أخبار عمران

مُلخّصٌ تنفيذيّ

  • تبدو حملة موسكو والنظام على الغوطة الشرقية مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض النظام بأنه الأقوى على الأرض، مستفيداً من فائض القوى الذي ولدته اتفاقات خفض التصعيد، وافتراض روسي مقابل باستمرار الولايات المتحدة في سياساتها المضطربة تجاه الملف السوري واقتصار دورها على شرق الفرات.
  • وقعت موسكو من خلال حملة الغوطة الشرقية في فخ التحول المباشر إلى طرف في الأزمة السورية بدلاً من فاعل دولي مساعد في الحل، وهو الدور الذي لطالما حاولت موسكو الإيحاء به، إضافة إلى تورط حليفها النظام في معركة طويلة الأمد قد تشكل حرب استنزاف لقواه وتعيد للعالم صورة النظام الدموي الذي يقتل شعبه، والتي حاول النظام وحلفاءه إخفاءها خلف ستار "حرب الإرهاب".
  • وضعت موسكو نفسها بين فكي كماشة أمريكية أوروبية تتيح لهم الفرصة للضغط على موسكو وتصفية الحسابات الموزعة على عدة ملفات عالقة بين الطرفين، الأمر الذي يُعَدُّ مؤشراً على أن ملف الغوطة الشرقية قد تجاوز حدودها الجغرافية إلى صراع دولي.
  • إن لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظة حاسمة ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار أثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على المواجهة بين النظام السوري وشعبه. وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حمل ضمناً رسالة مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران.
  • إن تفاعل المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاستراتيجي الأمريكي خصوصاً والناتوي عموماً، لم يكن في حسابات موسكو، والتي لجأت في محاولة لاستدراك آثاره إلى تحرك ورد فعل سريع في الغوطة.
  • في هذا المناخ المتوتر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، يمكن فهم تفرد موسكو الواضح بعملية الغوطة، مقابل حضور إيران الملتبس، بناءً على عاملين: رغبة موسكو باستعراض قوتها منفردة كند لواشنطن وتثبيت مناطق نفوذ خالصة لها دون تواجد إيراني. إضافة إلى سعي موسكو للتخفيف من حضور طهران لتجنب هذا التشنج الإقليمي (الإسرائيلي-الخليجي) والدولي اتجاه إيران وسلوكها في المنطقة، والاحتمالات المتزايدة للتحرك العسكري ضدها.
  • تشكل الغوطة الشرقية اليوم-بعد دير الزور-إحدى المحطات التي ستتوضح فيها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، ومقياساً لمدى جدية الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا والخليج العربي في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، والوصول إلى حل سياسي للأزمة يرسم مستقبل سورية بدون الأسد.

مدخل

بدأ النظام السوري مدعوماً بغطاء جوي ودبلوماسي روسي في 18 شباط/ فبراير حملة قصف جنونية طالت مدن وبلدات الغوطة الشرقية؛ استهدفت بنيتها التحتية وتسببت بمقتل المئات من المدنيين، تبعتها محاولات للتقدم البري تكبد فيها النظام خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. أثارت تلك الحملة ردود أفعالٍ دولية معارضة وحراكاً دبلوماسياً نشطاً لوقفها، تصدرته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسويد، وأفضى إلى استصدار القرار الدولي رقم: (2401)، والقاضي بوقف الأعمال العسكرية لمدة شهر وإدخال المساعدات الإنسانية، ولكن النظام وحليفه الروسي لم يلتزما بالهدنة وطرحا بديلاً يقوم على فتح معبر إنساني لخروج المدنيين، بيد أن أهالي الغوطة لم يستجيبوا لتلك الدعوات ورفضوا الخروج حتى الآن.

 وعلى الرغم من الحراك الدبلوماسي النشط أوروبياً وأمريكياً، والحراك الروسي المضاد في أروقة مجلس الأمن؛ إلا أن المشهد يكاد يخلو من أي دور إقليمي فعال دبلوماسياً، سواء على الصعيد الخليجي التركي، أو على المقلب الآخر حيث لا يلحظ أيضاً ثقل إيراني دبلوماسي وعسكري فعّال وواضح على الأرض، الأمر الذي يشير إلى أن الغوطة أصبحت ساحة للصراع الدولي؛ بين أمريكا وأوروبا من طرف وروسيا من طرف آخر، بشكل يجعل الفاتورة البشرية للضحايا مرشحة للارتفاع في الأيام القادمة، ويبقي مآل الغوطة ملتبساً وخاضعاً لعدة احتمالات تبعاً لقدرة أهالي الغوطة وفصائلها على الصمود أولاً، ومدى جدية المجتمع الدولي وقدرته على فرض وقف إطلاق النار وإجبار موسكو والنظام على الالتزام بالهدنة، حيث تشكل الغوطة اليوم اختباراً للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية وقدرتها على تحجيم الدور الروسي بشكل يعيد بثّ الحياة في مسار جنيف المعطل، ويعيد ضبط بوصلة الحل السياسي باتجاه بعيد عن الطموحات الروسية للتفرد به. وعليه تسعى هذه الورقة إلى رسم ملامح المشهد الدوليّ الجديد لفهم وتفكيك ما يجري اليوم في الغوطة الشرقيّة بشكلٍ خاص، واستشراف مآلات الحملة العسكرية عليها وأثرها على مسار الحل السياسي في ظل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه سورية. مقابل قراءة تحليلية على مستوى الملف السوري برُمّته، والذي دخل مرحلة جديدة وحساسة تشكل الغوطة الشرقيّة بوابتها، ويمكن تسميتها "مرحلة ما بعد الإرهاب".

أولاً: النظام وموسكو (المغامرة)

لا تبدو الحملة العسكرية التي يقودها النظام وروسيا على الغوطة الشرقية عملية مدروسة الأبعاد والعواقب، سواء على المستوى العسكري ومقاربة موسكو لسيناريوهات مناطق سورية أخضعتها سابقاً(حلب)، أو على المستوى الدبلوماسي الذي تمثل بفشل محاولات تبرير العملية وخلق غطاءٍ دوليّ لها. لذلك يمكن القول إن ما تقوم به قوات النظام وموسكو في الغوطة مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض النظام بأنه الأقوى على الأرض بعد التقدم الذي أحرزه في إدلب ودير الزور، مستفيداً من فائض القوى الذي ولدته اتفاقات خفض التصعيد، وافتراض روسي مقابل باستمرار الولايات المتحدة في سياساتها المضطربة تجاه الملف السوري واقتصار دورها على شرق الفرات، الأمر الذي يمنح موسكو المساحة الأكبر في ترتيب الأوضاع على الأرض بما يتناسب مع مصالحها ورؤيتها للحل السياسي. ويمكن الاستدلال على عامل المغامرة في هذه العملية من خلال مجموعة نقاط:

1.   غياب الذريعة

تجلت ذريعة النظام وموسكو المعلنة للهجوم على الغوطة بوجود عناصر إرهابية تتبع هيئة "تحرير الشام" في بعض مناطق الغوطة، ولكن إعلان فصائل الغوطة استعدادها لإخراج هذه العناصر أحرج موسكو، والتي عطّلت بدورها التفاوض حول خروج هؤلاء العناصر؛ لتتحول الذريعة إلى استهداف المدنيين في العاصمة دمشق بالقذائف من قبل فصائل المعارضة، وهو الأمر الذي يشير إلى مأزق موسكو في تغطية عملها العسكري وتقديم مبررات مقبولة لدى المجتمع الدولي لاستمرار حملتها على الغوطة وما ينتج عنها من مجازر يومية، خاصة وأن حجة "الإرهاب" لا تجدي نفعاً في حالة الغوطة، والتي تعترف موسكو بفصيليها الأقوى (جيش الإسلام- فيلق الرحمن)، حيث وقّعت معهما تتابعاً اتفاقاً اعتبرت بموجبه الغوطة منطقة خفض تصعيد. ولعل غياب الذريعة هو ما شكّل عاملاً مساهماً في تقوية المواقف الأمريكية الأوروبية ضمن مجلس الأمن، ودفع الدبلوماسية الروسية لتجنب المزيد من العزل الدولي في أروقة الأمم المتحدة، عبر عدم استخدام الفيتو في وجه القرار (2401)، مقابل تمريره بعد الالتفاف عليه وإفراغه من مضمونه وعدم الالتزام بتطبيقه.

2.   المقاربة الخاطئة

مقابل غياب الذرائع، فإن إشارة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ومندوب النظام في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، لإمكانية تطبيق سيناريو حلب في الغوطة الشرقية؛ يبدو مقاربة خاطئة وغير مدروسة، وذلك وفقاً لعدة عوامل تصب في صالح الغوطة لناحية عدم إمكانية سحب سيناريو حلب عليها، ولعل أبرز تلك العوامل:

  • المساحة والجغرافية: حيث تمتد الغوطة الشرقية على مساحة 110 كم2، في حين اقتصرت مساحة الأحياء الشرقية لحلب في السيناريو الشهير على 3كم2، بالإضافة إلى أن جغرافية الغوطة تتشكل من مدن وبلدات متفرقة ومترامية ومساحات مفتوحة من الأراضي الزراعية بشكل يضطر النظام إلى خوض نوعين من المعارك، وهي حرب المدن والحرب النظامية في المساحات المفتوحة، الأمر الذي قد يزيد من خسائر قواته ويجعل الغوطة منطقة أكثر صعوبة من معارك أحياء حلب الشرقية، وهذا ما تدل عليه خسائر النظام الكبيرة في حملاته الثمان السابقة على الغوطة منذ العام 2012([1]).
  • السكان: يعيش في الغوطة الشرقة الآن ما يقارب 400 ألف نسمة من المدنيين المحاصرين منذ العام 2013، بشكل جعلهم يطورون بدائل محلية مستندة إلى خبرتهم كمزارعين، الأمر الذي يجعل الحصار أخف وطأة عليهم من حلب الشرقية، وإمكانية إفراغ الغوطة من سكانها على غرار حلب أمراً صعباً، حيث لا توجد اليوم منطقة سورية تحتمل هذه الكتلة البشرية في حال هُجّرت.
  • المقاتلون: لا يزيد عدد المقاتلين في الغوطة الشرقية كثيراً عن نظرائهم في حلب الشرقية، حيث تتراوح التقديرات بين 8000- 10000 آلاف مقاتل، ولكن الفارق في أن المقاتلين في الغوطة هم أبناء المنطقة بكتلتهم الكبرى، مما يزيد في تعزيز عامل الدفاع عن أرضهم وعوائلهم، إضافة إلى أن تنظيمهم وتسليحهم وخبراتهم القتالية تعد أفضل مما كانت عليه فصائل حلب، فالفصائل الثلاثة الكبرى في الغوطة (جيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) أظهرت مرونة تفاوضية منذ بداية الحملة العسكرية وتنسيقاً عالياً في صد الهجوم البري، حيث دخلت في غرفة عمليات مشتركة متجاوزة خلافاتها السابقة([2])، ناهيك عن اعتمادها على الإنتاج الذاتي للأسلحة والذخائر التي تحتاجها، مما يمنحها القدرة على المقاومة طويلة الأمد، والأهم من ذلك هو صعوبة إخراج هذا العدد من المقاتلين المدربين والمنظمين إلى أي من جبهات المعارضة الأخرى، إذ سيؤدي ذلك إلى اختلال في موازين القوى مع النظام في تلك الجبهات المحكوم أغلبها باتفاقات أمنية إقليمية ودولية، بالإضافة إلى اختلال توازن القوى القائم بين الفصائل المهيمنة على الجبهات بشكل قد يدفعها إلى رفض استقبال كتلة عسكرية كهذه، يصعب السيطرة عليها و تطويعها ضمن فصائل أخرى.
  • الفاعلية الإقليمية: تعتبر الغوطة جغرافية داخلية غير حدودية مع أيّ دولة، الأمر الذي يعدُّ عاملاً هاماً يمنح فصائلها مساحة أكبر نسبياً في التحرك الدبلوماسي والمواجهة العسكرية بعيداً عن التأثير الإقليمي المباشر، والذي كان عاملاً حاسماً في سقوط أحياء حلب الشرقية. فبالرغم من وجود داعمين إقليميين لفصائل الغوطة؛ إلا أن النشاط الدبلوماسي والسياسي منذ بدء مسار أستانة يُظهر بوضوح المساحة الأوسع نسبيّاً من القرار الذاتي التي تتمتع بها قيادتا جيش الإسلام وفيلق الرحمن بعيداً عن الهيمنة الإقليمية المباشرة، والخاضعة لها غالبية الفصائل في الجبهات الشمالية والجنوبية.

3.   رد الفعل الدولي

يبدو أن اختيار موسكو لتوقيت العملية العسكرية ضد الغوطة الشرقية؛ عبّر بشكلٍ أو بآخر عن سوء تقدير من قبلها لجدية الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بخصوص سورية، والتي أعلن خطوطها العامة وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، قبل شهر تقريباً من بداية الحملة على الغوطة، والتي تعتمد على تطويق النفوذ الإيراني وبناء مستقبل سوري من دون الأسد، ما يعني استهداف حلفاء موسكو بشكل يقوض من فاعلية الدور الروسي في سورية، وذلك عبر عودة الثقل الأمريكي الأوروبي الذي كان منشغلاً في فترة حرب تنظيم الدولة "داعش"، لذلك أسفرت الحملة العسكرية على الغوطة عن ردود أفعال أمريكية أوروبية معارضة وغير مسبوقة، تراوحت بين الضغط الدبلوماسي عبر مجلس الأمن و التواصل المباشر مع موسكو وصولاً إلى التلويح بالقوة العسكرية في حال تم استخدام السلاح الكيماوي، الأمر الذي يمكن أن يُفسّر كإثبات لجدية واشنطن وأوروبا في العودة بقوة للانخراط في الملف السوري وعدم السماح لموسكو بالتفرد في المناطق السورية الواحدة تلو الأخرى في إطار سعيها لفرض رؤيتها الخاصة في الحل السياسي.

ويشير واقع الحراك الدولي -الأمريكي الأوربي- تجاه الحملة الروسية على الغوطة، وما تبعه من حملة إعلامية دولية وحراك مدني سوري في مختلف عواصم العالم؛ بأن موسكو ونتيجة لمغامرتها غير المحسوبة قد وقعت في فخ التحول المباشر إلى طرف في الأزمة السورية بدلاً من فاعل دولي مساعد في الحل، وهو الدور الذي لطالما حاولت موسكو الإيحاء به، إضافة إلى تورط حليفها النظام في معركة طويلة الأمد قد تشكل حرب استنزاف لقواه وتعيد للعالم صورة النظام الدموي الذي يقتل شعبه، والتي حاول النظام وحلفاءه إخفاءها خلف ستار "حرب الإرهاب". وبذلك تكون موسكو لم تنجح في تحقيق نصر سريع يُستخدم في استكمال صورة المنتصر التي يريدها الرئيس، فلاديمير بوتين، قبيل الانتخابات الروسية في الثامن عشر من الشهر الجاري، بل ووضعت نفسها بين فكي كماشة أمريكية أوروبية تتيح لهم الفرصة للضغط على موسكو وتصفية الحسابات الموزّعة على عدة ملفات عالقة بين الطرفين، الأمر الذي يُعَدُّ مؤشراً على أن ملف الغوطة الشرقية قد تجاوز حدودها الجغرافية إلى صراع دولي.

ثانياً: المشهد السوري الجديد (ما بعد الإرهاب)

يبدو أن نشوة "الانتصارات" التي حققها تدخل موسكو العسكري في سورية قد غيّبت عن العقل الاستراتيجي الروسي حقيقة مفادها أنَّ؛ لحظة الانتهاء من حرب تنظيم الدولة كانت لحظةً حاسمةً ولها تداعيات كبرى على الملف السوري، أولها: نهاية مسمى "الأزمة" بانحسار أثارها الدولية والإقليمية وعلى رأسها "الإرهاب"، مما يعني عودة مفهوم "الثورة" ببعده الدال على المواجهة بين النظام السوري وشعبه.  وثانيها: بأن فراغ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي من حرب الإرهاب حملَ ضمناً رسالةً مفادها؛ نهاية التفويض الأمريكي لموسكو بالتحكم بالملف السوري، واستخدام واشنطن لوجودها العسكري على الأرض السورية باتجاه موازنة القوة مع موسكو وطهران، وهو ما بدأت تظهر مؤشراته بوضوح مع مطلع العام 2018، والتي تمثلت في إعلان استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة المتمحورة حول احتمال المواجهة مع روسيا والصين([3])، ووضحت أكثر ضمن خطاب وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، في جامعة ستانفورد، والذي استعرض فيه الرؤية الأمريكية في سورية ما بعد "داعش"، حيث أكد على نية واشنطن الاحتفاظ بوجودها العسكري في سورية لمواجهة بقايا تنظيم الدولة والنفوذ الإيراني، وعدم تكرار خطأ العراق بالانسحاب، إضافة إلى استبعاد وجود الأسد في مستقبل سورية ودعوة موسكو للتعاون لإعادة الهدوء لمناطق خفض التصعيد([4]).

 بالمقابل شهد شهر شباط/ فبراير تصعيداً عسكرياً أمريكياً روسياً، من جهة، في دير الزور وتمثل في الضربة الأمريكية لمليشيات النظام ومرتزقة روس حاولوا تجاوز الخط الأحمر الأمريكي للعبور إلى شرق الفرات. إضافة إلى تصعيد إيراني إسرائيلي، من جهة أخرى، تمثل في إسقاط الطائرة الإسرائيلية في سورية، ثم تمت ترجمة التوتر العسكري في سورية بشكل تصعيد كلامي في "مؤتمر ميونخ" للأمن، حيث هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتحرك العسكري ضد طهران إذا لزم الأمر([5])، كما كشفت الخُطب في ذات المؤتمر عن مدى تعقد المشكلات العالقة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، بدءاً من شبه جزيرة القرم والتدخل الروسي في شرق أوكرانيا، إلى تورطها بالانتخابات في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبية، مروراً بدعمها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وصولاً إلى امتناعها عن الالتزام بمعاهدات خفض التسلّح، وحشدها مزيداً من القوات في شمال غربي روسيا وجيب كاليننغراد، ما يشكّل تهديداً لأمن دول البلطيق والبلدان الإسكندنافية([6]).

ويبدو أن تفاعل تلك المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاستراتيجي الأمريكي خصوصاً والناتوي عموماً، لم يكن في حسابات موسكو، والتي لجأت في محاولة لاستدراك آثاره إلى تحرك ورد فعل سريع في الغوطة الشرقية يحقق لها عدة أهداف في هذا الإطار، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال عدة مؤشرات:

  1. "شيطنة الغوطة": والذي تجلى في المناخ السائد في موسكو بين أوساط خبراء سياسة الشرق الأوسط ومراكز الدراسات المقربة من دوائر صنع القرار قبيل بدء الحملة على الغوطة، واعتبارها "نقطة تواجد أمريكية من حيث التسليح ودعم الفصائل"، وأن أولوية روسيا الاتحادية يجب أن تكون إخراج الأمريكان من محيط دمشق، حيث أنتج هذا المناخ عملية إعلامية ضخمة لشيطنة الغوطة لدى النخبة الروسية والرأي العام كمقدمة لتبرير التدخل العسكري للسيطرة عليها([7]).
  2. عملية انتقامية: يمكن القول بأن موسكو تستثمر العملية العسكرية في الغوطة للرد على الضربة الأمريكية في دير الزور، والتي أودت بحياة 200 من المرتزقة الروس في خسارة تعادل خمسة أضعاف خسائر موسكو منذ تدخلها في سورية 2015، وبالرغم من الإنكار في البداية ومن ثم الصمت عن الحادثة الذي انتهجته موسكو؛ إلا أن محللين روس اعتبروا الحادثة " أول اشتباك بين القوتين منذ حرب فيتنام، وأنها فضيحة كبرى وسبب لأزمة دولية حادة، ولكن روسيا ستتظاهر وكأن شيئاً لم يحدث"([8]).
  3. تسويق السلاح: إن فتح جبهة جديدة في سورية يتيح لموسكو فرصة لتسويق أسلحتها الجديدة، وهو نهج اعتمدته روسيا منذ بداية تدخلها العسكري في سورية، حيث جرّبت حوالي 200 نوع سلاح جديد([9])، إذ تحتاج موسكو حملة تسويقية جديدة في سورية لأسلحتها بعد فضيحة فشل منظومة S400 في حماية قاعدة حميميم من هجوم بالقذائف أدى إلى تدمير سبع طائرات في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2017([10])، وسقوط إحدى طائراتها في إدلب ومقتل الطيار مطلع شباط/ فبراير الفائت، الأمر الذي دفع موسكو لاستخدام طائراتها الأحدث من الجيل الخامس "الشبح" في الغوطة بالرغم من أنها لم تنهي اختباراتها بعد([11])، هذا الاستخدام الذي تبعته تصريحات الرئيس الروسي حول تطوير صواريخ بالستية جديدة تحمل رؤوس نووية قادرة اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأمريكي، في إعلان عن سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية ([12]).

وفي هذا المناخ المتوتر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية يمكن أيضاً فهم تفرّد موسكو بعملية الغوطة الشرقية، وتجنبها لحضورٍ إيرانيٍ واضح وفعَال بناءً على عاملين:

  • رغبة موسكو باستعراض قوتها منفردة كند لواشنطن وتثبيت مناطق نفوذ خالصة لها دون تواجد إيراني.
  • تجنب هذا التشنج الإقليمي (الإسرائيلي-الخليجي) والدولي اتجاه إيران وسلوكها في المنطقة، والاحتمالات المتزايدة للتحرك العسكري ضدها.

كما يمكن من خلال العلاقة مع روسيا تفسير مواقف الدول الأوروبية المتصدرة للحراك الدبلوماسي في مجلس الأمن ضد عملية موسكو في الغوطة الشرقية، فبالإضافة إلى الملفات المعلقة بين الناتو وروسيا، تشتعل حرب إعلامية بين موسكو وبريطانيا حول دعم الأخيرة للدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، والذي تعتبره موسكو منظمة "إرهابية"، وتدير في هذا الإطار حملة إعلامية دولية كشفت تفاصيلها صحيفة الغارديان البريطانية([13])، بشكل جعل الطرفان في مواجهة إعلامية ودبلوماسية حول سلوكهما في سورية. كما يزيد من الحراك الألماني تجاه ما يحدث في الغوطة، إضافة إلى مشاكلها الناتوية مع موسكو، شعورها بالحرج الأخلاقي إزاء ملف استخدام الكيماوي في الغوطة، خاصة بعد ما نشرته صحيفة "ديرشبيغل" الألمانية حول تورط شركات ألمانية في تصدير أجزاء من الصواريخ التي ضُربت بها الغوطة في العام 2013([14]). أما السويد فتجد في الهجوم على الغوطة فرصة لإدانة موسكو، والتي أدى التوتر بينهما نتيجة النشاط الروسي في البلطيق إلى احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية نهاية العام 2016([15])، في حين تلتزم فرنسا وإدارة ماكرون بالخط الأحمر الذي وضعته الإدارة السابقة فيما يخص استخدام القوة في حال حدوث هجوم كيماوي في سورية. أما المواقف العربية الخجولة والمقتصرة على تصريحات بخصوص الوضع الإنساني، فيمكن فهمها في إطار الانشغال بالنفوذ الإيراني في سورية، والحشد الدولي لمواجهته، وعليه تفضل الدول العربية وعلى رأسها الخليجية عدم المواجهة مع موسكو، خاصةً في ظل استمرار الأزمة الخليجية، ولذلك يمكن اعتبار المبادرة المصرية مجرد محاولة لذر الرماد في العيون وإخلاء المسؤولية بوصف مصر أحد الضامنين لاتفاق خفض التصعيد في الغوطة.

ثالثاً: نتائج وخلاصات

من خلال استعراض طبيعة الحملة العسكرية التي تقودها موسكو والنظام السوري على الغوطة الشرقية وتحليل المناخ الدولي والإقليمي المحيط بها، مقابل استعراض نقاط القوة الداخلية للغوطة، يمكن التوصل إلى النتائج التالية:

  1. خيار روسي: يبدو أن قرار الهجوم الحالي على الغوطة الشرقية لم يكن للنظام السوري بقدر ما كان خياراً روسياً يستهدف واشنطن من خلال مناطق المعارضة التي تعتبرها موسكو "موالية لأمريكا"، ولعل اختيار رجل موسكو في جيش النظام، سهيل الحسن، لقيادة العملية يفهم في سياق التأكيد على أن العملية تخدم مصالح موسكو أكثر من النظام السوري.
  2. تدويل الصراع: إن تحول ملف الغوطة الشرقية إلى ساحة صراع دولية بين موسكو من جهة وأمريكا وأوروبا من جهة أخرى؛ قد يزيد من أمد الحملة، خصوصاً مع ما تظهره فصائل الغوطة وأهلها من صمود ورفض لخيار الخروج حتى الآن.
  3. معركة طويلة الأمد: ترتكز استراتيجية موسكو والنظام في محاولتهما التقدم برياً من الجبهات الشرقية للغوطة (حوش الظواهرة، الشيفونية، وغيرها) وهي مساحات زراعية مفتوحة، على تجنب حرب المدن في المحاور الأخرى وتخفيف خسائرها، إضافة إلى محاولات السعي لفصل شمال الغوطة عن جنوبها عسكرياً كمرحلة أولى في تقسيمها إلى جيوب، بشكل يُسهَل من السيطرة عليها لاحقاً، الهدف الذي لا يبدو سهلاً ويشير بنفس الوقت إلى نية موسكو خوض معركة طويلة الأمد بهدف إخلاء الغوطة.
  4. موازنة الحل السياسي: يبدو أن الحراك الدولي المناهض لعملية الغوطة والهادف لإيقاف القصف عنها ومنع سقوطها، مستمر بوتيرة متصاعدة وأكثر جدية من سابقتها ويدفع باتجاه خيارات مفتوحة لأمريكا وأوروبا بشكل قد يتجاوز مجلس الأمن، خاصة وأن الغوطة الشرقية تمثل الورقة الأكثر تأثيراً في موازنة الحل السياسي بعيداً عن طموحات موسكو والنظام في الحسم العسكري. الخيارات التي سترتبط بشكل مباشر في مدى تصعيد النظام وموسكو في الغوطة الشرقية واحتمالية استخدام الأسلحة المحضورة دولياً أو الاستمرار في عدم الالتزام بقرار مجلس الأمن.
  5. احتمالان: في ظل ما تقدم من نتائج يصبح احتمال سقوط الغوطة عسكرياً وإخلاءها من سكانها ضعيفاً في المدى القريب، وممكناً في حال استمرار الحصار ووتيرة القصف العالية لمدة طويلة، مما يعني قدرة موسكو على تحقيق انتصار دبلوماسي على أمريكا وأوروبا، وهذا ما يبدو أن الأخيرة لن تسمح به، أما الاحتمال الأكثر ترجيحاً يتمثل بنجاح المساعي الدبلوماسية مع موسكو في التوصل إلى تهدئة وتثبيت لاتفاق خفض التصعيد، مقابل تنازل المعارضة السورية عن بعض المناطق الواقعة تحت سيطرتها في محيط العاصمة، والتي تبعد خطر قذائفها عن دمشق "تبعاً للذريعة الروسية"، وتحفظ لموسكو ماء وجهها، كما أن هذا الاحتمال قد يكون مغرياً لموسكو والنظام لضم المناطق المحيطة بالعاصمة (جوبر، حرستا، وأجزاء أخرى) إلى مشروعها لإعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث تعتبر تلك المناطق ضواحي سكنية لمدينة دمشق .
  6. مسار أستانة: من المستبعد أن تؤثر الغوطة أياً كان الاحتمال الذي ينتظرها على مسار أستانة لناحية مناطق خفض التصعيد التي أنتجها، فحتى الآن تُظهر الأطراف الفاعلة في الملف السوري (دولية وإقليمية) رغبة في الحفاظ على هذا المسار، وخصوصاً في الجنوب، حيث يوجد الأردن والولايات المتحدة الأمريكية كشركاء في التفاهم الذي أفضى إلى ضمه إلى مناطق خفض التصعيد، على عكس الغوطة التي تفتقد الظهير الإقليمي الحدودي، أما الشمال السوري فالتفاهمات بخصوصه قد أُنجزت بين تركيا وروسيا من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، كما أن التحسن الملحوظ في العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة بعد زيارة تيلرسون الأخيرة والتقدم الذي تحرزه تركيا في معارك عفرين، قد يمنح تركيا مساحة أكبر لمناورة موسكو في الشمال وتحجيم تطلعاتها وإيران للاستحواذ على مزيد من الأراضي، في حين تعتبر المنطقة الرابعة من مناطق خفض التصعيد (ريف حمص الشمالي) هي الأنجح والأكثر هدوءاً حتى الآن وغير مرشحة للانفجار مستقبلاً.
  7. صراع جديد: تعتبر نتائج الحملة على الغوطة سياسية أكثر منها عسكرية، ففي حال تمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيين من الحؤول دون سقوط الغوطة ومنع موسكو من تأمين محيط العاصمة، فهذا سيعني تقليم أظافر موسكو عسكرياً وسياسياً في سورية، وإحداث توازن قوى بخصوص شكل الحل السياسي وعقبة بقاء الأسد، أما في حال تمكن موسكو من إسقاط الغوطة فهذا سيعني توسيع مساحة سيطرتها ونفوذها وتثبيتها في مواجهة مناطق السيطرة الأمريكية في شمال شرق سورية، الأمر الذي سيحوّل سورية إلى ساحة لحرب باردة جديدة بين موسكو وواشنطن تطيل من أمد الصراع وتعقّد الملف السوري بشكلٍ أكبر.

رابعاً: التوصيات

تشكل الغوطة اليوم بعد دير الزور إحدى المحطات التي ستتوضح فيها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، ومقياساً لمدى جدية الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا والخليج العربي في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، والوصول إلى حل سياسي للأزمة يرسم مستقبل سورية بدون الأسد، وعليه فإن الظرف الحالي يعتبر دقيقاً جداً، ويفرض على المعارضة السورية العسكرية والسياسية تجاوز أخطائها السابقة وإعادة هيكلة نفسها استعداداً لاستثمار المرحلة القادمة، والتي ستكون الغوطة بوابة الدخول لها، وعليه يمكن الإشارة إلى بعض التوصيات الهامة:

1.   على مستوى الغوطة

  • تعزيز عوامل الصمود: إن حالة الصمود التي تعيشها الغوطة اليوم هي حاصل تظافر جهود المدنيين ومنظمات المجتمع المدني والفصائل العسكرية، واستمرار هذا الصمود ريثما تؤتي جهود المجتمع الدولي أكلها في وقف المجزرة الجارية يبقى رهناً بالحفاظ على هذا التنسيق العسكري مع القوى المدنية، وقدرة الفصائل على تجاوز خلافاتها السابقة.
  • سد الذرائع: ويتمثل بسحب ذريعة وجود عناصر هيئة فتح الشام في الغوطة من يد روسيا، وذلك يمكن أن يكون عبر التفاوض مع مقاتلي الهيئة لحل التشكيل نفسه في الغوطة وتسليم سلاحه إلى فصائل الغوطة في حال تعذر إخراجهم إلى الشمال الذي يشهد معركة لاجتثاث الهيئة، أو استخدام القوة في حال فشل الحلول التفاوضية واعتقال عناصر الهيئة.
  • التنسيق السياسي: توسيع التنسيق العسكري بين فصائل الغوطة (جيش الإسلام، فيلق الرحمن، أحرار الشام) إلى تنسيق سياسي استعداداً لأي عملية تفاوضية مع الروس، وعدم إعطاء الفرصة لموسكو بإحداث اختراق سياسي بين الفصائل تكسب منه ما عجزت عنه عسكرياً.
  • شركاء الصمود: فسح المجال أمام (شركاء الصمود) الفعاليات المدنية والمجالس المحلّية في الغوطة سياسياً بشكل فعّال، وعدم احتكار الفصائل للقرار، واعتماد هذا الأسلوب كنهج مستقبلي يؤسس لإدارة مدنية حقيقية في الغوطة كنموذج لباقي المناطق المحررة.
  • ضامنون جدد: محاولة تعديل اتفاق خفض التصعيد في ظل احتمال حدوث أي تفاوض مع روسيا، وطرح إدخال ضامنين جدد أو استبدال مصر كضامن بدولة أُخرى أكثر فاعلية وقدرة على حفظ الهدنة تكون من الدول الداعمة للمعارضة، ومن الممكن اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية أو إحدى الدول الأوروبية المشاركة بقوات التحالف الدولي المتواجدة على الأرض السورية، وقد يلقى هذا المقترح دعماً أمريكياً في ظل استراتيجيتها الجديدة في سورية.
  • الضغط الدبلوماسي: تكثيف الحراك السياسي الذي تمارسه المعارضة السورية للضغط على الدول الحليفة لها، بخاصة الخليجية للقيام بدور دبلوماسي أكثر فاعلية لوقف المجزرة الجارية في الغوطة.
  • الفاعلية الإعلامية: وتتمثل بدعم الجهد الذي يقوم به الناشطون السوريون في مدن العالم كالاعتصامات والمظاهرات أمام السفارات الروسية، وعدم الاستهانة بهذا الدور وأهميته في لفت النظر إلى ما يجري في الغوطة واستمرار التغطية الإعلامية لأخبارها في وسائل الإعلام الدولية.

2.   على مستوى الملف السوري

  • لحم المسارين: الاعتراف بأن ما يجري في الغوطة الشرقية اليوم ومن قبلها استحواذ النظام على البادية السورية وأجزاء من دير الزور وإدلب؛ هو حاصل ونتيجة مباشرة لمسار أستانة، والذي أتاح للنظام فائض قوة يوجهه باتجاه المناطق المحررة، وتجزئة الجبهات وفصلها عن بعضها، وفك الارتباط بين المسار السياسي والعسكري للمعارضة السورية، لذلك أولى خطوات استثمار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية؛ هي إعادة توحيد المسار العسكري على مستوى المعارضة بشكل كتلة واحدة وليس جبهات منفصلة، والتنسيق على المستوى التفاوضي مع المسار السياسي، وعدم الفصل بينهما كما حدث في أستانة.
  • استثمار الهوامش: إن وجود استراتيجية أمريكية جديدة في سورية، ووجود عسكري أمريكي طويل الأمد لا يجب أن يفهم على أنه نهاية الدور الروسي، وإنما هو توازن للقوى، ومقدمة لصراع دولي مباشر بعد نهاية تنظيم الدولة يُضاف إلى الصراع الإقليمي القائم، وقد يساهم في تعقيد الملف السوري أكثر؛ لذا لابد للمعارضة السورية تجنب الانخراط المباشر في لعبة المحاور، فالمرحلة القادمة بحاجة لاستراتيجية مرنة تقوم على استثمار الهوامش التي قد يخلقها صراع المحاور، وتوظيفها في خدمة مصالح وأهداف الثورة السورية.

خامساً: ملاحق الورقة

الملحق رقم (1):

جدول زمني لحملات النظام السابقة على الغوطة الشرقية

 

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

الملحق رقم (2):

قوات النظام المشاركة في الحملة الحالية على الغوطة، ومحاور تقدمها

 

المصدر: وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية


([1]) للاطلاع على خسائر النظام في حملاته السابقة على الغوطة الشرقية منذ العام 2012، راجع الجدول رقم (1) في الملحق.

([2]) وحدة الرصد المعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([3]) استراتيجية دفاع أمريكية جديدة تشير إلى تحول في الأولويات، موقع "عربي 21"، 19/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/pRJLy6

([4]) تيلرسون: باقون عسكرياً في سورية لمنع عودة داعش، موقع "العربية نت"، 17/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/Y3DkW3

([5]) نتنياهو في مؤتمر ميونيخ: سنتحرك ضد إيران إذا لزم الأمر، موقع" DW الألماني"، 18/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/QkH2qt

([6]) روسيا ترفض «تطويقها» بالبنى العسكرية لـ«الأطلسي»، موقع "جريدة الحياة"، 19/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/7M7kVT

([7]) وحدة الرصد والمعلومات في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

([8]) غارات أميركية تقتل 200 من المرتزقة الروس في سورية، موقع "نيوز سنتر"، 14/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/TDnds6

([9])  موسكو جرّبت 200 نوع من الأسلحة في قتل السوريين، موقع "أورينت نيوز"، 23/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/cjz9EG

([10]) "كوميرسانت": تدمير سبع طائرات روسية بمطار حميميم في سورية جراء قصف بالهاون، موقع صحيفة "العربي الجديد"، 4/1/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/JEjKJR

([11]) هآرتس: لهذه الأسباب بدأت روسيا باستخدام طائرة "الشبح" في سورية، موقع "أورينت نيوز"، 26/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/7FydSG

([12]) بوتين يعرض أسلحة جديدة لا مثيل لها في العالم، موقع وكالة "سبوتنيك العربي"، 1/3/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/iutkRS

([13]) The Guardian website,18/12/2017, available on: ,How Syria's White Helmets became victims of an online propaganda machine

https://goo.gl/S2uLgf

([14]) "دير شبيغل" تكشف عن تورط شركات ألمانية بهجمات الكلور في سورية، موقع "أورينت نيوز"، 6/2/2018، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/bcAkmf

([15]) السويد تستعد لحرب مع روسيا!، موقع "روسيا اليوم"، 16/12/2016، متوافر على الرابط الآتي: https://goo.gl/BFr4WL

التصنيف أوراق بحثية

مدخل

شكلت مواقف دول الخليج حالات داعمة للقوى المجتمعية الثورية السورية، حيث تولت منذ البداية طرح العديد من المخارج للأزمة السورية، وشكلت مبادراتها الدينامية الأساسية والمحركة لمبادرة الجامعة العربية الأولى إلا أن استمرار رفض النظام أدى إلى تطور الموقف الخليجي والمطالبة بتنحي رئيس النظام السوري لصالحه نائبه (المبادرة العربية الثانية)، ومن ثم رفض الحوار معه ليفضي إلى تعزيز تقديم الدعم السياسي والمعنوي للمعارضة السورية في المجتمع الإقليمي والدولي، وبلغ هذا الموقف ذروته في تلك المرحلة عندما سحبت دول الخليج سفرائها من دمشق وطردت نظرائهم السوريين من أراضيها. أما في المرحلة المسلحة فقد اتبعت كل من قطر والسعودية والإمارات سياسات تمكين المعارضة ومدها بالدعم اللوجستي بدايةً ثم دعوة المجتمع الدولي ومطالبته بتسليح الجيش السوري الحر والاعتراف بمؤسسات المعارضة الرسمية وهيئاتها، إلا أن التطورات السياسية والأمنية ساهمت في عرقلة الحركة والتأثير الخليجي، سواء تلك التطورات  الناجمة عن التدخل الروسي وما فرضه من معادلات سياسية وعسكرية جديدة، أو تلك المتعلقة بالأزمة الخليجية والتحولات المحلياتية أو تلك المرتبطة "بالتخبط" الامريكي في المنطقة وما تفرزه من تمكين للمشروع الإيراني.

تناقش هذه الورقة -متكئة على أدوات التحليل الاستراتيجي-مسببات تلك العرقلة وأثرها على العلاقة الخليجية السورية وانحسار خيارات ومساحات التأثير، موضحة طبيعة المشهد السوري بعد هذه التطورات وموجبات عودة التلازم الوظيفية مع المسارات السورية الوطنية لتحقيق الاتساق العضوي لتفريغ المشروع الإيراني المتمدد، وتستكشف هذه الورقة ميادين هذا التلازم وحزم الإجراءات الضامنة لعودة الفاعلية في الحقل السياسي والأمني والتنموي.

عوائق التفاعل الخليجي مع تطورات القضية السورية

دفعت التطورات الإقليمية والتعقيدات المحلية التي تعتري الجغرافية السورية منذ التدخل الروسي إلى ظهور عوائق مختلفة الحجم أمام القوى الإقليمية الفاعلة في الشأن السوري، مما أفرز تحولاً في مسار الحركية الإقليمية وفقاً لتغلب "المنطق الجيوأمني" على مداخل الحل والانفراج السوري وبحكم أولوية "عدم التعارض مع موسكو" التي باتت فاعلاً رئيسياً في هذه الجغرافية، ودول الخليج العربي من بين تلك القوى الإقليمية، فبالنظر لأهم تلك التطورات، فإنه يمكن حصرها بعدة دوائر "متعارضة"، فرضت على دول الخليج تغييرات  واضحة أفرزت إعادة تقييم للسلوك والأداء الخليجي، وأهم هذه الدوائر وهي:

  • الدائرة الأمريكية: إذ عزز بدايةً سلوك وأداء الفاعل الأمريكي في المشرق العربي عموماً وفي سورية خاصة، تغييباً واضحاً للمداخل السياسية وتغليباً للمقاربات الأمنية، وهو ما جعل قضايا المنطقة أزمات مزمنة "يعول" فيها على عنصر التسكين والتهدئة لخلق حالة تعافي واستقرار نسبي، الأمر الذي أعاد هندسة العناصر المشكلة للعملية السياسية في سورية، فقد ساهمت سياسة واشنطن السابقة والتي اتكأت على "ترشيد استخدام القوة" ومبدأ "القيادة من الخلف" إلى تثبيت عدة عناصر حدت بشكل موضوعي عمل الإدارة القائمة، أهمها تمكين طهران في سورية التي استفادت كثيراً من واقع ما بعد الاتفاق النووي الإيراني، وترك مساحات الفاعلية السياسية الروسية والتي اتسعت في ظل الإدارة الأمريكية الحالية.
  • الدائرة الروسية: شكل تحليل النتائج المتوقعة من تدخل موسكو كالضغط على الأسد والحد من التمدد الإيراني وضرب القوى الإرهابية، عاملاً مطمئناً للفاعل الخليجي عامة، إلا أن نمو محور (إيران، موسكو، العبادي، الأسد) وزيادة فاعلية إيران وفرض الأسد ونظامه على كل المسارات الناشئة، ساهم في تبني دول الخليج سياسة الحذر والترقب، والبحث عن هوامش حركة دافعة باتجاه الحلول السياسية، والانخراط الإيجابي في كافة الفعاليات الإقليمية والدولية المعززة لتلك الحلول.
  • الدائرة الخليجية: حيث إن عوامل كالأزمة الخليجية، والحرب ضد ميليشيا الحوثي في اليمن، وتغيير أنماط السياسات المحلية، ساهمت في تأخر الملف السوري في أولويات السياسة الإقليمية لدول الخليج، الأمر الذي ساهم في تقليص مساحات التأثير في المعادلات العسكرية في الجغرافية السورية، واضطرابٌ في أدوات التعاطي، وبالتالي اتسام الحركية الخليجية اتجاه الملف السوري بالتكتيكية والقائمة على مبادئ "الصد" و"تقليل" الخسائر.
  • الدائرة السورية: ساهم الانتقال غير المتسق في خطوات الهندسة السياسية لملامح "الانفراج" السوري (من انتقال سياسي إلى سياسات التسكين والتعافي وصولاً إلى تحويل الاستحقاقات السياسية إلى اختبارات حكومية) إلى تعقيد مآل العملية السياسية، وبالتالي تعزيز احتمالات بقاء نظام الأسد وحلفائه و"انتفاء" حصول انتقال سياسي من سلطة الأسد إلى سلطة مدنية وفق آليات العدالة الانتقالية.

بعد تلك التطورات الدافعة لتغير السلوك الإقليمي لدول الخليج في سورية، فإنه يمكن تشكيل معادلة الدور الخليجي الراهنة وفق للآتي: )الفاعلية الخليجية = أدوار إنسانية ودبلوماسية+ دعم شديد المحددات والشروط+ انخراط إيجابي في عمليات التشكل السياسي(، وتؤكد هذه المعادلة -التي فرضت نفسها بحكم تنامي معوقات الفاعلية المثلى- تضيق مساحات التأثير وتقلص الفرص الكفيلة بعدم تحول سورية سواء كجغرافية لمسرح متشظي، "تُحسن" طهران المنتشرة أفقياً في هذا المسرح استغلاله ومل فراغاته بمشروعها السياسي والإيديولوجي، أو لتحول سورية كدولة إلى كيان دولتي فاشل غير قادر على ضبط المشهد الأمني والعسكري والسياسي وترتهن دوائر صنع القرار فيه لحلفائه وشروطهم الجيوسياسية في المنطقة.

"التلازم": ضرورة وحتمية  

من جهة أولى، فإن تسارع طهران لتحسين وتعزيز تموضعها في المنطقة وإن بدى غير مستقر فإنه باتجاهات امتلاك شروط التمكين، إذ يساهم تفتيت أهم المسارح الجيوسياسية في المنطقة في إضعاف دول الأطراف وتصدر طهران لدفة القيادة التي ستحاول من خلالها التحكم في ملفات المنطقة بغية ضمان عودته لممارسة دوره الشرطي قبل أحداث الربيع العربي من جهة ولاستكمال مشروعه الاستحواذي على مراكز القوة في المجال الحيوي والجيبولتيكي لهذه المنطقة.

ومن جهة ثانية، فإن عدم تحول الفعل الخليجي لاستراتيجية متكاملة قادرة على الدفع باتجاه تضمين الاتفاق السياسي المتوقع للشروط الأمنية والسياسية المحلية المتقاطعة مع محيطها العربي، واكتفائها في سياسة الصد، يسهم على المدى الاستراتيجي بإعادة فرز السلطة الحاكمة بكل ما تعنيه العودة من تعاظم شروط اللاستقرار والفوضى والتحكم في بؤر الإرهاب واتجاهاته.

 ومن جهة ثالثة، فإن التدخل الروسي الذي يحاول استثمار "نصره" العسكري في ميدان السياسة و"رعاية" عملية سياسية لا تفضي لمعالجة أسباب الرفض والقطيعة المجتمعية، فإنه ينمي مناخات الانحدار باتجاه الأفغنة القابلة للتدحرج لتغدو سمة المنطقة ككل، وبالتالي فإن كافة المؤشرات تدل على أنها خطوات ديكورية في "مسلسل ادعاءات" الحل السياسي، وهو أمرٌ ينبغي أن تبقى دول الخليج مدركةً أبعاده السلبية على المنطقة ككل،

تحتم الاتجاهات أعلاه على دول الخليج تجاوز معطلات التأثير في الملف السوري سواء المرتبطة ببنيتها الداخلية أو المتعلقة بضرورات اتساق الرؤية والأدوات الخارجية، وإعلاء أولويات التلازم الأمني والسياسي  السوري الخليجي، والاستمرار بالضغط على الفواعل الدولية لتبقى القضية المجتمعية هي المحرك الأساس في أي عملية سياسية، مستغلة عوامل في تمكين القوى الاجتماعية سياسياً واقتصادياً  وتعزيز أدوار المجالس المحلية التي هي نتاج شرعية شعبية، وهو أمر سيكون صاداً للمشروع الإيراني غير المنسجم مع هوية المنطقة وتفاعلاتها من جهة، وسيعزز من مناخات صد وتجفيف قوة الجماعات العابرة للحدود واسقاط ورقة لطالما احسنت قوى الاستبداد توظيفها في تمزيق البنية المحلية واستغلال ذلك لإعادة شرعنة بقائها.

اتساقٌ سياسيٌّ

انطلاقاً من ضرورة وأهمية هذا التلازم، فإن ملامح أي انخراط استراتيجي خليجي ينبغي له الانطلاق من اعتبارات سياسية واقعية؛ وضرورات إعادة تقييم لأدوار التأثير محلياً والبحث عن أنماط تغييرها باتجاهات تعزيز التلازم؛ بالإضافة إلى أولوية تعزيز المشروع الصاد لطموحات طهران، وعليه يمكن– كمحاولة لرسم هذه الملامح –تحديد ثلاثة أطر للفاعلية، الأول متعلق باستنباط عناصر التأثير الكامنة في العملية السياسية وسبل تعزيز مقاربة التلازم، والثاني مرتبط بتحديد الأدوار المحلياتية، والإطار الثالث يحدده واقع المشروع الإيراني وآفاقه وسبل مواجهته وتحجيمه. فإذا ما انطلقنا من في هذا القسم من الإطار الأول، فإن المشهد السياسي الراهن بات يؤكد على ثوابت جديدة، لا سيما تلك التي تعد نتائجاً للتدخل الروسي، ومنها نذكر:

  1. الاستثمار السياسي الروسي لمخرجات الأستانة، والدفع السياسي باتجاه بلورة مسارات سياسية "تجد طريقاً للحظها في حركية العملية السياسية" وتخفف من تكلفة تدخلها وتسهل من استراتيجية الخروج.
  2. انسجام نتائج التدخل مع فكرة تثبيت نظام الحكم واجراء تغييرات واصلاحات شكلية ومن داخله، واتساقه مع الهواجس الإيرانية بحكم العلاقة الوظيفية التي تضبط علاقات موسكو بطهران في سورية لا سيما فيما يرتبط بالشق الميداني، وبذات الوقت يعمل على اصدار نتائج ينبغي لها أن تحتوي عنصر جذب لأنقرة تجاه موسكو التي لا تزال تتطلع لعلاقات أمثل مع الولايات المتحدة.

إلا أن إدراك موسكو لثابتين يتعلقان بالنظام (الأول: عدم قابلية تحمل بنيته لأي تغيير حقيقي؛ والثاني عدم نجاعة تزمين خفض التوتر من زاوية عدم قدرة النظام على الحفاظ على المكتسبات العسكرية، وبالتالي العمل على أولوية الاستعجال في الخطوات السياسية اللازمة وانجازها شكلاً على الأقل) يجعل عملية الهندسة الروسية للحل السياسي عملية يعتريها العديد من العراقيل وعناصر اللاستقرار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن العملية السياسية وفق المخيال الروسي لا تزال مرتبطة حالياً بمرحلة تفاوضات مع الأطراف الإقليمية المعنية، ومتعلقة بمدى مقاومة المجتمع الدولي لهذه الخطوة الروسية التي ستسحب تدريجياً مرجعية جنيف، هذا المجتمع الذي وإن تماهى بحكم التدخل العسكري مع المخرجات الروسية، إلا أنه يدرك أن الأمر بنهايته رهين التقارب الروسي الأمريكي، وهذا ما لم تتعزز مؤشراته المرتبطة بالشروط الأمنية السورية المحلياتية([1]).

ووفقاً لأعلاه وبالتقاطع مع الشروط الوطنية كانتفاء مسببات الإرهاب والربط العضوي بين الانتقال السياسي والاستحقاقات الأخرى، فإنه يمكن تحديد عناصر الفاعلية السياسية الخليجية بأربعة مداخل:

  1. الدفع باتجاه تبني سياسة خليجية وعربية موحدة حيال نظام الأسد، وتبيان الأضرار الاستراتيجية والتكاليف السياسية البالغة من عملية إعادة شرعنته، والعمل على إصدار بيان عربي موحد، فوجوده في النظام العربي يهيأ الظرف المكتمل لطهران لتحويل سورية لمنصة قلق وفوضى إقليمية.
  2. استراتيجية تفاوض خليجية موحدة مع موسكو لتضمين العملية السياسية الشروط السياسية المناسبة لخلق بيئة محلية مستقرة، كجلاء كافة الميليشيات الإرهابية التي تساند نظام الأسد، وبرامج زمنية للانتقال السياسي وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
  3. دعم الفعاليات السياسية والإدارية الوطنية في مناطق خفض التصعيد، وفقاً لعناصر استراتيجية التمكين المحلي التي تستوجب العمل على تعزيز أربعة عناصر، تطوير عمليات الحوكمة في مناطق سيطرة المعارضة، وتدريب البنى الإدارية وتقوية أدائها السياساتي، برامج مكافحة التطرف الوطنية، دعم مجالس الحكم المحلي كديناميات حكومية صادة لمشاريع جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً).
  4. تدعيم القدرات الدفاعية لمنظومة الجيش الحر، وما تستوجبه من عمليات تحصين وحماية مناطق خفض التصعيد من أي اختراق محتمل من قبل النظام وحلفائه أو من قبل تنظيم الدولة الذي بات يعلي مقاربة المجموعات السائلة كمبدأ للاختراق وإعادة السيطرة وتحسين التموضع.

تفريغ المشروع الإيراني

تدلل الخريطة أدناه على واقع إيران العسكري والأمني في سورية في عام 2017، فبالإضافة إلى قواعدها العديدة في سورية (فعلى سبيل المثال يمتلك الحرس الثوري لوحده -عدا الميليشيات الأخرى-ثلاثة قواعد كبيرة في الكسوة بريف دمشق ومنطقة صلنفة في الساحل السوري ومنطقة السبع بيار في البادية السورية، عدا عن نقاط الاتصال والتسليح في مطار دمشق الدولي والزبداني وجمرايا في ريف دمشق ومدينة البعث في القنيطرة، والحاضر في ريف حلب) تنشط إيران حالياً على أربعة أبعاد:

  • سياسياً: إذ مكنتها منصة الأستانة الدفع باتجاه المشاركة في بلورة معالم الطريق للحل السياسي
  • عسكرياً: تقاتل طهران وميليشياتها على عدة جبهات في دير الزور والقنيطرة ودرعا وريف حمص الشرقي.
  • اقتصادياً: البدء في استحواذ مشاريع استراتيجية كالطاقة والمواصلات والعقارات.
  • إدارياً: فبالإضافة إلى سيطرتها وتحكمها في خيارات وسياسات المجالس البلدية والمحلية في مناطق سيطرتها، باتت إيران متحكمة في معظم المعابر الشرقية ناهيك عن المعابر مع الحدود الإيرانية.

بالمقابل ورغم تنامي العناصر المكملة للمشروع الإيراني وبلوغها مستويات متقدمة، إلا أن عوامل تفريغ هذه المشروع وتحجيمه لا تزال تمتلك فرصاً عديدة يمكن لدول الخليج استغلالها، خاصة أن أي حالة سياسية محتملة ستعترضها بنية أمنية هشة ومناخ فوضوي لا يمكن أن يفضي للتعافي والاستقرار المجتمعي، ومن هذه الفرص نذكر حزم الإجراءات التالية:

  1. البدء بحملة سياسية ودبلوماسية في كافة الفعاليات الإقليمية والدولية لتوصيف كافة الميليشيات الإيرانية كقوى إرهابية، واعتبارها قوى معطلة لمسيرة "السلام" ومغذية لخطاب التطرف والإرهاب.
  2. البحث عن علاقة وظيفية مع تركيا، تشكل عامل معادل لعلاقتها مع أنقرة التي فرضتها ضرورة الجغرافية والمعادلات العسكرية والأمنية في سورية.
  3. دعم كافة الاتفاقيات الأمنية المثبتة لمناطق خفض التصعيد مقابل جدول زمني لانسحاب الميليشيات الإيرانية من المجال الحيوي لهذه المناطق تمهيداً لخروجها من سورية.
  4. دعم مجموعة من الفعاليات المدنية والإعلامية والبحثية والقانونية الهادفة لخلق حالات محلية صادة للمشروع الإيراني.

إعادة الإعمار والبوصلة السياسية

تشكّل إعادة الإعمار في سورية مهمة بالغة التعقيد والتشبيك مع المسار السياسي؛ فبحسب ما هو متعارَف عليه حول المعافاة وإعادة الإعمار بعد النزاعات، يجب أن تتم إعادة البناء المادّية والمعافاة الاقتصادية والإصلاحات السياسية والمصالحة المجتمعية بصورة متزامنة من أجل نقل البلاد من حالة الحرب والفوضى إلى "السلم والاستقرار". لكن في سورية، ثمة خطر بأن يتواصل الجزء الأكبر من إعادة الإعمار والمعافاة الاقتصادية بمعزل عن المفاوضات والإطار السياسي الملائم لشروط التعافي، إذ يمكن أن تتحوّل إعادة الإعمار بسهولة إلى أداة لتثبيت مكاسب الحرب وديناميكيات النفوذ القائمة، ما يحول دون عملية الانتقال من الحرب إلى السلم أو يطرح تعقيدات أمامها، بدلاً من دعمها،  كما أن اهم ما يعزز هذا الخطر أنه مع تقدّم عملية إعادة الإعمار، ستواجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، معضلةً بين الاستثمار في إعادة الإعمار "التقنية" – التخلّي عن فرض شروط على المساعدات، والاتجاه بحكم الأمر الواقع إلى مكافأة النظام والمساهمة في ترسيخه لنفوذه على الأرض – وبين رفض المشاركة في عملية إعادة الإعمار برمتها، ما يُعرِّضهم لخطر خسارة مزيد من التأثير[2].

 ورغم ذلك تتيح إعادة الإعمار فرصة لدول الخليج بتعزيز الاتساق السياسي مع الحاضنة المجتمعية السورية وزيادة أوراق التأثير والمساهمة في عملية التشكل السياسي لسورية ورسم معالمها المستقبلية، فإعادة تصوّر المشهد بكافة أبعاده لا يمكن له أن يتم دون إعادة صياغة الديناميكيات السياسية وديناميكيات النفوذ أو ترسيخها.[3] وتدرك دول الخليج طبيعة العلاقة بين إعادة الإعمار والحكم والنفوذ. فحتى فيما يتفاوضون على الترتيبات المتعلقة بنزع التصعيد ووقف إطلاق النار، فأنهم سيسعون أيضاً إلى ترسيخ دوائر نفوذهم في سورية عن طريق إعادة الإعمار. على سبيل المثال، تستثمر تركيا في إعادة إعمار البنى التحتية المتضررة من الحرب في الباب، آملةً بأن يساهم ذلك في طرد المجموعات المتطرفة وتشجيع عدد كبير من اللاجئين الذين تستضيفهم داخل الأراضي التركية، على العودة إلى سورية، وليس الهدف من هذه الجهود بسط الاستقرار في الوقت الراهن وحسب، إنما أيضاً تمكن ورائه أسباب سياسية.

وعليه يمكن تحديد ملامح سبل فعالية دول الخليج في سياسات إعادة الإعمار في عدة اتجاهات، أهمها ما هو مرتبط بمتطلبات تعزيز التواصل ما بين منظومة مجلس التعاون الخليجي مع الاتحاد الأوروبي (الداعم المادي الأكبر لإعادة الإعمار في سورية) والتوصل لمذكرات تفاهم وتنسيق وتعاون لإنجاز هذا التحدي، والعمل على الدفع باتجاه تحديد الشروط السياسية لبدء هذه العملية، والحذر من تحول هذا الملف من استحقاق سياسي داعم للاستقرار إلى تحدي حكومي يتوه في دهاليز البيروقراطية وشبكات الفساد الأسدية والإيرانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه من أدوات الفاعلية يكمن في إنشاء منظومة التعاون الخليجي لصندوق مالي داعم لسياسات إعادة الإعمار وما تتطلبه من دراسة احتياجات وسياسات تنفيذية وبرامج تطوير الأداء والعودة الكريمة للاجئين والنازحين، والتركيز المباشر على مناطق سيطرة المعارضة وما تتطلبه من احتياجات تؤهلها لإدارة هذه العملية.

ختام القول

تتعاظم شروط التشكل السياسي غير المتسق مع طبيعة وتعريف القضية السورية التي تشهد تغييراً لمفاهيم سياسية كالانتقال والتغيير السياسي لصالح تسوية تفرغ الاستحقاقات السياسية الضامة لبناء سورية بما يتسق مع هويتها الحضارية وتحولها لمهمات حكومية غير مستعجلة وغير مرتبطة ببوصلة سياسية، وهو ما من شأنه تحول سورية لدولة فاشلة مزمنة تتحكم طهران في معظم دوائر صنع قرارها، وهو ما سيرتد فوضى أمنية متنامية على البنية السورية والخليجية والعربية، الأمر الذي يحفز دول الخليج لإعادة تقييم سياساتها تجاه الملف السوري ودراسة أسباب إعاقة فاعليتها عبر تعزيز مقاربة التلازم السياسي والأمني مع الملف السوري، والبحث عن امتلاك دوائر تأثير تضمن من خلالها دول الخليج إيقاف السيولة المتأتية من المشهد السوري وتضمين خطوات هندسة الحل أبعاده السياسية والاجتماعية الكفيلة بتحقيق الاستقرار والتعافي في سورية من جهة وتقوض وتفرغ المشروع الإيراني من جهة أخرى.

 

المصدر مجلة آراء حول الخليج


 ([1]) التثمير الروسي للمسار السياسي لما بعد الأستانة، تقدير موقف صادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ 13/11/2017، الرابط: https://goo.gl/6sN4h8

([2])  Benedetta Berti, “Is Reconstruction Syria’s Next Battleground?”, Carnegie endowment for international peace, 5/9/2017, https://goo.gl/xFWLxX

 ([3]) لقد تكبّدت سورية، خلال الأعوام الستة الماضية، خسائر تراكمية في إجمالي الناتج المحلي تخطّت 226 مليار دولار، وأصبح نصف سكّانها في عداد النازحين بسبب النزاع، ولحقت أضرار كبيرة بالبنى التحتية المدنية. بحسب التقديرات الواردة في تقرير صادر عن البنك الدولي في العام 2017، دُمِّر 27 في المئة من المنازل في المراكز المدينية التي خضعت للتقويم، أو لحقت به أضرار، ويُقدَّر مجموع تكاليف إعادة الإعمار بـ200 إلى 350 مليار دولار

التصنيف أوراق بحثية

حركة سياسية ثقيلة، عطالة ذاتية، أخطاء متراكمة متزايدة، بوصلة عمل مشتتة، فقدان القرار الوطني المستقل، تأجيل الامتحانات والتحديات، تلك هي السمات الأبرز للأداء السياسي للمعارضة السورية خلال سنين الثورة السورية، ذاك الأداء الذي ابتدأ سيره من جديد إبان اندلاع ثورة الكرامة والحرية في سورية بعد أن كان في حالة سكون وظيفي قبيلها، فتحفز واستلهم من هتاف ومظاهرات الثوار موجبات حركته، مجددًا الأمل بفاعلية سياسية تنهي حكم النظام القائم وتؤسس لانتقال سياسي يخلق مناخات حرية الاختيار والتعبير وتحرر الإرادة الشعبية ويضمن لها مشاركة فعالة في صنع قرار بلدهم وبناء مؤسساتها وفق فلسفة الكفاءة والحرفية وتعزز من سبل تنمية مواردها البشرية والاقتصادية.

"لم تنجح المعارضة السورية في التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض"

إلا أنها ومنذ اللحظات التنظيمية الأولى حتى يومنا هذا لم تنجح المعارضة السورية بأن تكون على مستوى تطلعات الثورة وأهدافها، ولم تنجح في التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض.

فحتى هذه اللحظة لا تزال الممارسة السياسية للقوى المكونة للمعارضة تعكس خلطًا بين أدوات ومفاهيم العمل السياسي الحزبي المعارض (الذي اعتادت عليه تاريخيًا) ومفاهيم وأدوات الحكم وممارسة السيادة.

صحيح أن جل أسباب التعثر السياسي ترتبط بعوامل خارجية تتعلق بطبيعة المقاربة الأمنية الدولية السائدة لحل الأزمة السورية، وصحيح أيضًا أن سياق التحولات السياسية إقليميًا ودوليًا ساهم بشكل وبآخر في تغيير تموضع المعارضة لا سيما بعدما غدت الجغرافية السورية "مسرحًا جيوسياسيًا" ترتجي الفواعل الدولية والإقليمية تحويله لـ"بوابة تدخل" يسهم في تكوين نظام سياسي إقليمي يراعي شروط تلك الفواعل ومشاريعها السياسية ، إلا أن الأسباب الذاتية للأداء السياسي الكارثي حاضرة وبقوة، ولا يمكن إغفالها لأن اتساق الحركة وانسجامها مع الأهداف الاستراتيجية لطالما ارتبطت ارتباطًا عضويًا في بنية الجسم السياسي وفواعله ونجاعة أدائه العام.

انبثقت أولى الاعتلالات الوظيفية لأجساد المعارضة مع عدم بنائها وفق قواعد تمثيلية حقيقية، مُحدثةَ شبه قطيعة مع جلّ الهيئات المدنية والثورية في الداخل السوري، فحاولت ولأسباب تتعلق بفهم المعارضة آنذاك باقتراب سقوط النظام، أن تحاكي شكلًا تجربة المجلس الوطني الانتقالي الليبي أولًا، ثم تدارك ذلك الاستعجال بالائتلاف الوطني للمعارضة وقوى الثورة كجسم يدير شؤون "المرحلة الانتقالية"، وبهذا تم إنتاج أجسام بعمر افتراضي قصير، ووظيفة سياسية وإدارية تجاوزها السياق العام للمشهد السوري، وقوى تقليدية غير قادرة على القيام بسلوكيات رجال الدولة وتمتهن الطروحات الشعاراتية فقط.

وحتى ما قام به الائتلاف من عملية توسعة (معادلة كفة الإسلاميين بديمقراطيين) أتت لتتوافق مع المزاج الدولي الدافع باتجاه عملية تفاوض سياسية في جنيف أكثر مما تمليه ضرورة الإصلاح والتماهي مع الداخل السوري الثائر وما يتطلبه من احتياجات تتفاقم وتزداد شدتها مع بدء ظهور التنظيمات المتطرفة، فلا أدار ملفاته التفاوضية باقتدار وحرفية، ولا اتبع استراتيجية تفاوض واضحة.

"المراهقة السياسية التي مارسها الائتلاف في بداية تشكيله و"نجاحه المذهل" في تصدير صورة مثبطة عن طبيعة عمله المتوقع لا سيما بعد مسلسل الاستقالة التي تم الإعلان عنها قبيل تسليم الائتلاف كرسي سوريا في جامعة الدول العربية"

خلال كل ذلك اختلج بالائتلاف عطالة سياسية محكمة، فمن جهة أولى ثبت التدافع والتنافس البيني لمكوناته السياسية معادلة ذات مخرجات صفرية وعناصر تقليدية ثابتة لا تتبدل، ومن جهة ثانية أضحى انعكاسًا للتضارب الدولي الذي دعم وجود وكلاء سياسيين له ضمن هذا الجسد الثقيل يجعل مجموع قراراته تشبه أحجية (تعا ولا تجي)، ومن جهة ثالثة ازدادت تلك العطالة بالمراهقة السياسية التي مارسها الائتلاف في بداية تشكيله و"نجاحه المذهل" في تصدير صورة مثبطة عن طبيعة عمله المتوقع لا سيما بعد مسلسل الاستقالة التي تم الإعلان عنها قبيل تسليم الائتلاف كرسي سوريا في جامعة الدول العربية، ومجموع المبادرات "العاطفية" التي وجهها للنظام، وعدم الخبرة في التعاطي السياسي والدبلوماسي مع القوى الإقليمية والدولية، والمهاترات البينية، إلخ.

أما الهيئة العليا للمفاوضات -هذا الجسد الذي كُلفت الرياض في اجتماعات فيينا أواخر عام 2015 بدعم تشكليه ضمن أول مخرجات التشويه الروسي للعملية السياسية الذي أراد الإمعان في تمييع صف المعارضة -لم تستطع أن تستغل التوافق والدعم الشعبي الذي تشكل حينها تجاهها جراء المواقف السياسية الصلبة الصادرة عنها، ولم تستثمر هذا التوافق لفرض وثائق القاهرة المنجزة في عام 2012 كمرجعية سياسية للهيئة.

تلك الوثائق التي من أفضل ما خطته المعارضة خلال سنين الثورة، بل وبحكم وراثتها لجميع الإشكاليات المتراكمة من سابقيها وزاد عليها تضمينها اتجاهات سياسية تختلف مع بعضها البعض حتى في الأولويات العامة، لم تستطع الهيئة ضبط هذه البنية الشديدة التحول والسيولة، الأمر الذي ساهم مع عوامل سياسية أخرى في فقدانها لاحتكار تمثيل المعارضة في المفاوضات إذ شاركتها منصتا موسكو والقاهرة هذا الاحتكار، ليبدو المشهد التفاوضي إذا ما عزلنا التصريحات الإعلامية أقرب لتفاوض النظام مع فريق يتفق مع أكثر من نصفه.

ولعل أخطر الاعتلالات الوظيفية للمعارضة تزايد طردًا مع تنامي مستويات الصراع في سورية وبروز الإرهاب فيها، إذ تعاملت المعارضة في هذا الصراع بوجدانية مغرقة أكثر مما يفرضه مبدأ الحسم تجاه تنظيمات عابرة للثورة ولها مشاريع تهدد هوية البلد وفعله الحضاري، فلا وظفته كباقي الفواعل السياسية، ولا حسمت باكرًا موقفها منه، وسجلت عجلة السياسة في هذا السياق في سجل المعارضة وقوعها في المحاذير الوطنية وعدم إنجازها لوثيقة وطنية حاسمة رافضة لأي قوة لا تؤمن بأهداف الثورة وتريد حرفها.

الأمر الذي أفرز تأخرًا في إدراك خطورة العناصر والجماعات الجهادية الأجنبية التي تغلغلت داخل تشكيلات الثورة السورية بحجة مظلومية و"نصرة" الشعب السوري، والتعاطي معها دون إدراك أبعاد مشاريعها الذاتية وحجم انتماءاتها التنظيمية، وهو ما أدى بشكل أو بآخر لظهور تصنيفات متعددة في جسد المعارضة ثم المطالبة الدولية بعزلها عن المتطرفة.

"مضت ولا تزال المعارضة قدمًا باتجاه موتها السريري، إذ إن كل المؤشرات تدل على هذا المآل، فلا أفعالُ مراجعة، ولا بدء بتقييم الأدوات سوى بضع محاولات ترقى أن تكون استعراضًا لمص الصدمة ليس إلا"

وصلت الارتكاسات السياسية الذاتية للمعارضة مداها الأوسع بعد معركة حلب، والتي تبين أنها لم تعد قادرة على الفعل السياسي ولو بأدنى درجاته، فمرت كوارث التدخل الروسي وما حملته من تغييرات ديموغرافية وعسكرية واضحة دون أن يلمس المراقبون لهذه الأجسام أي استراتيجية تعاطي إبان هذا التدخل، فبعد هذه المعركة مضت ولا تزال المعارضة قدمًا باتجاه موتها السريري.

إذ إن كل المؤشرات تدل على هذا المآل، فلا أفعالُ مراجعة، ولا بدء بتقييم الأدوات سوى بضع محاولات ترقى أن تكون استعراضًا لمص الصدمة ليس إلا، ولا تدارسًا موضوعيًا لصلاحية البُنية الحالية لهذه المرحلة بعد أن اتخذت شكلًا ثابتًا ومصمتًا خلال الأعوام الستة الفائتة، الشكل الذي حال دون أي فعل سياسي حقيقي يُحدث أثرًا ملموسًا سواء على المستوى المحلي كتنظيم الصف الثوري الداخلي أو على المستوى الخارجي كتمثيل بديل مقنع للمجتمع الدولي، مما ولد فراغًا سياسيًا في الثورة السورية، وغُربة عن الشارع الثوري والذي عزز من عدم ملاحظتها في معادلة الصراع السوري، وأعلى من شأن الخيارات العسكرية التي اتسم حراكها بالفصائلية المغرقة وغيبت أثر وفعالية الحراك المدني والسياسي وأقصته وتدخلت في جميع مفاصل المحلياتية.

"لا يمكن للتاريخ عندما يتحدث عن ثورة العز والكرامة في سوريا وما سطرته من تضحيات في سبيل العيش الحر الكريم إلا أن يُحمل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري مسؤولية تعثر الأداء السياسي"

يمكنني القول متوجعًا إنه لا يمكن للتاريخ عندما يتحدث عن ثورة العز والكرامة في سورية وما سطرته من تضحيات في سبيل العيش الحر الكريم إلا أن يُحمل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري مسؤولية تعثر الأداء السياسي وعدم استغلال الفرص وتغييب الرشد، وسيسجل بخط ممزوج بالدم والألم أن اليسار المعارض كاليمين غرقا بالأوهام وأتقنا الاستعراضات الأيديولوجية بينما عجلة الثورة السياسية لا تزال تنتظر من يرتقي بأدائه لمستوى تضحياتها التي أتعبت التاريخ وأثقلت الجغرافية.

المصدر نون بوست

التصنيف مقالات الرأي

شارك مركز عمران للدراسات الاستراتيجية ممثلاُ بالمدير التنفيذي الدكتور عمار قحف بأعمال مؤتمر عقده منتدى الشرق بتاريخ 19 آذار 2017، بعنوان: "نحو البنية الجديدة للأمن في منطقة الشرق الأوسط".

تحدث الدكتور عمار خلال مشاركته عن ضرورة إعادة الاستقرار الأمني في سورية، وهذا يتطلب حكماً إخراج كافة القوى الأجنبية الإرهابية إضافة إلى المليشيات الداعمة للنظام والتي يفوق عددها 60 تشكيل عسكري، منوهاً إلى أن مصدر الإرهاب والاستقطاب الطائفي في المنطقة هو النظام السوري وداعميه.

كما أكد أن إعادة الاستقرار الامني في سورية يبدأ من الأدنى إلى الأعلى بمعنى تمكين المجالس المحلية الفرعية ومجالس المحافظات لتقوم بإعادة ضبط المشهد الأمني.

كما ناقش المؤتمر أسباب فشل الدول والأنظمة في عملية ضبط الأمن في عدد من بلدان الشرق الأوسط، مركزاً على الظواهر المليشاوية التي بدأت بازدياد في ظل سباقات التسلح الحاصلة في المنطقة.

يجدر بالذكر أن المؤتمر حضره العديد من الخبراء وصانعي السياسات والمسؤولين الحاليين والسابقين، فضلا عن ممثلين من الوكالات الدولية، لتبادل وجهات نظرهم، وتقديم رؤى جديدة حول القضايا الأمنية الحالية، واقتراح الأطر لبنية أمنية جديدة في المنطقة.

التصنيف أخبار عمران

استضاف برنامج "من تركيا" على قناة الأورينت السورية، الدكتور عمار قحف، مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، للحديث عن مسار مؤتمر جنيف4 ومآلاته في ظل الانسداد السياسي القائم.

قدّم مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية تحليلاً معمقاً للدور الروسي المتعاظم في سورية، وهو الأكبر منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وحلل أساليبها في خلق منصات متعددة لإضعاف المعارضة السورية لصالح نظام الأسد.

وإجابة منه على سؤال حول سرّ تعدد منصات المعارضة في مؤتمر جنيف، وتأثيرها على المسار السياسي في جنيف، أجاب الدكتور عمار قحف، بأن غاية روسيا من صناعة منصات موالية لها، هو الإعداد للمرحلة المقبلة من المفاوضات لضمان مصالح موسكو في سورية.

كما تناولت المقابلة الحديث عن بيانات جنيف1 ومساعي الروس للالتفاف على البيان من خلال اعتماد سياسة الغموض البناء على الرغم من مبادرة موسكو نفسها لصياغة البيان.

 

 

الجمعة, 27 كانون2/يناير 2017 18:00

الواقع الأمني في سورية وسبل حوكمته

تُفند وتُقيم هذه الورقة البُنى الأمنية المتعددة في سورية بدءاً من مناطق سيطرة النظام السياسية ومروراً بالمعارضة وانتهاء بمناطق الإدارة الذاتية. ثم توضح الإجراءات التي ينبغي اتباعها قبل الشروع في حوكمة الأمن في سورية، كما أنها تقدم اقتراحاً أولياً يوضح الوظائف والأجسام الأمنية القطاعية وعلاقتها مع المركز والطرف بما يعزز شروط التمكين المحلي ويحمي استقرار ووحدة البلاد.

أولاً: البيئة الأمنية في مناطق سيطرة النظام السياسية

إن النظر للبيئة الأمنية في مناطق النظام على أنها متماسكة وتخضع لقوة أمنية مركزية مضبوطة، هي نظرة يتجاوزها الواقع، منذ بدء تدفق الميليشيات الأجنبية الحليفة للجغرافية السورية ولقرار تشكيل مجموعات عسكرية محلية يُشرف عليها كبار رجال النظام. لقد ساهم تراكم الفشل الأمني للأجهزة الرسمية وعجزها عن مواجهة تمدد الحراك الثوري في دفع النظام إلى مجموعة إجراءات آكلت سلطته الأمنية المركزية بدءً بتشكيل الميليشيات المحلية المساندة تحت رعاية جيش النظام السوري أو الفروع الأمنية. وأدت هذه السياسات إلى استبدال النظام سلطته الواقعية المكثّفة في المؤسسة العسكرية والأمنية بمرتزقة من السكان المحليين المنتسبين إلى ميليشيات مسلحة نمت وتوسّعت في الحجم والتأثير خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

إن من شأن هذه المجموعات أن تُشكّل خطراً حقيقياً على النظام في حال خروجها عن سيطرته. فإذا اكتسبت قاعدة واسعة من الأتباع على الأرض وبنت روابط متينة مع المجتمع، منحها ذلك القدرةَ على التفاوض مع النظام على السيطرة والنفوذ، والعمل مع الأفرقاء الدوليين تحقيقاً لمصالحها الخاصة التي قد تتعارض مع النظام. ولذلك، وضع النظام في رأس أولوياته، خلال العام 2016، احتواء هذه المجموعات عبر مأسستها وضمان ولائها كجزء من خطته لتأمين سُبل بقائه كعامل توازن واستقرار. لقد ساهمت تلك الإجراءات عموماً في النتائج التالية:

  1. منح الميليشيات المحلية بعض الصلاحيات الأمنية لضبط المجتمع المحلي لأماكن تواجدها إضافة إلى مهامها العسكرية.
  2. السماح بتنامي أدوارها الأمنية والعسكرية بشكل عابر للمحلياتية لتغدو معظمها ميليشيات مركزية لها أذرع وفروع.
  3. عسكرة المجتمع وربط خياراته ببقاء النظام وديمومته مما فاقم حجم التجاوزات والانتهاكات بحق الدولة والمواطن.
  4. مأسسة هذه الميليشيات بحكم الضرورات الاقتصادية وتحولها لكيانات عابرة للاستراتيجية العسكرية والأمنية المركزية.
  5. تفعيل الأذرع العسكرية للأحزاب السياسية الموالية كحزب البعث والحزب القومي السوري الاجتماعي وعزز ذلك سلطاتها المحلية وجعلها قوة أمنية شريكة تربطها مع القوة المركزية المنفعة والمصلحة المشتركة.

وباستعراض لأهم الفاعلين الأمنيين في مناطق سيطرة النظام نجدها على الشكل التالي([1]):

1.     قوات الدفاع الوطني

تشكلت في صيف عام 2012 وتُعتبر أكبر مليشيا داعمة للنظام على الإطلاق، وتضُم الآن أكثر من مئة ألف متطوع. وتتشكل من وحدات على امتداد سورية تحت إشراف موحد من جيش النظام وبقيادة العماد حواش محمد. بدأت قوات "الدفاع الوطني" على تنظيم وتدريب مئات المتطوعين في اللجان الشعبية، تحت قيادة "قوات الدفاع الوطني". تشابه هذه المليشيات الدفاع شكل مليشيا "الباسيج" التطوعية التابعة للحرس الثوري الإيراني مما يعزز القناعة أن هذه الميليشيات تشكلت تحت إشراف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني.

2.     صقور الصحراء

تأسست كـ"قوات نخبة" على يد محمد جابر، وهو رجل أعمال تربطه صلات وثيقة بالنظام. وتعمل "صقور الصحراء" في المناطق الصحراوية، وشاركت في هجوم "القريتين"، كما ساهمت في استعادة السيطرة على بلدة "كسب" في الساحل السوري. وتتكوّن من عناصر علوية وشيعية وأفراد من عشيرة الشعيطات، خُصصت مهامها من أجل قتال عناصر "داعش". وتضم هذه المليشيات عناصر مدربة، منهم ضباط وعناصر متقاعدون في الجيش ومتطوعون من الشباب السوري. وهي مليشيا مختصة في نصب الكمائن وتنفيذ المهمات الخاصة الصعبة. وتُركز على حماية منابع النفط والغاز في سورية. كما أنها تقوم بحماية أكبر مخزن للأسلحة في سورية، وهو مخزن مهين.

3.     مليشيات البستان

تعمل هذه المليشيات تحت إشراف مدير جمعية البستان للأعمال الخيرية حيث أنشأت لاحقاً فرعاً أمنياً يجتذب العلويين من مركز الطائفة العلوية في الساحل. وتنتسب عملياً وإدارياً لإشراف قطاع الجيش المحلي في مناطق عملها، وتنسق عملياتها مع "الفرقة 18". أبرز هذه المليشيات كتائب الجبلاوي في حمص، وعملت في الغوطة، وهي أكثر استقلالية من مليشيات الدفاع الوطني. ومن هذه المليشيات أيضاً فهود حمص التي تشكلت في عام 2013 وامتدت حتى عام 2015 على يد شادي جمعة المقرب من الضابط أبو جعفر، الملقب بالعقرب ومؤسس "لواء خيبر"، أحد مليشيات الدفاع الوطني في حمص. وتضم فهود حمص تحتها قوات "درع الوطن"، التي تنسق مع مليشيات "ذو الفقار" الشيعية في دمشق.

4.     ميليشيا لواء درع الساحل

أعلن بيان للحرس الجمهوري السوري في مايو 2015 عن تشكيل "لواء درع الساحل" برواتب مجزية لحماية المعقل الرئيسي للنظام واستعداده ضم متطوعين جدد لتشكيل "لواء درع الساحل"، لمدة سنتين أو لعقد دائم برواتب مجزية تصل إلى 40,000 ليرة سورية. وتم تكليف القيادة لكل من رامي مخلوف والعميد حسن مصطفى الضابط في الحرس الجمهوري لقوات النظام بهدف حماية القرى العلوية في المناطق الساحلية. ويضم الفارين من الخدمة الإلزامية في جيش النظام والمتخلفين عن الخدمة الاحتياطية وأعداداً من الجنائيين، موزعين بين قرية صنوبر القريبة من مدينة جبلة، وقرية “صطامو”.

5.     حشد الجزيرة والفرات

وهي ميليشيا تم تشكيلها في صالة المحاربين القدماء في دمشق. وتشير معلومات إلى أن هذا الحشد مكون أبناء دير الزور والرقة والحسكة، ويترأسها رياض عرسان، من محافظة دير الزور ومقيم في مدينة دمشق.

6.     المليشيات السياسية

انبثقت هذه المليشيات عن أحزاب سياسية، وعملت على حشد متطوعيها تحت شعارات حزبية أو سياسية، وأبرزها:

  • كتائب البعث: تشكلت من المنتسبين لحزب البعث في حلب، على يد القيادي هلال هلال، في صيف عام 2012، بعد أن تمكن الثوار من دخول حلب الشرقية. ثم تشكلت في اللاذقية وطرطوس ولها نشاط في دمشق.
  • نسور الزوبعة: ترمز "نسور الزوبعة" إلى شعار "الحزب القومي السوري الاجتماعي" اللبناني، الذي يؤمن بأيديولوجيا "سوريا الكبرى"، وهي مختلفة عن أيديولوجيا "حزب البعث" القومية. وشارك ما يقارب 8000 عنصراً من "نسور الزوبعة"، بينهم لبنانيون، في عمليات في سورية، لكن التركيز الأساس في حمص ودمشق، ولهم وجود أكثر من جيش النظام السوري في محافظة السويداء.
  • الحرس القومي العربي: تشكلت في عام 2013 كمليشيا قومية تتكون مما يقارب 1000 عنصر. وتتواجد في حلب ودمشق ودرعا وحمص والقنيطرة، وتضم قوميين من عدة بلدان عربية، منهم مصريون وعراقيون ولبنانيون وفلسطينيون وتونسيون وسوريون ويمنيون. وتتكون المليشيا من عدة ألوية، منها: واضح حداد، وهو قومي فلسطيني مسيحي، وحيدر العمالي، مفكر لبناني قومي، ومحمد برهامي، وهو سياسي تونسي قومي، ويوليوس جمال.
  • المقاومة السورية: وكانت تسمى "الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون"، وهي مليشيا داعمة للأسد تدعي حملها لأيديولوجيا ماركسية – لينينية. يقودها ميراج أورال، العلوي التركي الذي يحمل جنسية سورية، وكان يسمى "علي كيالي"، في سورية، وتنسب له مجزرة "البيضا" في محافظة بانياس.

7.     المليشيات الطائفية (المسيحية والدرزية)، أهمها؛

  • جيش الموحدين: أعلن عن تشكيله بداية عام 2013، وهي مليشيا مكونة من الدروز، وتعمل تحديداً في السويداء ودرعا ودمشق ومناطق الدروز الأخرى. وقد كانت لحماية الدروز، لكنها توصف أنها مؤيدة لنظام بشار الأسد تحت قيادة أبو إسماعيل إبراهيم التميمي.
  • قوات "سوتورو" وهي مليشيا محلية موجودة في القامشلي، في محافظة الحسكة، وتتكون من المسيحيين السريان، وبعض الأرمن.
  • قوات الغضب المسيحية: تأسست في آذار/ مارس 2013 في محافظة السقيلبية في ريف حمص لحماية المدينة وريفها، ومقربة من الحرس الجمهوري.
  • لواء أسود الوادي: يقوده بشر اليازجي ويتمركز في منطقة قلعة الحصن ووادي النصارى ومحيطهما حيث يتم تجنيد شباب المنطقة من الموالين للنظام ليقوموا بملاحقة أقرانهم من المعارضين. يدعي هذا اللواء حماية المسيحيين والذين تتجاوز قراهم ال 33 قرية في المنطقة. لبشر اليازجي علاقات أمنية عدة أهمها مع اللواء جميل حسن، وينُسق بشكل كامل مع العميد هيثم ديوب من المخابرات العسكرية والعقيد مفيد وردة المدني قائد ميليشيا مظهر حيدر المرتبط بالأمن مباشرة. وكل مقاتل في هذا اللواء متطوع يتقاضى راتباً من الدولة السورية وتتم معاملته وعائلته كأي جندي أو ضابط في القوات المسلحة. ويستخدم مكتب الحزب السوري القومي الاجتماعي في مرمريتا كمقر لتنسيق العمليات وللاجتماعات ومركز لتلقي طلبات التطوع وتجنيد المتطوعين التي يُشرف عليها أعضاء الحزب. كما يشارك عدد كبير منهم في العمليات القتالية ومنهم من قتل من مثل: (فادي الشامي وطوني عثمان من قرية الحواش وفراس مسوح من قرية مرمريتا وغصوب عوض من قرية التلة).

8.     المليشيات الفلسطينية

هي المليشيات التي تشكلت دعماً للنظام السوري من اللاجئين الفلسطينيين، بالإضافة لمليشيات فلسطينية كانت موجودة قبل بدء الثورة السورية، أما المليشيات والفصائل الفلسطينية التي كانت في مخيمات الفلسطينيين منذ البداية، هي:

  • الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -القيادة العامة: وبرز دور الجبهة، بقيادة أحمد جبريل، في قمع المظاهرات منذ بدء الثورة في مخيم اليرموك ودعمت جيش النظام السوري في قتال السوريين.
  • فتح الانتفاضة: تأسس عام 1983، بقيادة العقيد سعيد مراغة.
  • قوات الصاعقة: تمثل الصاعقة الجناح البعثي للفصائل المسلحة الفلسطينية، وهي مرتبطة بحزب البعث السوري، وعضو في منظمة التحرير الفلسطينية.

بالإضافة لهذه الفصائل، فهناك مشاركة من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، والحزب الفلسطيني الديمقراطي - سرايا العودة والتحرير.  أما المليشيات التي شكلها النظام السوري من الفلسطينيين في سورية، فهي:

  • قوات الجليل: تضم ما يقارب 4800 عنصر فلسطيني، تحت قيادة فادي الملاح. تدربوا على يد جيش النظام السوري وحزب الله، وشاركوا في معارك القلمون. يصفون أنفسهم بأنهم سوريو الانتماء، فلسطينيو الجنسية، ومقاومو الإيمان.
  • لواء القدس: تأسس في تشرين الأول/ أكتوبر 2013 ويقودها المهندس محمد السعيد (المرتبط بالمخابرات الجوية). ويتكون بشكل كبير من فلسطيني المخيمات في حلب، وخصوصا مخيم النيرب، وكان آخر معاركهم هي السيطرة على مخيم حندرات في حلب.
  • جيش التحرير الفلسطيني: يقوده طارق الخضري، ويختلف عن جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير. شارك في عدة معارك في سورية، أبرزها في عدرا وآخرها شمال السويداء، حيث خسروا 13 عنصرا هناك. كما شاركوا في معارك داريا وتل صوان وحصار معضمية الشام والزبداني. ويضم ثلاثة ألوية: "قوات حطين"، ومقرها في مدينة قطنا بريف دمشق، و"قوات أجنادين" ومقرها في جبل الشيخ، و"قوات القادسية"، وتنتشر بالقرب من مدينة السويداء جنوبي البلاد. ويخضع نظرياً لقيادة منظمة التحرير، وعملياً لقيادة قوات النظام السوري، رفض العديد من الضباط والعناصر فيه الانخراط في قتال الشعب السوري، فتم إعدام العديد منهم ميدانياً.

9.     الميليشيات الدرزية (كحالة خاصة مغرقة بالمحلياتية)

ساهم مفهوم الحياد الذي تعيشه محافظة السويداء في تعزيز الحالة المليشياوية المحلية التي باتت مسيطرة على الحياة المدنية لعموم السكان المحليين. ولا تتبع حواجز المحافظة للنظام فقط؛ فإما أن تتبع لمليشيا "الدفاع الوطني" أو تؤلفها "اللجان الشعبية"، أو تتكون من عناصر مختلطة تضم ممثلين عن ميليشيا "حماة الديار"، والحزب "السوري القومي الاجتماعي"، و"كتائب البعث". وحسب مراقبين محليين، فإن الحواجز المختلطة تتقاسم منافذ تهريب المحروقات المطلّة على مناطق داعش في الحدود الشمالية الشرقية للمحافظة، أو على الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية. وتتسم تلك الحواجز بكونها مصدراً هاماً للنهب العام، وتحصيل الأتاوات من عمليات التهريب وتجارة المحروقات والطحين والسجائر في دهاليز السوق السوداء. كما تنشط في المحافظة مليشيا بغطاءٍ دينيّ تتبع لنزيه الجربوع وتتقاسم مع سواها من مليشيات مسلّحة مرتبطة بالنظام بحجّة حماية السكان، وتعددت منابت المنتسبين إلى هذه الجماعة: ففيها التجّار وأصحاب محطات الوقود، الذين يحتاجون إلى حماية مصالحهم.

ثانياً: البُنية الأمنية في مناطق سيطرة المعارضة

تشكَّلت هيئات أمنية لامركزية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة كبديل عن منظومة الضبط السلطوية التي كانت قائمة في فترة سيطرة النظام السوري. وفي حين تعرَّضت العديد من تلك الهيئات الأمنية للزوال، فإن بعضها الآخر ما يزال ينشط ويقدم خدماته الأمنية. وأول الجهات التي حاولت التصدي للمهددات الأمنية كانت المجالس المحلية إذ كان لزاماً على قياداتها أن تتعامل مع عدة ملفات إشكالية فرضها الواقع الجديد كالملف الأمني، خاصة مع بروز مظاهر الفوضى الأمنية. وكان من مهامها حفظ النظام العام وحماية الممتلكات العامة.

لقد تلاشت التجربة الأمنية الأولى للمجالس نتيجة ثلاث عوامل أساسية:

  • الاقتحامات العسكرية لقوات النظام للمناطق الخارجة عن سيطرتها مما أدى إلى انهيار هياكل الحوكمة المحلية الأولية.
  • تزايد منسوب عسكرة الحراك الثوري وتولي الفصائل إدارة الشأن الأمني إضافة للعسكري.
  • بروز تجارب شرطية أولية شكلها المنشقون عن المؤسسة الأمنية.

عموماً فضلت أغلبية المجالس ترك الشأن الأمني للهيئات المختصة مدفوعة بعدة أسباب منها:

  • إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على الملف الخدمي سيما مع تزايد الأزمات الخدمية والإنسانية.
  • عدم الرغبة بالاحتكاك السلبي مع فصائل المقاومة العسكرية.
  • عدم كفاية الموارد اللازمة لتشكيل مكاتب أمنية.

وبما يلي استعراض لأهم الفاعلين الأمنيين في مناطق سيطرة المعارضة:([2])

أولاً: الشرطة الثورية

 شهد سلك الشرطة حالة انشقاقات مرتفعة مقارنة بتلك التي حدثت في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، حيث يقدر عددهم بـــ 500 ضابط وآلاف العناصر. وفي حين آثر جزء من المنشقين الابتعاد عن المشهد الميداني، انخرط قسم منهم في إدارة الأمن في مناطق سيطرة فصائل المقاومة بالتعاون مع المدنيين لا سيما مع تزايد السخط الشعبي الناجم عن ارتفاع معدل السرقات والجرائم والتعدي على الأملاك العامة. ومن التجارب التي ظهرت مع نهاية 2011 وبداية 2012: الضابطة العدلية في حريتان وتل رفعت، ومكتب الأمن الثوري، والمخافر الثورية في معظم المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام.

انتقلت التجربة الشرطية إلى طور أكثر تنظيماً مع منتصف 2012، حيث ظهرت عدة تجارب ما تزال قائمة من أبرزها:

  • الشرطة الحرة في حلب وإدلب.
  • قيادة الشرطة في الغوطة الشرقية.
  • قيادة شرطة القلمون الشرقي والبادية.
  • التجربة الشرطية في حمص الأمن الداخلي.

بالإضافة لتجارب قائمة تعمل تحت مسميات متنوعة كقوات حفظ النظام والمخافر الثورية والأمن العام واللجان الأمنية والضابطة العدلية، إلا أنها ما زالت تجارب محلية النطاق لم تتطور بعد إلى قطاعية أو مناطقية ذات هيكل مؤسسي واضح.

ثانياً: القضاء المحلي

في غياب المحاكم التي تتبع للمؤسسة القضائية للنظام، ظهرت بدائل متباينة فيما بينها من حيث مرجعياتها القانونية وآليات التشكيل وطرائق العمل وطبيعة الاختصاص والتبعية، من أبرزها:

  • مجلس القضاء الأعلى في حلب.
  • محاكم الهيئة الإسلامية لإدارة المناطق المحررة.
  • مجلس القضاء في الغوطة الشرقية.
  • دار العدل في حوران.
  • المحكمة العليا في ريف حمص الشمالي.
  • محاكم جبهة فتح الشام "النصرة" سابقاً المسماة دور العدل.

ثالثاً: المكاتب الأمنية للفصائل

شكلت فصائل المعارضة العسكرية عند بداية انطلاقها "لجان أمنية" مصغرة كان من مهامها جمع المعلومات وتحليلها وتحديد قائمة الأهداف المراد التعامل معها. وتطورت التجربة لاحقاً وتم تأطيرها بمكاتب أمنية قائمة ضمن هيكلية الفصائل. يمكن تصنيف المكاتب الأمنية للفصائل إلى أربعة نماذج:

  • المكاتب الأمنية لفصائل المعارضة المسلحة ومن أبرزها: الجبهة الشامية، جيش المجاهدين، نور الدين الزنكي، فيلق الرحمن، فصائل الجبهة الجنوبية، جيش النصر، جبهة الأصالة والتنمية.
  • المكاتب الأمنية للفصائل الإسلامية الوطنية كأحرار الشام الإسلامية، جيش الإسلام، فيلق الشام.
  • المكاتب الأمنية المنبثقة عن التحالفات العسكرية: القوة التنفيذية "جيش الفتح"، المكتب الأمني لجيش إدلب الحر، المكتب الأمني المشترك لكتائب أحفاد حمزة ولكتائب أبو عمارة، غرفة عمليات حمص.
  • المكاتب الأمنية للفصائل الجهادية فوق الوطنية كجبهة فتح الشام.

تقييم العمل الأمني في مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة

تغلب اللامركزية على إدارة الملف الأمني في مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وذلك نظراً لغياب جهة مرجعية مركزية تتولى إدارة هذا الملف. كما تفتقد هيئات الأمن اللامركزية للطابع المؤسساتي بحكم ما يلي:

  • تعدد المرجعيات: مما أدى إلى تضارب الأدوار وتنازع المصالح فيما بينها، وافتقادها للاتساق والتكاملية.
  • قلة الكادر البشري وضعف الخبرات التخصصية.
  • ضعف التجهيزات المادية واللوجستية.
  • ضعف التخطيط الاستراتيجي.

كما تتنامى الفوضى الأمنية بحكم ضعف مأسستها ومحدودية قدراتها من جهة، إضافة إلى تزايد مستوى التهديدات التي تتعرض لها من قبل القوى المناوئة لها من جهة أخرى. وتعددت مؤشرات الفوضى الأمنية التي تعيشها هذه المناطق كارتفاع عدد الحوادث الأمنية كالاغتيالات والتفجيرات وارتفاع عدد الحوادث الأمنية الجنائية كالسرقات والسلب والنهب والجرائم المخلة بالآداب العامة، ووجود بعض حالات الاعتقال والتغييب القسري والتعذيب الجسدي إضافة لانتشار مافيات السلاح وتجار المخدرات وعصابات التهريب وبيع البضائع المسروقة. ويحسب لتلك التجارب دوراً هاماً في تخفيف السيولة الأمنية ومحاربة الإرهاب المتمثل في تنظيم الدولة لا سيما في حلب وريف دمشق والقلمون وسعيها الحثيث لمأسسة العمل وقوننته عبر تسيقها الدائم مع المجالس المحلية الأكثر تمثيلاً وشرعية بين الأجسام الأخرى.

ثالثاً: البُنية الأمنية في مناطق "الإدارة الذاتية"

تتشابه الوظيفة الأمنية للفواعل الموكلة بتنفيذ المهام الأمنية في مناطق الإدارة الذاتية مع تلك الوظيفة التي كانت سائدة في مناطق النظام قبل الثورة من حيث ضرورة الضبط المجتمعي بما يتناسب مع طبيعة الفكر السياسي للجهة الحاكمة وشرعنة الاعتقالات السياسية وعسكرة المجتمع وربط اتجاهاته بالبوصلة الأمنية للقوة المركزية. وتشهد البُنية الأمنية تضارباً في المؤسسات وازدواجية في المرجعيات ما بين النظام والـ PYD. ولعل الخطر الأكبر المهدد للأمن العام هو ارتباط الأذرع العسكرية والأمنية فكرياً بحزب العمال الكردستاني ذي التوجهات الانفصالية والعدائية لدول الجوار.

بعد اندلاع الثورة بدأ حزب الـPYD بتشكيل الخلايا المنظمة وخصوصاً ضمن صفوف ما يطلق عليها "حركة شبيبة الثورة" تحت قيادة خبات ديريكي/ قيادي سابق في حزب العمال والذي تعده العديد من الجهات المؤسس والقائد الأول لوحدات الحماية الشعبية. تكاثرت التنظيمات العسكرية والأمنية للحزب لاحقاً مع تطور الأحداث، منها[3]:

1.     وحدات الحماية الشعبية وقوات حماية المرأة

تعتمد على عامل التطوع للانضمام، وتقود العمليات العسكرية الكبيرة في الأرياف وداخل المدن الموضوعة كأهداف للسيطرة عليها. ويتشكل الإطار العام للتراتبية العسكرية من رئاسة القيادة العامة لوحدات حماية الشعب والمرأة، ومن ثمَّ المجلس العسكري لهذه الوحدات، والقادة الميدانيين من قادة الكتائب والسرايا والمناطق. واستندت الوحدات في مشروعيتها العسكرية لاحقاً على المادة 15 من "ميثاق العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية" الذي تمت المصادقة عليه في الجلسة رقم 1 بتاريخ 06/01/2014، وتنص على أن وحدات حماية الشعب هي المؤسسة الوطنية الوحيدة المسؤولة عن الدفاع وعن سلامة أراضي المقاطعات وسيادتها الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب، وحماية أهدافه وأمنه الوطني. ويُقدر عدد عناصر الوحدات الحماية من 20 إلى 30 ألف مقاتل.

2.     قوات الدفاع الذاتيHPX

أقرَّ العقد الاجتماعي المُعلن من قبل الإدارة الذاتية تشكيل هيئة الدفاع والحماية الذاتية في 21/كانون الثاني 2014. وأقر المجلس التشريعي قانون الدفاع الذاتي في 13/07/2014، ويتضمن هذا القانون وجوب قيام كل أسرة بتقديم أحد أفرادها ممن تتراوح أعمارهم بين 18-30 سنة من أجل أداء "واجب الدفاع الذاتي" الذي يستمر مدة 6 أشهر وتم رفعها إلى 9 أشهر في 1 كانون الثاني 2016. ومهمة هذه الهيئة هو العمل على وضع القوانين الناظمة لعملية التجنيد الإلزامي للعناصر. وتتم هذه العملية بشكل خاص من قبل الإدارة الذاتية على الكُرد في مناطق سيطرتها، بينما تقوم الأطراف المتحالفة معها بتنفيذ الأمر في مناطق سيطرتها وبشكل خاص قوات الصناديد التابعة لعشيرة الشمر.

3.     وحدات الحماية الجوهرية HPC

تستقي مهامها وواجبتها من شروحات الإدارة الذاتية وتهدف لحماية مناطقها وأحيائها من أي هجمات قد تحدث في ظل الأحداث التي تمر بها المنطقة، كالقيام بنصب الحواجز على الطرقات العامة المؤدية إلى الأحياء، وجمع المعلومات عن أي فرد يشكّ بتحركاته في المنطقة، ومساندة وحدات حماية الشعب والمرأة في جبهات القتال، وتُنسيق مع كافة مراكز قوات الأسايش والقوى الأمنية العاملة على الأرض.

4.     مؤسسة قوى الأمن الداخلي أسايش روج آفا

تتبع للهيئة العامة، وتعمل في مقاطعتي الجزيرة وكوباني برئاسة مشتركة بين القيادي جوان إبراهيم وايتان فرهاد. وخلال ما يقارب 4 سنوات من تشكيله، تطوَّر الأمن العام من الإشارة فقط لقوات الأسايش التي تقوم بكافة المهام الأمنية، لتظهر مؤسسات أمنية تقوم بأدوار مختلفة وتتألف وفق هيكلتيها الإدارية من: شرطة المرور (ترافيك)، وقوات مكافحة الإرهابHAT، أسايش المرأة، أمن الحواجز، جهاز الأمن العام، شعبة مكافحة الجريمة المنظمة. وامتلك جهاز الأمن العام مع نهاية عام 2016، 45 مركزاً منها 21 في مقاطعة الجزيرة، 5 في مقاطعة كوباني، 19 في مقاطعة عفرين، بالإضافة لأكثر من 195 حاجز ثابت في عموم روج آفا. وبلغ عدد الأفراد والعناصر المنضمين إلى كافة هذه المؤسسات بحدود 4 إلى 5 آلاف عنصر.

وهناك مجموعة من القوات الرديفة وأهمها كتيبة الحرية العالمية والمستشارون الغربيون. ويعود سبب تشكيلها نظراً لتوافد عناصر أجنبية بهدف الانضمام لوحدات الحماية الشعبية YPG بعد انتهاء معركة كوباني ضد "تنظيم الدولة". وتم الإعلان عن الكتيبة رسمياً في 10/06/2015، في مدينة رأس العين/ سريه كانيه بقوام 25 عنصراً، واستقطبت الوحدات عناصر أجنبية من مختلف الجنسيات كان أهمها من اليسار التركي وبشكل رئيسي من الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني MLKP في تركيا، وجيش العمال والقرويين لخلاص تركيا (والأخير كان الذراع العسكري لحزبMLKP، وتعود جذوره إلى عام 1973)، وأفراد من الحركات اليسارية في أوروبا الشرقية. وتشكلت عدة تنظيمات انضم لها العناصر الجدد القادمون إلى "روج آفا". وتنقسم الكتيبة إلى لواءين ضمن تشكيلاتها، لواء (بوب كرو BCB) وينسب الاسم لزعيم نقابي بريطاني، ولواء «هنري كرازوكي» نسبةً إلى قائد شيوعي فرنسي. أما قيادة الكتيبة فقد أُسندت لفتاة كردية في الثلاثين من عمرها، اتّخذت «دنيز» اسماً حركياً، ويتم تقدير أعدادها من 200-300 مقاتل.

ولا يقتصر التواجد الغربي في المناطق الكُردية على المقاتلين المتطوعين فقط فهناك عدد لا بأس به من المستشارين الذي قدموا بهدف تدريب قوات الحماية الشعبية YPG بدايةً وقوات قسد لاحقاً، ومنهم فرنسا والولايات المتحدة وعدد قليل من البريطانيين. ويُقارب تعدادهم 500 مستشار وموجه لعمليات طائرات التحالف الدولي في مواجهة "تنظيم الدولة". ويعد حزب الاتحاد الديمقراطي حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية التي تطورت علاقتهما لتواجد قواعد عسكرية يقارب عددها 5-6، في ريف مدينة رميلان النفطية، قرية المبروكة غرب القامشلي، والثالثة في قرية تل بيدر في الريف الشمالي لمدينة الحسكة، ومقر القاعدة الرابعة بالقرب من مدينة عين عيسى، والخامسة منشآت معمل إسمنت «لافارج» الفرنسي التي اتخذتها القوات الأميركيّة مقرّاً لها.

رابعاً: ثوابت المشهد الأمني وضرورات الحوكمة الأمنية

يدلنا التفكيك العام للبُنى الأمنية الناشئة على الجغرافية السورية على جملة من الثوابت التي ستؤثر على طبيعة المخرج النهائي للجهاز الأمني العام المستقبلي في سورية وهي:

  1. اختلاف المرجعيات السياسية والفكرية والعسكرية.
  2. عدم اتساق الداعمين الدوليين في هذه البنى.
  3. اختلاف المشاريع والطموحات السياسية لتلك البُنى.
  4. عدم قدرة أي حكومة مركزية على ضبط هذا المشهد بأدوات مركزية وواقعية اللامركزية تفرض نفسها.
  5. كمون مهددات أمنية إضافية ستنفجر لحظة أي انتقال سياسي لا تراعي هذا الواقع.
  6. عدم نجاعة وصف أن بُنية مناطق سيطرة النظام السياسية متسقة أمنياً.
  7. التشكيك بقدرة النظام على ضبط بيئته الأمنية.
  8. تنامي الخواطر الأمنية في كافة مناطق سورية.
  9. ضرورة أن تتسق عملية التغيير الأمني مع معطيات الواقع الأمني العام.
  10. الاختراقات الأمنية الإقليمية والدولية المتعددة والمتضاربة.

الترتيبات الرئيسية لبناء قطاع أمني متكامل

يُقصد بها مجموعة الإجراءات والتدابير اللازمة كخطوات رئيسية لتمهيد الانتقال إلى بيئة أمنية أقل سيولة وأكثر انضباطاً عبر استراتيجية أمنية مركزية وفق الاقتراحات التالية:

  1. مجموعة مبادئ دستورية تحدد عقيدة الأمن الجديدة وفق مبادئ اللامركزية الإدارية وتربطها ببوصلة الوطن والمواطن وتحد من تدخلات الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية.
  2. خروج كافة الميليشيات الأجنبية من سورية واعتبارها خطراً أمنياً يستوجب المواجهة.
  3. اتفاق الفواعل والضامنين الدوليين والإقليميين على دعم الاستقرار الأمني وتنظيم العلاقات مع الجهة المركزية وتقديم الخبرات والدعم اللازم لتطوير البنى البشرية في تلك الفواعل الأمنية.
  4. حل كافة الميليشات المحلية وتسليم أسلحتهم للدولة كضرورة استراتيجية، أو ضبط الأداء الأمني ضمن مدونة سلوك وأهداف أمنية توقع عليها هذه الميليشيات ضمن الجهاز الأمني، يتضمن جدولاً زمنياً لتسليم السلاح والانحلال كإجراء تكتيكي مباشر.
  5. تبنِّي مُخرجات العملية السياسية ضرورة التغيير الأمني ابتداءً والتأكيد على ضرورات الدمج.
  6. ضرورة تبني الدولة لبرامج حوكمة العمل الأمني في سورية.

وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على:

  1. توزيع القوة الأمنية بشكل منظم على القطاعات الجغرافية خارج سيطرة النظام وذلك فيما يتعلق بكافة المهام الأمنية التي هي ما دون المهام السيادية.
  2. تظافر كافة الفواعل لمحاربة الإرهاب بكافة أشكاله.
  3. الانطلاق من التجارب الأمنية الناجحة والعمل على ربطها مؤسساتياً ببُنى الحكم المحلي لا سيما في مناطق المعارضة ومحافظة السويداء.
  4. إنهاء كافة المرجعيات القانونية السائدة وربطها بمرجعية قانونية موحدة تنجزها الدولة وفق الدستور الجديد.
  5. أرشفة العمل الأمني في كافة المناطق وفق نظام أرشفة خاص.
  6. التأكيد على ضرورة دعم المجتمع المدني لعملية التغيير ومراقبتها وصيانتها.
  7. تحويل كافة الفواعل العسكرية إلى أدوات تنفيذية أمنية محلية تتبع لوزارة الداخلية إدارياً مع منحها هوامش استقلالية عالية.
  8. تعزيز مفهوم التمكين المحلي أمنياً عبر ضرورات إشراف وتنفيذ أبناء المنطقة للخطة والمهام الأمنية ومراعاة البعد الهوياتي لتلك المنطقة.
  9. استصدار قانون عام ينظم تلك الأعمال الأمنية وأهدافها وحدودها وتعريف علاقتها مع الجهاز المركزي وإلزام الفواعل الأمنية بمجموعة سياسات تضمن استقلالية القرار السوري وتمنع التشظي والانقسام.
  10. اتساق السياسات المالية والإشرافية والإدارية مع مفاهيم اللامركزية الإدارية.

يُبين الشكل أدناه مقترحاً أولياً للوظائف الأمنية القطاعية

 

 

1.     الوظائف القطاعية

هي تلك الوظائف التي تمنحها السلطة المركزية للقطاع الجغرافي على سبيل توزيع القوة الأمنية:

  • حرس الحدود: وهي المتعلقة بضبط الحدود والمعابر، وهي قوة عسكرية ومحلية.
  • قوات الدرك: وترتبط بالجرائم المنظمة كالتهريب والعصابات، وهي قوة عسكرية ومحلية.
  • الشرطة المجتمعية: وتختص بالضبط المجتمعي وتتكون من عناصر مدنية مدربة، وتقوم بوظائف مستمدة من طبيعة المجتمع وهويته.
  • الشرطة المحلية: وتتبع إدارياً وهيكلياً لوزارة الداخلية، إلا أن الوحدة المحلية (المجلس المحلي) هي من تُشرف عليها وتُعين كودارها وفق الأنظمة المتبعة.
  • القوة الخاصة. وترتبط عضوياً بالقوة المركزية، وتُعد الذراع العسكري التنفيذي لهذه القوة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.

2.     الوظائف الأمنية المركزية

وهي تلك المتعلقة بالاختراقات الأمنية ومكافحة الإرهاب وجلب المعلومات الأمنية ورفدها للجهات المختصة، وحماية الاستقرار العام وضمان نفاذ القانون، وتُتَابع الأعمال الأمنية في باقي القطاعات عن طريق علاقة ينظمها القانون مع الوحدة المحلية.

 

 ([1]) معن طلَّاع، مراكز القوة الأمنية عند النظام، جزء من بحث غير منشور في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، كانون الثاني 2017.

 ([2]) أيمن الدسوقي، دراسة بعنوان: المجالس المحلية وملف الأمن المحلي: دورٌ مطلوب لملف إشكالي، دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر، الرابط: https://goo.gl/K9RzKM

 ([3]) بدر ملا رشيد، البنية الأمنية في مناطق الإدارة الذاتية، ورقة غير منشورة من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، كانون ثاني 2017.

التصنيف أوراق بحثية

ترتبط قناعة الكثير من المجالس المحلية بمركزية دورها في مجتمعاتها إلى حد كبير بموقف الناس من المجالس المحلية والدور المركزي والفريد الذي تلعبه كون أن خياراتهم تجاه الاحتياجات التي تلبيها الإدارات المحلية أو مايوازيها من هيئات مدنية مرتبطة بالبنى العسكرية هي خيارات ضيقة ولا يمكن لمنظمات المجتمع المدني ولا الهيئات المجتمعية الأخرى أن تحل محلها، ولا يمكن حتى للبنى الإدارية التابعة للنظام أن تقوم مقامها. على الأقل فيما يميز هذه البنى من القدرة على تمثيل المجتمعات المحلية وما يحمله ذلك من توفير ديناميات مؤسسية وغير مؤسسية من خلال المجالس المحلية نفسها وما تتيحه من فضاءات للحوار والمساءلة أو من خلال الهيئات والمرجعيات المجتمعية التقليدية، تمكن هذه المجتمعات من ممارسة الدور الرقابي وتوجيه المجالس المحلية لتكون أكثر تشاركية وشفافية وتعبيراً عن متطلبات وآمال المجتمعات المحلية.

أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية مطلع العام الحالي على 105 مجلساً محلياً على امتداد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وتنظيم الدولة والقوى الكردية، توجهاً متزايداً إلى اعتمادية المجالس المحلية كجهة مركزية في تقديم الخدمة وإدارة فعاليات المجتمع المحلي، حيث عبر 41 % من العينة عن اعتقادهم بأن للمجالس دور مركزي ضمن الحيز الإداري لعملها فيما ذهب 50 % بالمئة منهم إلى اعتبار مجالسهم الجهة الوحيدة التي تضطلع بالأدوار الإدارية والخدمية.

ورغم أن هذه النتيجة نابعة من نظرة المجالس المحلية لنفسها ودورها في مجتمعاتها إلا أنه لا يمكن فصل تلك النظرة عن انطباع الناس تجاه دور المجالس المحلية كون أن خياراتهم تجاه الاحتياجات التي تلبيها الإدارات المحلية أو ما يوازيها من هيئات مدنية مرتبطة بالبنى العسكرية هي خيارات ضيقة ولا يمكن لمنظمات المجتمع المدني ولا الهيئات المجتمعية الأخرى أن تحل محلها، ولا يمكن حتى للبنى الإدارية التابعة للنظام أن تقوم مقامها. على الأقل فيما يميز هذه البنى من القدرة على تمثيل المجتمعات المحلية وما يحمله ذلك من توفير ديناميات مؤسسية وغير مؤسسية من خلال المجالس المحلية نفسها وما تتيحه من فضاءات للحوار والمساءلة أو من خلال الهيئات والمرجعيات المجتمعية التقليدية، تمكن هذه المجتمعات من ممارسة الدور الرقابي وتوجيه المجالس المحلية لتكون أكثر تشاركية وشفافية وتعبيراً عن متطلبات وآمال المجتمعات المحلية.

يعبر مصطلح المجالس المحلية عن الإدارات المحلية سواء أكانت مجالس محافظات أو ما يتفرع عنها من مجالس فرعية أو لجان أحياء ولعل أبرز ما يعلل حيازة المجالس المحلية لهذه الاعتمادية من قبل مجتمعاتها المحلية، حاجة السكان الأصيلة لأدوار الدولة ضمن مستويات اللامركزية وذلك من حيث تقديمها للخدمات أو الرقابة على الجهات الموفرة لها من منظمات وجهات خاصة ضمن آليات الرقابة المجتمعية التي توفرها مؤسسة المجلس المحلي، إضافة إلى إدارة الموارد الذاتية المتوفرة ضمن المنطقة  أو الموارد الخارجية، بما يعود بالنفع العام على أفراد المجتمع من خلال ضخ عائداتها وفق خطط المكتب التنفيذي للمجلس  المصادق عليها من قبله وضمن موازناته المعلنة ، وهي مسؤوليات لاتزال المجالس المحلية بمجموعها عاجزة عن تحملها  إذا ما أضفنا إليها أهمية لعب المجالس المحلية دوراً مفصلياً في عملية التنمية والتنمية المستدامة إذ تظهر الدراسة المشار إليها قصور واضح في قدرة المجالس المحلية على القيام بأدوار رئيسية في إقامة مشاريع تنموية واقتصار دورها في أغلب الأحيان على التنسيق مع الجهات الداعمة، فيما تحكم قدرة هذه المجالس على القيام بمسؤوليتها هذه عدة عوامل أبرزها حيازتها للسلطة التنفيذية المحلية وحيازة كوادرها على مستويات عالية من الكفاءة الإدارية والتأهيل المؤسسي وقدرة المجالس المحلية على إقناع الأطراف المحلية والدولية الأخرى بأهليتها الإدارية والخدمية، إضافة إلى دفع السكان المحليين لتثبيت مشروعية المجالس المحلية أمام  المنظمات الغير الحكومية المحلية والدولية والجهات العسكرية، فيما يتنامى توجه العديد من القوى العسكرية من جهة أخرى إلى دعم مركزية دور المجالس المحلية بناء على تفاهمات وتوافقات مع المجالس المحلية أو رغبة من هذه القوى في التخفيف من الأعباء المدنية التي تحملتها في السابق ولم تنجح في تحقيق الرضى المجتمعي على أدائها بسبب قلة خبرتها وتهميشها في كثير من الأحيان لدور المجتمع المحلي في الرقابة والتوجيه وفي تحقيق ذاته ، إضافة إلى فشلها في تصميم مستندات قانونية ناظمة لعملها فضلاً عن إهمالها لتلك الناظمة للعمل الإداري والخدمي ضمن الإطار الوطني العام .

وعليه فإن أهم ما يترتب على قدرة المجالس المحلية على تحمل مسؤوليتها وتجاوز المطبات التي واجهت الهيئات التنفيذية الأخرى التي لم تحظى بالمشروعية الحقيقية ولا الشرعية اللازمة هي حيازة المجالس المحلية على:

  • الشرعية القانونية النابعة من قدرة المجالس المحلية على اعتماد اللوائح القانونية الناظمة لعمل الإدارة المحلية، وتحديد شكل علاقتها مع الحكومة المؤقتة وتأطيرها وفق القوانين المعتمدة؛
  • مشروعية الخدمة والإنجاز؛
  • مشروعية التمثيل والتعبير عن تطلعات المجتمعات ومطالبها على المستويات الخدمية والتنموية وحتى السياسية
  • مشروعية الإدارة؛
  • وأخيراً مشروعية الدولة بما تمتلكه من سلطات تنفيذية محلية تحمي المشروعيات السابقة وترسخ الشرعية وتحافظ عليها.

ومن أجل الوصول إلى هذه السوية فإن المجالس المحلية مطالبة بالعمل وفق ست حزم أساسية:

  1. حزمة العلاقات؛

تركز على إعادة رسم خارطة المستفيدين سلباً أو إيجاباً تجاه فعالية المجلس المحلي وتحديد اتجاهات هذه العلاقات وأولوياتها، ووضع آلية لاستثمارها بالشكل الأمثل. 

  1. حزمة الحوكمة وتركز على:
  • بناء إدارة مالية ناجحة ونظام سجلات وأرشفة مالية متقدم؛
  • تعزيز الانفتاح والشفافية من خلال نشر الخطط والموازنات ونشر القرارات من خلال اعتماد مكتب إعلامي؛
  • رفع كفاءة العاملين وفعاليتهم من خلال اعتماد مكتبي التدريب والموارد البشرية؛
  • تطبيق مبادئ المساءلة والمحاسبة من خلال تفعيل آليات الرقابة الإدارية من داخل مؤسسة المجلس وخارجها؛
  • تعزيز المشاركة المجتمعية والتي تتم من خلال إقامة منتديات للحوار المجتمعي خاصةً ضمن الوحدات الإدارية الأصغر (المجالس الفرعية ولجان الأحياء)، إضافةً إلى تعزيز ونشر ثقافة التطوع؛
  • تطبيق مبدأ سيادة القانون من خلال اعتماد نظام داخلي يراعي خصوصيات المجلس المحلي ويتماشى مع الهياكل والخطوط العامة للأنظمة الداخلية لبقية المجالس المحلية على المستوى الوطني.
  1. حزمة الخدمات وتهتم بما يلي:
  • تقييم الاحتياج من خلال إجراء الاحصاءات اللازمة والدراسات المعمقة وتقييم واقع الخدمات الحالية؛
  • التوثيق: بما في ذلك توثيق الحالات الإنسانية والأحوال المدنية وتوثيق المرافق العامة والمواقع التراثية والأوقاف؛
  • الإشراف على الخدمات المرفقية كالتعليم والصحة وتوفير البيئات والمباني اللازمة لعملها؛
  • الاستشعار بالأزمات والاستعداد لها؛
  • إقامة مشاريع البنية التحتية (كهرباء، ماء، طرق، نظافة)، إضافةً إلى وضع الخطط اللازمة وتقييم الاحتياج فيما يخص إعادة الإعمار؛
  1. حزمة الشرعية، والتي تشير إلى مدى انتظام المجلس المحلي ضمن الإطار الدولتي العام وتركز على:
  • اعتماد التقسيمات الإدارية واللوائح التنفيذية المعتمدة من الحكومة المؤقتة؛
  • اعتمادية المجلس المحلي من المستوى الإداري الأعلى ومن الحكومة المركزية؛
  1. حزمة المشروعية، والتي تشير إلى قدرة المجلس المحلي على حيازة رضى المجتمع المحلي من خلال إدارة الموارد والتعاطي الفعال مع الشكاوى، إضافةً إلى قدرة المجلس على تمثيل شرائح المجتمع المختلفة؛
  2. حزمة الموارد المالية وتركز على:
  • الموارد الخارجية من خلال إدراج خطط المجلس المحلي ضمن موازنات المستويات الإدارية الأعلى (فرعي –محافظة) أو ضمن موازنات الحكومة المركزية (محافظة – حكومة مؤقتة)، إضافة إلى ما يقدم من الجهات المانحة؛
  • الموارد الداخلية والتي تعتمد على مدى قدرة المجلس المحلي على تطبيق آليات الجباية المحلية ونشر ثقافتها في المجتمع في ظل ضعف الذراع التنفيذية للمجلس المحلي، وأيضاً قدرة المجلس المحلي على إدارة الموارد المتوفرة ضمن نطاق حدوده الإدارية، إضافةً إلى حيازة المجلس المحلي على الدور الرئيس في إدارة العملية التنموية وتعزيز مصادر الدخل الذاتي والدفع بعجلة الاستثمار والشراكات مع القطاع الخاص؛

لا يوجد اتساق حقيقي في معدلات استجابة المجالس المحلية لمتطلبات حيازتها للدور المركزي والفريد في المجتمعات المحلية وذلك بسبب تفاوت الظروف بشكل حاد بين مجلس محلي وآخر واختلافها  بين مجلس فرعي وآخر ضمن مجلس المحافظة نفسه، نتيجة ظروف الحصار الذي تعيشه بعض المناطق وحالة الانفتاح على دول الجوار الذي ميز مناطق أخرى لم تخضع للحصار، وتبعاً  لتردّد وعي وقناعات المجتمعات المحلية لمحورية دور المجالس المحلية بسبب وجود بعض المحسوبيات المحدودة و التي لا ترتقى  لمستوى الظاهرة  ووجود حالات من تنازع الصلاحيات بين المجالس والمنظمات والإدارات التنفيذية الأخرى إضافة إلى  بعض المشكلات في تمثيل شرائح من السكان في المجلس المحلي، ما أوجد تباينا واضحاً في الموارد المادية والبشرية للمجالس، ومع ذلك فإن ثمة جهود تبذل  من قبل المؤسسات والمنظمات  ومراكز الدراسات الوطنية المهتمة  بملف الحوكمة  (من خلال الورش ومجموعات التركيز والدورات  التي تتنوع مشاركة المجالس المحلية فيها ما يسمح بتبادل الخبرات ونقل التجارب بالإضافة للأوراق والدراسات التي تسهم في رفع السوية المعرفية لدى المجالس المحلية بصورة متجانسة) وذلك  بهدف ردم الهوة الموجودة بين المجالس المحلية  والمضي قدماً صوب تلبية استحقاقات الحكم الرشيد ضمن أطر من العمل المتناسق الذي تسعى الحكومة المؤقتة لتفعيله من خلال إعادة تشكيلها وتفعيل وزارتها وهيئاتها في بيئات متنوعة بتنوع الظروف التي تعيشها المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

التصنيف مقالات الرأي

شارك مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في ندوة بحثية عقدها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (سيتا)، بمدينة اسطنبول في يوم الخميس 20 تشرين الأول 2016، ناقش فيها الملف السوري، بمشاركة باحثين أتراك وسوريين.

تضمنت الندوة التي حملت عنوان "الفوضى في سورية إلى أين؟"، عرضاً للوضع الراهن في سورية، وناقشت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، لا سيما معركة "درع الفرات" وما عكسته من زيادة الدور التركي في سورية.

تحدث في الندوة كل من عضو الهيئة العليا للمفاوضات ورئيس الائتلاف السوري السابق، خالد خوجة، والمدير التنفيذي لمركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار القحف، بالإضافة إلى الدكتور أفق أولوتاش من مركز "سيتا"، والدكتور محي الدين أقامان من جامعة أنقرة.

مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار قحف، لفت في ورقته إلى أن الأنظمة السياسية في البلدان التي شهدت احتجاجات ضد الأنظمة، سعت منذ البداية لترويج فكرة الفوضى وربطها بالثورات. وأشار إلى أن نظام بشار الأسد في سورية، وضع منذ بداية الثورة (2011) سردية للإرهاب وتعامل من خلالها مع حراك المحتجين، والربط فيما بينهم وبين الإرهاب. وأضاف أن الأسد عمل على خلق فوضى سياسية، واقتصادية، وأمنية، وبات ينظر للمشهد بأدوات أمنية، ما ساهم في زيادة دور أجهزة الأمن في سورية بالتعامل مع المحتجين.

بدوره أوضح الدكتور محي الدين أقامان أن "الفوضى الحاصلة في سورية" ساهمت في تحديد تركيا بشكل أكبر لخطوطها الحمراء في سورية، وتحديد ما الذي يمكن تحمله وما لا يمكن تحمله. ولفت إلى دور إيران وسياستها الطائفية الواضحة في سورية والعراق، كما تطرق في مداخلته إلى التنافس الروسي– الأمريكي في سورية، واصفاً موقف البيت الأبيض بـ "المتردد".

من جهته، أشار رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق خالد خوجة، إلى جملة من الأسباب التي أوصلت الوضع في سورية لما هو عليه الآن، وركز بشكل أساسي على التراجع الأمريكي لصالح روسيا في سورية. وأكد أن الجيش الحر قد تم إضعافه مقابل تقوية جهات أخرى كـ ميليشيات "سورية الديمقراطية".

وعن عملية "درع الفرات"، رأى خوجة أن المعارك في الشمال السوري تغير التوازنات، منوهاً إلى أهمية مدينة الباب ومنبج وقال إن "هاتين المدينتين ستغيران قدر حلب". وتابع أن تركيا تعمل حالياً على "إعادة إنتاج الجيش السوري الحر وتقويته".

واتفق الباحث في مركز "سيتا" أفق أولوتاش مع بقية المشاركين بالندوة، على أن "درع الفرات" تشير في مجملها إلى زيادة الفاعلية التركية في سورية، معتبراً أن أنقرة تدفع ثمن استقلال سياساتها.

التصنيف أخبار عمران

استضافت قناة الرافدين الفضائية في برنامجها حديث العرب معن طلاع/ باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية للحديث عن الاستراتيجية الايرانية تجاه ملفات المنطقة بشكل عام وحول تموضعها في الملف السوري لا سيما بعد التدخل الروسي المباشر بشكل خاص، كما فكك اللقاء خطاب طهران الاعلامي الذي يدعي النصر وتبيان مدى اتساق هذا الخطاب مع الواقع السياسي والعسكري في سورية، كما ركز اللقاء على طبيعة العلاقة الايرانية الروسية في الملف السوري وتبيان فيما إذا كانت تنافسية أم تكاملية.

تستعرض هذه الورقة سياق الأحداث التي أفضت لإعلان الإدارة الذاتية عن عقدٍ اجتماعيٍ "يشرعن" نظاماً فدرالياً في الشمال السوري من طرف واحد، وتوضح كمّ الإشكاليات المتعلقة بمشروعيته التي لم تبنِ أية توافقات وطنية سورية أو حتى كُردية بينية، هذه الخطوة التي رأتها المعارضة خطوة متقدمة للتقسيم، واعتبرها العديد من الفعاليات المحلية مخرجاً يتضمن تناقضات بنيوية، وقفزٌ فوق التطور الفكري البشري عندما اتكئ على مفاهيم "الإلهة الأم" وتصديرٌ لتجارب غير ناجحة كالكومونات.

مدخل

تناقش هذه الورقة ما أسمته الإدارة الذاتية في الشمال السوري " العقد الاجتماعي للفيدرالية الديمقراطية لروج آفا – شمال سوريا" المعلن عن استكماله في 2/6/2016 والذي ستحكم به المناطق الخاضعة لسيطرتها. جاء إعلان تشكيل مجلس تأسيسي لفدرالية الشمال بناءً على سلسلة من الاجتماعات المتطورة عن اجتماع رميلان 10/12/2015 والذي كان نتيجته تشكيل "مجلس سوريا الديمقراطي" بهدف خلق تيارٍ ثالث في سورية لا إلى صف النظام ولا إلى صف المعارضة المتمثلة بالائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة. وتطور مشروع المجلس هذا ليخرج عن ذاك الهدف متجهاً نحو إعلان فدرالية في شمال سورية من طرفٍ واحد.

انطلاقاً من الإشكاليات المتأتية من طرح هذا الدستور الذي لم يكسب اعتراف أي طرف من أطراف "الصراع"، أو من التحالف الدولي الذي ينسق مع "قوات سوريا الديمقراطية" ضد "تنظيم الدولة الإسلامية"، أو كرٌدياً إذ لم يلقَ إعلان الفدرالية صدى إيجابياً عاماً في الأوساط الكردية، ستعمل هذه الورقة على تقييم هذه الخطوة وما تتضمنه من أبعاد سياسية، مبينة في ذات الوقت الجهودات الأخرى التي تبحث عن رؤية ما يجب أن يكون الوضع الكُردي عليه ضمن دستور سورية.

تعريفات

تضمن نص الدستور مصطلحين، تجد الورقة من الضروري تقديم تعريف وشرح لها وهي:

روج آفا: هي كلمة كوردية وتعني الغرب، وفي الأدبيات الكُردية تعني غرب كوردستان أي روج آفايي كوردستان. ويختلف كُردياً في إطلاق الاسم على المناطق ذو الغالبية الكُردية في سورية بناءً على الاختلافات السياسية البينية، فمن الكٌرد من يفضل عبارة "كوردستان سوريا" سيراً على النموذج العراقي، ومنهم يرفض تجزئة الجغرافية الكُردية وإضافتها لدولة أخرى، بينما شعبياً يتم أغلب الأحيان تجاوز حدود الدول القائمة: سورية، العراق، تركيا وإيران ويتداولها الكُرد بناءً على الاتجاهات المعبرة عن أجزاء كوردستان الأربعة التي يطالبون بها.

الكومونة: يُعرف العقد الاجتماعي لدستور "فدرالية شمال سوريا" الكومونة على أنها "شكل التنظيم القاعدي الأساسي للديمقراطية المباشرة، وجهاز صنع القرار والإدارة ضمن مجالها الإداري والتنظيمي". وتعمل الكومونة كمجلس قائم بذاته في كافة مراحل صنع القرار وتقابل "مجالس الأحياء" المتعارف عليها في سورية. أما في معجم المعاني العربي فتعني "تشكيل مصغر اجتماعي اقتصادي" ([1]). وتشكلت أول كومونة في باريس بعد انتخاب 90 ممثل لها في الثامن عشر من آذار عام 1871 وسقط آخر مقاتليها في 28 أيار نتيجة المعارك ضد الإمبراطور الفرنسي شارل لويس بونابرت (نابليون الثالث) ([2]).

سياق تطور فكرة فدرالية الشمال

استناداً على نداء وجهته حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM لأطراف سوريّة "لأجل بناء تحالف ديمقراطي في عموم سورية" في شهر آب/ 2015، عقدت الإدارة الذاتية اجتماعاً في مدينة ديريك/ المالكية بمحافظة الحسكة بتاريخ 09-10/12/2015 ([3]). بحضور أطراف مقربة من حزب الاتحاد الديمقراطي PYD كتيار قمح وأطراف عربية وتركمانية وآشورية. وقد تزامن انعقاد هذا المؤتمر مع سير مؤتمر المعارضة في مدينة الرياض بهدف تشكيل وفد تفاوضي، والتي لم يتم دعوة ممثلين للإدارة الذاتية إليه، مما دفع بتفسير خطوة عقد مؤتمر ديريك بأنها محاولةُ ضغطٍ لقبول الإدارة الذاتية طرفاً في المفاوضات وعلى أقل تقدير إحداث نوع من الضوضاء يؤدي بالأخير للتفاوض معها حول ذات الموضوع ([4]).

تم تشكيل مجلس سوريا الديمقراطية بتاريخ 12/12/2015 بعضوية 42 شخصاً ممن حضروا مؤتمر ديريك وبرئاسة مشتركة مؤلفة من هيثم مناع من تيار قمح (قيم – مواطنة – حقوق) وإلهام أحمد عضوة الهيئة التنفيذية في TEV-DEM (مظلة تضم كافة الأطراف المنتمية لتنظيم PYD أو التي قام الحزب بخلقها منذ تشكله عام 2003 ([5]). وتلى الإعلان عن المجلس بفترة قاربت الشهر تجميد حزب ال PYD عضويته في هيئة التنسيق الوطنية بتاريخ 08/01/2016 ([6])، وبتاريخ 10/01/ 2016 عقد هيثم مناع مع إلهام أحمد الرئيسان المشتركان لمجلس سوريا الديمقراطية اجتماعاً بمدينة جنيف ضمن محاولات المجلس الدخول لمفاوضات جنيف كطرف ثالث الأمر الذي لم يتم حتى ساعة إعداد هذا البحث ([7]).

بعد قرابة الشهرين وبتاريخ 12/03/2016 تم إرسال دعوة من المنسقية العامة للمقاطعات الثلاث (كوباني/عين العرب-عفرين - الجزيرة) والتي على أثرها عُقد اجتماع في مدينة رميلان بتاريخ 16/03/2016 تحت شعار "سوريا الاتحادية الديمقراطية ضمان للعيش المشترك وأخوة الشعوب". وانطلقت أعمال الاجتماع التأسيسي لنظام الإدارة في روج آفا وشمال سورية، على مدار يومين انتهى بمناقشة مسودة النظام الاتحادي في اليوم الأول وإقرارها في اليوم الثاني، وتم انتخاب رئاسة مشتركة للمجلس وهما: هدية يوسف الحاكمة المشتركة للمقاطعة ومنصور السلوم الرئيس المشترك للإدارة الذاتية في مدينة تل أبيض، إلى جانب انتخاب هيئة مؤلفة من 31 عضواً وعضوة من المجلس. ومهمة هذه الهيئة هي العمل على تطبيق ما ورد في وثيقة النظام الاتحادي الديمقراطي بيث نهرين-شمال سورية ([8])، على أرض الواقع خلال مدة أقصاها 6 أشهر ([9]).

وعلى إثر هذه القرارات أعلن الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطي هيثم مناع في 17/03/2016 رفضه للبيان المعلن من المجلس وبرر ذلك بجملة أسباب. يرتبط أولها بعدم فرض وجهة نظر مكون من المجلس على بقية الأطراف ووجوب "الابتعاد عن المناطقية" ([10])، ويتعلق الثاني بالتعارض بين طرح الفدرالية مع الضرورة الأكيدة لبناء "دولة ديمقراطية برلمانية تعتمد اللامركزية الديمقراطية في الإدارة "، منوهاً لضرورة عدم الانجرار وراء تصريحات دولٍ مبنيةٍ على خلافاتها مع دول إقليمية أخرى. وربط رئيس تيار قمح هيثم المناع عودته بسحب بيان إعلان الفدرالية والذي لم يتم لذا أعلن انسحابه من مجلس سوريا الديمقراطي في 05/04/2016 ([11]). وتُدلل تلك المعطيات على أن المشكلين للمجلس أزاحوا غاياته من توحيد رؤى المعارضة وتشكيل جسم يمثل مخرجات مؤتمر القاهرة والدخول للمفاوضات، إلى فرض أمر واقع بإنشاء إقليم فدرالي من طرف واحد دون أي توافق وطني أو حتى إقليمي/ دولي ([12]). وبالعموم خلص اجتماع مدينة رميلان في 16/17 آذار 2016 لمجموعة قرارات بشأن إعلان النظام الفدرالي كالآتي ([13]):

  1. العمل على تأسيس نظام فيدرالي ديمقراطي لبيث نهرين-شمال سورية.
  2. انتخاب الرئاسة المشتركة للمجلس التأسيسي وهيئة تنظيمية تتألف من 31 عضواً.
  3. تكليف الهيئة التنظيمية بإعداد عقد اجتماعي ورؤية قانونية سياسية شاملة لهذا النظام في مدة لا تتجاوز 6 أشهر.
  4. يهدف النظام الاتحادي الديمقراطي في لبيث نهرين –شمال سورية لتحقيق الاتحاد الديمقراطي في الشرق الأوسط.

وبناءً على قرارات هذا الاجتماع، عقد اجتماع بتاريخ 27-28/06/2016 بمدينة ديريك/ المالكية وتم التصديق على العقد الاجتماعي للنظام الفدرالي، وتم الإعلان عنه ببيان. وترافق الإعلان بجملة مواقف سياسية توضح رؤية وموقف الإدارة الذاتية السياسية، إذ أكد على أهمية تحالف قوات سوريا الديمقراطية مع قوات التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة"، واتهم تركيا بالامتناع عن محاربة التنظيم وبالتعاون معه، وانتقد أي تقارب تركي إيراني بهدف محاربة الفدرالية المعلنة. كما ضم لـ "حلقة المتربصين بالفيدرالية شراً كلاً من النظام السوري والحزب الديمقراطي الكُردستاني العراقي. إضافة إلى أنه أرجع سبب انسداد الأفق أمام الحل السياسي للملف السوري لعدم توصل واشنطن وموسكو لصيغة حل نهائية ([14]).

مشروعية وإشكالات العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية

أتى هذا العقد نتيجة تضافر مجموعة من الفعاليات التي حرص حزب الاتحاد الديمقراطي البناء عليها، ليبدو هذا العقد كـ “مخرج موضوعي" للتفاعلات التي شهدتها بنية الإدارة الذاتية. ويكمن وراء هذه الخطوة مجموعة من المؤشرات السياسية التي يرمي حزب الاتحاد من خلفها تحقيق مكاسب على الصعيد المحلي والخارجي تشرعن ما يسمى "بحكومة الأمر الواقع" من جهة، وتهندس تموضع سياسي جديد كطرف ثالث في العملية التفاوضية.

تُحاول الإدارة الذاتية التعامل مع قضية العقد الاجتماعي كسلطة شرعية قائمة. وفي هذا الصدد ينبغي التنويه إلى أن مقاربات الشرعية تلك لا تزال محط أخذ ورد على حد سواء محلياً، وحتى إن كانت تتعامل وفق مفهوم حكومة الأمر الواقع، وذلك لأمرين هامين:

أولاً: يحوم الغموض حول هذا المفهوم ضمن القانون الدولي، فمع غياب نص صريح وواضح لهذه السلطات التي تتشكل نتيجة حروب داخلية أو ثورات، تقوم الدول ذات السيادة عادةً باتخاذ إجراءات ازدواجية في التعامل، فمن الممكن أن تقوم دولة ما بالإبقاء على جزء من علاقاتها مع الحكومة المركزية لدولة، وتقوم بذات الوقت بالتعامل مع إدارة نشأت في منطقة معينة ضمن هذه الدولة المركزية.

ثانياً: هناك خلاف بخصوص الإدارة الذاتية المشكلة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD حول إمكانية إطلاق هذه التسمية عليها، فمن الخبراء من يمنحها هذه الصفة بناءً على وجود حربٍ داخلية في سورية. ويشترط أصحاب هذه النظرة قيام حكومة الأمر الواقع بمهام تشبه مهام الدولة ووفق مبدأي حظر العنف وعدم التدخل بشؤون غيرها من الدول وبالمقابل تحصل على الاحترام وفق هذين المبدأين. وحسب هذا الرأي فإن من أهم خصائص حكومة الأمر الواقع هو الاستقرار والفعالية ([15]). ويرى البعض الآخر أنه لا يمكن إسقاط تسمية حكومة الأمر الواقع على السلطة التي شكلها حزب الـPYD  في شمال سورية لغياب خصائص هامة ومنها ([16]):

  • تهدف حكومات الأمر الوقع إلى إسقاط الحكومات المركزية.
  • تقوم بتحمل أعبائها الاقتصادية باستقلالية عن حكومة النظام.
  • تقوم بإزالة التواجد الأمني والعسكري للنظام في مناطقها.

بالمقابل، يواجه هذا الدستور أسئلة وتحديات المشروعية سواء تلك المتعلقة بمستوى التمثيل السياسي لأهم الفعاليات والمكونات في مناطق الشمال السوري، أو تلك المرتبطة بغياب معايير القبول الشعبي، ناهيك عن عدم قبول الحكومة المركزية السورية أو أية حكومة أخرى لهذا العقد.

وإذا ما تجاوزنا الإشكالية الكبرى لهذا الدستور ([17]) والمتمثلة بفرضه من طرف واحد ودون تنسيق وحوار مع المركز وباقي الأطراف، فهو يضم جملة من الأمور الإشكالية الأخرى نذكر أهمها:

أولاً: ضبابية حدود الفدرالية المعلنة: لم يتطرق العقد الاجتماعي لحدود فدرالية شمال سورية حيث ورد في ديباجته "ومؤسسة على مفهوم جغرافي ولا مركزية سياسية وإدارية ضمن سورية الموحدة"، الأمر الذي يجعل من آلية تنفيذ اعتماد المفهوم الجغرافي والإداري في تشكيل الإقليم آلية صعبة وقابلة للتوظيف والتفسير متعدد الأوجه. كما يطرح ذلك جملة من التساؤلات، فهل سيكون بناءً على تقسيمات إدارية جديدة؟ فالتقسيمات الإدارية الحالية لمحافظات الشمال تُظهر بقاء أجزاءٍ من المحافظات مع مراكزها في حين تم ضم الجزء المسيطر عليه عسكرياً لمناطق "الفدرالية"، ومصطلح الشمال السوري يمتد لمناطق يصل عمقها لأكثر من 50 كم وتضم جزءاً من محافظات إدلب و اللاذقية"، وهذا يجعل حدود هذا الإقليم متسماً بالضبابية ويفتح المجال أمام التنبؤات حول إمكانية تمدد هذا الكيان في سياق الوضع السوري الراهن ليضم مدناً كالرقة، الأمر الذي لا يتم قبوله حتى كُردياً بينياً، فهو أمر من شأنه أن يجعل النسبة الكُردية ضعيفة جداً في أي صيغة فدرالية إن تشكلت في سورية. ومقارنةً بإقليم كوردستان العراق فقد قام الأخير بتبيان حدود الإقليم منذ ساعة إعداد الدستور العراقي بالتفصيل من محافظات وأقضية وتطرق لضرورة حل مشكلة المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور العراقي ([18]).

ثانياً: الخلط المفاهيمي بين اللامركزية السياسية والكونفدرالية: يعتري مفهوم اللامركزية السياسية وفقاً للعقد الجديد مجموعة من المعالم غير الواضحة ويلاحظ من قراءته بشكل كامل وجود خلط غير متوازن بين حقوق الكيانات ذات البنية الكونفدرالية والتي هي في حقيقة الأمر اتحاد دول، وبين الفدرالية وهي مصطلح فضفاض لا يمكن حصره بنموذج معين. وتقوم الدول والأقاليم عادةً بالمساومة على حقوق وواجبات كل طرف فالمركز يحاول دوماً ان يحافظ على السلطات في يد العاصمة بينما تحاول الأقاليم قدر الإمكان الحصول على امتيازات واسعة بناءً على أدوات قوة يتملكها الإقليم، وهي تنحصر لدى الإدارة الذاتية بوجود قوة عسكرية قوية ومنضبطة تنظيمياً جعلت منها مرتكزاً للتحالف الدولي في محاربة تنظيم "(الدولة الإسلامية"). ووفق التجارب التي حدثت للنموذج الكُردي في كوردستان العراق والذي يعتبر من أوسع أشكال الفدرالية يظهر إمكانية تخلي الولايات المتحدة عن حليفها المنتقص لاعتراف دستوري من المركز كما حدث بعد حرب الخليج الأولى عام 1991.

ومنحت الإدارة الذاتية عبر دستورها الجديد نفسها صلاحيات الحكومة المركزية وليس "كحكومة طرف" إذ أنها تمنح حقوقاً لا يمكن لطرف أن يمنحه للمواطن وإن كانت ضمن حدود حكومة هذه الإدارة، إذ يؤكد العقد الاجتماعي في المادة 22 على أن لكافة الشعوب والمكونات والمجموعات الحق في تقرير مصيرها بالإضافة لحق "المقاومة المشروع"، وهو أمر ينبغي أن يحتويه دستور الدولة المركزي. وكذلك يلحظ في المادة 46 المتعلقة بحق طلب اللجوء السياسي والإنساني في الإقليم والتعهد بعدم إعادته لبلده، فبالمقارنة مع الوضع العراقي نجد غياب مادة عن اللجوء السياسي والإنساني في دستور الإقليم لكن نجدها في المادة 21 من الدستور العراقي الذي ينطبق على الإقليم أيضاً.

كما أن هناك بعض المواد التي تدل على أنه دستور دولة مستقلة وفيها أقاليم، إذ تصرح وثيقة العقد الاجتماعي في المادة 66 أن "بإمكان كل إقليم تطوير وتكريس العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الشعوب والبلدان المجاورة، بشرط عدم تناقضها مع العقد الاجتماعي لفيدرالية روج آفا – شمال سوريا وفيدرالية سوريا الديمقراطية (المستقبلية ومركزها في العاصمة دمشق) ([19])"، الأمر الذي يمكن عدّه تناقضاً واضحاَ في تعريف الإدارة الذاتية لذاتها. ومن التناقضات إيراد وظيفة "تكريس العلاقات الدبلوماسية" إشارة إلى حق فتح ممثليات دون أن يتم إرفاق شرح أو تفسير لها، فلم يتم ذكر كيفية فتح هذه الممثليات ولم يتم العثور على حالات مماثلة لأنظمة سياسية تمنح حق فتح ممثليات دبلوماسية خاصة بأقاليم ومنفصلة عن عاصمة الدولة المركزية أو بالرغم من إرادته، ولا يمكن معرفة من أين وعلى أي أساس حددت شكل وتسمية الدولة السورية مستقبلاً. وبالمقابل نجد وهذه العلاقة بين المركز وحكومة الإقليم مدونة بوضوح في دستور إقليم كوردستان العراق ([20]).

ثالثاً "الإلهة الأم" كمصدر تشريعي: تستمر ديباجة العقد بطرح مبادئ غير واضحة ومفتقدة للتفسيرات مع ذكر (الإلهة الأم) كمصدر من مصادر التشريع، إذ برر سيهانوك ديبو مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD مفهوم "الإلهة الأم" على أنه إسناد إلى (العصر الحجري الحديث/النيولويتي) وأن العقد الاجتماعي له جذور تاريخية تقدر بــ 400 سنة قبل الميلاد. وقسَّم ديبو المنتقدين للعقد الاجتماعي إلى ثلاثة أقسام: الناقد موضوعياً والمرحب به، والمشكك، والحاقد بدافع من الأعداء ([21]).

وتُعد "الإلهة الأم مجرد ميثولوجيا وأساطير لم يتقبلها الناس ولم تبلغ في ضمير الشعب الكردي نفسه مكان الأسطورة التاريخية، وإقحام هذا المعنى الرمزي في مرجعية حقوقية وقانونية ودستورية لن يخدم المقصد في شيء، وسيُكرس تلقائياً اصطفافاً دينياً وطائفياً وقومياً في هذه المنطقة المتخمة بالجراح الطائفية والعرقية!" بالإضافة إلى أن اعتماد نهج الإدارة الذاتية عموماً على تعزيز دور المرأة في المجتمع قد وصل لدرجة تأنيث "الإلهة" ووضعها ضمن مصادر التشريع. وهذا يتنافى مع الثقافة الإسلامية الوسطية للكٌرد عبر تاريخهم منذ اعتناق للإسلام ([22]).

يضاف إلى ما ذُكر، غلب على مسودة العقد الاجتماعي خلطٌ بين الفدرالية والكونفدرالية من الناحية السياسية، ونرى خلطاً أيضاً بين المفاهيم الوثنية والتوحيدية. وفي نفس الوقت الذي تذكر مسودة العقد "الإلهة الأم" تبدأ بعبارة "أقسم بالله العظيم" فكيف يمكن لعقيدتين متناقضين التواجد في ذات الشخصية المتماسكة فكرياً وعقائدياً بإحداها.

خامساً: الشمولية عن طريق البيروقراطية، تُبين المواد (54 وحتى 84) هيكلية مؤسسات الحكم في "فدرالية شمال سوريا" والتي تبدأ من أصغر وحدة (الكومونة) إلى الهيئات العامة والمجالس التنفيذية للأقاليم ضمن الفدرالية، والمجلس التنفيذي للفدرالية. وتوضح المواد كيفية تشكيل المجالس والهيئات العامة التي يبلغ عددها 17 مؤسسة عامة بما فيها مؤسسة الإعلام ومفوضية الانتخابات وهيئة الدفاع، كأجساد مستقلة عن بقية الهيئات التنفيذية الأخرى. وتتبع الهيئة التنفيذية للإقليم 15هيئة تنفيذية، وللمجلس التنفيذي للفدرالية 18 هيئة عامة، فيكون محصلتها 33 هيئة تنفيذية دون التطرق لهيئات بقية مجالس الأحياء. وبالنظر إلى تصريح العقد على وجوب عضوية كل مواطن في كومونة واحدة على أقل تقدير -ورغم توضيح العقد في كثيرٍ من بنوده على مبادئ الحرية والديمقراطية-إلا إنه أوجد الأرضية المناسبة لخلق نوع من الدكتاتورية والبيروقراطية المعوقة في حقيقة الأمر للحرية. وبتحليل تسلسل مواد العقد من ناحية الهيكلية الإدارية نرى بأن الكومونة هي أساس المؤسسات وصولاً للمجلس التنفيذي للفدرالية، وهو أمر يُعارض مبدأه الموضح في ديباجته بوقوفه ضد النظام الشمولي الاستبدادي والمركزي، لكن في حقيقة الأمر يُقوي العقد الاجتماعي بهذا البند مركزيةً لم تكن متحققة حتى في أوج قوة النظام السوري. ويتضح بذلك أن المقصود التأسيس لفكرة دمج كافة عناصر المجتمع بمنظومة الحكم الحالية.

مواقف رافضة لـ "دستور روج آفا"

 يؤكد فرزند شيركو (الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) على أن رغبة المشرفين على فدرالية الشمال – وفقاً لما ورد في البيان التأسيسي للنظام الفدرالي- بالسيطرة على الشمال السوري بالكامل بذكر مناطق منبج وجرابلس، ويُضيف إمكانية ضم مدينة الرقة لهذا الإقليم. ويشير إلى الفصل الواضح والمقصود بين كوردستان وسورية في البيان بهدف إظهار أن الجهود نحو تشكيل دولة سورية فدرالية هي بمبادرة كردية وليست من المركز. ومن جهة ثانية يُبين شيركو أنه على الرغم من التوجه الماركسي العميق الذي احتواه البيان، إلا أنه حاول تجنب إظهار الأيديولوجيات اليسارية، وذلك من خلال تبنيه لمبادئ الثقافة الدينية للمجتمع"، ونشهد هذا الأمر أيضاً في العقد الاجتماعي الذي أُعلن في 2 حزيران 2016. أما من جهة ثالثة فيؤكد شيركو فيما يخص الحدود الإدارية وبالمقارنة مع ما حدث في العراق فإنه يتناقض مع النموذج الكردستاني العراقي الذي يستند إلى الجغرافيا والتاريخ، بدلاً من الحدود الإدارية البحتة" ([23]).

كما ذهب المركز المصري للدراسات الكردية عبر ندوة ناقشت العقد الاجتماعي وفق أبعاد سياسية أكثر منها قانونية "إلى الاعتقاد بأنه "إنشاء وطن مستقل باﻷكراد بشمال سورية" ([24])، إلا أن هذا العقد لم يرد ضمنه أية بنود تُصرح بالاستقلال أو الانفصال، وهذا ما عرَّضه للانتقاد من قبل بعض الكرد لعدم تناول العقد لحق تقرير المصير للشعب الكُردي بشكل صريح وواضح. وتناول السياسي الكُردي صلاح بدر الدين هذه القضية، متسائلاً عن أصل الشرعية التي استمد منها المجتمعون والمقررون باسم الشعب الكُردي في سورية دستوراً ليتم حكم الشعب به، في وقت قارب عدد المهاجرين لـ 65% وبشكل خاص من الفئات الشبابية التي انخرطت في النضال في المناطق الكُردية. كما انتقد بدر الدين تشويه الإدارة الذاتية لمبادئ نظرية العقد الاجتماعي الذي أفرزته الثورة الفرنسية ويصف عملية إقرار العقد الاجتماعي بأمر يشكل العار على كل التراث الثوري الإنساني ([25]).

كما وصف بعض قيادات الائتلاف الوطني هذه الخطوة بأنها مرحلة متقدمة من عملية تفتيت سورية بالتوازي مع العراق وبإشراف أمريكي وأن نجاح هذه الخطوة يعني انهيار الحزام الأمني للمنطقة ومن المحتمل أن تؤدي لمواجهة دول أخرى في المنطقة المصير نفسه مع اتخاذها موقف المتفرج حالياً ([26]).

وأشار رئيس المجلس الوطني الكُردي إبراهيم برو إلى أن افتقار هذا العقد للوضوح فيما يخص الحقوق الكُردية منوهاً إلى أن دستور الإدارة الذاتية يرى في وجود إقليم قومي كردي أمراً خطيراً على المنطقة، في إشارة لتصريحات سابقة لمسؤولين في الإدارة الذاتية أعلنوا رفضهم تشكيل دولة قومية كُردية، إضافة لتثبيت هذا الموقف في العقد الاجتماعي وذلك بتحميل الدولة القومية أساس الفشل والمآسي في المنطقة ([27]).

ومن جهتها ردت الرئيس المشتركة لفدرالية روج آفا-شمال سورية هدية يوسف على الاتهامات الموجهة لهم بالعمل على تقسيم سورية قائلةً "إنَّ النظام الفيدرالي المذكور بالوثيقة لا يعنى تقسيماً ولا انفصالاً لشمال سورية، وإننا نقبل بأن نعيش في دولة تحافظ على الشعوب الموجودة بها". وترى يوسف بأن الفدرالية هي الحل الوحيد للقضية السورية معلنةً بأنه لو كانت لهم رغبة بالانفصال لصرحوا بها، وأشارت بأن الدفاع والسياسة الخارجية سيتم إدارتها من قبل المركز ([28]). ولم توضح ما إن كان النظام قد اعترف فعلاً بقواتهم كقوات حماية للفدرالية المعلنة بالرغم من أن طريقة انسحاب النظام من المناطق التي تقع تحت سيطرة الإدارة الذاتية الآن كانت من طرف واحد دون أن يكون هناك دفعٌ عسكري من أي طرف. ولايزال النظام يحكم المناطق التي يريد حكمها في مدينتي القامشلي والحسكة إما بتواجده العضوي أو عن طريق قوات الدفاع الوطنية، بينما تقوم مؤسسات الإدارة الذاتية بعملية الإبقاء على إدارات الدولة عاملةً ضمن تسلسلها الإداري على ما كانت عليه سابقاً. ولا تملك حتى الآن المؤسسة التابعة للإدارة الذاتية أي قيمة على الأوراق الرسمية للدولة السورية ويقتصر سريان مفعولها فقط ضمن مناطق سيطرتها، فأي مطلوب لخدمة العلم لدى النظام ولو كان حاصلاً على تأجيل من الإدارة الذاتية لا يملك صلاحية الدخول للمناطق التي يسيطر عليها النظام وسيكون معرضاً لخطر السوق للجبهات.

وبالتوازي مع إعلان الإدارة الذاتية، عقد وفدٌ من المجلس الوطني الكُردي ورشة في جنيف (بمشاركة قيادات من المجلس بينهم رئيس المجلس إبراهيم برو، وبمساعدةٍ من وزارة الخارجية الألمانية ومجموعة من خبراء دوليين مختصين مع منظمة نداء جنيف) ([29]). وتناولت الورشة المسائل القانونية والسياسية في أوقات الحرب والنزاعات وتم فيها مناقشة رؤية المجلس الوطني الكُردي لمستقبل سورية وبنائها وفق نظامٍ ديمقراطيٍ اتحادي، وتم تباحث مبادئ دستورية حول ذلك والشكل المناسب لتطبيقها في "كوردستان سوريا". وحسب الوفد المشارك سيتم تقديم ما توصل إليه المجتمعون كمشروع إلى مكتب الشؤون القانونية للمجلس لدراسته وتقديمه للمجلس الوطني الكُردي ([30]). وفي حين أن التصريحات دارت حول تشكيل دستور إلا إن اللجنة المشاركة في الوفد أكدت أنها ورشة قانونية تنحصر مهمتها في طرح تصور المجلس للحل في سورية. وتضارب هذا التوضيح مع مداخلات لشخصيات سياسية من ضمن المجلس تُفيد بأن الورشة خلصت لوضع مسودة دستور يحوي 132 مادة. ويُعتبر المجلس الوطني الكُردي أكثر وضوحاً من ناحية تصوره فيما يخص الوضع الكُردي في سورية، حيث يركز على وجوب إقامة فدرالية ديمغرافية للكُرد كما في الوثيقة التي وقعها مع الائتلاف ([31]). أما بخصوص المناطق التي لا يشكل الكٌرد فيها أغلبية، فيهدف المجلس لوضع صيغة تفاهم تعطي المكونات المتواجدة في هذه المناطق حق الإدارة الذاتية ضمن الفدرالية المراد تحقيقها، ولتشمل كامل الشريط الحدودي الشمالي من المالكية/ ديريك شرقاً وحتى عفرين غرباً. ويُطالب المجلس أيضاً بوضع بند حق تقرير المصير للكُرد في سورية ضمن أي دستور سوري جديد.

وبمبادرة من الهيئة السياسية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أقيمت ورشة حوارية حول "الملف الكُردي والفيدرالية"، تم فيها بحث مشاركة الكُرد في الحياة السياسية منذ نشوء الدول السورية، وفي عهد المد القومي العروبي، بالإضافة إلى شكل الدولة منذ الاستقلال وحتى 1963، والتحديثات التي واجهتها الثورة في الأماكن ذات الغالبية الكُردية، وماهية المشاركة التي قدمها الكُرد خلال الثورة. كما ركزت الورشة على الرؤية الكُردية والعربية والتكنوقراط للدولة السورية بعد الثورة مناقشة أشكال عدة (البرلماني، الرئاسي، وأفكار أخرى) وعدة أنظمة إدارية (المركزية، الفيدرالية، اللامركزية السياسية والإدارية). وطرحت الورشة مجموعة من المخرجات التي لخصت الأفكار السابقة ووجهات النظر المتطابقة: كاسم الدولة المتوافق عليه في الورشة "الجمهورية السورية"، وجعل اللغة الكُردية لغة رسمية في المناطق ذات الغالبية الكُردية. أما بخصوص النقاط الخلافية فتمحورت بشكل رئيسي حول اللامركزية حيث تم الاتفاق على مبدأ اللامركزية ولكن اختُلف بين شكلَي السياسية والإدارية.

خاتمة

انطلق تصور المؤسسات التي أعلنت عن فيدرالية الشمال (التي شكلها حزب الاتحاد الديمقراطي) من معطيات الواقع السياسي والعسكري الراهن والذي يمكن تغيره أو انتقاله إلى مستويات نوعية جديدة. كما عززت تلك المؤسسات صيغة إنكار وجود الآخر، وأغلقت الأبواب أمام الفعاليات والتنظيمات المخالفة لفكرها في إدارة المنطقة.

إن تلك المؤسسات التي فرضت عقداً اجتماعياً يُشكَّكُ بمشروعيته، لاتزال تعتمد على الدولة السورية في توفير النسبة الأعظم من رواتب الإداريين، وتتكئ على مبدأ التلاقي في المصالح مع النظام في معالجاتها الأمنية والعسكرية. ويوضح هذا التلاقي درجة استغلال الاتحاد الديمقراطي للظروف والمعطيات بهدف تكريس ما يعرف بـ "حكومة الأمر الواقع" لتتحكم في كافة التفاصيل الإدارية والاقتصادية والسياسية للمكونات المجتمعية داخل "الإقليم". ويقفز العقد فوق التطور الفكري البشري باعتماد مفاهيم فلسفية تعود بجذورها للعصور الحجرية كما يوضح أصحابها أنفسهم في مفهوم "الإلهة الأم"، أو مع اعتماد شكل الكومونة الإداري الذي وجد في فترة الثورة الفرنسية لما يقارب 3 أشهر فقط.

عموماً تحاول الإدارة الذاتية جاهدة في طرحها للعقد الاجتماعي تطويع الظروف والمعطيات الراهنة وشراكتها في "الحرب على الإرهاب" لتقديم مخرجات تساهم في جعلها طرفاً ثالثاً في "الصراع" وتعزز عوامل تمكينها السياسي والعسكري والاجتماعي متجاوزة مبدأ الحوار والتوافق الوطني مع باقي المكونات حول القضايا الرئيسية الإشكالية، وهذا ما يجعلها تنهج سلوكيات مضطربة ومزدوجة من جهة، ويعزز من الشروط المهيئة للرفض السوري العام لمشروعها.

 

([1]) معجم المعاني الالكتروني الرابط: http://goo.gl/IU2Vsx

([2]) أسامة عبد الله:"كومونة باريس، الاشتراكي إعلام لأجل الثورة" موقع مجلة الشرارة الالكتروني، تاريخ 01/05/2007 الرابط: http://goo.gl/t7jBaM

([3]) الوثيقة السياسية لمجلس سورية الديمقراطي، وكالة أنباء هاوار، التاريخ 09/12/2015م، الرابط: https://goo.gl/02b3Tj

([4]) مؤتمر ديريك يعلن عن تشكيل مجلس يمثل قوات سورية الديمقراطية سياسياً، آرانيوز، التاريخ 12/12/2015م، الرابط: http://goo.gl/cv4A5g

([5]) هيثم مناع وإلهام أحمد رئيسان مشتركان لمجلس سورية الديمقراطية الجديد، آرانيوز، التاريخ 12/12/2015م، الرابط: http://goo.gl/YlHGST

([6]) حزب الاتحاد الديمقراطي يجمد عضويته في هيئة التنسيق، آرانيوز، التاريخ 08/01/2016م، http://goo.gl/t6ntTc

([7]) «مجلس سورية الديمقراطي» يستكمل في جنيف ما بدأه في المالكية، جريدة الوطن، التاريخ 11/01/2016م، http://goo.gl/t32pz6

([8]) تسمية بيث نهرين هي (تسمية تاريخية باللغة السريانية تعنى بلاد الرافدين).

([9]) تحت شعار سورية الاتحادية الديمقراطية ضمان للعيش المشترك وأخوة الشعوب. وكالة السريان الدولية للأنباء، التاريخ 18/03/2016م، الرابط: http://goo.gl/bZfnCb

([10]) بيان صادر عن تيار قمح، الصفحة الرسمية لهيثم مناع على موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" التاريخ 17/03/2016م، الرابط: https://goo.gl/QeoLBF

([11]) هيثم المناع ينسحب من رئاسة "مجلس سورية الديمقراطية"، جريدة الوسط، التاريخ 05/04/2016م، الرابط: http://goo.gl/AacHbf

([12]) الوثيقة السياسية لمجلس سورية الديمقراطية، وكالة أنباء هاوار، التاريخ 09/12/2015م، الرابط: https://goo.gl/jWdpqs

([13]) تحت شعار سورية الاتحادية الديمقراطية ضمان للعيش المشترك وأخوة الشعوب وكالة السريان الدولية للأنباء، التاريخ 18/03/2016م، الرابط: http://goo.gl/bZfnCb

([14]) البيان الختامي للهيئة التنظيمية للمجلس التأسيسي للنظام الاتحادي الديمقراطي لروجافا، وكالة انباء هاوار، التاريخ 27/06/2016م. الرابط: http://goo.gl/ZecNph

([15]) جيان بدرخان:"الكرد في سورية وحكومة الأمر الواقع المحلية"، مركز ياسا للدراسات القانونية، التاريخ 03/2013م، الرابط: http://goo.gl/ImQvo1

([16]) ذلك ضمن مكالمة هاتفية أجراها الباحث مع الأستاذ موسى موسى المختص في القانون الدولي، بتاريخ: 28/07/2016 

([17]) يضم العقد 11 فصلاً موزعاً على 4 أبواب، وتشمل جميعها على 85 مادة، ويرد ضمن ديباجته لإشارات لما أسماه الدور السلبي للدول القومية في قمع الشعوب في سوريا والشرق الأوسط"، بالإضافة إلى اعتقاده بأن" الدولة الفدرالية ستكون الحل بإعطاء كل الشعوب ضمن هذه الدول التي تعيش حروباً داخلية"، كما وتركز الديباجة على إيراد الاختلافات الأثنية والدينية والتي يجب أن تصل للمساواة في الحقوق وفرص اتخاذ القرار وصناعته

([18]) نص مشروع دستور اقليم كوردستان – العراق، موقع حكومة اقليم كوردستان، التاريخ 24/09/2006م، الرابط: http://goo.gl/Vcc04j

([19]) الكشف عن العقد الاجتماعي للفيدرالية الديمقراطية لروج آفا – شمال سورية، وكالة فرات للأنباء، التاريخ، 01/07/2016 الرابط: http://goo.gl/vnxd4f

([20]) حيث ورد في الباب السابع عشر من المادة 104 كيفية فتح الاقليم للمكاتب الخاصة بشؤونه الثقافية والاجتماعية ضمن السفارات العراقية: "إصدار مرسوم بتأسيس المكاتب الخاصة بالإقليم للشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية في السفارات والبعثات الدبلوماسية العراقية في الخارج وللمزيد راجع نص مشروع دستور اقليم كوردستان، مرجع سابق، الرابط: http://goo.gl/Vcc04j

([21]) ويرى ديبو بإن المجتمع غادر طبيعته الأيكولوجية (أي احترامه للطبيعة و الأيكولوجيا هي فرع من علم الاحياء يدرس العلاقات بين الكائنات الحية و بيئتها) ونتج عنه "معاداة وفراق أو طلاق للحق الأمومي أو ثقافة الإلهة الأم، وإحلال السلطة الذكورية بدلاً منه من خلال الملكية والثروة والسلطة"، و يعتبر سيهانوك إن الأديان التوحيدية عجزت عن توحيد البشر وايقاف شلالات الدماء التي اريقت في الحروب بين بني البشر ولذا يرى ضرورة بالعودة لفلسفة الإلهة الأم ( " ومن حيث أن تاريخ البشري يبدأ من ثقافة الإلهة الأم وليست من أديان التوحيد، كون التاريخ يؤدي دوراً نشوئياً وتكوينياً، ليس لأجلِ المجتمع البشريِّ وحسب، بل ولكافة الكيانات الكونية؛ يُعَدُّ حقيقة أَجمعت عليها جميع العلوم. والتاريخ والعلوم بمجملها بدأت في العهد النيوليتي وبالأخص في عهد تل حلف (6000– 4000 ق.م). ومساهماتُ الإلهة المرأة – الأم أمر محدِّدٌ في هذه المرحلة. إذ يجب استيعاب الدور التعليمي الأول والأصل للنساء– الأمهات " للمزيد أنظر مقالته: كُردٌ اِسْتَهْدَوا؛ مكوناتٌ ليست بالتائهة؛ التاريخ بدأ من الإلهة الأم إنه العقد الاجتماعي المُحَصّن، موقع حزب الاتحاد الديمقراطي، التاريخ 09 /07/2016م، الرابط: http://goo.gl/paE05N

([22]) د. محمد حبش: فأين تذهبون؟ قراءة في العقد الاجتماعي لروج آفا، كلنا شركاء، التاريخ 04/07/2016 الرابط: http://goo.gl/Mg8PX6

([23]) النظام الاتحادي الديمقراطي الجديد في شمال سورية، موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، التاريخ 27/04/2016، الرابط: http://goo.gl/cgBPGk

([24]) بالفيديو خبراء: الأكراد يفتتون سورية بـ "فيدرالية روج آفا"، موقع مصر العربية، التاريخ 20/07/2016م، الرابط: http://goo.gl/47RS47

([25]) صلاح بدر الدين: العقد الحزبي الباطل، موقع رابطة المستقلين الكرد السوريين، التاريخ 11/07/2016م، الرابط http://goo.gl/y6vC7Z

([26]) خالد خوجة: إعلان فيدرالية روج آفا مرحلة متقدمة من عملية تفتيت سورية، موقع عيون الخليج، الرابط: http://goo.gl/YZsGjR

([27]) "الوطني الكوردي": دستور الادارة الذاتية يجد في كوردستان خطرا على المنطقة، موقع كوردستان24، التاريخ 12/07/2016، الرابط http://goo.gl/NIxhdD

([28]) مصدر سابق، الرابط: http://goo.gl/47RS47

([29]) المجلس الكردي يكشف تفاصيل ورشته القانونية في جنيف بسويسرا، موقع آرانيوز، التاريخ 17/07/2016م، الرابط: http://goo.gl/N0RCbJ

([30]) تصريح من وفد المجلس الوطني الكردي في سوريا المشارك في ورشة العمل في جنيف، موقع تيار المستقبل الكردي في سوريا، التاريخ، 05/07/2016م، الرابط: http://goo.gl/mv4lmD

([31]) نص الوثيقة الكردية الخاصة الموقعة بين الائتلاف والمجلس الوطني الكوردي، موقع شفاف الشرق الأوسط، التاريخ: 17/03/2014م، الرابط: http://goo.gl/ogU982

التصنيف أوراق بحثية
الإثنين تشرين1/أكتوير 23
يعمل هذا الكتاب على بلورة الشروط المعرفية والسياسية والاجتماعية والتقنية المؤثرة في عملية التغيير الأمني، واتّساقها مع الظرف السوري الراهن، وبالتالي القدرة على تصدير رؤية تنفيذية تراعي الضرورات الوطنية وتخرج…
نُشرت في  الإصدارات 
الجمعة آذار/مارس 31
أصدر مركز عمران كتابه السنوي الثالث الذي يتزامن مع بداية العام السابع من الزلزال السوري بعنوان "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، هادفاً إلى تقديم قراءة منهجية لأهم متغيرات الملف…
نُشرت في  الإصدارات 
الثلاثاء آذار/مارس 15
تزامناً مع الذكرى الخامسة لانطلاق الثورة السورية، يطلق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية كتابه السنوي الثاني، متضمناً عدة دراسات تعنى بأهم تحولات وتحديات الملف السوري، من إعداد مسارات المركز الثلاثة السياسة…
نُشرت في  الإصدارات 
ساشا العلو
ملخصٌ تنفيذيّ عكست الضربات الأمريكية الأوروبية بمحدوديتها وطبيعة المواقع التي استهدفتها فعلاً عسكرياً تأديبياً لنظام…
الجمعة نيسان/أبريل 20
نُشرت في  أوراق بحثية 
مناف قومان
ملخص تنفيذي تمكنت طهران من خلال تموضعها الاقتصادي الجديد بعد الثورة من رفع سوية علاقاتها…
الأربعاء نيسان/أبريل 04
نُشرت في  أوراق بحثية 
معن طلَّاع, نوار أوليفر
الملخص التنفيذي استطاعت موسكو أن تلغي "منطق السيطرة" من حسابات المعارضة ومكّنت نظام الأسد عسكرياً…
الجمعة آذار/مارس 16
نُشرت في  أوراق بحثية 
ساشا العلو
مُلخّصٌ تنفيذيّ تبدو حملة موسكو والنظام على الغوطة الشرقية مغامرة سياسية وعسكرية، تستند إلى افتراض…
الأربعاء آذار/مارس 07
نُشرت في  أوراق بحثية