلبات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي مستفيداً في هذا الإطار من كون الاتجاه نحو الغرب هو مطلب أتاتوركي ويلقى تأييداً من كل أطياف الشعب بمن فيهم العلمانيين والليبراليين.

بالمقابل كان الجيش التركي يعي جيداً هذا الميل لتقليص نفوذه من قبل حزب العدالة والتنمية، لذلك لم تخلُ العلاقة بين الطرفين من المناكفات والتجاذبات طيلة الفترة الماضية من حكم العدالة والتنمية، لكن الإنجازات التي حققها العدالة والتنمية خلال زمن قياسي، والتي تمثلت بنهضة حقيقية على مستوى الاقتصاد والبنية التحتية والصحة والتعليم والعلاقات الخارجية لتركيا، وقفت في وجه أي محاولة من قبل الجيش للإطاحة به، وذلك بسبب التأييد الشعبي الكبير للحزب داخلياً والارتياح الأمريكي لتجربة العدالة والتنمية كحزب إسلامي وسطي يشكل نموذجاً للإسلاميين الذين تبحث عنهم الولايات المتحدة الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 .

بناءً عليه تحاول هذه الورقة التحليلية الإجابة على السؤال الرئيسي التالي: كيف يمكن تفسير هذا التحرك الانقلابي من قبل مجموعات داخل الجيش التركي؟ وماهي تداعيات فشله على السياسية التركية الداخلية وخارطة علاقاتها الخارجية؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيسي مجموعة من الأسئلة الفرعية، كالتالي:

1.    ما هي الظروف التي هيأت مناخاً مناسباً للتحرك من وجهة نظر الانقلابيين على الصعيدين الداخلي والخارجي؟
2.    هل فعلاً كان هذا الانقلاب مفاجئاً وغير متوقع بالنسبة للحكومة التركية؟
3.    ما هي أسباب فشل هذا الانقلاب؟
4.    هل يعتبر رد فعل الحكومة التركية غير مسبوق ومبالغ فيه؟
5.    ما هي انعكاسات تلك المحاولة على صعيد السياسة الداخلية والخارجية التركية؟

أولاً: العلاقة بين الجيش وحكومة العدالة والتنمية

يبدو أن لبعض عناصر الجيش التركي أسبابها لحمل الضغينة تجاه حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان. فعلى مدار التاريخ التركي، تمتع الجيش بسطوة كبيرة على الشؤون السياسية في البلاد، وقد نفذ أربع انقلابات عسكرية، مُجبراً السياسيين على الاستقالة وتعامل مع نفسه دائماً على أنه الحارس الأوحد للديمقراطية العلمانية، والذي لا يخضع للمُساءلة.

ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2002، انبرى حزب العدالة والتنمية لتقليص النفوذ السياسي للجنرالات، ولتحقيق شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث شرعت أنقرة بإجراءات لجعل الجيش خاضعاً بشكل أكبر للسلطة المدنية. وقلصت صلاحيات المحاكم العسكرية لصالح المزيد من الصلاحيات للمحاكم المدنية فأصبحت الحكومة تلعب دوراً أكثر فاعلية في تعيين القادة الكبار للجيش. وفي أبريل/نيسان 2007، تعرض الجيش لضربة قوية بعد أن نشر على صفحته الإلكترونية إنذاراً سُمي فيما بعد بـ "الانقلاب الإلكتروني"، يُحذر فيه حزب العدالة والتنمية من مغبة دعم عبد الله غول المعروف بانتمائه التقليدي للتيار الإسلامي، والذي تلبس زوجته الحجاب في انتخابات الرئاسة.

أثار الأمر حينها حفيظة حزب العدالة والتنمية وأنصاره ودفعهم إلى تأكيد موقفهم وإيصال غول إلى منصب الرئاسة. وهكذا فمن خلال محاولته التدخل ضد الحزب ذو الجماهيرية الكبيرة عرض الجيش نفوذه لضربة قاسية، وفي أقرب انتخابات بعد "الانقلاب الإلكتروني" ازداد التصويت لحزب العدالة والتنمية بنسبة 13%.

وفي العام 2008، أطلق حلفاء الحكومة في جهاز القضاء من أنصار فتح الله غولن تحقيقات واسعة حول أنشطة ضباط الجيش في قضية " أرغينيكون" وقضية "المطرقة"، والتي اتهم فيها بعض عناصر الجيش بتدبير انقلاب ضد حزب العدالة والتنمية، حيث جرى حبس العشرات من الجنرالات وتم احتجاز المئات من المسؤولين العسكريين المُتقاعدين.

وفي سبتمبر/ أيلول من العام 2010 أجرت الحكومة التركية، استفتاءً على تعديل بعض بنود الدستور التركي القائم حالياً، والذي وصفه الرئيس أردوغان بـ"دستور الانقلابيين"، باعتبار أن من شرعه في 1982 هم قادة الانقلاب العسكري الثالث بزعامة كنعان إفرين. وتضمنت تلك التعديلات حزمة متعلقة بتقليص سلطة الجيش، وهيئة الأركان، والمحاكم العسكرية، والقوى القومية التركية المتشددة على الحياة السياسية، والمدنية الاجتماعية، لصالح تمكين السلطة السياسية المدنية والمؤسسات المدنية للدولة، وعدم جواز مقاضاة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في غير زمن الحرب، وحصر مهام المحاكم العسكريّة بالنظر في العمليات العسكرية والعسكريين. والأهم كان تعديل المادة 15 التي كانت تحصن الانقلابيين من المحاكمة، حيث تم تعديلها بأثر رجعي، الأمر الذي أدى لمحاكمة قادة انقلاب 1980 في عام 2012، وقادة انقلاب 1997 في 2013.

تُوج الصراع بين الحزب والجيش بالاستقالة الجماعية للمجلس العسكري التركي الأعلى في أواخر يوليو/تموز 2011، الاستقالة التي اعتبرت آنذاك علامة فارقة على استسلام الجيش للمدنيين، وفي أغسطس/آب 2013 عينت الحكومة قادة جدداً للجيش في إطار تغييرات شاملة في القيادات الكبرى تؤكد سيطرتها على القوات المسلحة، وقدرتها على تحجيم دور الجيش الذي ظل يهيمن خلال حقبة طويلة على الحياة السياسية في البلاد. وقرر مجلس الشورى العسكري الأعلى -في اجتماع ترأسه رئيس الوزراء أردوغان-تعيين الجنرال خلوصي أكار قائدا للقوات البرية، وتعيين نائب الأميرال بولنت بستان أوغلو قائداً للقوات البحرية، والفريق أكين أوزترك قائداً للقوت الجوية، والجنرال ثروت يوروك قائداً لقوات الأمن.

بعد ذلك الحين ظهرت عدة مؤشرات تدل على ابتعاد الجيش عن الحياة السياسية، وخضوعه لسلطة الحكومة المدنية المنتخبة، ولعل أصدق تعبير عن تلك الحالة كان في ديسمبر/كانون الثاني 2013، حيث تعهد الجيش بعدم التدخل فيما وُصف بأنه "فضيحة فساد" تتعلق بالحكومة، دعت بسببها المعارضة جماهيرها إلى تنظيم مظاهرات للمطالبة برحيل الحكومة. وأكدت القوات المسلحة التركية أنها "ستحرص بشدة على تفادي الجدل السياسي وتبعد نفسها عن أية آراء وتشكيلات سياسية". ثم مرر البرلمان التركي في شباط فبراير 2014 تعديلات جديدة على قانون الجيش صادق عليها رئيس الجمهورية عبد الله غل. ويقضي أبرز هذه التعديلات بفتح الطريق أمام إمكانية محاكمة رئيس هيئة الأركان العامة وقادة القوات المسلحة وقوات الدرك أمام محكمة الديوان العليا بدل المحكمة الجنائية، في حال ارتكابهم جرائم تتعلق بمناصبهم، الأمر الذي يعني تطويق الحكومة المدنية لأي إمكانية لانقلاب الجيش عليه.، وتمت ترجمة حالة الهدوء في العلاقة بين الجيش والحكومة إلى جملة من أحكام البراءة صدرت عن المحاكم التركية في عامي 2014-2015 بحق ما يقارب 300 ضابط، اتهموا بالتآمر ومحاولة الانقلاب على حكومة العدالة والتنمية في قضايا "أرغنيكون" و" المطرقة".

ما استعرضناه من سياق العلاقة بين حكومة العدالة والتنمية والجيش التركي، يشير إلى حالة من عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين، اتسمت بمحاولات احتواء دور الجيش في الحياة السياسة وإعادته إلى دوره الطبيعي في حماية الحدود فقط من جانب الحكومة، مقابل حالة من عدم القبول والمقاومة المستمرة من قبل الجيش -الذي يعتبر نفسه الحامي للمبادئ العلمانية-لخسارة موقعه المسيطر على المشهد السياسي التركي.

لذا فإن الجيش التركي وإن بدا بمجمله قد رضخ للحكومة وابتعد عن التدخل في الشأن الداخلي، إلا أن انقلاب تموز الفاشل قد بين وجود مجموعة داخل هذا الجيش ترفض هذا الخضوع، وأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة للانقلاب على حكومة العدالة والتنمية وإعادة الحالة التركية إلى ما كانت عليه قبل العام 2002، مدفوعين على ما يبدو بقناعة أن ما تعيشه تركيا من حالة عزلة خارجية وتوترات داخلية قد يخلق لهم غطاءً دولياً للانقلاب.

ثانياً: الوضع الخارجي والانعطافة الخاطفة (رفع الغطاء الدولي)

يبدو أن الانعطاف الخاطف في العلاقات الخارجية التركية، والذي سبق الانقلاب بفترة وجيزة؛ كسر من حالة العزلة التي كانت تعيشها الحكومة التركية، وحرم الانقلابيين من استغلالها كغطاء دولي لتحركهم، لذا من الأهمية بمكان دراسة هذا الانعطاف والتحول كمرحلة سابقة للانقلاب، وأساس لاستشراف التحولات التي ستشهدها السياسة التركية الداخلية والخارجية بعده، فبقدر ما كان الانقلاب الفاشل في تركيا 15تموز 2016 مفاجئاً؛ بقدر ما كانت بعض أسبابه مفسرة للتحول في السياسة الخارجية التركية الذي حدث قبل أسبوعين فقط، والذي تمثل بحدثين هامين جداً:

الأول: المرونة التي أبداها الرئيس رجب طيب أردوغان فيما يتعلق بالمطالب الروسية لإعادة العلاقات بين البلدين إثر الخلاف حول إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا.

 الثاني: تسوية الخلاف مع إسرائيل المتعلق بسفينة مرمرة وإبداء مرونة حول شرط رفع الحصار عن غزة لإعادة تطبيع العلاقات تدريجياً مقابل الاعتذار والتعويض لذوي الضحايا.

إن تلك المصالحات المفاجئة والمتزامنة الحدوث بفارق يوم واحد كانت صادمة للجميع، حيث اقتصرت معظم التحليلات التي تناولتها على ربطها بحالة العزلة الدولية التي باتت تعيشها تركيا مع ازدياد أعدائها بعد أزمة الطائرة الروسية، وحالة الجفاء والفتور بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تضارب وجهات النظر حول الأزمة السورية، وانقطاع العلاقة مع مصر بعد انقلاب السيسي، ومع العراق على خلفية محاولة دخول الجيش التركي إلى شمال العراق، وتوتر العلاقات التركية الإيرانية بسبب الملف السوري وتقارب تركيا مع السعودية، بالإضافة إلى تعرقل تطبيق اتفاق أنقرة مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين، والذي كان يمكن أن يشكل أحد بنوده والمتعلق بإعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي خطوة باتجاه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بحيث باتت تركيا تتجه نحو صفر أصدقاء بدل من صفر مشكلات وهي الاستراتيجية المعلنة لحزب العدالة والتنمية منذ وصوله للحكم.

ولكن لم يكن متوقعاً أن تنعكس تلك الأزمات على الداخل التركي، والتي تمثلت بتحدٍ اقتصادي نتيجة العقوبات التي فرضتها موسكو على المنتجات التركية وتعليق بعض الاتفاقيات الهامة المتعلقة بالطاقة بين البلدين، إضافة لارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية التي ضربت المدن التركية الكبرى (أنقرة واسطنبول) وانهيار اتفاق التهدئة مع حزب العمال الكردستاني وعودة الاضطرابات إلى محافظات الجنوب التركي وخسائر القوات التركية التي تجاوزت الخمسمائة جندي خلال عام، وازدياد احتمالات تشكل إقليم كردي في سورية قد يصل ببعض الضباط الأتراك للانقلاب.

إلا أن ما رشح من معلومات حول الانقلاب يشير إلى أن هذا التحرك العسكري كان ضمن حسابات الحكومة التركية، وأنها باغتته بتغييرات على صعيد السياستين الداخلية والخارجية ساهمت بإحباط إمكانية استغلال الانقلابيين لتوتر العلاقات الخارجية التركية وإشكاليات السياسة الداخلية بين حزب العدالة والتنمية وأحزاب المعارضة بأطيافها المتنوعة لتشكيل غطاء شرعي للانقلاب، مما جعل الانقلاب حركة ارتجالية من ضباط تحت المراقبة غامروا بالتحرك كخيار أخير، قبل أن يتم اجتثاثهم في اجتماع مجلس شورى الجيش التركي المقرر بعد شهر من تاريخ الانقلاب. وضمن هذا السياق يمكن فهم سبب عزم حكومة بن علي يلديريم على إعادة هيكلة العلاقات الخارجية التركية والعودة إلى سياسة صفر مشاكل، لرفع أي غطاء دولي محتمل لأي تحرك عسكري متوقع داخل صفوف الجيش.

إسرائيل وموسكو (الملفات متشابكة)

يشير حرص تركيا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والذي أنهى التوتر المتصاعد منذ عام 2010، بالتوازي مع تحسين العلاقات مع روسيا، إلى أنها تسعى إلى خلق فضاءات للمناورة في سياستها الخارجية، وهو ما يعود إلى اعتبارات عديدة، يرتبط بعضها بالتطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الداخلية التركية، ويتعلق بعضها الآخر بالتداعيات التي فرضتها تلك السياسة على مصالح تركيا التي تواجه تحديات عديدة خلال الفترة الحالية في ظل تصاعد العمليات الإرهابية في بعض المدن الرئيسية واستمرار الأزمة السورية دون تسوية.

قد يفسر اتجاه تركيا نحو تسوية المشكلات العالقة مع كل من روسيا وإسرائيل في وقت واحد في ضوء اعتبارات عدة، نذكر أهمها:

أولاً: احتواء المشكلات

تسعى أنقرة إلى العودة من جديد لتبني سياسة تقليل الأعداء مع بعض القوى المعنية بأزمات الشرق الأوسط، بعد أن تصاعدت تلك الإشكالات بدرجة غير مسبوقة، سواء مع روسيا بسبب أزمة إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر 2015، أو مع إسرائيل بسبب أزمة الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية" في عام 2010، أو مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الخلاف حول التعامل مع تطورات الأزمة في سورية، لاسيما فيما يتعلق بالموقف من دور الميليشيات الكردية في الحرب ضد تنظيم "داعش" ومن إقامة منطقة آمنة في شمال سورية، أو مع إيران التي تتباين مصالحها وسياستها مع تركيا بشكل كامل في سورية. وقد انعكس هذا التوجه الجديد الذي تتبناه أنقرة في تصريحات رئيس الوزراء، بن علي يلدرم، والتي أكد فيها أن "تركيا تسعى إلى تقليص الأعداء وزيادة الأصدقاء"، هذا التصريح تحديدًا يشير إلى حرص يلدرم على انتهاج سياسة جديدة تعيد فتح علاقات توترت سابقاً من خلال "تصفير المشكلات" مع دول الجوار، والتي بدا أنها واجهت عقبات عديدة بسبب تحول أنماط علاقات تركيا مع معظم تلك الدول من التعاون إلى الصراع والخلاف في الأعوام الأخيرة.

ثانياً: تقليص وتفكيك حجم الضغوط

تعرضت تركيا لعدة ضغوطات بسبب سياستها الخارجية، لا سيما تجاه الأزمة السورية، حيث بدا جلياً أن الأكراد حاولوا استثمار التوتر التركي –الروسي من أجل الحصول على مكاسب سياسية من أنقرة. وقد كان إسقاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني لمروحية تركية بصاروخ روسي الصنع في مايو 2016، فضلاً عن التقارب الملحوظ بين روسيا والأكراد، والذي انعكس في الزيارات التي قام بها بعض المسؤولين الأكراد إلى موسكو، إشارة إلى التداعيات السلبية التي يمكن أن ينتجها استمرار التوتر في العلاقات بين أنقرة وموسكو، وبعبارة أخرى، فإن أنقرة سعت من خلال تقليص حدة التوتر في العلاقات مع موسكو، إلى فرض مزيد من الضغوط على الأكراد، في ظل الصراع المتصاعد بين الطرفين، سواء بسبب اتهام تركيا للأكراد بممارسة أنشطة إرهابية، أو بسبب مخاوفها من احتمالات تعزيز دورهم في سورية في ظل الدعم الدولي الذي تحظى به بعض الميليشيات الكردية بسبب دورها في الحرب ضد "تنظيم الدولة الاسلامية". ومثل ذلك بدوره محوراً للخلاف مع بعض القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترى أن الدور الذي تقوم به الميليشيات الكردية حيوي في إلحاق أكبر قدر من الخسائر في صفوف التنظيم. وقد كانت تلك المخاوف سبباً في الجهود الحثيثة التي بذلتها أنقرة من أجل منع الأكراد من المشاركة في المفاوضات التي تجري بين النظام السوري ووفد المعارضة في جنيف للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، والتي توقفت في الفترة الحالية بسبب استمرار الملفات الخلافية العالقة بين الأطراف المعنية بالأزمة.

ثالثاً: التنسيق السياسي الأمني

تسعى تركيا إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والأمني مع كل من روسيا وإسرائيل في التعامل مع تطورات الأزمة السورية، خاصة في ظل الأهمية التي تبديها موسكو وتل أبيب لتلك الأزمة، حيث تحولت الأولى إلى طرف رئيسي في الصراع بعد رفع مستوى انخراطها العسكري والسياسي في الأزمة، فيما تتابع الثانية بدقة تطورات المواجهات المسلحة بين النظام السوري وحلفائه، لا سيما حزب الله اللبناني، وقوى المعارضة المسلحة إلى جانب نشاط التنظيمات الإرهابية، خاصة "تنظيم الدولة ".

وهنا، فقد تعتبر أنقرة أن تحسين العلاقات مع كل من موسكو وتل أبيب يمكن أن يساعدها بإعادة تفعيل دورها في "الأزمة" السورية، الذي تراجع في الفترة الماضية، بسبب اتساع نطاق الخلاف مع واشنطن حول الموقف من الدور الكردي في الحرب ضد "تنظيم الدولة" وإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، فضلاً عن اتجاه واشنطن إلى التفاهم مع موسكو حول الوصول إلى تسوية سياسية "للأزمة" بشكل، ربما ينتج تداعيات لا تتوافق بدرجة ما مع مصالح أنقرة. فضلاً عن ذلك، فإن رفع مستوى التنسيق السياسي والعسكري من خلال تحسين العلاقات مع موسكو وتل أبيب يمكن أن يساعد أنقرة في التعامل مع التهديدات التي تتعرض لها بسبب تصاعد حدة العمليات الإرهابية التي تقع داخل المدن التركية الرئيسية مثل اسطنبول وأنقرة.

رابعاً: المصالح الاقتصادية

كان للمصالح الاقتصادية دورها في اتجاه تركيا إلى تحسين العلاقات مع روسيا وإسرائيل، حيث بدا واضحاً أن التوتر في العلاقات مع موسكو فرض خسائر عديدة على الاقتصاد التركي بسبب تراجع السياحة الروسية وتقييد استيراد المواد الغذائية من تركيا، في الوقت الذي عاني فيه الاقتصاد من تحديات عديدة، لا سيما وأن روسيا تزود تركيا بأكثر من 70% من وارداتها من الغاز الطبيعي وبأسعار تفضيلية، الأمر الذي يجعل من الصعب على الأتراك إيجاد بدائل عن الغاز الروسي. إضافة إلى ذلك يلحظ ارتباط الطرفين بمشاريع استراتيجية مثل العقد الروسي لإنشاء محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بقيمة 20 مليار دولار في مدينة مرسين التركية، وخط السيل التركي الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، والذي يعد استراتيجياً لروسيا بقدر ما يخدم المصلحة التركية بالتحول إلى ممر لنقل الطاقة إلى أوروبا. وهنا يلعب الغاز الإسرائيلي المكتشف حديثاً في حقول البحر المتوسط دوراً في حاجة الطرفين التركي والإسرائيلي إلى تصفية الخلافات بينهما، كون تركيا ترغب باستيراد الغاز الإسرائيلي لتنويع مصادرها. وبالمقابل تعتبر إسرائيل السوق التركية سوقاً واعدة ومغرية بالنسبة لها، كما تحاول تركيا استجرار الصادرات الإسرائيلية من الغاز للمرور عبر أراضيها، لقطع الطريق على المشروع الذي تعتزم إسرائيل إقامته بالتعاون مع قبرص واليونان لمد خط أنابيب ينقل غاز إسرائيل وقبرص عبر البحر إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا، وهو ما تم الاتفاق بين الدول الثلاثة على تشكيل لجنة لدراسته عقب اجتماع جمع قادة البلدان في كانون الثاني/يناير 2016.

ثالثاً: الوضع الداخلي (مؤشرات)

منذ وصوله للحكم في العام 2002، استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق نقلة نوعية شاملة في تركيا على صعيد الاقتصاد التركي والبنية التحتية والصحة والتعليم والعلاقات الخارجية من حيث الانفتاح على المنطقة العربية وإنجاز العديد من الشروط اللازمة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي وسع من قاعدته الشعبية وزاد من حجم التأييد له في الشارع التركي، مما انعكس في قدرته على البقاء في السلطة لمدة 14 عاماً. ولكن ومع بداية الربيع العربي في العام 2011 وانخراط تركيا كداعم واضح لتطلعات الشعوب، وخاصة الثورة السورية، بدأت تظهر بعض المؤشرات المعارضة للسياسة التي ينتهجها العدالة والتنمية في الأوساط السياسية والعسكرية نتيجة الأعباء التي تركتها سياسة الانخراط في الشرق الأوسط على الوضع الداخلي التركي. لذلك يبدو أن انعكاس أزمات تركيا الخارجية على الوضع الداخلي بشكل أزمات مركبة (سياسية، أمنية، اقتصادية)، شكل مؤشرات وثغرات يبدو أن الانقلابيين التقطوها وتصوروا بأنها يمكن أن تعطي لتحركهم زخماً شعبياً وغطاءً شرعياً.

ويمكن إجمال أبرز توترات الوضع الداخلي التركي خلال السنوات الخمس الماضية في النقاط التالية:

•    "الأزمة" السورية: عاد الملف السوري بتداعيات عدة على حكومة العدالة والتنمية، حيث رتب أعباء مالية على كاهل تركيا، فعلاوة على الاستنزاف المادي بسبب التكلفة الباهظة لدعم المعارضة المسلحة ولصد طموحات حزب العمال الكردستاني في سورية، تحملت أيضاً تكلفة باهظة لإيواء 3 ملايين من اللاجئين السوريين.
•    الصعود الإسلامي: يُعد توجه تركيا نحو العالم العربي والإسلامي سياسياً واقتصادياً قُبيل أحداث الربيع العربي أحد أسباب الاحتقان الداخلي بين أحزاب المعارضة وجماعة غولن مع حزب العدالة الحاكم. وتتهم أحزاب المعارضة حزب العدالة بأنه دعم أحزاباً إسلامية للوصول للحكم في دول عربية بما يُعتبر لدى البعض مؤشرات داخلية خطرة على علمانية الجمهورية التركية. كما أن دور تركيا في دعم التحالف الإسلامي على الإرهاب الذي دعت إليه السعودية وغيره من المبادرات مع الدول المسلمة تم تصديره بأنه ابتعاد عن الحليف الأمريكي والأوروبي، ولا يخفى أن هذه المواقف لاقت إعجاباً وتأييداً من بعض الأطراف الغربية. كما أن "الخطاب الإسلامي" المتزايد للحزب وانفتاحه المتزايد مع الحركات الإسلامية في الدول العربية أدى لمزيد من الاحتقان الداخلي.
•    الاحتجاجات الشعبية: في الثامن والعشرين من أيار 2013 اندلعت في تركيا موجة من الاحتجاجات الشعبية على تعامل أجهزة الأمن التركية مع اعتصام قريب من "حديقة غيزي "، يناهض سياسات الحكومة البيئية وخطتها في توسيع ساحة تقسيم في تلك المنطقة. إلا أنّ ما أجّج تلك الاحتجاجات هو الدعاية التحريضية التي استغلتها المعارضة التركية حول ما يرونه تضييقاً على الحريّات، و"فضائح الفساد التي طالت حزب العدالة والتنمية نفسه وعدداً من وزرائه، وتزايدِ سطوة الحزب الحاكم وتهديد مبادئ الدولة التركية العلمانيّة وغير ذلك".
•    النظام الرئاسي: طرح الرئيس رجب طيب أردوغان تحويل النظام التركي إلى نظام رئاسي، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الأصوات المعارضة لهذا الطرح في الشارع التركي، وانعكس ذلك في نتائج انتخابات حزيران/ يونيو 2015 والتي لم يتمكن فيها الحزب من الحصول على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده، حيث حاز على 41% من الأصوات فقط، وترافق ذلك بصعود نجم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
•    أزمات اقتصادية: كان لتوتر علاقات تركيا مع محيطها الإقليمي، ودخولها في صدامات دبلوماسية مع روسيا بعد إسقاطها لطائرة روسية على الحدود التركية السورية، وتعرضها لعقوبات روسية آثار صعبة على الاقتصاد التركي، من حيث تراجع السياحة والصادرات التركية وارتفاع نسبة التضخم، الأمر الذي انعكس على المستوى المعيشي للمواطن التركي.
•    توترات حزبية: ظهرت تجاذبات داخل حزب العدالة والتنمية كانت تتفاعل منذ فترة ليست بالقصيرة، بين طرفين داخل الحزب، طرف يمسك بزمام الأمور، يتلقى التوجيهات من الرئيس رجب طيب أردوغان بشكل مباشر، وطرف آخر أقل حجماً وأضعف تأثيراً يلتف حول رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، وانتهت تلك التوترات بغياب عبد الله غول عن المشهد السياسي واستقالة أحمد داوود أوغلو.
•    الحريات العامة: ارتفعت وتيرة حملات منظمة ضد الحكومة التركية ترفع ادعاءات قمع الحريات العامة من قبل منظمات حقوقية وصحفية، وبلغت تلك الحملات أوجها في قضية محاكمة الصحفي جان دوندار في أيار/مايو 2016، والتي حضرها ستة من قناصل الدول الأوروبية في خطوة استفزازية للحكومة التركية تعبر عن احتجاج غربي على تلك المحاكمة.
•    التهديد الأمني: انهيار اتفاق الهدنة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، واستئناف الأخير لعملياته الإرهابية الموجهة ضد الجيش التركي، والتي أدت إلى قتل مئات الجنود الأتراك، بالإضافة لإعلان داعش عن تبني العديد من الهجمات الإرهابية على الأراضي التركية، الأمر الذي أدى إلى تشكل حالة من القلق في الشارع التركي نتيجة ما يراه البعض تقصيراً أمنياً داخل الجيش التركي والأحزاب التركية المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري حول الأخطاء التي ترتكبها الحكومة في تعاطيها مع الملف السوري.

لقد عمل حزب العدالة على إجراء العديد من المراجعات الداخلية لمحاولة احتواء التوترات الداخلية ومعالجة أسبابها سواء المفتعلة من جهات مصلحية أو دولية أو الحقيقية -وخاصة بعد انتخابات حزيران/يونيو 2015-، والتي من شأنها سحب المبررات الموجبة لأي انقلاب محتمل. ومن أبرز الإجراءات الداخلية:

1.    إدراك حزب العدالة والتنمية لما حملته نتيجة انتخابات حزيران/يونيو 2015 من مضامين، وتنامي أطروحات تشكيل حكومة ائتلافية جامعة. فدخل مع باقي الأحزاب في مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية، واستغلّ جيّداً إعلان حزب الحركة القومي اليميني عن رفضه المشاركة في حكومة ائتلافية مع "العدالة والتنمية"، وهو ما فعله حزب الشعوب الديموقراطي، وكذلك حزب الشعب الجمهوري، الذي قدّم مطالب وشروطاً شبه تعجيزية. وقدم حزب العدالة والتنمية نفسه بصفته الحزب الوحيد القادر على قيادة تركيا وتوحيد الصف الداخلي، وإعادة الاستقرار السياسي الاقتصادي الأمني لها، متّهماً أحزاب المعارضة بالمسؤولية عن حالة عدم الاستقرار لرفضها تشكيل ائتلاف مستقر.
2.    غيّر حزب العدالة والتنمية كذلك تكتيكاته واستراتيجيته الانتخابية بالكامل، حيث أعاد تشكيل لائحة مرشحيه، لتكون أكثر قبولاً، خصوصاً في المناطق الكردية، وأنجز تفاهمات مع زعماء العشائر وقادتها.
3.    قاد رئيس الوزراء زعيم الحزب، أحمد داود أوغلو الحملة الانتخابية للحزب، وغاب الرئيس رجب طيب أردوغان عن واجهة الحملة، كما تم إبعاد بند النظام الرئاسي المثير للجدل عن جدول الأعمال، تلك الإجراءات ساهمت بازدياد شعبية الحزب التي تراجعت في انتخابات يونيو خلال خمسة أشهر فقط لترتفع بمعدل 9% في انتخابات نوفمبر 2015 ليحصد الحزب 317 مقعداً من أصل 550 مقعداً في البرلمان التركي، مع تراجع شعبية باقي الأحزاب.
4.    قدرة قيادة حزب العدالة والتنمية على تصفية الخلافات داخل الحزب بهدوء وعبر التفاهمات، وعدم تصدير تلك الأزمة إلى خارج نطاق الحزب، حيث ظهر الحزب موحد الصفوف وصعب التفتيت من الداخل، الأمر الذي عبر عنه رئيس الحزب المستقيل داوود أوغلو في كلمته الشهيرة 5 مايو /أيار 2016 التي أعلن فيها عدم ترشحه لرئاسة الحزب.
5.    تعيين بن علي يلدرم رئيساً للحكومة، وهو "رائد التنمية ومهندس تطوير البنية التحتية التركية"، في رسالة تثبت التزام حزب العدالة والتنمية بخطته التنموية وصولاً إلى تحقيق رؤيته لتركيا 2023، وقد بدأ يلدرم منذ الأيام الأولى لتوليه الحكومة بطرح مشروعات تنموية خاصة في الولايات ذات الأغلبية الكردية، وأعلن عن تقريب مواعيد افتتاح بعض المشروعات الاستراتيجية مثل مشروع نفق أوراسيا.

رابعاً: الانقلاب الفاشل ورد فعل الحكومة

شكلت جملة العوامل الداخلية والخارجية على ما يبدو مجالاً يمكن استغلاله للانقلاب على حكومة العدالة والتنمية، والتي تشير عدم قدرتها على كشف الموعد الدقيق لتحرك الانقلابيين مسبقاً؛ إلى أنها أمِنَت في الفترة الأخيرة جانب الجيش. ولعل تأجيل تسريح بعض الضباط المشكوك فيهم إلى آب/أغسطس موعد انعقاد المجلس الأعلى للقوات التركية قد يدلل على ذلك، ومنهم قائد الانقلاب أكين أوزتورك الجنرال الذي أقيل من رئاسة القوات الجوية التركية، ولكنه بقي عضواً في المجلس الأعلى، لذا يبدو أنه اختار التحرك في هذا الوقت.

بالمقابل يبدو أن الانقلابيين غاب عنهم دراسة مزاج الشارع التركي وهو أمر معتاد في تعاطي العسكر مع المدنيين، لذا استخدموا الوسائل التقليدية للانقلاب ونزلت الدبابات إلى الشوارع وتمت السيطرة بالقوة على وسائل الإعلام، وأذيع البيان الأول للانقلابيين، موجهين عبره رسالتين الأولى: كانت للداخل التركي وتمحورت حول حماية قيم الجمهورية والعلمانية. والثانية: كانت للخارج وحملت إشارات لتغيير السياسة الخارجية التركية، حيث تم التعبير عن رغبة الانقلابيين بتأسيس علاقات أقوى مع المنظمات والمجتمع الدوليين "لإحلال السلام والاستقرار العالمي"، ولعل تلك الرسالتين تدعمان ما تقدم من تحليل حول علاقة الظروف الداخلية والخارجية التي تمر بها تركيا وتوقيت تحرك الانقلابيين.

حسم الشعب التركي خياره ليلة الانقلاب ودافع عن خياره الديمقراطي وحكومته الشرعية، وأفشل المحاولة الانقلابية في موقف بطولي يعبر عن ديمقراطية راسخة ورفض العودة إلى عصر الانقلابات وعدم الاستقرار، لتبدأ بعدها قوات الأمن الداخلي التركية بتصفية فلول الانقلابيين، ومن يقف وراء تلك المحاولة الفاشلة من عسكريين ومنتسبين إلى ما يعرف بـ "جماعة الخدمة " أو "الكيان الموازي" التابع لفتح الله غولن، والذي اتهمته الحكومة التركية بالوقوف خلف تلك المحاولة. وشنت الشرطة التركية حملة اعتقالات طالت بحسب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب متلفز يوم السبت 23 تموز/ يوليو، " 13165 من بين هؤلاء 8838 عسكريا و2101 من القضاة والمدعين العامين و1485 من الشرطة، و52 من رؤساء الخدمة العامة و689 مدنيا"، وبحسب الرئيس" تم غلق 934 مدرسة و15 جامعة، إلى جانب 104 منظمات و1125 جمعية. وقد تمت مصادرة كل ممتلكاتهم من قبل الدولة" ، كمابلغ عدد من تسريحهم من وظائفهم 45 ألف موظف في مختلف المؤسسات التركية.

حملة الاعتقالات والتسريحات تلك رغم أنها تمت في سياق قانوني ودستوري إلا أنها أحدثت ضجة إعلامية كبرى، وأثارت عاصفة من التصريحات الأوروبية والأمريكية التي اعتبرت ما يحدث "عملية انتقامية" من طرف الحكومة، لكن رد فعل الأخيرة على الانقلاب والذي شكل فرصة لها لاجتثاث "الكيان الموازي" من جذوره، يلاقي تأييداً شعبياً في تركيا كونه لم يخرج عن إطار المألوف التركي في مثل هذه الحالات، فالاعتقالات والتسريح في المؤسسات العسكرية والمدنية هو ما كان يحدث عقب أي انقلاب في تركيا، والفارق هنا أن الانقلاب كان فاشلاً فقامت الحكومة بتلك الاعتقالات وليس العكس.

ففي الانقلاب الأول الذي شهدته تركيا في العام 1960 تم إقالة 235 قائداً وأكثر من 3000 ضابط مكلف على التقاعد؛ وتم تسريح أكثر من 500 قاض ونائب عام، و1400 من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات؛ وتم إعدام رئيس الحكومة عدنان مندريس ووزير الخارجية فطين زورلو ووزير المالية حسن بولاتكان. أما الانقلاب الثاني والذي عرف بانقلاب المذكرة، دون تدخل الجيش بقوات على الأرض، فقد أعقبه تعطيل الدستور وحظر للعديد من الأحزاب والنقابات العمالية والتنظيمات الشبابية.

وفي 1980 كانت حصيلة انقلاب كنعان إيفرين اعتقال 650 ألف شخص، ومحاكمة 230 ألف شخص، و517 حكماً بالإعدام، و299 حالة وفاة بسبب التعذيب، كما انتحر 43 شخصاً وقُتل 16أثناء هروبهم، واعتبر الآلاف في عداد المفقودين، ناهيك عن إقالة 3654 مدرساً و47 قاضياً و120 أستاذاً جامعياً، ورصدت الأجهزة الأمنية التابعة للانقلاب مليون ونصف مواطن تركي وقيدتهم في سجلات الأمن كمطلوبين أمنياً وخطر على الأمن القومي التركي، وفر 30 ألف شخص من المعارضين والمفكرين وطلبوا حق اللجوء السياسي خارج تركيا، وتم إسقاط الجنسية عن ما يقارب 13 ألف مواطن تركي.

في حين أعقب انقلاب "ما بعد الحداثة" عام 1997 حظر لحزب الرفاه بحكم قضائي وفقاً لقانون 1982 بتهمة "السعي إلى تطبيق الشريعة وإقامة النظام الرجعي"، وتم إيداع رئيس الحزب نجم الدين أربكان في السجن مع مجموعة من قادة حزبه ومنهم رجب طيب أردوغان، وحرمان بعضهم من العمل السياسي لمدة 5-10 سنوات.

خامساً: المآلات المحتملة

رغم فشل الانقلاب، إلا أنه سيشكل تحولاً كبيراً ومنعطفاً هاماً في الحياة السياسية التركية عامةً وفي مسيرة حزب العدالة والتنمية بشكلٍ خاص، وسيرتب عليه تسريع وتيرة التغيرات الداخلية والخارجية التي بدأها قبل الانقلاب؛ لاستدراك الأخطاء التي تم استغلالها من قبل الانقلابيين. وبناءً على ذلك يمكن استخلاص بعض النتائج التي ستتمخض عن تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، على صعيد السياسة التركية الداخلية والخارجية:

على الصعيد الداخلي:

1.    ستشهد الفترة المقبلة تركيز اً لجهود الحكومة التركية على استكمال ما بدأته فوراً عقب الانقلاب من عملية "اجتثاث" نهائي لما يسمى الكيان الموازي الموالي لفتح الله غولن، ومحاولات تطهير كافة المؤسسات التركية من أنصاره، وبخاصة القضاء والتعليم.
2.    استمرار عملية إعادة الهيكلة الشاملة للجيش وقوى الأمن الداخلي والشرطة التركية، والتي كانت بداياتها من اجتماع المجلس الأعلى للجيش التركي، والذي عُقد قبل موعده الرسمي بأيام.
3.    ازدياد شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه في الشارع التركي، الأمر الذي سيخلق غطاءً شعبياً للحملة التي يشنها على الكيان الموازي، ولكن هذا لا يمنع أن التوسع في الاعتقالات والتسريح من العمل، والذي طال عشرات الآلاف في المؤسسات التركية المختلفة قد يخلق حالة من الخلل الأمني أو المجتمعي في الأيام المقبلة ناتجة عن فقد الوظائف.
4.    موقف الأحزاب التركية الداعم للحكومة الشرعية والرافض للانقلاب، سيُساهم بتخفيف حدة التجاذبات والاستقطاب التي كانت سائدة بينها وبين العدالة والتنمية ويهيئ للدخول في مرحلة جديدة مبنية على أسس من التفاهم، وهذا سيتطلب من حزب العدالة والتنمية التعامل مع هذا الموقف الإيجابي بحذر من ناحية التغييرات الهيكلية التي سيجريها في الجيش والقضاء وباقي المؤسسات التركية كي لا تفهم باتجاه تعميق سيطرته على مرافق الدولة والحكم، كما تتطلب الأيام القادمة تأجيل أو التدرج في طرح تعديل النظام التركي وتحويله إلى نظام رئاسي، وهو ما ترفضه الأحزاب المعارضة جميعها.
5.    على الرغم من توجيه الجيش التركي ضربة جوية لمواقع حزب العمال الكردستاني في العراق بعد خمسة أيام على محاولة الانقلاب، في رسالة تحذيرية لعدم استغلال ما حدث في تصعيد هجماته، إلا أن حجم الاعتقالات الكبير الذي طال قيادات عسكرية وأمنية، مقابل إعادة هيكلة تلك المؤسسات؛ لا بد أن يلقي بظلاله على الوضع الأمني داخل تركيا على المدى القصير والمتوسط من حيث احتمال ازدياد عمليات حزب العمال الكردستاني و"داعش".

على الصعيد الخارجي:

سادت في تركيا بعد الانقلاب حالة من الخذلان على المستوى الشعبي والرسمي نتيجة للمواقف المتأنية في إدانة الانقلاب في لحظاته الأولى من كافة الدول تقريباً، وعلى رأسها حلفاء تركيا في الناتو (الأمريكان والأوربيون)، لذا فإنه من المتوقع أن تشمل إعادة الهيكلة حتى العلاقات الخارجية التركية، على أساس الانقلاب وما تلاه من مواقف للدول، وما سيرشح في الأيام القادمة حول احتمالات تورط بعض الدول في التخطيط للانقلاب، وعليه:

1.    لا يبدو أن حالة الفتور في العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية ستنتهي قريباً، خصوصاً بعد الموقف الأمريكي المتأخر في إدانة الانقلاب، وإثارة تساؤلات كثيرة حول دور أمريكي محتمل في الانقلاب بعد اكتشاف تورط قاعدة إنجيرلك فيه، ورغم تشديد الرئيس التركي عقب الانقلاب على استراتيجية العلاقة مع واشنطن إلا أن تلبية واشنطن لطلب أنقرة في تسليم فتح الله غولن سيشكل اختبار ثقة بين الطرفين وسيكون له انعكاسات كبرى على العلاقة بين البلدين، هذا بالإضافة إلى ملف دعم الولايات المتحدة الأمريكية لقوات سورية الديمقراطية، والتي تشكل عمودها الفقري مليشيات الـ PYD الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني .
2.    العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لن تكون أفضل حالاً مما كانت عليه قبل الانقلاب، بل من الممكن أن يزداد ملف تطبيق الاتفاق الثنائي حول اللاجئين وملف انضمام تركيا تعقيداً، خصوصاً عقب الموقف المتأخر للاتحاد الاوروبي ومعظم أعضائه من الانقلاب، ومن ثم سلسلة من الانتقادات الحادة على لسان فريدريكا موغريني وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي للإجراءات التركية عقب الانقلاب، والتهديد بحرمان تركيا نهائياً من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إذا تمت إعادة عقوبة الإعدام.
3.    حالة الفتور التي تعمقت بعد الانقلاب بين تركيا وحلفاءها "الناتويين"؛ ستدفع تركيا لاستكمال ما بدأت به قبيل الانقلاب من مصالحة مع روسيا وإسرائيل وتسريع إعادة العلاقات معهما إلى شكلها الأمثل كونها بحاجة لدعمهما في ما تقوم به من إجراءات داخلية بعد الانقلاب، ولتعزيز دورها في المشهد الإقليمي على مستوى القضيتين السورية والفلسطينية، بعد أن تم تطويق هذا الدور بفعل التقارب الأمريكي الروسي من جهة و التنسيق الإسرائيلي الروسي في ما يخص سورية من جهة أخرى، بالإضافة إلى الضرورة الأمنية والاقتصادية التي تفرض على تركيا تسريع التطبيع على كافة المستويات مع روسيا وإسرائيل، ولعل زيارة الرئيس التركي المرتقبة لروسيا في التاسع من الشهر الجاري، ستحمل إجابات حول نتائج هذا التقارب على الصعيدين الداخلي والخارجي التركي وبخاصة حول الملف السوري .
4.    قد يؤدي الموقف الإيراني المبكر في رفض الانقلاب ودعم الحكومة الشرعية في تركيا، رغم الخلافات بين البلدين حول عدة قضايا وبخاصة الملف السوري، إلى تعميق التعاون بين البلدين وخصوصاً فيما يخص الملف الكردي وحزب العمال الكردستاني، والذي أعلن في آذار /مارس الماضي استئنافه العمل العسكري في إيران بعد 23 عام على توقفه، أما فيما يخص الملف السوري فلا فرص لهذا التعاون خصوصاً في ظل التقارب التركي الروسي والتركي السعودي.
5.    على مستوى العلاقات العربية، فالواضح أن العلاقة التركية القطرية ستبقى كما كانت هي الأقوى، كون موقف قطر الرسمي كان من أوائل المواقف الداعمة للحكومة وبدا الدعم القطري واضحاً من خلال موقف أمير قطر وطبيعة تغطية قناة الجزيرة لأحداث الانقلاب. أما العلاقات السعودية فستبقى تنمو نحو التحسن ومزيد من التنسيق الأمني والعسكري. أما الموقف المصري من الانقلاب فيشير إلى صعوبة إجراء مصالحة قريبة مع تركيا، وكذلك الأمر بالنسبة للعراق والذي يرفض توغل القوات التركية في أراضيه ومشاركة قوات تركية في معركة الموصل القريبة، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية العراقي في كلمته لمؤتمر القمة العربية الأخير في نواكشوط التي ربط فيها المصالحة مع تركيا بوقف دخول قواتها إلى الأراضي العراقية.

على مستوى الملف السوري:

أ‌.    الصعيد الميداني: كان لانشغال الحكومة التركية بالوضع الداخلي عقب الانقلاب، أثراً خطيراً بدأت تتبدى ملامحه على الوضع الميداني وبخاصة في الشمال السوري، حيث كثف النظام وروسيا غاراتهم على حلب مستهدفة مقومات الصمود وأهمها المستشفيات بعد قطع طريق الكاستيلو، مما مهد إلى إطباق الحصار على حلب لكسب نقاط قوة تفاوضية للنظام وروسيا، ولكن الرد الكبير لفصائل المعارضة المسلحة في حلب وقلب الطاولة على النظام وروسيا، حيث باتت مناطق سيطرة النظام في حلب تقع تحت حصار المعارضة، من الممكن أن يعكس رغبة تركية في استباق زيارة الرئيس التركي إلى روسيا بانتصار على الأرض يعزز قدراتها على المناورة حول الملف السوري، ويشكل ورقة للضغط على موسكو لفرض هدنة في الشمال السوري، وهنا تلتقي الرغبة التركية والأمريكية. كما قد ينعكس هذا التقارب بشكل تخفيض الدعم الروسي لقوات سورية الديمقراطية.

ب‌.    الصعيد السياسي: أثارت المصالحات التركية مع روسيا وإسرائيل وإعلان أنقرة رغبتها في العودة إلى تبني سياسة صفر مشاكل في علاقاتها الخارجية مع مجيئ حكومة بن علي يلدريم، العديد من الشكوك حول إمكانية تغير الموقف التركي من الأزمة السورية، خصوصاً بعد صدور تسريبات –نفتها الحكومة التركية-حول إمكانية القبول ببقاء الأسد لفترة انتقالية،الأمر الذي يشير إلى مرونة تركية اتجاه الرؤية الروسية في حل الأزمة السورية. واليوم وبعد الانقلاب الفاشل والحاجة التركية إلى العلاقة مع موسكو، فهناك احتمال كبير لقيام أنقرة بالضغط على المعارضة السورية للتنازل عن بعض المطالب بهدف الوصول إلى انتقال سياسي.

الخاتمة

كان انقلاب 15 تموز الفاشل نتيجة لتفاعل جملة من العوامل الداخلية والخارجية في تركيا، والتي شكلت للمتربصين بحزب العدالة والتنمية على ما يبدو فرصة للتحرك ضده، ولكن مرونة الحزب في التعاطي مع الملفات الداخلية والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى كم الإنجازات الكبير الذي حققه خلال 14 عام من الحكم ساهم في وأد هذا التحرك، وسيعطي الفرصة للحزب لاستكمال مسيرته في تثبيت قواعد الديمقراطية في تركيا عبر التغييرات البنيوية والتشريعية التي يجريها بهدف طي صفحة تدخل الجيش في الحياة السياسية، والقضاء على ما يسمى بالكيان الموازي؛ الأمر الذي سيدعم الجبهة الداخلية التركية، ويفتح المجال أمام تركيا للتعاطي بأريحية أكبر مع الملفات الإقليمية .

التصنيف أوراق بحثية
الإثنين تشرين1/أكتوير 23
يعمل هذا الكتاب على بلورة الشروط المعرفية والسياسية والاجتماعية والتقنية المؤثرة في عملية التغيير الأمني، واتّساقها مع الظرف السوري الراهن، وبالتالي القدرة على تصدير رؤية تنفيذية تراعي الضرورات الوطنية وتخرج…
نُشرت في  الإصدارات 
الجمعة آذار/مارس 31
أصدر مركز عمران كتابه السنوي الثالث الذي يتزامن مع بداية العام السابع من الزلزال السوري بعنوان "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، هادفاً إلى تقديم قراءة منهجية لأهم متغيرات الملف…
نُشرت في  الإصدارات 
الثلاثاء آذار/مارس 15
تزامناً مع الذكرى الخامسة لانطلاق الثورة السورية، يطلق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية كتابه السنوي الثاني، متضمناً عدة دراسات تعنى بأهم تحولات وتحديات الملف السوري، من إعداد مسارات المركز الثلاثة السياسة…
نُشرت في  الإصدارات 
لقاء الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، على تلفزيون العربي للحديث عن المضامين…
الإثنين نيسان/أبريل 16
حديث الباحث ساشا العلو للتلفزيون العربي عن ملامح العودة الأمريكية للانخراط بفاعلية أكبر في الملف…
الخميس آذار/مارس 15
أجرت قناة الشرق مقابلة تلفزيونية مع الدكتور عمار قحف -المدير التنفيذي لمركز عمران- للحديث عن…
السبت شباط/فبراير 24
أجرى تلفزيون العربي مقابلة تلفزيونية مع الباحث ساشا العلو للتعليق على أحداث الغوطة الشرقية في…
الجمعة شباط/فبراير 23